حديثٌ ثانيَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: بينما النّاسُ بقُباءٍ في صَلاةِ الصُّبح، إذ جاءَهُم آتٍ، فقال: إنَّ رسُول اللَّه -ﷺ- قَدْ أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قُرآنٌ، وقَدْ أُمِرَ أن يَسْتقبِلَ الكَعْبةَ، فاسْتَقبِلُوها. وكانَتْ وُجُوهُهُم إلى الشّام، فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبةِ.
(^٢) هكذا رَوى هذا الحديثَ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ (^٣)، إلّا عبدَ العزيزِ بن يحيى، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. والصَّحيحُ ما في "المُوطَّأ": مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، واللَّه أعلمُ.
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على قبُولِ خَبرِ الواحِدِ، وإيجابِ الحُكم والعَملِ به، لأنَّ الصَّحابةَ ﵃، قدِ اسْتَعملُوا خَبرهُ، وقَضَوْا به، وتركُوا قِبلةً كانوا عليها، لخبرِهِ، وهُو واحِدٌ، ولم يُنكِر ذلك عليهم رسُولُ اللَّه -ﷺ-، ولا أنْكَرهُ واحِدٌ منهُم، وحَسْبُكُ بمِثلِ هذا قُوّةً من عَملِ القَرْنِ المُختارِ، خيرِ القُرُونِ، وفي حياةِ الرَّسُولِ -ﷺ-.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٧١ (٥٢٤).
(٢) هذه الفقرة لم ترد في ي ١.
(٣) رواه عن مالك: أبو مصعب الزهري (٥٤٦) ومن طريقه ابن حبان (١٧١٥) والبغوي (٤٤٥)، وإسحاق بن عيسى الطباع عند أحمد ١٠/ ١٥٨ (٥٩٣٤)، وإسماعيل بن أبي أويس عند البخاري (٧٢٥١)، وسويد بن سعيد (١٧٨)، والضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل عند ابن خزيمة (٤٣٥)، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي ١١٧، ومن طريقه الجوهري (٤٦٦) والبيهقي ٢/ ١١، وعبد اللَّه بن وهب عند أبي عوانة ١/ ٢٩٤، وعبد اللَّه بن يوسف التنيسي عند البخاري (٤٠٣)، وقتيبة بن سعيد عند البخاري (٤٤٩٤) ومسلم (٥٢٦) (١٣) والنسائي ١/ ٢٤٤ و٢/ ٦١ وفي الكبرى (٨٥٩)، والشافعي في الرسالة (٣٦٥) وفي الأم ١/ ٩٤ وفي السنن (٣٥) وفي المسند ١/ ٦٤ - ٦٥ ومن طريقه أبو عوانة ١/ ٣٩٤ والبيهقي ٢/ ٢، ومحمد بن الحسن الشيباني (٢٨٣)، ويحيى بن بكير عند البيهقي ٢/ ١١، ويحيى بن قزعة عند البخاري (٤٤٩١).
[ ١٠ / ٤١٨ ]
ورُوِيَ أنَّ الآتيَ المُخبِرَ لهم بما في هذا الحديثِ، هُو عبّادُ بن بِشرٍ.
رَوَى إبراهيمُ بن حَمْزةَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن جَعْفرِ بن محمُودِ بن محمدِ (^١) بن مَسْلمةَ الأنصاريُّ، عن أبيه، عن جَدَّتِهِ نُوَيْلةَ (^٢) بنتِ أسلمَ، وكانت من المُبايِعاتِ، قالت: كُنّا في صَلاةِ الظُّهرِ، فأقبلَ عبّادُ بن بِشرِ بن قَيْظيٍّ، فقال: إنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قدِ اسْتَقبلَ الكَعْبةَ -أو قال: البيتَ الحَرامَ- فتَحوَّل الرِّجالُ مكانَ النِّساءِ، وتحوَّلَ النِّساءُ مكانَ الرِّجالِ (^٣).
وفيه: أنَّ القُرآن كان يَنزِلُ على رسُولِ اللَّه -ﷺ- شيئًا بعدَ شيءٍ، وفي حالٍ بعدَ حالٍ، على حسَبِ الحاجةِ إليه، حتّى أكمَلَ اللَّهُ دينَهُ، وقَبَضَ رسُولَهُ -ﷺ-، وإنَّما أُنزِلَ القُرآنُ جُملةً واحِدةً ليلةَ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، ثُمَّ كان ينزِلُ به جِبريلُ ﵇، نَجْمًا بعدَ نجم، وحِينًا بعدَ حينٍ، قال اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] يعني القُرآنَ. قالوا: إلى سماءِ الدُّنيا. وقال ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
_________________
(١) قوله: "بن محمد" سقط من ف ٣. انظر: التاريخ الكبير للبخاري ١/ ٢٧٨، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ٩١.
