(^١) حديثٌ ثالِثٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ
مالكٌ (^٢)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ (^٣)، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: كنّا إذا بايَعْنا رسُولَ اللَّه -ﷺ- على السَّمع والطّاعةِ، يقولُ لنا: "فيما اسْتَطعتُمْ".
ورَوَى مالكٌ (^٤) أيضًا، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّهُ كتبَ إلى عبدِ الملِكِ بن مروان يُبايِعُهُ، فكتبَ إليهِ: بسم اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيم، أمّا بَعْدُ، لعبدِ اللَّه عبدِ الملِكِ أميرِ المُؤمِنينَ، من عبدِ اللَّه بن عُمرَ، سَلامٌ عليكَ، فإنِّي أحمدُ إليكَ اللَّهَ الذي لا إله إلّا هُو، وأُقِرُّ لك بالسَّمع والطّاعةِ، على سُنّةِ اللَّه، وسُنّةِ رسُولهِ، فيما اسْتَطعتُ.
ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أخذِ البَيْعةِ للخُلفاءِ على الرَّعيّةِ، وكانتِ البَيْعةُ لرسُولِ اللَّه -ﷺ-، وأبي بكرٍ، وعُمرَ، والخُلفاءِ الرّاشِدينَ، أن يُصافِحهُ الذي يُبايِعُهُ، ويُعاقِدَهُ على السَّمع والطّاعةِ، في العُسرِ واليُسرِ، والمَنْشطِ والمَكْرهِ، وأن لا يُنازِعَ الأمرَ أهلهُ؛ رواهُ عُبادةُ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- وقال فيه: وأن نقُومَ، أو نقولَ، بالحقّ حيثُما كُنّا (^٥)، لا نخافُ في اللَّه لَوْمةَ لائم (^٦). وكان يقولُ لهم: "فيما اسْتَطعتُمْ"؛ لأنَّ اللَّهَ لا يُكلِّفُ نفسًا إلّا وُسعَها.
_________________
(١) من هنا يبدأ المجلد المحفوظ في مكتبة فيض اللَّه بإستانبول، برقم (٢٩٥) والمصور في معهد المخطوطات برقم (١٦١)، والذي رمزنا له "ي ١"، وهذا المجلد وقع فيه نقص في مواضع بسبب كونه من النشرة الأولى، وقد أفدنا منه في إصلاح ما وقع في الأصل من تحريف أو تصحيف أو سقط، ولم نشر في كثير من المواضع إلى النقص الواقع فيه إلا في الشيء بعد الشيء مما رأيناه مفيدًا، وسبب ذلك أن الناسخ لم يجوّد النسخ، ولا قابل ما نسخ على النسخة التي انتسخ منها، فجاءت النسخة كثيرة التصحيف والتحريف والسقط.
(٢) الموطأ ٢/ ٥٧٨ (٢٨١١).
(٣) قوله: "عن عبد اللَّه بن دينار" سقط من ي ١.
(٤) الموطأ ٢/ ٥٧٩ (٢٨١٣).
(٥) في ي ١: "كنت"، خطأ.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤ (١٢٨٧).
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
وكان النَّبيُّ -ﷺ- لا يُصافِحُ النِّساءَ عندَ البَيْعةِ، وكان يُصافِحُ الرِّجالَ، وقد مَضَى هذا المعنى مُجوَّدًا، في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.
وأمّا الأيمانُ التي يأخُذُها الأُمَراءُ اليوم على النّاسِ، فشيءٌ مُحدَثٌ. وحَسْبُكَ بما في الآثارِ من أمرِ البَيْعةِ، حتّى كان رسُولُ اللَّه -ﷺ- يأخُذُ عليهم في البَيْعةِ أُمُورًا كثيرةً، منها: النُّصحُ لكلِّ مُسلِم.
وقد ذكَرْنا ما يجِبُ على الرَّعيّةِ من نُصْح الأئمّةِ، في بابِ سُهَيلٍ من هذا الكِتابِ، عندَ قولِهِ -ﷺ-: "وأن تُناصِحُوا من ولَّاهُ اللَّهُ أمْرَكُم. . . " الحديثَ (^١).
