حديثٌ ثانٍ لصالح بن كَيْسانَ مُسندٌ
مالكٌ (^١)، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُروة بن الزُّبيِر، عن عائشةَ زَوْجِ النَّبيِّ -ﷺ-، أنَّها قالت: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، فأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ، وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ.
هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ عندَ جماعةِ أهلِ النَّقلِ، لا يختلِفُ أهلُ الحديثِ في صِحّةِ إسنادِهِ.
وكلُّ من رواهُ قال فيه: عن عائشةَ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ. لا يقولُ: فرضَ اللَّهُ، ولا فرَضَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-. إلّا ما حدَّثَ به أبو إسحاق الحَرْبيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ ﵂، قالت: فرَضَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- الصَّلاةَ رَكْعتينِ رَكْعتينِ. فذكَرَ الحديثَ (^٢).
هكذا قال: فرضَ رسُولُ اللَّه. وغيرُه يقولُ (^٣): فُرِضَتْ. إلّا أنَّ الأوزاعيَّ قال فيه: عنِ ابنِ شِهاب، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: فرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ على رسُولهِ -ﷺ- رَكْعتَينِ رَكْعتَينِ (^٤). . . وذكَر الحديثَ.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٩٠).
(٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير، السفر الثالث (٣٠٦٤) من طريق أحمد بن الحجاج، به. وأخرجه الطبراني في الأوسط ٨/ ٤٢ (٧٩٠١) من طريق ابن المبارك، به. وعندهما بلفظ: "فرض اللَّه".
(٣) في م: "وعنه نقول" بدل: "وغيره يقول".
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ١/ ٢٢٥، وأبو عوانة (١٣٢٤، ١٣٢٥)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٣٦٣، من طريق الأوزاعي، به. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (١٦٢٥٨).
[ ١٠ / ٣٢٣ ]
وهذا حديثٌ رواهُ ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. وهشام بن عروة، عن عُروةَ (^١).
ولم يروِهِ مالكٌ عنِ ابنِ شِهاب، ولا عن هشام، إلّا أنَّ شيخًا يُسمَّى يحيى بنَ محمدِ بن عبّادِ بن هانئ، رواهُ عن مالكٍ وابنِ أخي الزُّهريِّ، جميعًا عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ الصَّلاةَ أوَّلَ ما فُرِضت رَكْعتينِ، فزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ، وأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ.
وهذا لا يصِحُّ عن مالكٍ، والصَّحيحُ في إسنادِهِ عن مالكٍ: في "المُوطَّأ"، وطُرُقُهُ عن عائشةَ مُتواتِرةٌ، وهُو عنها صحيحٌ، ليسَ في إسنادِهِ مَقالٌ.
إلّا أنَّ أهل العِلم اختَلفُوا في معنى هذا الحديثِ، فذهَبَ منهُم جماعةٌ إلى ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ، وما يُوجِبُهُ لفظُهُ، فأوجَبُوا القصرَ في السَّفرِ فرضًا، وقالوا: لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّيَ في السَّفرِ إلّا رَكْعتينِ رَكْعتينِ، كلَّ صَلاةِ أربع.
قال أبو عُمر: فأمّا المغرِبُ والصُّبحُ، فلا خِلافَ بينِ العُلماءِ أنَّهُما كذلك فُرِضَتا، وأنَّهُما لا قصرَ فيهما، في السَّفرِ، ولا غير. وهذا يدُلُّكَ على أنَّ قولَ عائشةَ: فُرِضتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، قولٌ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ به الخُصُوصُ.
ألا تَرى أنَّ صلاةَ المغرِبِ غيرُ داخِلةٍ في قولِها: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ. وكذلك الصُّبحُ غيرُ داخِلةٍ في قولِها: فزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ؟ لأنَّهُ مَعلُومٌ أنَّ الصُّبحَ لم يُزَدْ فيها، ولم يُنقَصْ منها، وأنَّها في السَّفرِ والحَضَرِ سَواءٌ.
فحُجّةُ من ذهَبَ إلى إيجابِ القَصرِ في السَّفرِ فرْضًا، قولُ عائشةَ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، فأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ، وزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ. وهذا واضِحٌ في أنَّ الرَّكعتينِ في السَّفرِ للمُسافِرِ فرْضٌ لا يجُوزُ خِلافُهُ؛ لأنَّ الفرضَ
_________________
(١) من قوله: "قالت فرض اللَّه الصلاة" إلى هنا، لم يرد في م.
[ ١٠ / ٣٢٤ ]
الواجِبَ لا يجُوزُ خِلافُهُ، ولا الزِّيادةُ عليه، ألا تَرى أنَّ المُصلِّيَ في الحَضرِ لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ الظُّهرَ سِتًّا، ولا العَصرَ، ولا العِشاءَ، ولا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ المغرِبَ أربعًا، ولا الصُّبحَ أربعًا؟ لأنَّهُ لو فعلَ ذلك كان زائدًا في فرضِهِ، عامِدًا لما يُفسِدُهُ.
وهذا كلُّهُ إجماعٌ لا خِلافَ فيه للحَضَريِّ، أنَّهُ لا يجُوزُ لهُ ذلك.
قالوا: فكذلك المُسافِرُ، لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ في السَّفرِ أربعًا؛ لأنَّ فرضَهُ في السَّفرِ ركعتانِ، على ما ذكَرَتْ عائشةُ.
ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: عُمرُ بن عبدِ العزيزِ، إن صحَّ عنهُ، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ (^١). وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، وقولُ بعضِ أصحابِ مالكٍ.
وقد رُوي عن مالكٍ أيضًا، وهُو المشهُورُ عنهُ، أنَّهُ قال: مَن أتمَّ في السَّفرِ، أعادَ في الوَقتِ (^٢).
ومِن حُجّةِ من ذهَبَ إلى إيجابِ القَصْرِ فرضًا في السَّفر: حديثُ عُمرَ بن الخطّابِ قال: صَلاةُ السَّفرِ رَكْعتانِ، تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانِ نبيِّكُم -ﷺ-.
وهُو حديثٌ رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عُمرَ، وقال ابنُ مَعينٍ وعليُّ ابنُ المدينيِّ: لم يَسْمَعْهُ من عُمرَ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن زُبَيدٍ (^٣)، عن
_________________
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٣٨٤.
(٢) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني ٧/ ١٣٣.
(٣) في م: "زبير"، محرف. وهو زبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي، أبو عبد الرحمن، الكوفي. انظر: تهذيب الكمال ٩/ ٢٨٩.
[ ١٠ / ٣٢٥ ]
عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عُمرَ. قال سُفيانُ: قال زُبَيدٌ مرّةً: عن عُمرَ، قال: صلاةُ المُسافِرِ رَكْعتانِ تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لسانِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١).
قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ يزيدُ بن هارُون، عنِ الثَّوريِّ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلَى، قال: سَمِعتُ عُمرَ (^٢). فخطَّئُوهُ فيه، لقولِهِ: سمِعتُ عُمرَ.
وقد رواهُ محمدُ بن طَلْحةَ، قال: حدَّثنا زُبَيدٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، قال: خَطَبنا عُمرُ، فقال: ألا إنَّ صلاةَ يوم الفِطْرِ، وصلاةَ يوم النَّحرِ، وصلاةَ يوم الجُمُعةِ، وصلاةَ السَّفرِ، رَكْعتانِ رَكْعتانِ، تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لسانِ النَّبيِّ -ﷺ- (^٣). فوَهِم أيضًا فيه.
ورواهُ يزيدُ بن زيادِ بن أبي الجَعْدِ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجْرةَ، عن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مِثلَهُ (^٤)، فزادَ: كَعْبَ بن عُجرةَ، أدخَلَهُ بين عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، وبينَ (^٥) عُمر.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى ٣/ ٢٠٠، من طريق أبي نعيم، به. وأخرجه الطيالسي (٤٨)، وعبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٧٨)، وأحمد في مسنده ١/ ٣٦٧ (٢٥٧)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٨٣، وفي الكبرى ١/ ٢٧١ (٤٩٦)، وأبو يعلى (٢٤١)، وابن حبان ٧/ ٢٢ (٢٧٨٣)، والطبراني في الأوسط ٥/ ١٨١، و٨/ ٢٤٤ (٥٠١٠، ٨٥٢٨) من طريق سفيان الثوري، به، وهو منقطع كما سيبين المؤلف. وانظر: المسند الجامع ١٣/ ٥٠٨ - ٥٠٩ (١٠٤٧٣).
