حديثٌ ثانٍ لصفوانَ بن سُلَيم مُسندٌ
مالكُ (^١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، عن سعِيدِ بن سلَمةَ، من آل بنِي الأزرقِ، عنِ المُغِيرةِ بن أبي بُرْدةَ، وهُو من بني عبدِ الدّارِ، أنَّهُ أخبَرهُ أَنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: جاءَ رجُلٌ إلى رسُولِ اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسُولَ اللَّه، إنّا نَرْكبُ البَحرَ ونَحمِلُ معنا القليلَ من الماءِ، فإن تَوضَّأنا به عَطِشنا، أفنَتَوضَّأُ من ماءِ البَحرِ؟ فقال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ".
قال أبو عُمر: قد مَضَى ذِكرُ صفوانَ بن سُلَيم وحالِهِ في أوَّلِ بابِهِ.
أمّا سعِيدُ بن سلَمةَ (^٢)، فلم يروِ عنهُ، فيما عَلِمتُ، إلّا صفوانُ بن سُليم، واللَّهُ أعلمُ، يقالُ: إنَّهُ مخزُومِيٌّ من آلِ ابنِ الأزرقِ أو بني الأزرقِ، ومن كانت هذه حالَهُ، فهُو مجهُولٌ لا تَقُومُ به حُجّةٌ عندَهُم (^٣).
وأمّا المُغِيرةُ بن أبي بُرْدةَ (^٤)، فهُو المُغِيرةُ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُردةَ، قيل: إنَّهُ غيرُ معرُوفٍ في حَمَلةِ العِلْم، كسعِيدِ بن سلمةَ، وقيل: ليسَ بمجهُولٍ (^٥).
قال أبو حاتِم الرّازِيُّ (^٦): روَى عنهُ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، ورَوَى
_________________
(١) الموطأ ١/ ٥٥ - ٥٦ (٤٥).
(٢) انظر: تهذيب الكمال ١٠/ ٤٨٠.
(٣) هكذا قال، وهو وهم منه، فإن صفوان بن سليم لم يتفرد بالرواية عنه، فقد روى عنه الجلاح أبو كثير المصري، وهو ثقة. ثم إن النسائي وثّقه، فلذلك هو ثقة.
(٤) انظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٥٢.
(٥) بل هو ثقة، وثقه النسائي، وقد ولي إمرة الغزو بالمغرب.
(٦) الجرح والتعديل ٨/ ٢١٩.
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
صفوانُ بن سُلَيم عن سعِيدِ بن سلَمةَ عنهُ، ورَوَى الجُلاحُ عن عبدِ اللَّه بن سعِيدٍ المخزُومِيِّ عنهُ.
قال أبو عُمر: المُغِيرةُ بن أبي بُردةَ وجَدتُ ذِكْرَهُ في مغازِي مُوسى بن نُصيرٍ بالمغرِبِ، وكان مُوسى يَسْتعمِلُهُ على الخيلِ، وفتحَ اللَّهُ لهُ في بلادِ البَربرِ فتوحاتٍ في البَرِّ والبحرِ.
وقد سألَ أبو عِيسى التِّرمذِيُّ محُمدَ بن إسماعيلَ البُخارِيَّ عن حديثِ مالكٍ هذا عن صفوانَ بن سُلَيم، فقال: هُو عِندِي حديثٌ صحِيحٌ. قال أبو عيسى محمدُ بن عِيسى التِّرمذِيُّ: فقلتُ للبُخارِيِّ (^١): هُشَيمٌ يقولُ فيه: المُغِيرةُ بن أبي بَرزةَ؟ فقال: وهِمَ فيه، إنَّما هُو المُغِيرةُ بن أبي بُردةَ. قال: وهُشَيمٌ رُبَّما وهِمَ في الإسنادِ، وهُو في المُقطَّعاتِ أحفظُ (^٢).
