حديثٌ ثانٍ لعبدِ اللَّه بن أبي بكر (^١)
مالكٌ (^٢)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أَنَّهُ سمِعَ عبّاد بن تميم يقولُ: سمِعتُ عبد اللَّه بن زيدٍ المازِنيَّ يقولُ: خرجَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- إلى المُصلَّى، فاسْتَسْقَى، وحوَّل رِداءَهُ حينَ اسْتَقبلَ القِبْلةَ.
هكذا روى مالكٌ هذا الحديث بهذا الإسنادِ، وهذا اللَّفظِ لم يَذكُر فيه الصَّلاةَ، لم يختلِف رُواةُ "المُوطَّأ" في ذلك عنهُ، فيما عَلِمتُ (^٣).
إلّا أنَّ إسحاقَ بن عيسى الطَّبّاع رَوَى هذا الحديث عن مالكٍ، فزادَ فيه: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- بَدَأ في الاسْتِسقاءِ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطبةِ. ولم يَقُلْ: حوَّل رِداءَهُ؛ ذكَرهُ النَّسائيُّ في "مُسندِ مالكٍ" عن زكريّا بن يحيى، عن هارونَ (^٤) بن عبدِ اللَّه، عن إسحاقَ (^٥).
_________________
(١) من هنا إلى آخر مخطوطة ي ١ لم نُعنَ بإثبات كل الفروق والتصحيفات والتحريفات والسقط الواقع فيها لكثرته، واكتفينا منه بما هو ضروري الإشارة.
(٢) الموطأ ١/ ٢٦٤ (٥١١).
(٣) رواه عن مالك: أبو مصعب الزهري (٦٠٨)، وإسحاق بن عيسى الطباع عند أحمد ٢٦/ ٣٨٩ (١٦٤٦٦) والنسائي في "مسند مالك" كما ذكر المؤلف، وسويد بن سعيد (١٩٨)، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي عند أبي داود (١١٦٧) والجوهري (٤٩٧) والبيهقي ٣/ ٣٥٠، وعبد اللَّه بن وهب عند الطحاوي في شرح المعاني ١/ ٣٢٣، وعبد الرحمن بن مهدي عند أحمد ٢٦/ ٣٦٦ (١٦٤٣٥) و٢٦/ ٣٨٩ (١٦٤٦٦)، وقتيبة بن سعيد عند النسائي ٣/ ١٥٧، والشافعي ١/ ١٩٥ ومن طريقه البيهقي ٣/ ٣٥٠، ومحمد بن الحسن الشيباني (٢٩٤)، ويحيى بن يحيى النيسابوري عند مسلم (٨٩٤) (١) والبيهقي ٣/ ٣٥٠.
(٤) في م: "عن مروان"، خطأ. وهو هارون بن عبد اللَّه بن مروان البغدادي، أبو موسى البزاز، المعروف بالحمال. انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٩٦.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ٢٦/ ٣٨٩ (١٦٤٦٦) عن إسحاق بن عيسى، به.
[ ١١ / ١٤ ]
ورواهُ سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ (^١). فذكرَ فيه الصَّلاةَ.
ورواهُ أبو بكر بنُ محمدِ بن عَمرِو بن حزم، والِدُ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ هذا، عن عبّادِ بن تميم (^٢). فذكَرَ فيه الصَّلاةَ. وهذا الحديثُ سَمِعهُ عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ معَ أبيه من عبّادِ بن تميم.
وقد رَوَى هذا الحديث عن عبّادِ بن تميم: محمدُ بن شِهابٍ الزُّهريُّ. وحسبُكَ به جَلالةً وحِفظًا وفَهمًا، فذكرَ فيه الصَّلاةَ.
رواهُ عنِ ابنِ شِهابٍ جماعةٌ، منهُم: معمرٌ (^٣)، وابنُ أبي ذِئبٍ (^٤)، وشُعَيبٌ (^٥)، ويُونُسُ (^٦)، كلُّهُم عنِ ابنِ شِهاب، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ.