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٢/ ٥٤٨، ضمن ترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعزاه إلى أبي خيثمة في مسنده.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٢١، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٥/ ٣٧، من طريق محمد بن طلحة، به.
(٤) أخرجه ابن ماجة (١٠٦٤)، والنسائي في الكبرى ١/ ٢٧١ (٤٩٥)، وابن خزيمة (١٤٢٥) من طريق يزيد بن أبي زياد، به، ويزيد ضعيف.
(٥) في م: "وابن" بدل: "بين"، خطأ.
[ ١٠ / ٣٢٦ ]
وليسَ لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادِ، ومن أهلِ الحديثِ من يُعلِّلُهُ ويُضعِّفُهُ، ومنهُم من يُصحِّحُ إسنادَ يزيدَ بن أبي الجَعدِ هذا فيه. قال عليُّ ابنُ المدينيِّ: هُو أسنَدُها، وأحسَنُها، وأصحُّها.
واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا موسى بن داودَ، قالا: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن بُكَيرِ بن الأخنسِ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: فرضَ اللَّهُ الصَّلاةَ على لسانِ نبيِّكُم -ﷺ- في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وفي الخَوفِ رَكْعةً (^١).
وهذا أيضًا حديثٌ انفردَ به بُكَيرُ بن الأخْنَسِ، وليسَ بحُجّةٍ فيما انفرَدَ به.
واحتجُّوا أيضًا بأنْ قالوا: وأمّا قولُ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فغيرُ جائزٍ لمن جَعلَ الطَّوافَ بينَ الصَّفا والمروةِ من أرْكانِ الحجِّ، مع قولِ اللَّه ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] أن يحتجَّ بهذه الآيةِ، في إباحةِ القَصْرِ في السَّفرِ، وقالوا: إنَّما نزلَتْ على النَّبيِّ -ﷺ- بعُسْفانَ بينَ الظُّهرِ والعَصْرْ، في صَلاةِ الخوفِ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٢٤٧) عن مسدد، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٨ (٢١٢٤)، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام (٢٢٦)، ومسلم (٦٨٧) (٥)، وابن ماجة (١٠٦٨)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٢٦، و٣/ ١٦٨، وفي الكبرى ١/ ٢٠١، و٢/ ٣٦٦ (٣١٤، ١٩٣٣)، وأبو يعلى (٢٣٤٦)، وابن خزيمة (٣٠٤، ٩٤٣، ١٣٤٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٩، وابن حبان ٧/ ١١٩ (٢٨٦٨)، والطبراني في الكبير ١١/ ٥٩ (١١٠٤١)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٣٥، من طريق أبي عوانة، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٤٥٢ - ٤٥٣ (٦٠٥٩).
[ ١٠ / ٣٢٧ ]
وذكرُوا في ذلك حَدِيثًا رواهُ مُجاهِدٌ، عن أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ، عنِ النَّبيِّ ﵇ (^١).
وقالوا: ذلك يدُلُّ على أنَّ القصرَ إنَّما هُو قَصْرُ المأمُوم خلَفَ إمامِهِ، يُصلِّي معَهُ بعضَها بشرطِ الخَوْفِ، ولا يُتِمُّها معهُ، وإذا كان ذلك كذلك، كان حديثُ عائشةَ في معنًى غيرِ معنَى الآيةِ، قد أفادَ حُكمًا زائدًا.
واحتَجُّوا أيضًا بأنَّ جابرًا وابنَ عُمرَ، قالا: ليسَ الرَّكْعتانِ (^٢) في السَّفرِ بقَصْرٍ. وأنَّ ابن عبّاسٍ قال: من صلَّى في السَّفرِ أربَعًا، كمَنْ صلَّى في الحَضَرِ رَكْعتينِ (^٣).
فهذه جُملةُ ما نَزَعَ به الذينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ فرْضٌ، على ظاهِرِ حديثِ عائشةَ.
وقال آخرُونَ: القَصْرُ في السَّفرِ سُنّةٌ مَسْنُونةٌ، ورُخْصةٌ وتَوْسِعةٌ، فمن شاءَ قصَرَ في السَّفرِ، ومن شاءَ أتمَّ، كما أنَّ المُسافِر مُخيَّرٌ، إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفطَرَ.
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٤٤٤)، وعبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٣٧)، وأحمد في مسنده ٢٧/ ١٢٠ (١٦٥٨٠)، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧٧، وفي الكبرى ٢/ ٣٧٤ (١٩٥١)، وابن الجارود (٢٣٢)، وابن حبان (٢٨٧٦)، والطبراني في الكبير ٥/ ٢١٣ - ٢١٤ (٥١٣٢ - ٥١٣٣)، والدارقطني في سننه ٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩ (١٧٧٧)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٥٤، من طريق مجاهد، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٥٩٦ - ٥٩٧ (٣٩٤٩). قال الترمذي: سألت محمدًا (يعني البخاري) قلت: أيّ الروايات في صلاة الخوف أصحّ؟ فقال: كلّ الروايات عندي صحيحة، وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف، إلا حديث مجاهد، عن أبي عياش الزرقي فإني أراه مرسلًا. علل الترمذي الكبير (١٦٥). وهذا المرسل أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٣٥)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٨٣٦٣)، والطبري في التفسير ٧/ ٤٣٩، ومع ذلك صحّحه محقّقو مسند أحمد.
(٢) في الأصل، ف ٣، م: "الركعتين".
(٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٢٣٨).
[ ١٠ / ٣٢٨ ]
وحُجَّتُهُم قولُ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. قالوا: فالقُرآنُ يدُلُّ على أنَّ القصرَ ليسَ بحَتْم؛ لأنَّ الحتمَ لا يقالُ فيه: ليسَ عليكُم جُناحٌ أن تَفعلُوهُ.
قالوا: وكلُّ ما قيلَ فيه: لا جُناحَ، فإنَّما هُو رُخْصةٌ، لا حَتْمٌ، مِثلُ قَولِهِ ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. و﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، و﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وما كان مِثلَ هذا.
وكذلك قولُهُ ﷿ في الصَّفا والمروةِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] نزَلَتْ في إباحةِ ما كان عندَهُم محظُورًا؛ لأنَّ العرَبَ كانت تَتَحرَّجُ من العُمرةِ في أشْهُرِ الحجِّ، وتتَحَرَّجُ من فِعلِ ما كانت تفعلُهُ في جاهِليَّتِها.
وقد بيَّنّا معنى هذه الآيةِ، في مواضِعَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.
قالوا: وإن كان شَرْطُ الخَوْفِ مذكُورًا في الآيةِ، فإنَّ النَّبيَّ -ﷺ-، وهُو المُبيِّنُ عنِ اللَّه مُرادَهُ، قد بيَّن بسُنَّتِهِ، أنَّ المُسافِرَ يَقْمُرُ الصَّلاةَ في الخَوْفِ، وفي غيرِ الخَوْفِ، لأنَّهُ كان يقصُرُ وهُو آمِنٌ لا يخافُ إلّا اللَّه، فكانَ القصرُ في السَّفرِ مع الأمْنِ زيادةَ بيانٍ على لسانِ رسُولِ اللَّه -ﷺ- وإن لم يَنْزِل به وحيٌ يُتلى، ومثلُهُ كثيرٌ في الشَّرع.
واحتجُّوا من الأثر: بما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عنِ ابنِ جُريج، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن
_________________
(١) في سننه (١١٩٩). والحديث سلف في شرح حديث ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، وهو في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩). وانظر: تتمة تخريجه هناك.