ونذكُرُ هاهُنا أحاديثَ البَيْعةِ التي كان رسُولُ اللَّه -ﷺ- يأخُذُها على أصْحابِهِ، لتَقِفَ على أصلِ هذا البابِ، واللَّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن يُونُس، عن عَمرِو بن سعيدٍ، عن أبي زُرْعةَ بن عَمرِو بن جريرٍ (^٣)، عن جريرٍ (^٤)، قال: بايَعتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- على السَّمع والطّاعةِ، وأن أنصَحَ لكلِّ مُسلِم. قال: فكان إذا باعَ الشَّيءَ، أوِ اشتراهُ، قال: أما إنَّ الذي أخَذْنا منكَ أحبُّ إلَينا مِمّا أعْطَيناكَ، فاخْتَر.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠ (٢٨٣٣).
(٢) في سننه (٤٩٤٥). وأخرجه الطبراني في الكبير ٢/ ٣٣٩ (٢٤١٥) من طريق خالد، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٣١/ ٥٥٧ (١٩٢٢٩)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٤٠، وفي الكبرى ٧/ ١٧٢ (٧٧٣٠)، وأبو يعلى (٧٥٠٣)، وابن حبان ١٠/ ٤١٢ (٤٥٤٦)، والطبراني في الكبير ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (٢٤١٠، ٢٤١٤، ٢٤١٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٨/ ٢٦٢، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢٧١، من طريق يونس، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٥١٧ - ٥١٨ (٣١٧٠).
(٣) في الأصل: "دينار"، خطأ بيّن، فهو أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد اللَّه البجلي. مغاني الأخيار للعيني ٣/ ٢٧٩.
(٤) في الأصل، ف ٣: "عن جابر"، والمثبت من ي ١. وهو جرير بن عبد اللَّه بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة، أبو عبد اللَّه البجلي اليماني. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٣٣.
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (^١): حدَّثنا يحيى بن مَعينٍ، قال: حدَّثنا غُندرٌ، عن شُعبةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن أبي وائل، عن جَريرٍ، قال: بايَعتُ النَّبيَّ -ﷺ- على إقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصحِ لكلِّ مُسلِم، وفِراقِ المُشْرِكِ.
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (^٢): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن منصُورٍ، عن أبي وائل، عن أبي نُخَيلةَ (^٣) البَجَليِّ، قال: قال جَريرٌ: أتيتُ النَّبيَّ -ﷺ- وهُو يُبايعُ النّاسَ، فقلتُ: يا رسُولَ اللَّه، ابسُطْ يدَكَ أُبايِعْكَ، واشترِطْ عليَّ، فأنتَ أعلمُ بالشَّرطِ، قال: "أُبايِعُكَ على أن تعبُدَ اللَّه، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتُناصِحَ المُسلِمَ، وتُفارِق المُشرِكَ". وسيأتي قولُهُ -ﷺ-: "الدِّينُ النَّصيحةُ" في بابِ سُهَيلٍ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه. وفي حديثِ جريرٍ المذكُورُ: "ابسُطْ يدَكَ أُبايِعْكَ"، وفيه بيانُ ما ذكَرْنا.
ومِثلُهُ ما قَرَأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ١٩٣ (٤٤٥٠). وأخرجه النسائي في المجتبى ٧/ ١٤٧، وفي الكبرى ٧/ ١٨٠ (٧٧٥٠) من طريق غندر، به. وأخرجه الطبراني في الكبير ٢/ ٣١٦ (٢٣١٧) من طريق شعبة، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٩٨٢١)، وأحمد في مسنده ٣١/ ٥١٨ (١٩١٨٢)، والطبراني في الكبير ٢/ ٣١٦ (٢٣١٥، ٢٣١٦) من طريق الأعمش، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٥١٦ (٣١٦٧).