قال أبو عُمر: لا أدرِي ما هذا من البُخارِيِّ ﵀، ولو كان عندَهُ صحِيحًا، لأخرجَهُ في "مُصنَّفِهِ" الصَّحِيحِ عندَهُ، ولم يفعل لأنَّهُ لا يُعوِّلُ (^٣) في "الصَّحِيح" إلّا على الإسنادِ (^٤)، وهذا الحديثُ لا يَحتجُّ أهلُ الحديثِ بمِثلِ إسنادِهِ، وهُو عِندِي صَحِيحٌ، لأنَّ العُلماءَ تلقَّوهُ بالقَبُولِ لهُ، والعَملِ به (^٥)، ولا يُخالِفُ في جُملتِهِ أحدٌ من الفُقهاءِ، وإنَّما الخِلافُ في بعضِ مَعانِيهِ على ما نَذكُرُ إن شاءَ اللَّه.
_________________
(١) قوله: "قال أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي: فقلت للبخاري" جاء مكانه في د ٤: "قلت".
(٢) علل الترمذي الكبير، ص ٤١ (٣٣).
(٣) في ف ٣: "يعلل".
(٤) قال بشار: هذه نظرة قاصرة غير دقيقة لمنهج البخاري، فهو لا يعول على الإسناد وحده، فربما روى لمتكلّم فيه لأنه يعلم أن ما يرويه له من صحيح حديثه، وربما ترك حديث الثقة لأنه ربما قد أخطأ فيه، وهذا أمر واسع ليس مجاله هنا.
(٥) إنما قال المصنف ذلك لأنه قد وقر في ذهنه أن إسناد الحديث لا تقوم به الحجة بسبب جهالة سعيد بن سلمة كما ظن، وسعيد ثقة، كما بينا، فالإسناد صحيح لا يحتاج إلى مثل هذه القالة.
[ ١٠ / ٢٥١ ]
حدَّثنا أبو عُثمان سعِيدُ بن نصرٍ وأبو عُثمان سعيدُ بن عُثمانَ (^١) النَّحوِيُّ، قالا: حدَّثنا أبو عُمرَ أحمدُ بن دُحَيم بن خَليلٍ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ محمدُ بن إبراهيمَ الدَّيبُلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ اللَّه سَعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المَخزُومِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن رجُلٍ من أهلِ المَغرِبِ يقالُ لهُ: المُغِيرةُ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُرْدةَ: أنَّ ناسًا من بني مُدْلِج أتَوْا رسُولَ اللَّه -ﷺ- فقالوا: يا رسُولَ اللَّه، إنّا نَرْكبُ أرماثًا (^٢) في البَحرِ، ويحمِلُ أحدُنا مُويهًا لسَقْيِهِ، فإن توضَّأنا به عَطِشنا، وإن تَوضَّأنا بماءِ البَحْرِ، وجَدْنا في أنفُسِنا، فقال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (^٣).
قال أبو عُمر: أرسلَ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ هذا الحديثَ عنِ المُغِيرةِ بن أبي بُرْدةَ، لم يذكُر أبا هريرةَ، ويحيى بن سعِيدٍ أحدُ الأئمّةِ في الفِقهِ والحديثِ، وليسَ يُقاسُ به سعِيدُ بن سلَمةَ ولا أمثالُهُ، وهُو أحفَظُ من صفوانَ بن سُلَيم، وفي رِوايةِ يحيى بن سعِيدٍ لهذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ سعِيدَ بن سلَمةَ لم يأت إلّا (^٤) بمعرُوفٍ من الحديثِ عندَ أهلِهِ.
وقد رُوِي هذا الحديثُ عن يحيى بن سعِيدٍ، عنِ المُغِيرةِ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُردةَ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- (^٥). والصَّوابُ فيه عن يحيى بن سعِيدٍ: ما رواهُ عنهُ ابنُ عُيَينةَ مُرسلًا، كما ذكَرْنا، واللَّهُ أعلمُ.
_________________
(١) قوله: "سعيد بن عُثمان" سقط من م.
(٢) في ف ٣: "أزمانا"، والمثبت من الأصل، والأرماث جمع رَمْث، بفتح الميم: خشب يُضم بعضه إلى بعض، ويُشد، ثم يُركب في البحر. انظر: لسان العرب ٢/ ١٥٦.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٣٢١) عن ابن عيينة، به. وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٣٤) من طريق يحيى بن سعيد، به.
(٤) في م: "لم يكن" بدل: "لم يأت إلا".