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
أبي عمّارٍ (^١)، عن عبدِ اللَّه بن بابِيه، عن يعلَى بن أُميّةَ، قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: أرأيتَ إقصارَ النّاسِ الصَّلاةَ اليومَ، وإنَّما قال اللَّهُ ﷿: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقد ذهَبَ ذلك اليومُ؟ فقال: عَجِبتُ مِمّا عجِبتَ منهُ، فذكَرتُ ذلك لرسُولِ اللَّه -ﷺ- فقال: "صَدَقةٌ تصدَّقَ اللَّهُ بها عليكُم، فاقبلُوا صَدَقتَهُ".
هكذا قال يحيى القطّانُ، عنِ ابنِ جُريج، حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن أبي عمارٍ.
وقال عبدُ الرَّزّاقِ ومحمدُ بن بكرٍ البُرسانيُّ وأبو عاصِم وحمّادُ بن مَسْعدةَ، عنِ ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بن أبي عمّارٍ (^٢). وقال الفَزاريُّ: عنِ ابنِ جُريج، عنِ ابنِ أبي عمارٍ.
قالوا: ففي قولِهِ -ﷺ-: إنَّ القصرَ في السَّفرِ مع الأمنِ "صَدَقةٌ تصدَّقَ اللَّهُ بها عليكُم" دليلٌ على أنَّ ذلك تَوْسعةٌ ورُخْصةٌ ورحمةٌ، وليسَ بواجِبٍ.
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (^٣)، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَمرِو بن دينارٍ، قال: أمّا قولُهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإنَّما ذلك إذا خافُوا الذين كفرُوا، وسَنَّ النَّبيُّ -ﷺ- بعدُ الرَّكْعتينِ، وليسَتا بقصرٍ، ولكنَّهُما وفاءٌ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيمَ،
_________________
(١) في م: "بن عامر"، خطأ. وهو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار القرشي، المكي، وكان يلقب بالقس لعبادته. انظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٢٢٩.
(٢) سلف تخريجه في الموضع المذكور، في حديث ابن شهاب، وكذا ما بعده.
(٣) في المصنَّف (٤٢٧٤).
[ ١٠ / ٣٣٠ ]
عن محمدِ بن سيرينَ، قال: أُنبِئتُ أنَّ ابن عبّاسٍ قال: كان رسُولُ اللَّه -ﷺ- يخرُجُ ما بينَ مكّةَ والمَدينةِ، لا يخافُ إلّا اللَّهَ، يَقْصُرُ الصَّلاةَ (^١).
ومِمّا يدُلُّ على أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- كان يقصُرُ، وهُو آمِنٌ غيرُ خائفٍ، قصرُهُ الصَّلاةَ في حَجَّتِهِ، حجّةِ الوداع، وهُو يومَئذٍ قد أمِنَ، وهذا ما لا يجهلُهُ أحدٌ من أهلِ العِلم.
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبِ وعارِمُ بن الفضلِ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: صلَّى رسُولُ اللَّه -ﷺ- الظُّهرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيفةِ رَكْعتينِ. زادَ عارِمٌ: وبينهُما سِتّةُ أميالٍ. قال أنسٌ: وسَمِعتُهُم يَصْرُخُونَ بهما جميعًا: الحجِّ والعُمرةِ (^٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى ٣/ ١٣٥، من طريق يزيد بن إبراهيم، به. وأخرجه الشافعي في مسنده، ص ٤٨، والطيالسي (٢٧٨٦)، وعبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٧٠)، وأحمد في مسنده ٣/ ٣٥١ (١٨٥٢)، والترمذي (٥٤٧)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١١٧، وفي الكبرى ٢/ ٣٥٨ (١٩٠٦، ١٩٠٧)، والطبراني في الكبير ١٢/ ١٩٠ - ١٩١ (١٢٨٥٥، ١٢٨٥٦)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٣٥، من طرق عن ابن سيرين، به، وإسناده ضعيف لجهالة من رواه عن ابن عباس، ومع ذلك قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٤٥٤ - ٤٥٥ (٦٠٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٤٨، ٢٩٥١) عن سليمان بن حرب، به. وأخرجه مسلم (٦٩٠)، والبزار في مسنده ١٣/ ٢٤٩ (٦٧٦٣)، وأبو يعلى (٢٧٩٤، ٢٨١٢)، وابن حبان ٦/ ٤٥٣ (٢٧٤٤)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٠، ٤٠، من طريق حماد بن زيد، به. وأخرجه الشافعي في مسنده، ص ٢٥، وأحمد في مسنده ١٩/ ١٣٧، و٢٠/ ٢٦٦ (١٢٠٨٣، ١٢٩٣٤)، والبخاري (١٧١٥)، وأبو يعلى (٢٧٩٤)، وأبو عوانة (٢٣٧٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٩٣، وابن حبان ٦/ ٤٥٤ (٢٧٤٧)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ١٩٣، من طريق أبي قلابة، به. وانظر: المسند الجامع ١/ ٣٦٣ (٥١٨).
[ ١٠ / ٣٣١ ]
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني محمدُ بن المُنكدِرِ وإبراهيمُ بن مَيْسرةَ، سمِعا أنَس بن مالكٍ يُحدِّثُ، قال: صَلَّينا معَ رسولِ اللَّه -ﷺ- بالمدينةِ الظُّهرَ أربعًا، وصلَّينا العصرَ بذي الحُليفةِ رَكْعتينِ (^١).
فاستدلُّوا بهذه الآثارِ على أنَّ القصرَ في السَّفرِ سُنّةٌ سنَّها رسولُ اللَّه -ﷺ-، وليس بفريضةٍ.
واحتجُّوا أيضًا: بما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: أخبَرنا مالكُ بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَنْظلةَ الحذّاءِ، قال: قلتُ لابنِ عُمرَ: أُصلِّي في السَّفرِ رَكْعتينِ، واللَّهُ يقولُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، ونحنُ نَجِدُ الزّادَ والمزادَ؟ فقال: كذلك سَنَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- (^٢).
فهذا ابنُ عُمرَ قد صرَّح بأنَّ القصرَ سُنّةٌ من رسولِ اللَّه، لا فرِيضةٌ من اللَّه، ولا من رسولِهِ.
ولو فرَضَها رسولُ اللَّه -ﷺ-، لقال ابنُ عُمرَ: فرَضها، كما قال في زكاةِ الفِطْرِ (^٣).
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مسنده، ص ٢٥، وعبد الرزاق في المصنَّف (٤٣١٦)، وأحمد في مسنده ٢٠/ ٢٠٤ (١٢٨١٨)، والبخاري (١٠٨٩)، ومسلم (٦٩٠) (١١)، وأبو عوانة (٢٣٧٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤١٧، وابن حبان ٦/ ٤٥٥ (٢٧٤٨)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٤٥، من طريق سفيان، به. وانظر: المسند الجامع ١/ ٣٦٢ (٥١٧).
(٢) سلف في شرح حديث ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، وهو في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩). وانظر تخريجه هناك.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٨١ (٧٧٣).
[ ١٠ / ٣٣٢ ]
وقد مَضَى في هذا المعنى ما فيه كِفايةٌ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رَجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ، من كِتابِنا هذا.
وقد جاءَ في هذا البابِ عنِ ابنِ عبّاسٍ، نحوُ ما جاءَ عنِ ابنِ عُمر؛ ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال (^١): أخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: سأل حُميدٌ الحِمْيريُّ (^٢) ابن عبّاسٍ، فقال: إنِّي أُسافِرُ، أفأقصُرُ الصَّلاةَ في السَّفرِ أم أُتِمُّها؟ فقال ابنُ عبّاس: ليسَ بقَصْرِها، ولكِنَّهُ تمامُها، وسُنّةُ النَّبيِّ -ﷺ-، خرجَ رسُولُ اللَّه -ﷺآمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى اثْنَتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ خرجَ أبو بكرٍ آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى ركعتينِ حتّى رجَعَ، ثُمَّ خرجَ عُمرُ آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى اثنتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ فعلَ ذلك عُثمانُ ثُلُثي إمارتهِ، أو شطرَها، ثُمَّ صلّاها أربعًا، ثُمَّ أخذَ بها بنُو أُميّةَ.