(٢) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ١٩٣ (٤٤٥٣). وأخرجه النسائي في المجتبى ٧/ ١٤٨، وفي الكبرى ٧/ ١٨٠ (٧٧٥١)، والطبراني في الكبير ٢/ ٣١٧ (٢٣١٨)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف ٤/ ٢٢٧٣ من طريق جرير عن منصور، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٥١٧ (٣١٦٩).
(٣) في ي ١: "نحيلة"، وفي م: "نجيلة". انظر: المؤتلف والمختلف للدارقطني ٤/ ٢٢٧٢، والإكمال لابن ماكولا ٧/ ٣٣٥، وتهذيب الكمال للمزي ٣٤/ ٣٤٢، وتوضيح المشتبه لابن ناصر ٩/ ٥١. قال ابن ماكولا: اختُلف فيه، فقيل بالحاء المهملة، وقيل بالخاء المعجمة. وأشار إلى الخلاف أيضًا الدارقطني، وابن ناصر.
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
الدِّمَشقيُّ أبو أيُّوب، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بن جَعْفرٍ وابنِ الزُّبيرِ: أنَّهُما بايَعا رسُولَ اللَّه -ﷺ- وهُما ابنا سَبْع سِنينَ، فلمّا رآهُما النَّبيُّ -ﷺ- تَبسَّمَ، وبسَطَ يدَهُ وبايَعهُما (^١).
وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وأحمدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^٢): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن إدريسَ، عن يحيى بن سَعيدٍ وعُبيدِ اللَّه بن عُمر، عن عُبادةَ بن الوَليدِ بن عُبادةَ، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: بايَعنا رسُولَ اللَّه -ﷺ- على السَّمع والطّاعةِ، في العُسرِ واليُسرِ، والمَنْشطِ والمَكْرهِ، وعلى أثَرةٍ علينا، وأن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلهُ، وعلى أن نَقول بالحقِّ أينما كُنّا، لا نَخافُ في اللَّه لومةَ لائم.
وقد روى هذا الحديثَ مالكٌ (^٣)، عن يحيى بن سَعيدٍ، وسيأتي في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا مَسْلَمةُ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الحَسَنِ الأصْبَهانيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالِسيُّ، قال (^٤): حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عليِّ بن زَيْدٍ، عن أنَسٍ، قال: قَدِمتُ على عُمرَ بعدَ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٣/ ٣٦٠ (٣٤٠٢) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، به. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٥٦٦ - ٥٦٧، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٨/ ١٦١، من طريق إسماعيل بن عياش، به.
(٢) في المصنَّف (٣٨٤١٢). ومن طريقه أخرجه مسلم (١٧٠٩) (٤١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٢٩)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ١٤٥. وأخرجه مسلم ٣/ ١٤٧٠ (١٧٠٩) (٤١ م)، وابن ماجة (٢٨٦٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٣٩، وفي الكبرى ٧/ ١٧٠، و٨/ ٦٠ (٧٧٢٦، ٨٦٣٨)، وأبو عوانة (٧١١٩) من طريق عبد اللَّه بن إدريس، به. وانظر: المسند الجامع ٩/ ١١٠ - ١١١ (٥٦٠٤).
(٣) في الموطأ ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤ (١٢٨٧).
(٤) في مسنده (٢٢٦٤). وأخرجه ابن سعد في طبقاته ٥/ ٣٣٢، من طريق حماد، به.
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
هَلاكِ أبي بكرٍ، فقلتُ: ارفَعْ يدَكَ أُبايِعْكَ على ما بايَعتُ عليه صاحِبَيكَ من قبلُ، أعني النَّبيَّ -ﷺ- وأبا بكرٍ، فبايَعتُهُ على السَّمع والطّاعةِ، فيما اسْتَطعتُ (^١).
وذكَرَ سُنَيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُرَيج، عن مُجاهِدٍ في قولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] قال: نزلَتْ يومَ الحُدَيبيةِ. قال ابن (^٢) جُريجٌ: بايَعُوهُ على الإسلام، ولم يُبايِعُوهُ على الموتِ.