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٨١٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠/ ٢٠٢ (٤٠٣١)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٤١، ١٤٢، من طريق يحيى بن سعيد، به.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
وقد رُوِي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ -ﷺ- من حديثِ الفِرسِيِّ، رجُلٍ من بني فِراسٍ، مذكُورٍ في الصَّحابةِ؛ حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عُتبةَ الرّازِيُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنباع رَوْحُ بن الفَرَجِ القطّانُ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ اللَّه بن بُكَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن جَعفرِ بن رَبِيعةَ، عن بكرِ بن سَوادةَ، عن مُسلِم بن مَخْشِيٍّ، أنَّهُ حَدَّثَ، أنَّ الفِراسِيَّ قال: كنتُ أصِيدُ في البَحرِ الأخضرِ على أرْماثٍ، وكنتُ أحمِلُ قِرْبةً فيها ماءٌ، فإذا لم أتوضَّا من القِرْبةِ، رفَقَ ذلك بي وبَقِيَتْ لي، فجِئتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- فقَصَصتُ عليه ذلك، وقلتُ: أنَتَوضَّأُ من ماءِ البَحرِ يا رسُولَ اللَّه؟ فقال: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ" (^١).
وقد أجمَعَ جُمهُورُ العُلماءِ وجَماعةُ أئمّةِ الفُتيا بالأمْصارِ من الفُقهاءِ، أنَّ البحرَ طهُورٌ ماؤُهُ، وأنَّ الوُضُوءَ جائزٌ به، إلّا ما رُوِي عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عَمرِو بن العاصِ، فإنَّهُ رُوِي عنهُما: أنَّهُما كَرِها الوُضُوءَ من ماءِ البَحرِ (^٢).
ولم يُتابِعْهُما أحَدٌ من فُقهاءِ الأمْصارِ على ذلك، ولا عرَّجَ عليه، ولا التفتَ إليهِ، لحديثِ هذا البابِ عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٣٨٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠/ ٢٠٨ (٤٠٣٧) من طريق يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، به. وأخرجه الطحاوي أيضًا ٨٠/ ٢٥١ (٤٥٣٨) من طريق الليث، به. وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٣٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠/ ٢٠٩ (٤٠٣٩) من طريق جعفر بن ربيعة، به. ووقع عند ابن ماجة: "عن ابن الفراسي". والفراسي له صحبة، وابن الفراسي لم يدرك النبي -ﷺ-. قاله البخاري. انظر: علل الترمذي الكبير، ص ٤١ (٣٤)، والوهم والإيهام لابن القطان ٢/ ٤٤٠ - ٤٤١، ونصب الراية ١/ ٩٩.
(٢) انظر: مصنَّف عبد الرزاق (٣١٨)، وأبي عبيد في الطهور (٢٤٧، ٢٤٨)، ومصنَّف ابن أبي شيبة (١٤٠٣) و(١٤٠٤)، والأوسط لابن المنذر (١٦٣، ١٦٤)، وسنن البيهقي الكبرى ٤/ ٣٣٤.
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
وهذا يدُلُّك على اشتهارِ (^١) الحديثِ عندَهُم، وعَملِهِم به، وقبُولِهِم له، وهذا أولى عندَهُم من الإسنادِ الظّاهِرِ الصِّحّةِ بمعنًى ترُدُّهُ الأُصُولُ، وباللَّه التَّوفيقُ.
وقد خالَفهُما ابنُ عبّاس: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن مُوسى بن خلَفٍ العمِّيُّ، قال: حدَّثنا أبي، عن قَتادةَ عن موسى بن سلمةَ الهُذلِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ عنِ الوُضُوءِ بماءِ البَحرِ، فقال: هُما البَحْرانِ، فلا تُبالِي بأيِّهِما توضَّأتَ (^٢).
وفي حديثِ هذا البابِ من الفِقه: إباحةُ رُكُوبِ البحرِ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- لو كرِهَ رُكُوبَهُ، لنَهَى عنهُ الذين قالوا له: إنّا نركَبُ البحرَ.