ورواهُ النُّعمانُ بن راشِدٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي
_________________
(١) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٢) سيأتي بإسناده لاحقًا أيضًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٣) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٤) أخرجه الطيالسي (١١٦٩)، وأحمد في مسنده ٢٦/ ٣٦٧ - ٣٦٩ (١٦٤٣٦، ١٦٤٣٩)، والبخاري (١٠٢٤، ١٠٢٥)، وأبو داود (١١٦٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٥٧، ١٦٣، ١٦٤، وفي الكبرى ٢/ ٣١٧ - ٣١٨، ٣٢٣ (١٨٢٣، ١٨٢٥، ١٨٤٠)، وابن خزيمة (١٤٢٠)، وأبو عوانة (٢٤٧٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٥، ٣٢٦، وابن حبان ٧/ ١١٥ - ١١٦ (٢٨٦٤، ٢٨٦٥)، والطبراني في الدعاء (٢١٩٩)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩، من طرق عن ابن أبي ذئب، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٢٩٥ - ٢٩٧ (٥٨٥٢).
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ٢٦/ ٣٨٢ (١٦٤٥٥)، والبخاري (١٠٢٣)، والدارمي (١٥٣٤)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٥٨، وفي الكبرى ٢/ ٣١٩ (١٨٢٩)، وابن خزيمة (١٤٢٤)، وأبو عوانة (٢٤٧٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٣، والدارقطني في سننه ٢/ ٤٢٣ (١٨٠٢)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٥٠، من طريق شعيب، به.
(٦) أخرجه مسلم (٨٩٤) (٤)، وأبو داود (١١٦٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٣، وفي الكبرى ٢/ ٣١٧ (١٨٢٣)، وأبو عوانة (٢٤٧٥)، وابن حبان ٧/ ١١٦ (٢٨٦٦)، والطبراني في الدعاء (٢١٩٩)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٤٨، من طريق يونس، به.
[ ١١ / ١٥ ]
هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّهُ كان إذا اسْتَسقَى، حوَّلَ رِداءَهُ، واسْتَقبلَ القِبلةَ (^١). فأخطأ في إسنارر، ولم يذكُر فيه الصَّلاةَ، ولم يُتابَعْ على إسنادِهِ هذا (^٢).
وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ، عنِ ابنِ شهابٍ.
وليسَ في تقصيرِ من قصَّرَ عن ذِكرِ الصَّلاةِ حُجّةٌ على من ذكَرَها، والحُجّةُ في قولِ من أثبتَ وحَفِظَ.
أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٣): أخبرنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرِ، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- اسْتَسقى، وصَلَّى رَكْعتينِ، وقلبَ رِداءَهُ.
وأخبَرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (^٤)، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، أنَّهُ سمِعَ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ١٤/ ٧٣ (٨٣٢٧)، وابن ماجة (١٢٦٨)، والبزار في مسنده ١٤/ ٣٧٤ (٨٠٨٨)، وابن خزيمة (١٤٥٩، ١٤٢٢)، وأبو عوانة (٢٥٢٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٥، والطبراني في الدعاء (٢٢٥١)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٤٧، من طريق النعمان، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٧٩١ (١٣١٣٣).
(٢) من قوله: "كلهم عن ابن شهاب" إلى هنا سقط من ي ١.
(٣) في الكبرى ١/ ٢٧٤، و٢/ ٣١٨ (٥٠٤، ١٨٢٦)، وهو في المجتبى ٣/ ١٥٧. وأخرجه البخاري (١٥٢٦) عن قتيبة، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٢٩٤ - ٢٩٧ (٥٨٥٢).