(٢) هكذا في النسخ أوله نون، وجاء في بعض مصادر التخريج أوله بالتاء ثالث الحروف، وكلاهما وارد، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ٨/ ٣٤: "تويلة -بالتصغير- بنت أسلم. . . وقيل أولها نون وستأتي. ثم قال في حرف النون: "نويلة بنت أسلم، أو مسلم الأنصارية الحارثية، ويقال: أولها مثناة فوقانية. . . وهذه التي بالنون رواية إسحاق بن إدريس عن جعفر بن محمود، والتي تقدمت رواية إبراهيم بن حمزة، وهو أوثق". الإصابة ٨/ ٢٠١. قال بشار: فالمفروض أن تكون هنا بالتاء المثناة لأنها من رواية إبراهيم بن حمزة، على أننا أثبتنا ما في النسخ.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٦١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٧ (٧٣)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٠٧ (٥٣٠) من طريق إبراهيم بن حمزة، به.
[ ١٠ / ٤١٩ ]
وهذا الحديثُ أصلٌ في كلِّ من صلَّى على حالٍ، ثُمَّ تَغيَّرت به حالُهُ تلك قبلَ أن يُتِمَّ صلاتهُ، أنَّهُ يُتِمُّها، ولا يقطعُها ليَستأنِف غيرها، ويُجزئه ما مَضَى منها، وما أتمَّهُ على غيرِ سُنَّتِهِ.
كمَنْ صلَّى عُريانًا، ثُمَّ وجدَ ثوبًا في الصَّلاةِ، أوِ ابْتَدأ صلاتهُ صحيحًا، فمرِضَ، أو مَرِيضًا فصحَّ، أو قاعِدًا، ثُمَّ قدرَ على القيام.
وفي هذه المسائلِ، وفيمَنْ طرأ الماءُ عليه في الصَّلاةِ، تنازُعٌ بين العُلماءِ قد بيَّناهُ في غيرِ هذا الموضِع، والحَمدُ للَّه.
وفيه: دليلٌ على أنَّ بيتَ المَقدِسِ كان رسُولُ اللَّه -ﷺ- وأصحابُهُ يُصلُّونَ إليه إذ قَدِمُوا المدينةَ، وذلك بأمرِ اللَّه لهم بذلك لا محالةَ، ثُمَّ نسَخَ اللَّهُ ذلك، وأمرَهُ أن يَسْتقبِلَ بصلاتِهِ الكَعْبةَ، وكان رسُولُ اللَّه -ﷺ- يُريدُ ذلك، ويَرْفعُ طرفهُ إلى السَّماءِ فيه، فأنزلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآيةَ [البقرة: ١٤٤].
وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ في أحكام اللَّه ﷿ ناسِخًا ومَنسُوخًا، على حسَبِ ما ذكَرَ في كِتابِهِ، وعلى لسانِ رسُولِهِ.
واجتمعَتْ على ذلك أُمَّتُهُ -ﷺ-، فلا وجهَ للقولِ في ذلك، وقد مَضَى من البيانِ فيه ما يُغني ويكفي، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.
أخبَرنا خلَفُ بن أحمدَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا عليُّ بن معبدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن خالدٍ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوَرْدِ، قال:
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن خالدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عنِ البَراءِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- لمّا قدِمَ المدينةَ صلَّى قِبلَ بَيْتِ المقدِسِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُعجِبُهُ أن تكونَ قِبلتُهُ البيتَ، وأنَّهُ صلَّى أوَّل صَلاةٍ صلّاها، صلاةَ العَصْرِ، وصلَّى معهُ قومٌ، فخرَجَ رجُل مِمَّن كان صلَّى معهُ، فمرَّ على أهلِ مَسْجِدٍ، فقال: أشْهَدُ باللَّه لقد صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه -ﷺ- قِبلَ مَكّةَ. فدارُوا كما هُم قِبلَ البيتِ، وكانتِ اليَهُودُ أعْجَبهُم، إذ كان يُصلِّي إلى بيتِ المقدِسِ، فلمّا ولَّى وجهَهُ قِبلَ البيتِ، أنْكَرُوا ذلك. وذكرَ تمامَ الحديثِ (^١).
قال عليُّ بن مَعبدٍ: وأخبَرنا أحمدُ بن البَخْتريِّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عُمارةُ بن زاذانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: حُوِّل النَّبيُّ ﵇ من بيتِ المقدِسِ إلى الكعبةِ، وهُو راكِعٌ، فاسْتَدارَ في رُكُوعِهِ، واسْتقبَلَ الكَعْبةَ (^٢).
وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ شأنَ القِبلةِ أوَّلُ ما نُسِخَ من القُرآنِ.
وأجمعُوا أنَّ ذلك كان بالمدينةِ، وأنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- إنَّما صُرِفَ عنِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المقدِسِ، وأُمِر بالصَّلاةِ إلى الكعبةِ بالمدينةِ.
_________________
(١) أخرجه ابن مندة في الإيمان (١٦٧) من طريق محمد بن عمرو بن خالد، به. وأخرجه البخاري (٤٠)، والبغوي في معالم التنزيل ١/ ١٦٢، من طريق عمرو بن خالد، به. وأخرجه ابن سعد في طبقاته ١/ ٢٤٣، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٥٨١)، وأحمد في مسنده ٣٠/ ٤٥٣ - ٤٥٤ (١٨٤٩٦)، وابن الجارود في المنتقى (١٦٥)، والطبري في تفسيره ٣/ ١٣٤ (٢١٥٣)، وأبو عوانة (١١٦٥)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٢، ٣، من طريق زهير، به. وانظر: المسند الجامع ٣/ ٩٣ (١٦٩٧).
(٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٤٠٦) من طريق مؤمل بن إسماعيل، به.
[ ١٠ / ٤٢١ ]
واختَلفُوا في صَلاتِهِ -ﷺ- حينَ فُرِضَتْ عليه الصلاةُ بمكّةَ: هل كانت إلى بَيْتِ المقدِسِ، أو إلى مكّةَ؟
فقالت طائفةٌ: كانت صلاتُهُ إلى بيتِ المقدِسِ، من حينَ فُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ بمكّةَ، إلى أن قدِمَ المدينةَ، ثُمَّ بالمدينةِ سَبعةَ (^١) عشرَ شهرًا، أو نحوها، حتّى صَرفهُ اللَّه إلى الكَعْبةِ.
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا وجيهُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا بكّارُ بن قُتيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه -ﷺ- يُصلِّي نحو بيتِ المَقْدِسِ وهُو بمكّةَ، والكعبةُ بينَ يَديهِ، وبعدَما هاجَرَ إلى المدينةِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبةِ (^٢).
وقال آخرُونَ: إنَّما صلَّى رسُولُ اللَّه -ﷺ- أوَّل ما افتُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ إلى الكَعْبةِ، ولم يَزَل يُصلِّي إلى الكَعْبةِ طُولَ مُقامِهِ بمكّةَ.
ثُمَّ لمّا قدِمَ المدينةَ، صلَّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ثمانيةَ عشَرَ شهرًا، أو سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صرَفَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبةِ.
وسَنذكُرُ الرِّوايةَ بذلك عمَّن قالهُ، في هذا البابِ إن شاءَ اللَّه.
أخبَرنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا الحسنُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داود، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قال ابنُ عبّاسٍ -وسُئلَ عن قَولِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقولِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي
_________________
(١) في ي ١: "ثمانية عشر".
(٢) سلف بإسناده في شرح الحديث الأول لابن شهاب، عن عروة، وهو في الموطأ ١/ ٣٣ (١)، وانظر تخريجه في هناك.
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهُو يَنزِلُ في غَيرِهِ- فقال: نزَلَ به جِبريلُ ﵇ جُملةً واحِدةً، ثُمَّ كان يَنزِلُ منهُ في الشُّهُورِ (^١).
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٢): أخبَرنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قولُهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: نزلَ القُرآنُ جُملةً واحِدةً في لَيْلةِ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، فكانَ اللَّهُ ﵎ يُنزِّلُ على رسُولِهِ -ﷺ- بعضَهُ في إثرِ بعضٍ، قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
قال أبو عُمر: ورُوي عن عِكرِمةَ، في قَولِ اللَّه ﷿: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قال: القُرآنُ نزلَ جُملةً واحِدةً، فوُضِعَ مواقِعَ النُّجُوم، فجعَلَ جِبريلُ ﵇ ينزِلُ بالآيةِ، والآيتَينِ (^٣).
وقال غيرُهُ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: بمساقِطِ نُجُوم القُرآنِ كلِّها، أوَّلهِ وآخِرِهِ.
ومِن الحُجّةِ لهذا القولِ، قولُهُ ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ الآياتِ [الواقعة: ٧٦ - ٧٧].
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٤): أخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: أخبَرنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ،
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٣/ ٤٤٧ (٢٨٢١) من طريق ابن جريج، به. وأخرجه أيضًا ٣/ ٤٤٨ (٢٨٢٢) من طريق مقسم عن ابن عباس، به.