وقولُهُم هذا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان كثِيرًا ما يَرْكبُونهُ، لطلَبِ الرِّزقِ من أنواع التِّجارةِ وغيرِها، وللجِهادِ، وسائرِ ما فيه إباحةٌ أو فَضِيلة، واللَّهُ أعلمُ، فلم ينهَهُم عن رُكُوبِهِ.
وهذا عِندِي إنَّما يكونُ لمن سَهُلَ ذلك عليه، ولم يشُقَّ عليه ويصعُب به كالمائدِ (^٣) المُفرِطِ الميدِ، أو من لا يقدِرُ معهُ على أداءِ فُرُوضِ الصَّلاةِ، ونَحْوِها من الفرائضِ.
ولا يجُوزُ عندَ أهلِ العِلم رُكُوبُ البَحْرِ في حِينِ ارتِجاجِهِ، ولا في الزَّمنِ الذي الأغلَبُ منهُ عَدَمُ السَّلامةِ فيه، والعَطَبُ والهلاكُ، وإنَّما يجُوزُ عندَهُم رُكُوبُهُ في زمانٍ تكونُ السَّلامةُ فيه الأغلبَ، واللَّه أعلمُ.
_________________
(١) في م: "استشهار".
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٣٢٤)، وأبو عبيد في الطهور (٢٤٣)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٣٩٢) من طرق عن ابن عباس.
(٣) المائد: الذي يركب البحر، فتغثي نفسه من ماء البحر، حتى يدار به، ويكاد يغشى عليه. انظر: لسان العرب ٣/ ٤١٢.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
وفي قولِ اللَّه ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]. وقولِهِ تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ما فيه كِفايةٌ ودلالةٌ واضِحةٌ في إباحةِ رُكُوبِ البَحْرِ، إذا كان كما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا.
وأمّا ما جاءَ عن عُمرَ بن الخطّابِ وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ وغَيْرِهِما من السَّلفِ: أنَّهُم كانوا ينهَوْنَ عن رُكُوبِ البحرِ (^١)، فإنَّما ذلك على الاحتِياطِ، وتركِ التَّغرِيرِ بالمُهَجِ في طَلَبِ الاستِكثارِ من الدُّنيا، والرَّغْبةِ في المالِ، واللَّه أعلمُ.
وإذا جازَ رُكُوبُ البَحرِ في الجِهادِ، وطلَبِ المعِيشةِ، فرُكُوبُهُ للحَجِّ في أداءِ الفَرْضِ أجوَزُ، لمن قدرَ على ذلك، وسَهُلَ عليه.
وقد رُوِي عنِ الشّافعيِّ ﵀، أَنَّهُ قال: ما يبِينُ لي أنْ أُوجِبَ الحجَّ على من وراءَ البحرِ، ولا أدرِي كيفَ استِطاعتُهُ (^٢).
قال أبو عُمر: قد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ مَن بينَهُ وبين مَكّةَ من اللُّصُوصِ والفِتَنِ ما يقطعُ الطَّرِيقَ، ويخافُ منهُ في الأغلَبِ ذَهابُ المُهجةِ، أو المالِ (^٣)، فليسَ مِمَّنِ استطاعَ إليه سَبِيلًا، فكذلك أهوالُ البَحرِ، واللَّه أعلمُ.
وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقهِ: أنَّ المُسافِرَ إذا لم يَكُن معهُ من الماءِ إلّا ما يَكْفيه لشُربِهِ، وما لا غِنَى به عنهُ لشَفَتِهِ: أَنَّهُ جائزٌ لهُ أن يتيمَّمَ، ويترُكَ ذلك الماءَ لنَفسِهِ، حتّى يجِدَ الماءَ.
_________________
(١) انظر: الجهاد لابن المبارك، ص ١٦١، ومصنَّف عبد الرزاق (٩٦٢٥)، وطبقات ابن سعد ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٤، وفتح الباري للحافظ ابن حجر ١١/ ٧٧.
(٢) انظر: الأم ٢/ ١٣٢
(٣) في م: "والمال".
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
وأمّا قولُهُ -ﷺ-: "الحِلُّ مَيْتتُهُ". يقالُ: حِلٌّ وحلالٌ، وحِرمٌ وحرامٌ، بمعنًى واحِدٍ، فإنَّ العُلَماءَ اختَلَفُوا في ذلك (^١).