(٤) في مسنده (٤١٥). ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في المستخرج (٢٠١١)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٥٠. وأخرجه الشافعي في مسنده، ص ٨٥، وأحمد في مسنده ٢٦/ ٣٧٧ (١٦٤٥١)، والبخاري (١٠٠٥، ١٠١٢، ١٠٢٦، ١٠٢٧)، ومسلم (٨٩٤) (٢)، وابن ماجة (١٢٦٧)، وأبو عوانة (٢٤٧٥، ٢٤٧١)، والدارقطني في سننه ٢/ ٤٢٢ (١٧٩٩)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٤٤، من طريق سفيان بن عيينة، به.
[ ١١ / ١٦ ]
عبّاد بن تميم يُحدِّثُ، عن عَمِّهِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ، قال: خرجَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- إلى المُصلَّى يَسْتَسقي، فحوَّلَ رِداءَهُ، واسْتَقبلَ القِبلةَ، وصلَّى رَكْعتينِ.
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^١): أخبَرنا محمدُ بن مَنصورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا المسعُوديُّ، عن أبي بكرٍ، وهُو ابنُ عَمرِو بن حَزْم، عن عبّادِ بن تميم. قال سُفيانُ: فسألتُ عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، فقال: سمِعتُهُ من عبّادِ بن تميم، يُحدِّثُ أبي، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ، الذي أُرِيَ النِّداءَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- خرجَ إلى المُصلَّى يَسْتسقي، فاسْتَقبلَ القِبلةَ، وقلَبَ رِداءَهُ، وصلَّى رَكْعتينِ.
هكذا في هذا الحديثِ: عبدُ اللَّه بن زيدٍ الذي أُرِيَ النِّداءَ. وهُو خَطَأٌ، ولا أدري ممَّن (^٢) أتَى ذلك، وما أظُنُّهُ جاءَ منَ ابنِ عُيينةَ (^٣)، ولا مِمَّن فوقهُ، لأنَّهُم عُلماءُ جِلّةٌ، وإنَّما هُو عبدُ اللَّه بن زيدٍ (^٤) المازِنيُّ، عمُّ عبّادِ بن تميم، وهُو عبدُ اللَّه بن زَيْدِ بن عاصِم، وأمّا (^٥) الذي أُرِيَ النِّداءَ، فهُو عبدُ اللَّه بن زيدِ بن عَبدِ ربِّهِ، وليسَ من بني مازِنٍ، وقد ذكَرْناهُما، وبيَّنّا أمرَهُما في بابهما من كِتابِ "الصَّحابةِ" (^٦) والحمدُ للَّه.
وقد رُوي عنِ ابنِ عُيينةَ في حديثِ الوُضُوءِ: أنَّهُ جَعلهُ لعبدِ اللَّه بن زيدٍ الذي أُري الأذانَ. وهذا وَهَمٌ، وإنَّما هُو لعبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ عَمرِو بن يحيى، واللَّه المُستعانُ.
_________________
(١) في الكبرى ٢/ ٣١٥ (١٨١٩)، وهو في المجتبى ٣/ ١٥٥.
(٢) في م: "فمن".
(٣) قال ذلك ردًّا على النسائي الذي ذكر أنّ الغلط في هذا الحديث من ابن عيينة.
(٤) في م: "بن زايد"، خطأ. وهو عبد اللَّه بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري المازني. انظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٥٣٨.
(٥) في م: "وما".
(٦) الاستيعاب ٣/ ٩١٢ - ٩١٣.
[ ١١ / ١٧ ]
وأخبَرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (^١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ والمسعُوديُّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مِثلهُ. وزاد فيه المسعُوديُّ: قلتُ لأبي بكرٍ: أجعلَ الشِّمال على اليَمينِ، واليَمينَ على الشِّمالِ، أم جَعلَ أعْلاهُ أسْفَلهُ؟ قال: لا، بل جَعلَ اليمينَ على الشِّمالِ، والشِّمال على اليَمينِ.
وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعَيب، قال (^٢): حدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، وهُو القطّانُ، عن يحيى، وهُو ابنُ سَعيدٍ الأنصاريُّ، عن أبي بكر بن محمدٍ، عن عبّادِ بن تميم، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- خرجَ يَسْتسقي، فصلَّى رَكْعتينِ، واسْتَقبلَ القِبلةَ.