(٢) في السنن الكبرى ١٠/ ٣٤١ (١١٦٢٥). وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١١٨)، والطبري في تفسيره ٢٤/ ٥٣٢، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٢٢، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٣٠٦، وفي دلائل النبوة ٧/ ١٣١، من طريق جرير، به.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٣/ ١٤٧.
(٤) في السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٧ (١١٥٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٢٥٠) من طريق حُصين، به.
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
عن أبي عَوانةَ، عن حُصينٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: نزلَ القُرآنُ جميعًا في لَيْلةِ القدرِ إلى السَّماءِ الدُّنيا (^١)، ثُمَّ فُصِّلَ، فنزلَ في السِّنينَ، وذلك قولُهُ ﷿: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].
وأمّا شأنُ القِبلةِ، فأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٢): أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدَّثنا بهزٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن أَنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- وأصحابَهُ كانوا يُصلُّونَ نحوَ بيتِ المقدِسِ، فلمّا نزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مرَّ رجُلٌ من بني سَلِمةَ، فناداهُم وهُم رُكُوع في صَلاةِ الفَجْرِ: ألا إنَّ القِبلةَ قد حُوِّلَتْ إلى الكَعْبةِ. فمالُوا رُكُوعًا.
وذكرَ سُنيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُريج، قال: قال ابنُ عبّاس: كان النَّبيُّ -ﷺ- يَسْتقبِلُ صَخْرةَ بيتِ المقدِسِ فأوَّلُ آيةٍ نُسخَتْ من القُرآنِ القِبْلةُ، ثمَّ الصِّيامُ الأوَّلُ. قال ابنُ جُريج: صلَّى أوَّلَ ما صلَّى إلى الكَعْبةِ، ثمَّ صُرِفَ إلى بيتِ القدسِ، فصَلَّتِ الأنصارُ نحوَ بَيْت المقدسِ (^٣) قبلَ قُدُومِهِ -ﷺ- ثلاثَ حِجَج، وصلَّى بعدَ قُدُومِهِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ وجَّههُ اللَّهُ ﵎ إلى البيتِ الحرام (^٤).
قال أبو عُمر: من حُجّةِ الذينَ قالوا: إنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- إنَّما صلَّى إلى بيتِ المقدِسِ بالمدينةِ، وأنَّهُ إنَّما كان يُصلِّي بمكّةَ إلى الكعبةِ:
_________________
(١) هذه اللفظة سقطت من ي ١.
(٢) في السنن الكبرى ١٠/ ١٩ (١٠٩٤١). وأخرجه ابن خزيمة (٤٣٠) من طريق بهز، به. وأخرجه ابن سعد في طبقاته ١/ ٢٤٢، وأحمد في مسنده ٢١/ ٤٢٩ (١٤٠٣٤)، ومسلم (٥٢٧)، وأبو داود (١٠٤٥)، وابن خزيمة (٤٣١)، وأبو يعلى (٣٨٢٦)، وأبو عوانة (١٥٣٩)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ١١، من طريق حماد بن سلمة، به. وانظر: المسند الجامع ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٣٥٢).
(٣) من قوله: "فأول آية" إلى هنا سقط من م.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٣/ ١٣٩ (٢١٦١) من طريق سنيد، به. دون قول ابن عباس.
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عنِ البَراءِ بن عازِبٍ، قال: لمّا قدِمَ النَّبيُّ -ﷺ- المدينةَ صلَّى نحوَ بَيْتِ المقدِسِ سِتّةَ عشَرَ، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُحِبُّ أن يُوجَّه إلى الكَعْبةِ، فأنزلَ اللَّه ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوُجِّه نحوَ الكعبةِ، وكان يُحِبُّ ذلك (^١).
فظاهِرُ هذا الخبرِ يدُلُّ على أنَّهُ لمّا قدِمَ المدينةَ صلَّى إلى بَيْتِ المقدِسِ، لا قبلَ ذلك، واللَّه أعلمُ.
ويدُلُّ على ذلك أيضًا: ما حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان أوَّلُ ما نسَخَ اللَّهُ من القُرآنِ القِبلةَ، وذلك أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- لمّا هاجَرَ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهُودُ، أمرَهُ اللَّهُ أن يَسْتقبِلَ بيتَ المقدِسِ، ففرِحتِ اليهُودُ، فاستَقبلَها رسُولُ اللَّه -ﷺ- بضعةَ (^٢) عشَرَ شهرًا، وكان رسُولُ اللَّه -ﷺ- (^٣) يُحِبُّ قِبلةَ إبراهيمَ، وكان يَدْعُو اللَّهَ، وينظُرُ إلى السَّماءِ، فأنزلَ اللَّه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني: نحوَهُ. فارتابَ اليهُودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣٠/ ٦٣٥ (١٨٧٠٧)، والبخاري (٧٢٥٢)، والترمذي (٣٤٠، ٢٩٦٢)، وابن خزيمة (٤٣٣)، وابن حبان ٤/ ٦١٧ - ٦١٨ (١٧١٦)، والبغوي في شرح السنة (٤٤٤) من طريق وكيع، به. وانظر: المسند الجامع ٣/ ٩٣ - ٩٤ (١٦٩٧).