فقال مالكٌ: يُؤكَلُ ما في البَحرِ من السَّمكِ والدَّوابِّ، وسائرِ ما في البَحرِ من الحَيَوانِ، وسَواءٌ اصْطِيدَ، أو وُجِد ميِّتًا، طافِيًا وغير طافٍ. قال: وليسَ شيءٌ من ذلك يحتاجُ إلى ذَكاةٍ، لقولِ رسُولِ اللَّه -ﷺ-: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ".
وكرِهَ مالكٌ خِنْزِير الماءِ، من جِهةِ اسمِهِ، ولم يُحرِّمهُ، وقال: أنتُم تقولُونَ خِنزِيرٌ. وقال ابنُ القاسم: أنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حرامًا.
وقال ابنُ أبي ليلى: لا بأسَ بأكلِ كلِّ شيءٍ يكونُ في البَحْرِ، من الضُّفدُع، والسَّرطانِ (^٢) وحيّةِ الماءِ، وغيرِ ذلك.
وهُو قولُ الثَّورِيِّ في رِوايةِ الأشْجَعِيِّ.
ورَوَى عنهُ أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، أَنَّهُ قال: لا يُؤكَلُ من صَيْدِ البَحرِ إلّا السَّمكُ.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا يُؤكَلُ السَّمكُ الطّافِي، ويُؤكلُ ما سِواهُ من السَّمَكِ، ولا يُؤكَلُ شيءٌ من حَيوانِ البَحرِ إلّا السَّمكُ.
وقال الأوزاعِيُّ: صَيْدُ البَحرِ كلُّهُ حَلالٌ. ورَواهُ عن مُجاهِدٍ.
وكرِهَ الحسنُ بن حيٍّ أكلَ الطّافِي من السَّمكِ.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: ليسَ بمَيْتةِ البحرِ بأسٌ. قال: وكذلك كَلْبُ الماءِ، وتُرسُ الماءِ (^٣). قال: ولا يُؤكَلُ إنسانُ الماءِ، ولا خِنْزِيرُ الماء.
_________________
(١) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٥/ ٣٦٩ (ط. دار ابن حزم)، والأم للشافعي ٢/ ٢٥١، والمدونة لسحنون ١/ ٤٥٢ - ٥٣٦، ومسائل أحمد وإسحاق ٨/ ٣٩٩٨ (٢٨٤٥) و٩/ ٤٦٧٤ (٣٣٣٠)، والإشراف لابن المنذر ٣/ ٤٦٥، ومختصر اختلاف العلماء ٣/ ٢١٤، وفيها ما بعده.
(٢) السرطان: حيوان بحري من القشريات، العشريات الأرجل. انظر: المعجم الوسيط، ص ٤٢٧.
(٣) ترس الماء: السلحفاة البحرية. انظر: المدونة ١/ ٤٥٢، والمعجم الوسيط، ص ٨٤.
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
وقال الشّافعيُّ: ما يَعِيشُ في الماءِ، فلا بأسَ بأكلِهِ، وأخذُهُ ذكاتُهُ، ولا بأسَ بخِنزِيرِ الماء.
قال أبو عُمر: قال اللَّهُ ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] فرُوِي عن عُمرَ بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عبّاسٍ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، وزيدِ بن ثابتٍ، وأبي هريرةَ قالوا: طَعامُهُ: ما ألْقَى وقذفَ (^١).
ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ أنَّهُ قال: طعامُهُ: ميتتُهُ (^٢)، وهُو في ذلك المعنى، ورُوِي عنهُ أنَّهُ قال: طعامُهُ مَليحُهُ (^٣).
ورُوِي عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ قال: كلُّ دابّةٍ في البحرِ فقد ذَبَحها اللَّهُ لكُم (^٤).
ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق، قال (^٥): أخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن مولًى لأبي بكرٍ، عن أبي بكرٍ، قال: كلُّ دابّةٍ في البَحرِ قد ذَبَحها اللَّهُ لكَ، فكُلها.
قال (^٦): وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن عبدِ الملِكِ بن أبي بَشِيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس، قال: أشْهَدُ على أبي بكرٍ أنَّهُ قال: السَّمكةُ الطّافِيةُ حلالٌ لمن أرادَ أكلَها.
ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالِبٍ: أنَّهُ كرِهَ الطّافِيَ من السَّمكِ، ورُوِي عنهُ:
_________________
(١) انظر: مصنَّف عبد الرزاق (٨٦٥٢، ٨٦٦٤، ٨٦٦٥)، وابن أبي شيبة (٢٠١٢٥ - ٢٠١٢٦) و(٢٠١٢٩)، وسنن سعيد بن منصور (٨٣٦، تفسير)، وتفسير الطبري ١١/ ٦٠ - ٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٢١١، وسنن الدارقطني ٥/ ٤٨٨ (٤٧٢٧، ٤٧٢٨)، وسنن البيهقي الكبرى ٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٢) انظر: صحيح البخاري بإثر رقم (٥٤٩٢)، وتفسير الطبري ١١/ ٦٣ (١٢٦٩٧).
(٣) انظر: تفسير الطبري ١١/ ٦٦ (١٢٧٠٩).
(٤) انظر ما بعده.
(٥) أخرجه في المصنَّف (٨٦٥٥). وفي المطبوع منه: "عن مولى لأبي بكر" فقط. ليس فيه: أبو بكر.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٨٦٥٤). وأخرجه الدارقطني في سننه ٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨ (٤٧٢٤) من طريق عبد الملك، به.
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
أنَّهُ كرِهَ أكلَ الجِرِّي (^١)، من وَجْهٍ لا يثبُتُ. ورُوِيَ عنهُ: أَنَّهُ لا بأسَ بأكلِ ذلك كلِّهِ، وهُو أصحُّ عنهُ.
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (^٢)، عنِ الثَّورِيِّ، عن جَعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁، قال: الجَرادُ والحِيتانُ ذكِيٌّ كلُّهُ.
فعليٌّ مخُتلَفٌ عنهُ في أكلِ الطّافِيَ من السَّمكِ.
ولم يُختلَف عن جابرٍ: أنَّهُ كرِهَ أكلَ الطّافِيَ من السَّمَكِ (^٣).
وهُو قولُ طاوُوسٍ، ومحمدِ بن سِيرِين، وجابرِ بن زيدٍ (^٤)، وأبي حنِيفةَ وأصحابِه.
واحتجَّ لهم من أجازَ ذلك، بما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حَدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٥): حدَّثنا أحمدُ بن عَبْدةَ، قال: أخبرنا
_________________
(١) الجِرِّي: بالكسر والتشديد: نوع من السمك يشبه الحية. انظر: النهاية لابن الأثير ١/ ٢٦٠. وهذا الاسم: "الجِرِّي" معروف به نوع من السمك النهري في بلاد الرافدين إلى اليوم، وهذا النوع من السمك يوجد بمصر أيضًا، ويسميه المصريون: قرموط. ولذا فإن الشيعة لا يأكلونه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٨٦٦٣). وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٠١٠٠)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٢٥٤، من طريق جعفر بن محمد، به.
(٣) انظر: مصنَّف عبد الرزاق (٨٦٦٢)، وابن أبي شيبة (٢٠١٠٤)، وشرح مشكل الآثار ١٠/ ٢١٢، ٢١٣، وسنن الدارقطني ٥/ ٤٨٥ (٤٧١٦).
(٤) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (٢٠١٠٦ - ٢٠١١٠)، وتفسير الطبري ١١/ ٦٨ (١٢٧٢٥).
(٥) في سننه (٣٨١٥) ومن طريقه أخرجه الدارقطني في سننه ٥/ ٤٨٤ (٤٧١٥)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٦. وأخرجه ابن ماجة (٣٢٤٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠/ ١٩٩ (٤٠٢٨) من طريق أحمد بن عبدة، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ١٩٩ (٢٦٦٤). قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد، عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر، وقد أُسنِد هذا الحديث أيضًا من وجهٍ ضعيف، عن ابن أي ذِئْب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيِّ -ﷺ-. =
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
يحيى بن سُلَيم الطّائفِيُّ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أُميّةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "ما ألْقَى البَحرُ أو جزَرَ عنهُ فكُلُوهُ، وما ماتَ فيه وطَفا فلا تأكُلُوهُ". قال أبو داودَ: رَوَى هذا الحديثَ سُفيانُ الثَّورِيُّ وأيُّوبُ السَّختِيانِيُّ وحمّادُ بن سَلَمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، موقُوفًا من قولهِ، لم يُسنِدوه (^١).