قال ابنُ جُريج: وبَلَغني: إنَّما أوفاها عُثمانُ أربعًا بمِنًى من أجلِ أنَّ أعرابيًّا ناداهُ في مَسْجدِ الخَيْفِ بمِنًى، فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، ما زِلتُ أُصلِّيها رَكْعتينِ، مُذ رأيتُكَ عامَ الأوّل صلَّيتها رَكْعتينِ. فخَشِي عُثمانُ أن يظُنَّ جُهّالُ النّاسِ أنَّ الصَّلاةَ رَكْعتانِ، وإنَّما كان أوفاها بمِنًى فقط.
قال أبو عُمر: قد اختُلِفَ في المعنى الذي من أجلِهِ أتمَّ عُثمانُ الصَّلاةَ في سَفرِهِ إلى مكّةَ وبمكّةَ، فقال قومٌ: أخَذَ بالمُباح في ذلك، إذ للمُسافِرِ أن يَقْصرَ، وأن يُتِمَّ، كما كان لهُ أن يصُومَ، وأن يُفطِرَ.
ومن ذهَبَ إلى هذا المذهبِ، احتجَّ بما قدَّمنا ذِكرَهُ، من ظاهِرِ الكِتابِ والسُّنةِ، وبما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن
_________________
(١) أخرجه في المصنَّف (٤٢٧٧).
(٢) وقع في الأصل: "الضمري"، خطأ. وهو حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري. انظر: الإكمال لابن ماكولا ١/ ٣٠٣، وتهذيب الكمال ٧/ ٣٨١، وتوضح المشتبه لابن ناصر الدين ٥/ ١٤٣.
[ ١٠ / ٣٣٣ ]
أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^١): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن زيادٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- كان يُتِمُّ في السَّفرِ ويُقصِرُ.
وأخبرنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (^٢): حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا طَلْحةُ بن عَمرٍو، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: كلٌّ قد فعَلَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-، قد صامَ وأفطَرَ، وأتمَّ وقَصرَ في السَّفرِ.
حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حبيبٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا حَبِيبُ بن يزيدَ الأنماطيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن هَرِم، عن جابرِ بن زيدٍ، قال: قالت عائشةُ: كان رسُولُ اللَّه -ﷺ- يُصلِّي رَكْعتينِ، يعني الفرائضَ، فلمّا قدِمَ المدينةَ، وفُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ أربعًا وثلاثًا، صلَّى وتركَ الرَّكعتينِ اللَّتينِ كان يُصلِّيهِما بمَكّةَ تمامًا للمُسافِرِ (^٣).
فهذه عائشةُ قد اضْطَربتِ الآثارُ عنها في هذا البابِ، وإتمامُها في السَّفرِ يَقْضي بصِحّةِ ما وافقَ معناهُ منها.
ورَوَى زيدٌ العمِّيُّ عن أنَسٍ، قال: كُنّا أصحابَ رسُولِ اللَّه -ﷺ- نُسافِرُ، فيُتِمُ بعضُنا، ويَقصُرُ بعضُنا، ويصومُ بعضُنا، ويُفطِرُ بعضُنا، ولا يَعِيبُ أحدٌ على أحَدٍ (^٤).
_________________
(١) في المصنَّف (٨٢٧١)، وتقدم تخريجه في ٧/ ٣٢٩.
(٢) أخرجه في مسنده (١٩٢، بغية الباحث). وأخرجه الطيالسي في مسنده (١٥٩٥) من طريق طلحة بن عمرو، به.
(٣) أخرجه الطيالسي (١٦٣٩). ومن طريقه أخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٤٠١، ضمن منكرات حبيب بن يزيد الأنماطي.
(٤) سلف في شرح حديث ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، وانظر تخريجه هناك.
[ ١٠ / ٣٣٤ ]
وقال آخرُونَ: إنَّ عُثمانَ إنَّما أتمَّ في السَّفرِ، لأنَّهُ كان لهُ في تلك المناهِلِ أهَلٌ ومالٌ.
وهذا موجُودٌ في حَديثٍ رواهُ عِكْرِمةُ بن إبراهيمَ الأزديُّ المَوْصلي (^١)، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ بن أبي ذُبابِ، عن أبيه، عن عُثمانَ بن عفّانَ: أَنَّهُ صلَّى بأهلِ منًى أربَعَ ركعاتٍ، فلمّا سلَّمَ أَقبَلَ على النّاسِ، فقال: إنِّي تأهَّلتُ بمكّةَ، وقد سَمِعتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- يقولُ: "من تأهَّلَ في بَلْدةٍ، فهُو من أهلِها، فليُصلِّ أربعًا". فلِذلك صلَّيتُ أربعًا.
ذكر الطَّحاويُّ (^٢)، عن يحيى بن عُثمانَ بن صالح، عن عَمرِو بن الرَّبيع بن طارِقٍ الهِلاليِّ.
وعن إسماعيلَ بن حَمْدوية، عنِ الحُميديِّ (^٣)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه (^٤) مولى بني هاشِم. قالا جميعًا: أخبَرنا عِكْرِمةُ بن إبراهيمَ، بإسنادِهِ كما ذكَرْناهُ. والحارِثُ بن أبي ذُبابٍ قد عَمِلَ لعُمرَ بن الخطّابِ على الصَّدَقةِ.
وقال آخرُونَ: إتمامُهُ إنَّما كان على نحوِ إتمام عائشةَ، وقد ذكَرْنا الوُجُوهَ التي تُؤُوِّلَتْ على عائشةَ في إتمامِها، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ.
_________________
(١) في ف ٣، م: "المرطي"، محرف. انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٧/ ٥٠، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/ ١١.
(٢) في شرح مشكل الآثار ١٠/ ٤١٦ - ٤١٧ (٤٢٢١، ٤٢٢٢).
(٣) في مسنده (٣٦). وأخرجه أحمد في مسنده ١/ ٤٩٦ (٤٤٣). ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٩/ ٢٥٦. وهذا إسناد ضعيف، لضعف عكرمة بن إبراهيم.
(٤) في: الأصل، ف ٣، م، تقديم وتأخير: "عبد اللَّه بن عبد الرحمن". انظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي، وانظر: أيضًا تهذيب الكمال ١٧/ ٢١٧.
[ ١٠ / ٣٣٥ ]
وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (^١)، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْريِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه -ﷺ- بمِنًى رَكْعتينِ، ومع أبي بكرٍ رَكْعتينِ، ومع عُمرَ رَكْعتينِ، ومع عُثمانَ صدرًا من خِلافتِهِ، ثُمَّ صلّاها أربعًا. قال ابنُ شِهابٍ: فبَلَغَني أنَّ عُثمانَ إنَّما (^٢) صلّاها أربعًا؛ لأنَّهُ أزمَعَ أن يُقيمَ بعدَ الحجِّ.
قال أبو عُمر: هذا وَجْهٌ صحيحٌ مُجتمَعٌ عليه فيمَنْ نَوَى الإقامةَ، أَنَّهُ يَلْزمُهُ الإتمامُ.
وقال وُهَيبٌ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- وأبا بكرٍ وعُمرَ صلَّوا بمِنًى رَكْعتينِ، وعُثمانَ شَطْرَ إمارتهِ، ثُمَّ أتمَّها عثمانُ بعدُ.
قال عُبيدُ اللَّه: فسَألتُ ابنَ شِهابٍ الزُّهْريِّ: لمَ (^٣) أتَمَّها عُثمانُ؟ قال: لأنَّهُ اتَّخذَ أموالًا بالطّائفِ، فأجمَعَ المُقامَ، فأتمَّ الصَّلاةَ (^٤).
أمّا قولُهُ: بالطّائفِ. فليسَ بشيءٍ، لأنَّهُ بَلَدٌ آخرُ.
وقال مَعْمرٌ عن قَتادةَ: إنَّ عُثمان لمّا صلَّى أربَعًا، بلَغَ ذلك ابنَ مسعُودٍ، فاسْتَرجعَ، ثُمَّ قامَ فصَلَّى (^٥) أربعًا، فقيلَ لهُ: اسْتَرجَعْتَ، ثُمَّ صلَّيتَ أربعًا؟ فقال: الخِلافُ شرٌّ (^٦).