(٢) في ي ١: "تسعة".
(٣) قوله: "وكان رسول اللَّه -ﷺ-" سقط من ي ١.
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^١) [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال ابنُ عبّاس: ليَمِيزَ أهلَ اليَقينِ من أهلِ الشَّكِّ (^٢).
وأجمعَ العُلماءُ أنَّ القِبلةَ التي أمرَ اللَّهُ نبيَّهُ وعِبادَهُ بالتَّوجُّهِ نحوها في صَلاتِهِم، هي الكعبةُ، البيتُ الحرامُ بمكّةَ، وأنَّهُ فرضٌ على كلِّ من شاهَدَها وعايَنَها اسْتِقبالُها وأنَّهُ إن تركَ اسْتِقبالَها (^٣)، وهُو مُعايِنٌ لها، أو عالِمٌ بجِهَتِها، فلا صلاةَ لهُ، وعليه إعادةُ كلِّ ما صلَّى كذلك.
وأجمعُوا على (^٤) أنَّهُ من صلَّى إلى غيرِ القِبلةِ من غيرِ اجتِهادٍ حَملهُ على ذلك، أنَّ صَلاتهُ غيرُ مُجزِئةٍ عنهُ، وعليه إعادتُها إلى القِبلةِ، كما لو صلَّى بغيرِ طَهارةٍ.
وفي هذا المعنى حُكمُ من صلَّى في مَسْجِدٍ يُمكِنُهُ طلبُ القِبْلةِ فيه بالمِحرابِ وشِبههِ، فلم يَفْعل، وصلَّى إلى غَيرِها.
وأجمعُوا على أنَّ على كلِّ من غابَ عنها، أن يَسْتقبِلَ ناحيتَها وشَطْرَها وتلْقاءَها، وعلى أنَّ على من خَفِيت عليه ناحيتُها، الاسْتِدلالُ عليها بكلِّ ما يُمكِنُهُ من النُّجُوم، والجبالِ، والرِّياح، وغيرِ ذلك، مِمّا يُمكِنُ أن يُستَدلَّ به على ناحيتِها.
وفي حديثِ هذا الباب دَليلٌ على أنَّ من صلَّى إلى القِبْلةِ عندَ نفسِهِ باجتِهادِهِ، ثُمَّ بانَ لهُ، وهُو في الصَّلاةِ أنَّهُ اسْتَدبرَ القِبلةَ، أو شَّرقَ، أو غرَّبَ، أنَّهُ يَنْحرِفُ ويَبْني.
_________________
(١) في الأصل، ي ١، م: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] بدل: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وهذه آية أخرى، والاستدلال بما في المتن.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣/ ١٦٠ (٢٢٠٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٨، ٢٥٣ (١٣٢٩، ١٣٥٥)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ، ص ٧١، والبيهقي في الكبرى ٢/ ١٢ من طريق عبد اللَّه بن صالح، به.
(٣) قوله: "وأنه إن ترك استقبالها" سقط من الأصل، قفز نظر.
(٤) حرف الجر "على" لم يرد في ي ١.
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
وإنَّما قلتُ: إنَّ الاستِدبارَ، والتَّشريقَ، والتَّغريبَ، سواءٌ، لأنَّ بيتَ المقدِسِ لا يَكادُ أن يَسْتقبِلَهُ إلّا منِ اسْتَدبرَ الكعبةَ، وذلك بدليلِ حديثٍ ابنِ عُمرَ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- مُسْتقبِلَ الكَعْبةِ، مُسْتدبِرَ بيتِ المقدِسِ لحاجتِهِ (^١).
وهذا موضِعٌ فيه اختِلافٌ كثيرٌ، وباللَّه التَّوفيقُ.
واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ غابت عنهُ القِبلةُ، فصلَّى مُجتهِدًا كما أُمِرَ، ثُمَّ بانَ لهُ بعد فراغِهِ من الصَّلاةِ: أنَّهُ قد أخطأ القِبلةَ، بأنِ اسْتَدبرَها، أو شرَّقَ، أو غرَّبَ عنها، أو بانَ لهُ ذلك وهُو في الصَّلاةِ (^٢).
فجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ من صلَّى مُجتهِدًا على قَدْرِ طاقتِهِ، طالِبًا للقِبلةِ وناحِيَتِها، إذا خَفيَتْ عليه، ثُمَّ بانَ لهُ بعدَ صلاتِهِ، أنَّهُ قدِ اسْتَدبرَها: أنَّهُ يُعيدُ ما دامَ في الوَقتِ، فإنِ انصرمَ الوقتُ، فلا إعادةَ عليه، والوقتُ في ذلك للظُّهرِ، والعَصْرِ، ما لم تصفرَّ الشَّمسُ.
وقد رُوي عن مالكٍ أيضًا: أنَّ الوقتَ في ذلك: ما لم تغرُبِ الشَّمسُ، وفي المغرِبِ والعِشاءِ ما لم ينفجِرِ الصُّبحُ، وفي صلاةِ الصُّبح، ما لم تطلُع الشَّمسُ.
وقال بعضُ أصحابِ مالكٍ: ما لم تَصفرَّ (^٣) جِدًّا. والأوَّلُ أصحُّ. فإن عَلِمَ أنَّهُ اسْتَدبرها، وهُو في صلاتِهِ، أو شرَّقَ أو غرَّبَ، قطَعَ وابتدأ، وإن لم يُشرِّق ولم يُغرِّب، ولكِنَّهُ انحرفَ انحِرافًا يسيرًا، فإنَّهُ ينحرِفُ إلى القِبلةِ إذا علِمَ، ويتمادى ويُجزِئُهُ، ولا شيءَ عليه.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٦٩ (٥٢١).
(٢) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ١/ ٢٢٠ و٣/ ١٦، والأم للشافعي ١/ ١١٥، والمدونة ١/ ١٨٤، ومسائل أحمد وإسحاق للكوسج ٢/ ٦٣٩ (٢٨٩)، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٨٧، ومنه نقل المؤلف الأقوال الآتية.
(٣) في ي ١: "يُسفر".
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
قال أشهبُ (^١): سُئلَ مالكٌ عمَّن صلَّى إلى غيرِ قِبلةٍ. فقال: إن كان انحرَفَ انحِرافًا يسيرًا، فلا أرَىَ عليه إعادة، وإن كان انحرَفَ انحِرافًا شديدًا، فأرَىَ عليه الإعادةَ ما كان في الوَقتِ.
وقال الأوزاعيُّ: من تحرَّى فأخطَأ القِبلةَ، أعادَ ما دامَ في الوقتِ، ولا يُعيدُ بعدَ الوَقتِ.
وقال الثَّوريُّ: إذا صلَّيتَ لغيرِ القِبلةِ، فقد أجزأكَ إذا لم تعمَّدْ ذلك، وإن كنتَ (^٢) صلَّيتَ بعضَ صلاتِكَ لغيرِ القِبلةِ، ثُمَّ عرفتَ القِبلةَ بعدُ، فاسْتقبِلِ القِبلةَ ببقيّةِ صَلاتِكَ، واحتسِبْ بما صلَّيتَ.
(^٣) وقال الشّافِعيُّ: إذا صلَّى إلى الشَّرقِ، ثُمَّ رأى القِبلةَ إلى الغربِ، استأنفَ، فإن كان شرَّقَ أو غرَّب مُتَحرِّفًا، ثُمَّ رأى أنَّهُ مُتَحرِّفٌ، وتلك جِهةٌ واحِدةٌ، فإنَّ عليه أن ينحرِفَ، ويعتدَّ بما مَضَى.
وذكر الرَّبيعُ، عنِ الشّافِعيِّ، قال: ولو دخلَ في الصَّلاةِ على اجتِهادٍ، ثُمَّ رأى القِبلةَ في غيرِ النّاحيةِ التي صلَّى إليها، فإن كان مُشرِّقًا، أو مُغرِّبًا، لم يعتدَّ بما مَضَى من صلاتِهِ، وسلَّمَ واستقبلَ الصَّلاةَ على ما بانَ لهُ واسْتَيقنهُ، وإن رأى أنَّهُ انحرفَ، لم يُلْغِ شيئًا من صلاتِهِ، لأنَّ الانحِرافَ ليسَ فيه يَقِينُ خَطَأ، وإنَّما هُو اجتِهادٌ لم يَرْجِع منهُ إلى يَقينٍ، وإنَّما رجعَ من دَلالةٍ إلى اجتِهادٍ مِثلِها.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: من تحرَّى القِبلةَ فأخْطَأ، ثُمَّ بانَ لهُ ذلك، فلا إعادةَ عليه في وَقْتٍ، ولا غير.
قالوا: ولهُ أن يَتَحرَّى القِبلةَ، إذا لم يكُن على يَقينِ عِلْمٍ من جِهتِها.