قال: وقد أُسنِدَ هذا الحديثُ من وجهٍ ضعيف، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ (^٢) (^٣).
وحُجّةُ مالكٍ والشّافعيِّ في هذا البابِ، قولُهُ -ﷺ- في البحرِ: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ". وأصحُّ ما في هذا البابِ من جِهةِ الإسنادِ، مِمّا هُو حُجّةٌ لمالكٍ والشّافعيِّ، حديثُ ابنِ عُمرَ، وحديثُ جابرٍ.
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ المدنِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: حدَّثني عُمرُ بن محمدٍ، أنَّ نافعًا حدَّثهُ، أنَّ ابنَ عُمرَ قال: غَزَونا، فجُعنا حتّى إنّا لنَقْسِمُ التَّمرةَ والتَّمْرَتينِ، فبَيْنما نحنُ على شاطِئ البَحرِ، إذ رَمَى البحرُ بحُوتٍ مَيْتةٍ، فاقتطَعَ النّاسُ منهُ ما شاؤُوا من شَحْم ولحم،
_________________
(١) = أخرجه عبد الرزاق (٨٦٦٢) عن الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ما وجدتموه طافيًا فلا تأكلوه، وما كان في حافتَيْه فكُلوه. قال سفيان: لا يَجزُرُ إلّا عن حي. موقوف. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٠١٢٠) قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ما جزر عنه ضَفِير البحر فكُلْ. موقوف. وقال الدارقطني: لا يصح رفعُه، رفعَه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أُميّة، ووقفَه غيره. (السنن ٤٧١٤).
(٢) سلف تخريجه قريبًا.
(٣) من قوله: "موقوفًا من قوله" إلى هنا سقط من م.
(٤) أخرجه الترمذي في العلل الكبير، ص ١٤٢ (٤٣٩)، والخطيب في تاريخ مدينة السلام ١١/ ٣٨٢.
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
وهُو مِثلُ الظَّرِبِ (^١)، فبَلَغنِي أنَّ النّاس لمّا قَدِمُوا على النَّبيِّ -ﷺ- أخبَرُوهُ فقال: "هل مَعكُم منهُ شيءٌ؟ " (^٢).
وأمّا حديثُ جابر: فحدَّثنا سَعِيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمان بن حربٍ (^٣)، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: بَعَثَنا رسُولُ اللَّه -ﷺ- (^٤) سرِيّةً، وأمَّرَ علينا أبا عُبَيدةَ بن الجرّاح، وزَوَّدنا جِرابًا من تمرٍ، فكان يقسِمُهُ بَيْننا قبضةً قبضةً، ثُمَّ أقامَ ذلك حتّى صارَ تمرةً تمرةً، فلمّا فقَدْناها وجَدْنا فَقْدَها، فمَرَرنا بساحِلِ البَحرِ، فإذا حُوت يقالُ لهُ: العَنْبرُ، ميِّتٌ، فأرَدْنا أن نُجاوِزهُ، ثُمَّ قُلنا: نَحْنُ جيشُ رسُولِ اللَّه، فأقَمْنا عليه عِشرِينَ ليلةً نأكُلُ منهُ، وادَّهنّا من ذلك الشَّحم، ولقد قعدَ في عينِهِ ثلاثةَ عشرَ رجُلًا منّا، فلمّا قَدِمنا ذكَرْنا ذلك للنَّبيِّ -ﷺ- فقال: "رِزقٌ ساقَهُ اللَّهُ إليكُم، فهل عندَكُم منهُ شيءٌ؟ " (^٥).
ففي هذا الحديثِ -وهُو من أثبتِ الأحادِيث- دليلٌ على أنَّ ما قذَفَ البحرُ، أو مات فيه، من دابّةٍ وسَمَكةٍ، حلالٌ كلُّهُ.