ورَوَى أبو مُعاويةَ، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيد، عن عبدِ اللَّه، قال: صلَّى عُثمانُ بمِنًى أربعًا. قال: فقال عبدُ اللَّه: صلَّيتُ مع النَّبيِّ
_________________
(١) في المصنَّف (٤٢٦٨)، وتقدم تخريجه في ٧/ ٣٢٥.
(٢) في الأصل، م: "أيضًا".
(٣) من قوله: "أتمها بعد" إلى هنا سقط من م.
(٤) انظر: سنن أبي داود (١٩٦٣).
(٥) هذه الكلمة سقطت من م.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٦٩).
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
-ﷺ- رَكْعتينِ، ومعَ أبي بكرٍ رَكْعتينِ، ومعَ عُمرَ رَكْعتينِ، ثُمَّ تفرَّقت بكُمُ الطُّرُقُ، ولودِدتُ أنَّ لي من أربع رَكَعاتٍ، رَكْعتينِ مُتقبَّلتينِ.
قال الأعمشُ: فحدَّثني مُعاويةُ بن قُرّةَ: أنَّ عبدَ اللَّه صلّاها بعدُ أربعًا، فقيل لهُ: عِبْتَ على عُثمانَ وتُصلِّي أربعًا؟ قال: الخِلافُ شرٌّ.
حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ محمدُ بن خازِم (^١)، قال: حدَّثنا الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّه، قال: صلَّى عُثمانُ. فذكَرهُ (^٢).
قال: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن أصحابِهِ، عن إبراهيمَ، عنِ الأسْوَدِ، قال: كنتُ معَ عبدِ اللَّه بمِنًى، فلمّا صلَّى عُثمانُ أربَعًا، قال عبدُ اللَّه: صَلَّيتُ معَ رسُولِ اللَّه -ﷺ- في هذا المكانِ رَكْعتينِ، وصلَّى أبو بكرٍ رَكْعتينِ، وصلَّى عُمرُ رَكْعتينِ. قال الأسودُ: فقلتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ألا سلَّمتَ في رَكْعتينِ وجعلتَ الرَّكعتينِ الأُخْرَيينِ تَسْبيحًا؟ قال: الخِلافُ شرٌّ (^٣).
قال أبو عُمر: فهذا يدُلُّكَ على أنَّ القصرَ عندَ ابنِ مسعُودٍ ليسَ بفَرْضٍ، وإنَّما أنكرَ لمُخالَفةِ عُثمان الأفضَلَ عندَهُ؛ لأنَّ الأفضَلَ عندَهُ اتِّباعُ السُّنّةِ، ثُمَّ
_________________
(١) في م: "بن حازم"، خطأ. وهو محمد بن خازم التميمي السعدي، أبو معاوية الضرير الكوفي. انظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ١٢٣، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٣/ ١٨.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٥١٩٤) عن زهير بن حرب، به. وأخرجه الشافعي في الأم ٧/ ١٨٨، وأحمد في مسنده ٦/ ٧٣ (٣٥٩٢)، ومسلم (٦٩٥) (١٩)، وأبو داود (١٩٦٠)، وابن خزيمة (٢٩٦٢)، والشاشي في مسنده (٤٦١)، والطبراني في الكبير ١٠/ ١٤١ (١٠١٤١)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٤٣ من طريق أبي معاوية، به. وأخرجه أحمد أيضًا ٧/ ١٠٦ - ١٠٧ (٤٠٠٣)، والبخاري (١٠٨٤، ١٦٥٧)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٢٠، وفي الكبرى ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢ (١٩٢٠)، وأبو عوانة (٣٥١٠، ٣٥١١) من طريق الأعمش، به. وانظر: المسند الجامع ١١/ ٥٥٤ - ٥٥٥ (٩٠٥٤).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥٣٧٧)، والشاشي في مسنده (٤٦٠) من طريق زهير بن حرب، عن جرير، به.
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
رأى اتِّباعَ إمامِهِ فيما أُبيحَ لهُ أولى من إتيانِ الأفْضَلِ في القَصْرِ؛ لأنَّ مُخالَفةَ الأئمّةِ لا تجُوزُ إلّا فيما لا يحِلُّ، وأمّا فيما أُبيحَ، فلا يجُوزُ فيه مُخالَفةُ الأئمّةِ إذا حَملهُم على ذلك الاجتِهادُ.
ولعلَّ عُثمانَ ذهَبَ إلى أنَّ اختيارَ رسُولِ اللَّه -ﷺ- سَفرِهِ القَصْرَ، كان لأنَّهُ أيْسَرُ على أُمَّتِهِ، فاختارَهُ لذلك.
وقالت عائشةُ: ما خُيِّرَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- بينَ أمْرَينِ، إلّا اختارَ أيَسْرَهُما، ما لم يَكُن إثمًا. . . الحديثَ (^١).
وهذا لا حُجّةَ فيه؛ لأنَّ ما اختارَهُ رسُولُ اللَّه -ﷺ- لأُمَّتِهِ وسنَّهُ، وواظَبَ عليه، كان أفضلَ مِمّا سِواهُ.
ومِثلُ حديثِ ابنِ مسعُودٍ هذا، حديثُ سلْمانَ؛ ذَكَر عبدُ الرَّزّاقِ (^٢)، عنِ اسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ليلى الكِنْديِّ، عن سلْمانَ، أَنَّهُ كان مع قوم في السَّفرِ، فحَضَرتِ الصَّلاةُ، فقالوا لهُ: صلِّ بنا. فقال: إنّا لا نؤُمُّكُّم، ولا ننكِحُ نِساءَكُم، فأبَى، فتَقدَّمَ رجُلٌ من القوم، فصَلَّى بهم أربَعَ رَكَعاتٍ، فلمّا سلَّمَ، قال سلمانُ: ما لنا وللمُربَّعةِ؟ وإنَّما كان يَكْفينا نِصفُ المُربَّعةِ، ونحنُ إلى الرُّخْصةِ أحْوَجُ.
ألا تَرى أنَّ سلمانَ لم يُعِدِ الصَّلاةَ، بل تمادَى مع إمامِهِ فصَلَّى أربعًا، وإن كان لم يحمَدْ ذلك لهُ؟ فهذا يدُلُّ على أنَّ القصرَ عندَ سلْمانَ رُخصةٌ وسُنّةٌ.
وقد تقدَّمَ عنِ ابنِ عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ: أنَّ ذلك سُنّةٌ.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٨٦ (٢٦٢٧).
(٢) في المصنَّف (٤٢٨٣).
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا هشامُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتادةَ، عن موسى بن سَلَمةَ، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ، قلتُ: أكُونُ بمكّةَ فكيفَ أُصلِّي؟ قال: رَكْعتينِ، سُنّةَ أبي القاسم، -ﷺ- (^١).
فحَسْبُكَ بهذا عنِ ابنِ عبّاسٍ، وفيه تصريح أنَّ ذلك سُنّةٌ.
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (^٢)، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: قلتُ لهُ: ما جُعِلَ القَصْرُ في الخَوْفِ وقد أمِنَ النّاسُ؟ قال: السُّنّةُ. قلتُ: ورُخصةٌ؟ قال: نعم. قال: وقال لي عَمرُو بن دينارٍ مِثلَهُ.
قال (^٣): وحدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: كان سعْدُ بن أبي وقّاصٍ وعائشةُ يُوفِّيانِ الصَّلاةَ في السَّفرِ، ويصومانِ. قال: وسافَرَ نفرٌ من أصحابِ النَّبيِّ -ﷺ-، فأوفَى سعدٌ الصَّلاةَ وصامَ، وقصرَ القومُ وأفطرُوا، فقالوا لسَعْدٍ: كيفَ نُفطِرُ ونقصُرُ الصَّلاةَ، وأنت تُتِمُّها وتصومُ؟ فقال: دُونَكُم أمرُكُم، فإنِّي أعلمُ بشأني. قال: فلم يُحرِّمهُ سعدٌ عليهم، ولم يَنْهَهُم عنهُ. قال ابنُ جُرَيج: فقلتُ لعطاءٍ: فأيُّ ذلك أحبُّ إليكَ؟ قال: قَصْرُها. قال: وكلُّ ذلك قد فعَلَهُ الصّالِحُونَ والأخيارُ.