_________________
(١) قوله: "أشهب" سقط من ي ١.
(٢) في ي ١: "شئت" وفي م: "جهلت و". انظر: الاستذكار ٢/ ٤٥٦.
(٣) هذه الفقرة لم ترد في ي ١.
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
فإن أخطأ قومٌ القِبلةَ، وقد تَعمَّدُوها، فصلَّوا ركعةً، ثُمَّ علِمُوا بها، صَرفُوا وُجُوههُم فيما بَقِيَ من صلاتِهِم إلى القِبلةِ، وصلاتُهُم تامّةٌ، وكذلك لو أتمُّوا، ثُمَّ علِمُوا بعدُ، لم يُعيدُوا.
وقال الطَّبريُّ: من تحرَّى فأخَطَأ القِبلةَ، أعادَ أبدًا إذا اسْتَدبرها. وهُو أحدُ قولي الشّافِعيِّ.
قال أبو عُمر: النَّظرُ في هذا البابِ، يَشْهدُ أنْ لا إعادةَ على من صلَّى إلى القِبلةِ عندَ نفسِهِ مُجتهِدًا، لخفاءِ ناحيتِها عليه؛ لأنَّهُ قد عمِلَ ما أُمِرَ به، وأدَّى ما افتُرِضَ عليه منِ اجتِهابٍ بطلبِ الدَّليلِ على القِبْلةِ، حتّى حَسِبَ أنَّهُ مُسْتقبِلُها، ثُمَّ لمّا صلَّى بانَ لهُ خَطؤُهُ.
وقد كان العُلماءُ مُجمِعينَ على أنَّهُ قد فعَلَ ما أُبِيحَ لهُ فِعلُهُ، بل ما لزِمهُ، ثُمَّ اختلفُوا في إيجابِ القَضاءِ عليه، إذا بان لهُ أنَّهُ أخطأ القِبلةَ، وإيجابُ الإعادةِ إيجابُ فرْضٍ، والفرائضُ تثبُتُ إلّا بيقينٍ لا مَدْفعَ لهُ.
ألا تَرى إلى إجماعِهِم فيمَنْ خَفِي عليه موضِعُ الماءِ (^١)، فطَلَبهُ جهدَهُ، ولم يجِدهُ فتيمَّمَ وصلَّى، ثُمَّ وجدَ الماءَ: أنَّهُ لا شيءَ عليه، لأَنَّهُ قد فعلَ ما أُمِر به؟
(^٢) وأمّا قولُ من رأى عليه الإعادةَ في الوقتِ وبعدهُ، قياسًا على من صلَّى بغيرِ وُضُوءٍ، فليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ هذا ليسَ بمَوضِع اجتِهادٍ في الوُضُوءِ، إلّا عندَ عَدمِهِ، فإنَّهُ يُؤمَرُ بالاجتِهادِ في طَلبِهِ، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ.
وأمّا قولُ من قال: يُعيدُ ما دامَ في الوَقتِ. فإنَّما هُو اسْتِحبابٌ؟ لأنَّ الإعادةَ لو وجبَتْ عليه، لم يُسقِطها خُرُوجُ الوَقتِ.
وهذا واضِحٌ يُسْتَغْنَى عنِ القولِ فيه.
_________________
(١) من هنا إلى قوله: "الماء" سقط من ي ١، قفز نظر.
(٢) هذه الفقرة سقطت كلها من ي ١.
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
وكذلك يشهدُ النَّظرُ لقولِ من قال في المُنحرِفِ عنِ القِبْلةِ يمينًا أو شِمالًا، ولم يَكُنِ انْحِرافُهُ ذلك فاحِشًا، فيُشرِّقُ أو يُغرِّبُ: أنَّهُ لا شيءَ عليه؛ لأنَّ السِّعةَ في القِبْلةِ لأهلِ الآفاقِ مَبْسُوطةٌ مَسْنُونةٌ.
وهذا معنى قولِ رسُولِ اللَّه -ﷺ- وقولِ أصحابِهِ: "ما بين المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ" (^١).
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^٢): حدَّثنا مُعلَّى (^٣) بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرٍ، عن عُثمانَ بن محمدٍ الأخْنَسيِّ (^٤)، عنِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ".
أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن عُبيدِ (^٥) اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال عُمرُ: ما بينَ المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ (^٦).
_________________
(١) انظر تخريجه في الذي بعده.
(٢) في المصنَّف (٧٥١٨). وأخرجه الترمذي (٣٤٤) من طريق معلى بن منصور، به. وأخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ٢٤١، و٩/ ٦٧ (٧٩٠، ٩١٤٠) من طريق عبد اللَّه بن جعفر، به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) في ي ١: "يعلى"، محرّف. وهو أبو يعلى، معلى بن منصور الرازي. انظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٩١.