ولهذا الحديثِ طُرُقٌ كثِيرةٌ، قد ذكَرْنا كثِيرًا منها في غيرِ هذا الموضِع.
_________________
(١) الظرب: هو الجبل المنبسط. وقيل: هو الجبل الصغير. وقيل: الروابي الصغار. انظر: لسان العرب ١/ ٥٦٩.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ٥/ ٤٨١ (٤٧٠٨)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٢٥٣، من طريق ابن وهب، به.
(٣) قوله: قال: "حدثنا سليمان بن حرب" سقط من م.
(٤) زاد هنا في م: "في"، وهو من خارج النسخ.
(٥) أخرجه أبو عوانة (٧٦٢١، ٧٦٢٢) من طريق سليمان بن حرب، به. وفيه: "عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير"، وهو في البخاري (٥٤٩٤) من طريق عمرو بن دينار عن جابر.
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
وفيه ما يُصحِّحُ حديثٌ صفوانَ بن سُلَيم، عن سعِيدِ بن سَلَمةَ، وأنَّ حديثَ سعِيدِ بن سلَمةَ، لهُ أصلٌ في رِوايةِ الثِّقاتِ.
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا النُّفيلِيُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرُ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: بعَثَنا رسُولُ اللَّه -ﷺ- وأمَّرَ علينا أبا عُبَيدةَ بن الجرّاح نتلَقَّى عيرًا لقُريشٍ، فزَوَّدنا جرابًا من تمرٍ لم يجد لنا غيرَهُ، فكانَ أبو عبيدةَ (^٢) يُعطِينا تَمْرةً (^٣) تمرةً، كُنّا نَمُصُّها، كما يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نشربُ عليها من الماءِ، فتكفِينا يومًا (^٤) إلى اللَّيل، وكُنّا نَضرِبُ بعِصِيِّنا الخَبَطَ (^٥) ثُمَّ نبُلُّهُ بالماءِ فنأكُلُهُ، قال: فانْطَلقنا على ساحِلِ البَحرِ، فرُفِعَ لنا كهيئةِ الكَثِيبِ الضَّخم، فأتَيْناهُ فإذا هُو دابّةٌ تُدعَى العَنْبرَ، فقال أبو عُبيدةَ: مَيْتةٌ ولا تحِلُّ لنا. ثُمَّ قال: لا، بل نحنُ رُسُلُ رسُولِ اللَّه -ﷺ-، وفي سبِيلِ اللَّه، وقدِ اضْطُرِرتُم، فكُلُوا. فأقَمْنا عليها شهرًا، ونحنُ ثلاثُ مئةٍ، حتّى سَمِنّا، فلمّا قَدِمنا إلى رسُولِ اللَّه -ﷺ- ذكَرْنا ذلك لهُ، فقال: "هُو رِزقٌ أخرجَهُ اللَّهُ لكُم، فهل معكُم من لَحْمِهِ شيءٌ، فتُعطُونا؟ ". فأرسَلْنا إلى رسُولِ اللَّه -ﷺ- منهُ فأكَلَ.
_________________
(١) في سننه (٣٨٤٠). وأخرجه أحمد في مسنده ٢٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (١٤٣٣٨)، ومسلم (١٩٣٥) (١٧)، وأبو عوانة (٧٦١٨، ٧٦١٩)، وابن حبان ١٢/ ٦٤ (٥٢٦٠)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٢٥١، من طريق زهير، به. وأخرجه الطيالسي (١٨٥٠)، والحميدي (١٢٤٣)، وأحمد أيضًا ٢٢/ ٢٤٠ (١٤٣٣٧)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٢٠٨، وفي الكبرى ٤/ ٤٩١ (٤٨٤٧) من طريق أبي الزبير، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ١٩٧ - ١٩٨ (٢٦٦٢).
(٢) من قوله: "نتلقى" إلى هنا سقط من م.
(٣) في الأصل، ف ٣: "مرة".
(٤) في م: "يومنا"، غيّرها ناشره استنادًا إلى ما جاء في مطبوع سنن أبي داود.
(٥) الخبطُ: ضرب الشجر بالعصا، ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط: خَبَط بالتحريك. انظر: النهاية لابن الأثير ٢/ ٧.
[ ١٠ / ٢٦١ ]