ورواهُ هُشَيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (^٣). ولم يذكُرِ الصَّلاةَ، وكذلك رواهُ سُليمانُ بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، مِثلهُ سواءً.
قال أبو عُمر: أحسنُ النّاسِ سِياقةً لهذا الحديثِ: مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ.
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن ثابتٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) في مسنده (٤١٦). ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١. وأخرجه البخاري (١٠٢٧)، وابن ماجة (١٢٦٧)، وابن خزيمة (١٤٠٦، ١٤١٤) من طريق سفيان، به. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤، من طريق المسعودي، وحده.
(٢) في الكبرى ٢/ ٣١٩ (١٨٣٠)، وهو في المجتبى ٣/ ١٦٣. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٦/ ٣٦٣ (١٦٤٣٢)، والنسائي في السنن الكبرى ٢/ ٣١٨ (١٨٢٧) وابن خزيمة (١٤٠٧) من طريق يحيى القطان، به.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٣، من طريق هشيم، به. وفيه: عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن عباد، به.
(٤) في سننه (١١٦١).
[ ١١ / ١٨ ]
عبدُ الرَّزّاق، قال (^١): حدَّثنا معمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- خرجَ بالنّاسِ يَسْتسقي، فصلَّى بهم رَكْعتينِ، جهَرَ بالقِراءةِ فيهما وحوَّلَ رِداءَهُ، ورفَعَ يَديهِ، فدَعا واسْتَسقَى، واسْتَقبلَ القِبلةَ.
قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الخُرُوجَ إلى الاستِسقاءِ، والبُرُوزَ والاجتِماع إلى اللَّه ﷿ خارِجَ المِصْرِ بالدُّعاءِ والضَّراعةِ إليه، تباركَ اسمُهُ، في نُزُولِ الغَيْثِ، عندَ احتِباسِ ماءِ السَّماءِ، وتمادِي القَحْطِ، سُنّةٌ مَسْنُونةٌ سَنَّها رسُولُ اللَّه -ﷺ-، لا خِلافَ بينِ عُلماءِ المُسلِمينَ في ذلك.
واختلفُوا في الصَّلاةِ في الاسْتِسقاءِ.
فقال أبو حَنِيفةَ: ليسَ في الاسْتِسقاءِ صلاةٌ، ولكِن يخرُجُ الإمامُ وَيَدْعُو (^٢).
ورُوِيَ عن طائفةٍ من التّابِعينِ مِثلُ ذلك. وحُجَّتُهُم حديثٌ مالكٍ، وما كان مِثلهُ في هذا البابِ.
وقال مالكٌ (^٣)، والشّافِعيُّ (^٤)، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، وسائرُ فُقهاءِ الأمصارِ: صلاةُ الاستِسقاءِ سُنّةٌ، رَكْعتانِ، يجهرُ فيهما بالقِراءةِ (^٥).
وقال اللَّيثُ بن سَعْدٍ: الخُطبةُ في الاسْتِسقاءِ قبلَ الصَّلاةِ. وقالهُ مالكٌ ثُمَّ رجع عنهُ إلى أنَّ الخُطبةَ فيها بعد الصَّلاةِ، وعليه جماعةُ الفُقهاءِ.
وقد رُوي عن عُمرَ بن الخطّابِ: أَنَّهُ خطَبَ في الاستِسقاءِ قبلَ الصَّلاةِ (^٦).
_________________
(١) في المصنَّف (٤٨٨٩). ومن طريقه أخرجه أحمد في مسنده ٢٦/ ٣٦٧ (١٦٤٣٧)، والترمذي (٥٥٦)، وابن خزيمة (١٤١٠)، وابن الجارود في المنتقى (٢٥٥)، والدارقطني في سننه ٢/ ٤٢٣ (١٨٠١)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٤٧، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) انظر: فتاوى السعدي، ص ١٠٥.