(٤) في ف ٣: "الأحبسي"، وهو تصحيف. وهو عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق، الثففي الأخنسي. انظر: الأنساب للسمعاني ١/ ٩٧، وتهذيب الكمال للمزي ١٩/ ٤٨٨.
(٥) في ي ١، م: "عن عبد اللَّه"، محرّف.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٣٦٣٣، ٣٦٣٤)، وابن أبي شيبة (٧٥٠٩)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٩، من طريق عبيد اللَّه بن عمر، به. وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٧٢ (٥٢٦) عن نافع، به.
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
قال (^١): وحدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن محمدِ بن فضاءٍ (^٢)، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ عُثمان، يقولُ: كيفَ يُخطِئُ الرَّجُلُ الصَّلاةَ وما بينَ المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ، ما لم يتحرَّ الشَّرقَ عَمدًا؟
قال: وحدَّثنا الفَضْلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ، عن عليٍّ، قال: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ (^٣).
قال: وحدَّثنا الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعْلَى، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ. وعبدِ الأعلى، عن محمدِ ابنِ الحنفيّةِ، قالا: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ (^٤).
قال: وسمِعتُ أبا عبدِ اللَّه، يعني أحمد بن حَنْبل، يقولُ: هذا في كلِّ البُلدانِ.
قال (^٥): وتفسيرُهُ أنَّ هذا المشرِق -وأشارَ بيسارهِ- وهذا المغرِب، وأشارَ بيمينِهِ.
قال: وهذه القِبلةُ فيما بينهُما، وأشارَ تِلقاءَ وجهِهِ.
قال: وهكذا في كلِّ البُلدانِ، إلّا بمكّةَ عندَ البيتِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا استقبل الرُّكن، وزالَ عنهُ شيئًا، وإن قلَّ، فقد تركَ القِبلةَ؟
قال: وليسَ كذلك قِبلةُ البُلدانِ.
_________________
(١) القائل هو أبو بكر الأثرم، وكذا ما بعده.
(٢) في ي ١، ف ٣: "قضاء"، خطأ. وهو محمد بن فضاء بن خالد الأزدي الجهضمي، أبو بحر البصري. انظر: تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٧٧.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٧٥١٣) من طريق إسرائيل، به.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٧٥١٤) من طريق إسرائيل، بقول ابن عباس فقط.
(٥) في ي ١: "أنْ قال".
[ ١٠ / ٤٣١ ]
قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: فإن صلَّى رجُلٌ فيما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ، ترى صلاتهُ جائزةً؟ قال: نعم، صلاتُهُ جائزةٌ، إلّا أنَّهُ يَنْبغي لهُ أن يتحرَّى الوَسَط. قال أبو عبدِ اللَّه: وقد كُنّا نحنُ وأهلُ بغداد نُصلِّي هكذا، نتيامَنُ قليلًا، ثُمَّ حُرِّفتِ القِبلةُ مُنذُ سِنينَ يَسِيرةٍ.
قيل لأبي عبدِ اللَّه: قِبلةُ أهلِ بغدادَ على الجَدْي (^١)، فجعل يُنكِرُ الجَدْي، وقال: ليس الجَدْي، ولكِن حديثُ عُمر: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ. قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: قبِلتُنا نحنُ أيُّ ناحيةٍ؟ قال: على البابِ قبِلتُنا، وقِبلةُ أهلِ المشرِقِ (^٢) كلِّهِم وأهلِ خُراسان البابُ (^٣).
أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى ويحيى بن عبدِ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: قال لنا أحمدُ بن خالدٍ -في قولِ عُمرَ بن الخَطّابِ: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ-: في هذا سَعةٌ للنّاسِ أجمعينَ. قيلَ لهُ: أنتُم تقولُونَ: إنَّهُ في أهلِ المدينةِ، قال: نحنُ وهُم سَواءٌ، والسَّعةُ في القِبْلةِ للنّاسِ كلِّهِم. قال: وهؤُلاءِ المُشرِّقُون لا عِلمَ عندَهُمُ بسَعةِ القِبْلةِ، وإنَّما هُو شيءٌ يَقعُ في نُفُوسِهِم.
_________________
(١) الجَدْي نجم في السماء. والجدي أيضًا برج غير هذا في السماء. انظر: العين ٦/ ١٦٧.
(٢) في ي ١: "الشام".
(٣) من هنا سقطت بعض أوراق من ي ١، حيث انتقل الكلام بعد هذا إلى أثناء الكلام على الحديث الرابع عشر لعبد اللَّه بن دينار.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]