وذكر سُنيدٌ أيضًا، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ (^٣)، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ (^٤)، أنَّ أبا سِنانِ بن وَهْبٍ الأسَديَّ بايَعَ النَّبيَّ -ﷺ- يومَ الحُدَيبيةِ بَيْعةَ الرِّضوانِ، فقال لهُ: "علامَ تُبايِعُني؟ " قال أبو سِنانٍ: على ما في نفسِكَ (^٥).
قال إسماعيلُ: وكانوا بايَعُوهُ يَومئذٍ على أن لا يفِرُّوا. قال: وقال غيرُ هُشَيم، عن عاصِم الأحولِ، عنِ الشَّعبيِّ مِثلهُ (^٦)، غيرَ أَنَّهُ قال: أبو سِنانِ بن محِصنٍ الأسديُّ.
قال سُنَيدٌ: وحدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمان، عن كُلَيبِ بن وائلٍ، عن حَبيبِ بن أبي مُلَيكةَ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ عُثمانَ انطلَقَ في حاجةِ اللَّه وحاجةِ رَسُولِهِ، وأنا أُبايِعُهُ". فصفَّقَ بيَدِهِ على الأُخْرَى (^٧).
_________________
(١) من بداية هذا الحديث من قوله: "حدثنا أحمد" إلى هنا، لم يرد في ي ١.
(٢) في م: "قال أبي" وهو خطأ بيِّن.
(٣) في ي ١: "هشام"، خطأ. وهو هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار، أبو معاوية السلمي. انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٢.
(٤) في م: "عن أبي خالد الشعبي" بدل: "بن أبي خالد عن الشعبي"، وهو خطأ.
(٥) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٤/ ١٣٧ (١٥٧٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، به.
(٦) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٤/ ٣١٥، ٣٣٦، من طريق عاصم، به.
(٧) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٩٨، من طريق معتمر بن سليمان، به. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٢٧٠٤)، وأبو داود (٢٧٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٤٤، وفي شرح مشكل الآثار ١٤/ ٤٨٢ (٥٧٧٤)، وابن حبان ١٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨ (٦٩٠٩)، والطبراني =
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
قال أبو عمر (^١): في هذا أيضًا دليلٌ على أنَّ المُبايَعةَ من شأنِها المُصافَحةُ، ولم تختلِفِ الآثارُ في ذلك، وقد مَضَى في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ من هذا الكِتابِ، أنَّهُ كان -ﷺ- إذا بايَع النِّساءَ لم يُصافِحْهُنَّ (^٢).
قال سُنَيدٌ: وحدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، سَمِعهُ يقولُ: كُنّا بالحُديبيةِ أربعَ عشْرةَ مئةً، فبايَعناهُ وعُمرُ بن الخطّابِ آخِذٌ بيَدِهِ تحتَ الشَّجَرةِ، وهي سَمُرةٌ (^٣)، قال: فبايَعْناهُ غيرَ الجِدِّ بن قَيْسٍ، اخْتَبأ (^٤) تحتَ بَطْنِ بعيرِهِ. قيل لجابر: هل بايعَ النَّبيُّ -ﷺ- بذي الحُليفةِ؟ قال: لا، ولكنَّهُ صلَّى بها، ولم يُبايِع عندَ شَجَرةٍ، إلّا عندَ الشَّجرةِ التي عندَ الحُدَيبيةِ. قال أبو الزُّبيرِ: وسُئلَ جابرٌ: كيفَ بايَعُوا؟ قال: بايَعناهُ على ألّا نَفِرَّ، ولم نُبايِعهُ على الموتِ (^٥).
قال ابنُ جُرَيج: وأخبَرني أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: جاءَ عبدٌ لحاطِبِ بن
_________________
(١) = في الأوسط ٨/ ٢٣٢ (٨٤٩٤) من طريق كليب بن وائل، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٧٧٠ (٨٢٠٢). وفي الحديث قصة، والروايات مطولة، ونحتصرة. وأخرجه أبو داود (٢٧٢٦) من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن كليب بن وائل، عن هانئ بن قيس، عن حبيب بن أبي مليكة، به. وبيّن الإمام الدارقطني في العلل (٢٨٩١) أن رواية أبي إسحاق الفزاري هذا، وقد تابعه فيها عبد الواحد بن زياد، هي الصواب.