قال أبو عُمر: حديثُ عَطاءٍ هذا، وما حَكاهُ عن سَعْدٍ وعائشةَ، أعرَفُ (^٤) من رِوايةِ جُوَيريَةَ، عن مالكٍ، عنِ الزُّهْريِّ، عن رَجُلٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن المِسْورِ بن مَخْرمةَ: أنَّ سعدَ بن أبي وقّاصٍ والمِسْوَر بن مخرمةَ وعبد الرَّحمنِ بن
_________________
(١) سلف في شرح حديث ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، وهو في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩). وانظر تخريجه هناك.
(٢) في المصنَّف (٤٢٧٢).
(٣) أي: عبد الرزاق في المصنَّف (٤٤٥٩، ٤٤٦٠).
(٤) في ف ٣: "أقرب".
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
عبدِ يَغُوثَ كانوا جميعًا، فكان سَعْدٌ يقصُرُ الصَّلاةَ ويُفطِرُ، وكانا يُتِمّانِ الصَّلاةَ ويصُومانِ، فقيل لسعدٍ في ذلك، فقال سَعْدٌ: نحنُ أعلمُ (^١).
المشهُورُ عن سَعْدٍ ما ذكَرهُ عَطاءٌ. وعلى أيِّ (^٢) حالٍ كان، ففيه دليلٌ على إباحةِ القَصْرِ والتَّمام، وعلى هذا يخرُجُ اختِلافُ الرِّوايةِ عن سَعْدٍ، كأنَّهُ كان يُتِمُّ مرّةً، ويقصُرُ أُخرى، وكذلك كلُّ من رُوي عنهُ مِثلُ ذلك من الصَّحابةِ، واللَّهُ أعلمُ.
ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، عنِ ابنِ لهيعةَ، عن بُكَيرِ بن الأشجِّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، أنَّ رَجُلًا قال لهُ: عَجِبتُ من عائشةَ، حينَ كانت تُصلِّي أربَعًا في السَّفرِ، ورسُولُ اللَّه -ﷺ- كان يُصلِّي ركعتينِ، فقال لهُ القاسمُ: عليكَ بسُنّةِ رسُولِ اللَّه -ﷺ-، فإنَّ منَ النّاسِ من لا يُعابُ (^٣).
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (^٤): أخبرنا مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ.
قال (^٥): وأخبرنا الثَّوريُّ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيه عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفَرِ.
قال أبو عُمر: ردَّ الذين ذَهَبُوا إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ معَ الأمنِ سُنّةٌ مسنُونةٌ غيرُ فرِيضةٍ، حديثَ عائشةَ -حيثُ قالت: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ،
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٢٠، من طريق جويرية، به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٠/ ٢٨٤، و٣٥/ ٤٣٣، من طريق الزهري، به.
(٢) في م: "أن".
(٣) سلف في شرح حديث ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، وهو في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩). وانظر تخريجه هناك.
(٤) في المصنَّف (٤٤٦١).
(٥) أي: عبد الرزاق في المصنَّف (٤٤٦٢).
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
فزيدَ في صَلاةِ الحَضِر، وأُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ (^١) - فردُّوهُ بأنْ قالوا: قد صَحَّ عنها أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ، وهذا من فِعْلِها، يرُدُّ قولَها ذلك، وإن صَحَّ قولُها ذلك عنها، ولم يدخُلْهُ الوَهَمُ من جِهةِ النَّقلِ، فهُو على غيرِ ظاهِرِهِ، وفيه معنًى مُضْمرٌ باطِنٌ، وذلك -واللَّهُ أعلمُ- كأنَّها قالت: فأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفرِ لمن شاءَ، أو نحوُ هذا. قالوا: ولا يجُوزُ على عائشةَ أنَّ تُقِرَّ بأنَّ القصرَ فَرْضٌ في السَّفرِ، وتُخالِفَ الفرضَ، هذا ما لا يجُوزُ لمسلِم أن ينسُبَهُ إليها.
قالوا: وغيرُ جائزٍ تأويلُ من تأوَّلَ عليها: أنَّ إتمامَها كان من أجلِ أنَّها كانت أُمَّ المُؤمِنينَ، فكانت حيثُما نَزلَتْ نَزلَتْ (^٢) على بنيها، فلم تَقصُرْ؛ لأنَّ ذلك كان منها كأنَّها كانت في بَيْتِها، وهذا لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يَعْتقِدَهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ به صارَتْ عائشةُ وسائرُ أزواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤمِنين، وكانَ -ﷺ- للمُؤمِنين أبًا رؤُوفًا رحيمًا، وكان يَقْصُرُ في أسفارِهِ كلِّها، في غَزَواتِهِ وعُمَرِهِ (^٣)، وحجَّتِهِ -ﷺ-، وفي قِراءةِ أُبيِّ بن كَعْبٍ: "النَّبيُّ أوْلَى بالمُؤمِنين من أنفُسِهِم وأزواجُهُ أُمَّهاتُهُم وهُو أبٌ لهم" (^٤).
فمِمّا يرُدُّ حديثَ عائشةَ: إتمامُها في أسْفارِها، ومِمّا يرُدُّهُ أيضًا حديثُ ابنِ عبّاسٍ وغيرِهِ: أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وما رُوي عنها مِمّا قدَّمنا ذِكرَهُ في هذا البابِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- أتمَّ في السَّفرِ وقصَرَ، وصامَ وأفطَرَ.
_________________
(١) سلف تخريجه في هذا الباب.
(٢) هذه الكلمة سقطت من م.
(٣) في ف ٣: "وعمرته"، وهو من حجّ مرةً واحدة، واعتمر أربع عُمَر، كما هو معلوم.
(٤) انظر: تفسير عبد الرزاق ٣/ ٣١ (٢٣١٦). وهي قراءة ابن مسعود أيضًا، وهي قراءة شاذة. انظر: البحر المحيط ٨/ ٤٥٣.
[ ١٠ / ٣٤١ ]
ومِمّا يُعارِضُهُ أيضًا: حديثُ القُشَيريِّ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، أَنَّهُ قال: "وضَعَ اللَّهُ عنِ المُسافِرِ الصَّومَ، وشطْرَ الصَّلاةِ" (^١). و"وضَعَ" لا يكونُ في الأغلبِ إلّا مِمّا قد ثبتَ، فوُضِعَ منهُ.
وفي إجماع الجُمهُورِ من الفُقهاءِ، على أنَّ المُسافِرَ إذا دخَلَ في صلاةِ المُقيمينَ، فأدركَ منها ركعةً، أَنَّهُ يَلْزمُهُ أن يُصلِّيَ أربعًا، فلو كان فرضُ المُسافِرِ رَكْعتينِ، لم ينتقِلْ فرْضُهُ إلى أربع، كما أنَّ المُقيمَ إذا دخَلَ خلفَ المُسافِرِ، لم يَنْتقِلْ فرضُهُ إلى اثْنَتينِ. وهذا واضِحٌ لمن تدبَّر وأنصفَ.
قالوا: وكيفَ يجُوزُ للمُسافِرِ أن يكون مخُيَّرًا، إن شاءَ دخَلَ خلفَ الإمام المُقيم، فصلَّى أربعًا، وإن شاءَ صلَّى وَحدَهُ رَكْعتينِ، ولا يكونُ مُخيَّرًا في حالِ انْفِرادِهِ، إن شاءَ صَلَّى رَكْعتينِ، وإن شاءَ أربعًا؟ قالوا: ولو كان فرْضُ المُسافِرِ رَكْعتينِ، ما جازَ لهُ تَغْييرُ فرضِهِ، بالدُّخُولِ مع المُقيم في صَلاتِهِ، ولبَطَلتْ صلاتُهُ، كما لو صلَّى الصُّبحَ خلفَ إمام يُصلِّي الظّهرَ، إلى آخِرِها، وهذا بيِّنٌ واضِحٌ، والحمدُ للَّه.
أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (^٢)، قال: أخبرنا محمدُ بن حاتِم، قال: أخبرنا حِبّانُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ، عن شَيْخ من بني قُشَيرٍ، عن عمِّهِ: أنَّهُ انتهى إلى النَّبيِّ -ﷺ- وهُو يأكُلُ، أو قال: يَطْعَمُ، فقال: "ادْنُ فكُل". فقلتُ: إنِّي صائمٌ، فقال: "إنَّ اللَّهَ وضَعَ عنِ المُسافِرِ شطْرَ الصَّلاةِ والصِّيام، وعن الحُبلى والمُرضِع".
ورواهُ عبدُ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، وعَمرُو بن أُميّةَ الضَّمريُّ، عنِ النَّبيِّ ﵇.
_________________
(١) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٢) في الكبرى ٣/ ١٥١ (٢٥٩٦)، وهو في المجتبى ٤/ ١٨٠. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٢٣، من طريق ابن المبارك، به، وإسناده ضعيف، لجهالة الشيخ من بني قشير. وانظر: المسند الجامع ١٨/ ٧٨٦ (١٥٧٠٠).
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
فأمّا حديثُ ابنِ الشِّخِّيرِ، فرواهُ أبو عَوانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن هانِئ بن عبدِ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﵇: أنَّهُ قدِمَ عليه (^١). فذكَرَ مِثلَ حديثِ القُشَيريِّ.
وأمّا حديثُ عَمرِو بن أُميّةَ، فرواهُ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن جَعْفرِ بن عَمرِو بن أُميّةَ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﵇. هكذا حدَّثَ به الوليدُ بن مُسلِم، عنِ الأوزاعيِّ (^٢).
ورواهُ أبو المُغيرةِ (^٣)، ومحمدُ بن حَرْبٍ (^٤)، عنِ الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المُهاجِرِ، عن أبي أُميّةَ الضَّمْريِّ، يعني: عَمرَو بن أُميّةَ.
وكذلك رواهُ مُعاويةُ بن سلّام، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (^٥).
وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٦): أخبَرنا عَبْدةُ بن عبدِ الرَّحيم، عن محمدِ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرَنا الأوزاعيُّ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ، قال: حدَّثني عَمرُو بن أُميّةَ الضَّمْريُّ،
_________________
(١) أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ١٨١، وفي الكبرى ٣/ ١٥٢ (٢٦٠٠) من طريق أبي عَوانة، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٣٤١ - ٣٤٢ (٥٩٠٠).
(٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ١٧٨، وفي الكبرى ٣/ ١٤٨ - ١٤٩ (٢٥٨٩) من طريق الوليد بن مسلم، به. وانظر: المسند الجامع ١٤/ ١٠١ - ١٠٢ (١٠٧٠٩).
(٣) أخرجه الدارمي (١٧١٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٧٩، وفي الكبرى ٣/ ١٤٩ (٢٥٩٠)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٦١ (٩٠٧) من طريق أبي المغيرة، به.
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ١٧٩، وفي الكبرى ٣/ ١٤٩ (٢٥٩١) من طريق محمد بن حرب، به.
(٥) أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ١٨٠، وفي الكبرى ٣/ ١٥٠ (٢٥٩٣) من طريق معاوية بن سلام، به.
(٦) أخرجه النسائي في الكبرى ٣/ ١٤٨ (٢٥٨٨)، وهو في المجتبى ٤/ ١٧٨. وانظر: المسند الجامع ١٤/ ١٠١ (١٠٧٠٨).
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
قال: قَدِمتُ على عَهدِ رسُولِ اللَّه -ﷺ- من سَفرٍ، فقال: "انْتَظِرِ الغَداءَ يا (^١) أبا أُميّةَ"، فقلتُ: إنِّي صائمٌ، قال: "ادْنُ منِّي حتّى أُخبِرَكَ عنِ المُسافِرِ، إنَّ اللَّهَ وضَعَ عنهُ الصِّيامَ، ونِصفَ الصَّلاةِ".
حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^٢): حدَّثنا ابنُ عُليّةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي نَضْرةَ، قال: مرَّ عِمْرانُ بن حُصَينٍ في مَجْلِسِنا، فقال: غَزَوتُ معَ رسُول اللَّه -ﷺ-، فلم يُصلِّ إلّا رَكْعتينِ حتّى رجَعَ إلى المدينةِ، وحَجَجتُ معهُ، فلم يُصلِّ إلّا رَكْعتينِ، حتّى رجَعَ إلى المدينةِ، وشهِدتُ معهُ الفتحَ، فأقامَ بمكّةَ ثماني عَشْرةَ، لا يُصلِّي إلّا رَكْعتينِ، ثُمَّ يقولُ لأهْلِ البَلدِ: "صلُّوا أربعًا، فإنّا قومٌ سَفرٌ". واعْتَمرتُ معهُ ثلاثَ عُمَرٍ لا يُصلِّي إلّا رَكْعتينِ.
فهذا يدُلُّكَ على أنَّ الإمامةَ لا تنقُلُ فرضًا عن حالِهِ، ألا تَرى إلى قولِهِ -ﷺ- لمن خَلْفَهُ من أهلِ الحَضَرِ: "صلُّوا أربعًا فإنّا قومٌ سفرٌ"؟ وكذلك قال عُمرُ لأهلِ مكّةَ أيضًا، حينَ صلَّى بهم، ثُمَّ سلَّمَ من رَكْعتينِ وقال لهم: أتِمُّوا صَلاتَكُم، فإنّا قومٌ سَفرٌ (^٣).
فلمّا لم يكُنِ اتِّباعُ الإمام يحمِلُ المُقيمَ إذا صلَّى خلفَ المُسافِرِ، على أن يَجْتزِئَ برَكعتينِ، ويقتصِرَ على السَّلام معهُ؛ لأنَّ كلًّا على فرْضِهِ، وكان المُسافِرُ
_________________
(١) حرف النداء لم يرد في د ٤، ف ٣.
(٢) في المصنَّف ٢/ ٢٠٥ (٨١٧٤). وأخرجه الشافعي في السنن المأثورة (١٢)، وأحمد في مسنده ٣٣/ ١٠٤، ١١٠ (١٩٨٧١، ١٩٨٧٨)، وأبو داود (١٢٢٩)، وابن خزيمة (١٦٤٣)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٠٩ (٥١٥)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٥٧، من طريق إسماعيل بن علية، به. وانظر: المسند الجامع ١٤/ ٢١٦ - ٢١٧ (١٠٨٣٧). وهذا إسناد ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢١٣ (٤٠٤).
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
إذا أدركَ رَكْعةً من صَلاةِ المُقيم، انتقلَ حُكمُهُ إلى حُكم المُقيم، ولَزِمهُ أن يُصلِّيَ أربعًا، عَلِمنا بذلك أنَّ قصرَ الصلاةِ ليسَ بفَرْضٍ واجِبٍ؛ لأنَّهُ لو كان فرضًا، لأضافَ المُسافِرُ إلى رَكْعتِهِ التي أدركها من صلاةِ المُقيم رَكْعةً أُخرى، واستُجزِئَ بذلك. فلمّا أجمعُوا على غيرِ ذلك، عُلِمَ أنَّ القصرَ للمُسافِرِ سُنّةٌ لا فرضٌ.
ألا تَرى أنَّهُم قد أجمعُوا أنَّهُ جائزٌ للمُسافِرِ أن يُصلِّيَ خلفَ المُقيم، من كرِهَ ذلك منهُم، ومنِ اسْتَحسنهُ، كلُّهُم يُجيزُهُ؟ وقد أجمعُوا على أنَّ المُسافِرَ إذا أدركَ رَكْعةً من صلاةِ المُقيم، لزِمهُ الإتمامُ، بل قد قال أكثرُهُم: إنَّهُ إذا أحرمَ المُسافِرُ خلفَ المُقيم قبلَ سَلامِهِ، أنَّهُ تلزمُهُ صلاةُ المُقيم، وعليه الإتمامُ، فلو كان القَصْرُ فرضًا واجِبًا، ما دخلَ المُسافِرُ معَ المُقيم في صلاتِهِ، والأمرُ في هذا واضِحٌ بيِّنٌ، لمن لم يُعانِد وأُلهِم رُشْدَهُ.
أخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكَينٍ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمرَ، قالا: سَنَّ رسُولُ اللَّه -ﷺ- للمُسافِرِ رَكْعتينِ، وهُما تمامٌ. قالا: والوِترُ في السَّفرِ من السُّنّةِ (^١).