(٣) انظر: الموطأ ١/ ٢٦٥ (٥١٢).
(٤) انظر: الأم ١/ ٢٨٥.
(٥) انظر: الإشراف لابن المنذر ٢/ ١٩١، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٨٣. وانظر فيهما ما بعده.
(٦) انظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٣٦٧.
[ ١١ / ١٩ ]
وقال مالكٌ (^١) والشّافِعيُّ (^٢): يخطُبُ الإمامُ بعدَ الصَّلاةِ خُطبتينِ، يفصِلُ بينهُما بالجُلُوسِ.
وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: يخطُبُ خُطبةً واحدةً.
وقال عبدُ الرَّحمنِ بن مَهْديٍّ: يخطُبُ خُطبةً (^٣) خفيفةً يعِظُهُم ويحُثُّهُم على الخير.
وقال الطَّبريُّ: إن شاءَ خطبَ واحِدةً، وإن شاءَ اثْنَتينِ.
وقال الشّافِعيُّ والطَّبريُّ: التَّكبيرُ في صلاةِ الاستِسقاءِ، كالتَّكبيرِ في العيدينِ سَواءٌ.
وهُو قولُ ابنِ عبّاسٍ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وعُمر بن عبدِ العزيزِ، وأبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم (^٤).
وقال داودُ: إن شاءَ كبَّر كما يُكبِّرُ في العيدينِ، وإن شاءَ تكبيرةً واحِدةً، كسائرِ الصَّلواتِ.
وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ: لا يُكبِّرُ في صلاةِ (^٥) الاستِسقاءِ، إلّا كما يُكبِّرُ في سائرِ الصَّلواتِ، تكبيرةً واحِدةً للافتِتاح.
وقد رُوي عن أحمد بن حَنْبل مِثلُ قولِ الشّافِعيِّ في ذلك.
وحُجّةُ من قال: يُكبِّرُ فيها، كما يُكبِّرُ في العيدِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٢٤٤.
(٢) انظر: الأم ١/ ٢٨٥.
(٣) من قوله: "واحدة" إلى هنا سقط من الأصل، م.
(٤) انظر: مصنَّف عبد الرزاق (٤٨٩٦)، والأوسط لابن النذر (٢٢٢٣).
(٥) في م: "الصلاة".
[ ١١ / ٢٠ ]
سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرِ بن حرب، قال (^١): حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن هشام بن إسحاقَ، عن أبيه، قال: أرسَلَني أميرٌ من الأُمراءِ إلى ابنِ عبّاسٍ، أسألهُ عن الاسْتِسقاءِ، فقال: من أرسلَكَ؟ قال: قلتُ: فُلانٌ. قال: ما مَنَعهُ أن يأتيني فيَسْألني؟ خرَجَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- مُتضرِّعًا، مُتذلِّلًا، مُتبذِّلًا، مُتواضِعًا، فلم يخطُب خُطبكُم هذه، فصَلَّى رَكْعتينِ كما يُصلِّي في العيدِ. قال سُفيانُ: قلتُ للشَّيخِ: أخطَبَ قبلَ الرَّكعةِ، أو بعدَها؟ قال: لا أدري.
قال أبو عُمر: هُو هشامُ بن إسحاق بَن عبدِ اللَّه بن كِنانةَ، روى عنهُ الثَّوريُّ وحاتِمُ بن إسماعيلَ، ولم يَرْوِ هذا الحديث غيرُهُ، وقد يحتمِلُ أن يكونَ التَّشبيهُ فيه بصلاةِ العِيدَينِ، من جِهةِ أنَّ صلاةَ الاستِسقاءِ رَكْعتانِ، ويحتمِلُ أن يكون (^٢) من جِهةِ التَّكبيرِ، واللَّه أعلمُ.