(٢) قوله: "قال أبو عمر" لم يرد في ي ١.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧٨ (٢٨١٢).
(٤) السَّمُرة: ضرب من شجر الطلح. انظر: النهاية لابن الأثير ٢/ ٣٩٩.
(٥) في ف ٣: "احتنى".
(٦) أخرجه مسلم (١٨٥٦) (٦٩) من طريق ابن جريج، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٣/ ١٢٥، ٤٠٧ (١٤٨٢٣، ١٥٢٥٩)، والدارمي (٢٤٥٤)، والنسائي في الكبرى ١٠/ ٢٦٥ (١١٤٤٥)، وأبو عوانة (٧١٩١)، وابن حبان ١١/ ٢٣١ (٤٨٧٥)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ١٤٦، من طريق أبي الزبير، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦ (٢٩٢١).
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
أبي بَلْتعةَ، أحَدِ بني أسَدٍ، يَشْتكي سيِّدهُ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، ليَدْخُلنَّ حاطِبٌ النّار. فقال لهُ: "كَذَبت، لا يدخُلُها، إنَّهُ شهِدَ بدرًا والحُدَيبيةَ" (^١).
قال سُنَيدٌ: وحدَّثنا مُبشِّرٌ الحَلَبيُّ، عن جَعْفرِ بن بُرْقانَ، عن ثابتِ بن الحجّاج، عن ابن العُفَيفِ (^٢)، قال: شهِدتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ يُبايعُ النّاس بعدَ نبيِّ اللَّه -ﷺ-، فتَجْتمِعُ عِندهُ العِصابةُ، فيقولُ لهم: أتُبايِعُونَ على السَّمع والطّاعةِ للَّه ولكِتابِهِ، ثُمَّ للأميرِ؟ فيقولُون: نعَمْ. قال: فتَعلَّمتُ شَرْطَهُ هذا، وأنا كالمُحتلِم، أو فوقهُ، فلمّا خَلا مَن عندَهُ أتيتُهُ، فابتدأتُهُ فقلتُ: أُبايِعُكَ على السَّمع والطّاعةِ للَّه ولكِتابِهِ، ثُمَّ للأميرِ، فصعَّدَ فيَّ البصَرَ (^٣) وصوَّبَ، ورأيتُهُ أعجَبهُ (^٤).
قال: وحدَّثنا مُعتَمِرُ بن سُليمانَ، عن عاصِم الأحْوَلِ، عن عُمرَ أو عَمرِو بن عطيّةَ (^٥)، قال: أتَيتُ عُمر بن الخطّابِ وأنا غُلامٌ، فبايَعتُهُ على كِتابِ اللَّه، وسُنّةِ نبيِّهِ، هي لنا، وهي علينا، فضَحِكَ وبايَعني (^٦).
وذكَرَ (^٧) ابنُ أبي شَيْبةَ، قال (^٨): أخبَرَنا عبّادُ بن العوّام، عن أشعثَ بن سَوّارٍ،
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٢/ ٣٦٩ (١٤٤٨٤) عن حجاج، به. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٣٠١٤)، وأحمد أيضًا ٢٢/ ٨٨ (١٤٧٧١)، ومسلم (٢٤٩٥) (١٦٢)، والترمذي (٣٨٦٤)، والنسائي في الكبرى ٧/ ٣٦٧، و١٠/ ٥٠ (٨٢٣٨، ١١٠٠٨)، وابن حبان ١٦/ ٥٩ (٧١٢٠)، والطبراني في الكبير ٣/ ٢٠٥ (٣٠٦٤)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٠١، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٧/ ٣٢٥، من طريق أبي الزبير، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٣٣٠ - ٣٣١ (٢٨٩٩).