فهذا ابنُ عُمرَ وابنُ عبّاسٍ قد قالا: إنَّ صلاةَ المُسافِرِ سُنّةٌ. كما قالا: إنَّ الوتْرَ في السَّفرِ من السُّنّةِ.
وقد مَضَى في هذا البابِ عنِ ابنِ عُمرَ أيضًا وابنِ عبّاسٍ مِثلُ ذلك، وعن عَطاءٍ، وعَمرِو بن دينارٍ، والقاسم بن محمدٍ مِثلُ ذلك (^٢)، وقد أشْبَعنا هذا المعنى عندَ ذِكرِ حديثِ ابنِ شِهاب، عن رَجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ، في كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.
_________________
(١) سلف في شرح حديث ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، وهو في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩). وانظر تخريجه هناك.
(٢) انظر: مصنَّف عبد الرزاق ٣/ ٤٢ - ٤٣ (٤٢٧٢، ٧٢٧٣، ٧٢٧٤).
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا البابِ (^١)، فرُوي عن مالكٍ: أَنَّهُ قال مرّةً في مُسافِرٍ أمَّ مُقيمينَ، فأتمَّ بهمُ الصَّلاةَ، جاهلًا، ومنهُمُ المُسافِرُ والمُقيمُ. قال: أرَىَ أن يُعيدُوا الصَّلاةَ جميعًا. ورُوي عنهُ أيضًا أنَّهُ قال: يُعيدُ ما كان في الوَقتِ، وما مَضَى وقتُهُ فلا إعادةَ عليه.
وقال ابنُ المَوّازِ -في من صلَّى أربعًا ناسيًا لسفرِهِ، أو ناسيًا لإقصارِهِ، أو ذاكِرًا-: فلْيُعِد في الوَقتِ. وكذلك قال سُحنُونٌ فيمَنْ صلَّى في السَّفرِ ناسيًا، أو ذاكِرًا. وزادَ: أو جاهِلًا، أربعًا: إنَّهُ يُعيدُ في الوَقْتِ.
وقال ابنُ المَوّاز: لوِ افتتَحَ على رَكْعتينِ، فأتمَّها أربعًا تَعمُّدًا، أعاد أبدًا، وإن كان سَهْوًا، سجدَ لسَهوِهِ، وأجزأهُ.
وقال سُحنُونٌ: بل يُعيدُ أبدًا، لكَثْرةِ السَّهوِ.
وقال ابنُ الموّازِ: ليس كسَهوٍ (^٢) مُجتَمَع عليه.
وذكر أبو الفَرج، عن مالكٍ، قال: ومن أتمَّ في السَّفرِ، أعادَها مَقْصُورةً، ما دامَ في وَقْتِها، إلّا أن يَنْويَ مُقامًا، فيُعيدُها كامِلةً، ما دامَ في وَقْتِها. قال: ولو صلَّى مُسافِرٌ بمُسافِرينَ، فسَها فقامَ ليُتِمَّ، فلْيجلِسْ مَن وراءَهُ، حتّى يُسلِّمُوا بسلامِهِ، وعليه إعادةُ الصَّلاةِ، ما دامَ في الوَقتِ.
قال القاضي أبو الفَرج: أحسَبُهُ أَنَّهُ ألزَمَ هذا الإعادةَ، لأنَّهُ سُبِّح به، فتمادَى في صلاتِهِ عامِدًا، عالمًا بذلك، وأمّا إن كان ساهيًا، فلا وجهَ لأمرِهِ بالإعادةِ؛ لأنَّهُ بمَنْزِلةِ مُقيم صلَّى الظَّهر خمسًا ساهيًا، فلم يكُن عليه إعادةٌ.
_________________
(١) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ١/ ٢٧٠، والأم للشافعي ١/ ٢٠٨، والمدونة لسحنون ١/ ٢٠٦، ومسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد اللَّه، ص ١١٧ (٤١٩)، والأوسط لابن المنذر ٤/ ٣٨١، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٥٨. وانظر فيها ما بعده.
(٢) في ف ٣: "كل سهو".
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
وذكر ابنُ خُوَيْز مَنْداد أنَّ مالكًا يقولُ: إنَّ القصرَ في السَّفرِ مسنُونٌ غيرُ واجِب. وهُو قولُ الشّافِعيُّ.
قال أبو عُمرَ: في قولِ مالكٍ: إنَّ من أتمَّ الصَّلاةَ في السَّفرِ، لم تلزمَهُ الإعادةُ، إلّا في الوقتِ. دليلٌ على أنَّ القصرَ عِندهُ ليسَ بفرضٍ.
وقد حَكَى أبو الفرج في كِتابِهِ، عن أبي المُصْعبِ، عن مالكٍ، قال: القَصْرُ في السَّفرِ للرِّجالِ والنِّساءِ سُنّةٌ.
قال أبو الفَرج: فلا معنى للاشتِغالِ بالاستِدلالِ على مَذهبِ مالكٍ، معَ ما ذكَرَهُ أبو المُصعبِ: أنَّ القصرَ عندَهُ سُنّةٌ لا فرضٌ. قال: ومِمّا يدُلُّ على ذلك من مذهبِهِ: أنَّهُ لا يَرى الإعادةَ على من أتمَّ في السَّفرِ، إلّا في الوَقتِ.
قال أبو عُمر: فهذا أصحُّ ما في هذه المسألةِ عن مالك (^١)، وذلك أصحُّ الأقاويلِ فيها من جِهةِ النَّظرِ والأثَرِ، وباللَّه التَّوفيقُ.
وأمّا الشّافِعيُّ وأبو ثَوْرٍ، فكانا يقولانِ: إن شاءَ المُسافِرُ قصَرَ، وإن شاءَ أتمَّ.
وذكر أبو سَعْدٍ القَزْوينيُّ المالكيُّ: أنَّ الصَّحيحَ في مذهبِ مالكٍ: التَّخييرُ للمُسافِرِ في الإتمام والقَصْرِ، كما قال الشّافِعيُّ، إلّا أنَّهُ يَسْتَحبُّ لهُ القَصْرُ، ولذلك يَرى عليه الإعادةَ في الوَقتِ إن أتمَّ.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إذا صلَّى المُسافِرُ أربعًا، فإن كان قعدَ في كلِّ رَكْعتينِ قَدْرَ التَّشهُّدِ، فصلاتُهُ تامّةٌ، وإن لم يَكُن قعَدَ في الرَّكعتينِ الأُوليينِ قَدْرَ التَّشهُّدِ، فعليه أن يُعيدَ.
_________________
(١) قوله: "عن مالك" سقط من م.
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
قال أبو عُمر: هذا على أُصُولِهِم في أنَّ التَّشهُّدَ والسَّلامَ لَيْسا بواجِبَينِ، والجُلُوسُ مِقدارَ التَّشهُّدِ عندَهُم واجِبٌ، وبه يخرُجُ عندَهُم من الصَّلاةِ. وللرَّدِّ عليهم في ذلك موضِعٌ غيرُ هذا.
وقال حمّادُ بن أبي سُليمانَ: من أتمَّ في السَّفرِ، أعادَ. والإعادةُ عندَهُ وعندَ أبي حَنِيفةَ، على ما قدَّمنا من أُصُولِهِم، أبدًا.
وجاءَ عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ ما يدُلُّ على أنَّ القصرَ في السّفرِ واجِبٌ؛ لأنَّهُ قال: الرَّكعتانِ للمُسافِرِ حَتْمٌ، لا يصلُحُ غيرُهُما (^١).
واختُلِف في هذه المسألةِ عن أحمد بن حَنْبل، فقال مرّةً: أنا أُحِبُّ العافَيةَ من هذه المسألةِ. وقال مرّةً أُخرى: لا يُعجِبُني أن يُصلِّي أربَعًا، السُّنّةُ رَكْعتانِ (^٢).
وقد مَضَى القولُ في كثيرٍ من مسائلِ هذا البابِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسيدٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.
_________________
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٣٢٤.
(٢) المصدر السابق نفسه.
[ ١٠ / ٣٤٨ ]