وقال مالكٌ (^٣) والشّافِعيُّ (^٤): يُحوِّلُ الإمامُ رِداءَهُ عندَ فراغِهِ من الخُطبةِ، يجعلُ ما على اليَمينِ على الشِّمالِ، وما على الشِّمالِ على اليمينِ، ويُحوِّلُ النّاسُ أرْدَيتهُم إذا حوَّل الإمامُ رِداءَهُ، كما حوَّل الإمامُ. هذا (^٥) قولُ الشّافِعيِّ بالعِراقِ، ثُمَّ قال بمِصرَ:
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ٢٦٢. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٤، والطبراني في الكبير ١٠/ ٤٠٢ (١٠٨١٨) من طريق أبي نعيم، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٨٩٣)، وابن أبي شيبة في مصنَّفه (٨٣٣٦)، وأحمد في مسنده ٣/ ٤٧٨، و٥/ ٣٤٩ (٢٠٣٩، ٣٣٣١)، وابن ماجة (١٢٦٦)، والترمذي (٥٥٩)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٥٦، ١٦٣، وفي الكبرى ٢/ ٣١٦، ٣٢٣ (١٨٢٠، ١٨٢١، ١٨٣٩)، وابن خزيمة (١٤٠٥، ١٤٠٨)، وابن حبان ٧/ ١١٢ (٢٨٦٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٢٦، ٣٢٧، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٤٤، من طريق سفيان الثوري، به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٤٧٧ - ٤٧٨ (٦٠٩٨).
(٢) من قوله: "من جهة" إلى هنا لم يرد في م.
(٣) انظر: الموطأ ١/ ٢٦٥ (٥١٢).
(٤) انظر: الأم ١/ ٢٨٧.
(٥) في م: "فهذا".
[ ١١ / ٢١ ]
يُنكِّسُ الإمامُ رِداءَهُ، فيجعلُ أعلاهُ أسفلهُ، ويجعلُ ما منهُ على مَنكِبِهِ الأيمنِ، على منكِبِهِ الأيسرِ. قال: وإن جعلَ ما على يمينِهِ على شمالِهِ، ولم يُنكِّسهُ، أجزأهُ.
وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: يُحوِّلُ الإمامُ رِداءَهُ. كما قال مالكٌ سواءً. قال: ولا يُحوِّلُ النّاسُ أرْدِيتهُم.
وهُو قولُ محمدِ بن الحسنِ، وكذلك قال أبو يُوسُف، إلّا أنَّهُ قال: يُحَوِّلُهُ الإمامُ إذا مَضَى صدرٌ من خُطبتِهِ (^١).
وقال الشّافِعيُّ (^٢): يُحوِّلُ رِداءَهُ وهُو مُستقبِل القِبلةَ في الخُطبةِ الثّانيةِ عِند فراغِها، أو قُرب ذلك، ويُحوَّلُ النّاسُ.
قال أبو عُمر: قد مَضَى في حديثِ المسعُوديِّ (^٣)، عن أبي بكر بن حزم، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- حينَ حوَّل رِداءَهُ: جعلَ ما على الشِّمالِ منهُ على اليمينِ، وما على اليَمينِ على الشِّمالِ. وعلى ذلك أكثرُ أهلِ العِلم.
وأمّا الذي ذهَبَ إليه الشّافِعيُّ واسْتَحبَّهُ، فموجُودٌ في حديثِ عُمارةَ بن غزيّةَ.
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٤): حدَّثنا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن عُمارةَ بن غَزيّةَ، عن عبّادِ بن
_________________
(١) تنظر تفاصيل هذه الأقوال في مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٣٨٣ (٣٦١).
(٢) انظر: الأم ١/ ٢٨٧.
(٣) سلف تخريجه قريبًا.
(٤) في سننه (١١٦٤). ومن طريقه أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٢٠٠٩). وأخرجه النسائي في المجتبى ١/ ١٥٦، وفي الكبرى ٢/ ٣١٧ (١٨٢٢) عن قتيبة، به. وأخرجه الشافعي في مسنده، ص ٨٠، وأحمد في مسنده ٢٦/ ٣٨٦، ٣٩٤ (١٦٤٦٢، ١٦٤٧٣)، وابن خزيمة (١٤١٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٤، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٢٧، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٥١ من طريق عبد العزيز الدراوردي، به، وإسناده صحيح. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٢٩٤ - ٢٩٧ (٥٨٥٢).