(٢) في الأصل، ي ١، م: "أبي العقيب"، خطأ. انظر: الإكمال لابن ماكولا ٦/ ٢٢٥، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٦/ ٢٩٩.
(٣) في ي ١: "النظر".
(٤) أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٦٠٠، بغية)، والخلال في السنة (٤٣)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ١٤٦، ١٤٧، من طريق جعفر بن برقان، به.
(٥) هكذا في النسخ، وفي مصدر التخريج: "عمير بن عطية" بدل: "عُمر أو عَمرو بن عطية".
(٦) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٧/ ١٢٥، من طريق عاصم الأحول، به.
(٧) من هنا إلى نهاية هذا الباب لم يرد في ي ١.
(٨) في المصنَّف (٣٧٧٩٣).
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
عن أبيه، قال: سمِعتُ موسى بن طَلْحةَ، قال: بعثَ فيَّ أميرُ المُؤمِنينَ عليٌّ وأنا في الأسارى، فانْطَلقتُ، فدخَلْتُ عليه فسلَّمتُ، فقال: أتُبايعُ وتدخُلُ فيما دخلَ فيه النّاسُ؟ قلتُ: نعم، قال: هكذا. ومدَّ يدَهُ فبَسَطها، قال: فبايَعتُهُ، ثُمَّ قال: ارجِعْ إلى أهلِكَ ومالك. قال: فلمّا رآني النّاسُ قد خَرَجتُ، جَعلُوا يدخُلُونَ فيُبايِعُونَ.
وقد مَضَى في بابِ ابنِ المُنْكدِرِ كثيرٌ من أحاديثِ البَيْعةِ والمُصافَحةِ بها، عندَ ذِكرِ بَيْعةِ النِّساءِ (^١)، والحمدُ للَّه.
حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نُعَيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، قال: أخبَرني الوليدُ بن كثيرٍ، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ اللَّه، يقولُ: لمّا قدِمَ مُسلِمُ بن عُقْبةَ المدينةَ، أتَتِ الأحياءُ يُبايِعُونهُ، فأتَى بنُو سَلِمةَ، ولم آتِ معهُم، فقال: لا أُبايِعُكُم حتّى يخرُجَ إليَّ جابرٌ. قال: فأتاني قومي، فناشَدُوني اللَّه، فقلتُ لهم: أنْظِرُوني، فأتَيتُ أُمَّ سلَمةَ، فاسْتَشرتُها في الخُرُوج إليه، فقالت: واللَّه إنِّي لأراها بَيْعةَ ضَلالةٍ، ولكِن قد أمَرتُ أخي عبدَ اللَّه بن أبي أُميّةَ أن يأتيهُ فيُبايِعَهُ. كأنَّها أرادَتْ أن تحقِنَ دَمَهُ. قال جابرٌ: فأتَيتُهُ فبايَعتُهُ.
قال أبو عُمر: كذا قال: أخي عبدَ اللَّه بن أبي أُميّةَ. وصوابُهُ: ابنَ أخي عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أبي أُميّةَ. ولم يُدرِك أخُوها الحَرّةَ، تُوفِّي قبلَ ذلك بكثيرٍ.
وبه عنِ ابنِ المُباركِ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، قال: حدَّثنا سِماكُ بن حَرْبٍ، أنَّهُ سألهُ رَجُلٌ من الذينَ بايَعُوا المُختارَ الكذّاب، فقال: تخافُ علينا من بَيْعتِنا لهذا الرَّجُلِ؟ فقال: ما أُبالي أبايَعتُهُ، أو بايَعتُ هذا الحجَرَ، إنَّما البَيْعةُ في القَلْبِ، إن كُنتَ مُنكِرًا لما يقولُ، فليسَ عليكَ من بَيْعتِكَ بأسٌ (^٢).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧٨ (٢٨١٢).
(٢) إلى هنا انتهى المجلد السادس عشر من الطبعة المغربية.
[ ١٠ / ٣٨٠ ]