[ ١١ / ٢٢ ]
تميم، عن عبدِ اللَّه بن زَيْدٍ، قال: اسْتَسقى رسُولُ اللَّه -ﷺ-، وعليه خميصةٌ له (^١) سَوْداءُ، فأرادَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- أن يأخُذَ بأسْفَلِها فيَجعلهُ أعلاها، فلمّا ثقُلَتْ عليه، قلَبَها على عاتِقِهِ.
ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الخَمِيصةَ لو لم تثقُل عليه -ﷺ-، لنَكَّسها، وجعلَ أعلاها أسفَلَها، ولا أعلمُ خِلافًا أنَّ الإمامَ يُحوِّلُ رِداءَهُ وهُو قائمٌ، ويُحوِّلُ النّاسُ وهُم جُلُوسٌ.
والخُرُوجُ إلى الاسْتِسقاءِ في وَقتِ خُرُوج النّاسِ إلى العيدِ، عندَ جماعةِ العُلماءِ، إلّا أبا بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، فإنَّهُ قال: الخُرُوجُ إليها عندَ زوالِ الشَّمسِ.
واختلَفَ العُلماءُ في خُرُوج أهلِ الذِّمّةِ إلى الاسْتِسقاءِ (^٢).
فأجازَ ذلك بعضُهُم، ومِمَّن ذهَبَ إلى ذلك: مالكٌ، وابنُ شِهاب، ومَكْحُولٌ.
وقال ابنُ المُباركِ: إن خرجُوا عدل بهم عن (^٣) مُصلَّى المُسلِمينَ (^٤).
وقال إسحاقُ: لا يُؤمَرُوا بالخُرُوج، ولا يُنهوا عنهُ.
وكرِهَتْ طائفةٌ من أهلِ العِلم خُرُوجَ أهلِ (^٥) الذِّمّةِ إلى الاسْتِسقاءِ، منهُم: أبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما.
وقال الشّافِعيُّ (^٦): فإن خَرجُوا مُتميِّزينَ لم أمنعهُم.
_________________
(١) هذا الحرف سقط من م.
(٢) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ١/ ٣٦٤، والأوسط لابن المنذر ٤/ ٣١٧، والإشراف له ٢/ ١٨٩، والتفريع في فقه الإمام مالك لابن الجلاب ١/ ٨٩، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ١/ ٥١٥. وانظر فيها ما بعده.
(٣) في الأصل: "إلى"، خطأ بين، والمثبت من بقية النسخ، وهو الذي في الاستذكار.
(٤) هذا القول سقط من ف ٣، وهو ثابت في الأصل والنسخ الأخرى، وانظر: الاستذكار ٢/ ٤٣٠.
(٥) هذه الكلمة سقطت من م.
(٦) انظر: الأم ١/ ٢٨٤.
[ ١١ / ٢٣ ]
وكلُّهُم كرِهَ خُرُوجَ النِّساءِ الشَّوابِّ إلى الاسْتِسقاءِ، ورخَّصُوا في خُرُوج العَجائزِ.
ولم يختلِفُوا في الجَهرِ في صَلاةِ الاستِسقاءِ.
وقال مالكٌ (^١): لا بأسَ أن يُسْتَسقى في العام مرّةً، أو مرَّتينِ، أو ثلاثًا، إذا احتاجُوا إلى ذلك.
وقال الشّافِعيُّ (^٢): إن لم يُسقَوْا يومَهُم ذلك، أحبَبتُ أن يُتابَع الاستِسقاءُ ثلاثةَ أيام، يُصنعُ في كلِّ يوم منها، كما صُنِع في الأوَّلِ.
وقال إسحاقُ: لا يخرُجُونَ إلى الجبّانِ (^٣) إلّا مرّةً واحِدةً، ولكِن يجتمِعُونَ في مَساجِدِهِم، فإذا فرغُوا من الصَّلاةِ، ذَكَرُوا اللَّه، ويدعُو الإمامُ يومَ الجُمُعةِ على المِنْبرِ ويُؤَمِّنُ النّاسُ (^٤).
أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٥): أخبرنا عليُّ بن حُجرٍ، قال:
_________________
(١) انظر: المدونة ٢/ ٢٤٤.
(٢) انظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٣٧٥، والإشراف له ٢/ ١٩٢.
(٣) الجبّان، والجبّانة، بالتشديد: الصحراء، وتسمى بهما المقابر، لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه. انظر: لسان العرب ١٣/ ٨٥.
(٤) انظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٧٥، والإشراف له ٢/ ١٩٢.
(٥) في الكبرى ٢/ ٣٢٨ (١٨٥١)، وهو في المجتبى ٣/ ١٦٥. وأخرجه ابن خزيمة (١٧٨٩)، والبغوي في شرح السنة (١١٦٨) من طريق علي بن حجر، به. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦١٢)، وفي جزء رفع اليدين (٩٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٢٣، وابن حبان ٧/ ١٠٧ (٢٨٥٩) من طريق إسماعيل بن جعفر، به. وأخرجه أحمد في مسنده ١٩/ ٧٥، و٢٠/ ٢٧٧ (١٢٠١٩، ١٢٩٤٩) من طريق حميد، عن أنس، به، وإسناده صحيح. وانظر: المسند الجامع ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧ (٥٣٧).
[ ١١ / ٢٤ ]
أخبَرنا إسماعيلُ، قال: أخبَرنا حُميدٌ، عن أنَسٍ، قال: قَحطَ المطرُ عامًا، فقامَ بعضُ المُسلِمينَ إلى النَّبيِّ -ﷺ- في يوم جُمُعةٍ (^١)، فقال: يا رسُولَ اللَّه قحَطَ المطرُ، وأجْدَبَتِ الأرضُ، وهلكَ المالُ. قال: فرفَعَ يَدَيهِ، وما يُرَى في السَّماءِ سَحابةٌ، فمدَّ يَدَيهِ، حتّى رأيتُ بياضَ إبِطَيهِ، يَسْتسقي اللَّه. قال: فما صلَّينا الجُمُعةَ، حتّى أهَمَّ (^٢) الشّابُّ القريبُ الدّارِ الرُّجُوعَ إلى أهلِهِ، فدامَتْ جُمُعةً، فلمّا كانتِ الجُمُعةُ التي تَلِيها، قالوا: يا رسُولَ اللَّه تهدَّمَتِ البُيُوتُ، واحتبَسَ الرّكبانُ، قال: فتبسَّم لسُرعةِ مَلالةِ ابنِ آدَمَ، وقال بيدَيهِ: "اللَّهُمَّ حَوالينا، ولا علينا". قال: فتكشَّطَتْ عنِ المدينةِ.
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ عندَ مالكٍ (^٣) بهذا المعنى، عن شَريكِ بن أبي نَمِرٍ، عن أنَسٍ. وسيأتي في بابِ الشِّينِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه.
وهُو حديثٌ رَواهُ عن أنَسٍ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم: ثابتٌ، وشريكٌ، وإسحاقُ بن أبي طَلْحةَ، وغيرُهُم بألفاظٍ مُتقارِبةٍ، ومعنًى واحِدٍ، وسنَذكُرُ منها ما حضَرَنا في بابِ شريكٍ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه، وفي بابِ يحيى بن سعيدٍ، وباللَّه التَّوفيقُ.
_________________
(١) في م: "الجمعة".
(٢) في ي ١: "أهب".
(٣) أخرجه في الموطأ ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦ (٥١٤).
[ ١١ / ٢٥ ]