حديثٌ سادِسُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا لاعَنَ امرأتَهُ في زَمَنِ رسُولِ الله -ﷺ-، وانتفَلَ مِنْ ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله -ﷺ- بينهُما، وألحَقَ الولدَ بالمرأةِ.
هكذا قال: وانتفَلَ مِنْ ولدِها، وأكثرُهُم يقولُون: وانتَفَى مِنْ ولدِها. والمعنى واحدٌ، ورُبَّما لم يذكُر بعضُهُم فيه: انتَفَى، ولا: انتفَلَ، واقتصرَ على الفُرْقةِ بين المُتلاعِنَيْنِ، وإلحاقِ الولدِ بأُمِّهِ، فهذا أعظمُ (^٢) فائدةِ حديثِ ابن عُمرَ هذا.
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ (^٣) بن إسحاق الرّازيُّ وأبو أحمد الحُسينُ بن جَعْفرٍ الزَّيّاتُ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُور، قال (^٤): حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرَّقَ رسُولُ الله -ﷺ- بينَ المُتلاعِنَيْنِ، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ.
وقد قال قومٌ (^٥) في هذا الحديثِ عن مالكٍ: إنَّ الرَّجُلَ قذَفَ امرأتَهُ. وليسَ هذا في "المُوطَّأ" ولا يُعرَفُ من مذهبِهِ.
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أحمد القاضي، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن راشِدٍ، قال: حدَّثنا عاصِمُ (^٦) بنُ مِهْجَع (^٧)
_________________
(١) الموطأ ٢/ ٧٨ (١٦٤٣).
(٢) في م: "فهذه" بدل: "فهذا أعظم".
(٣) في م: "بن الحسين". وهو أحمد بن الحسن بن إسحاق بن عتبة، أبو العباس الرازي، ثم المصري. انظر: تاريخ الإسلام ٨/ ١١٠.
(٤) في سننه (١٥٥٤). ومن طريقه أخرجه مسلم (١٤٩٤)، وأبو عوانة (٤٦٩٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٣/ ١٢٥ (٥١٣٥).
(٥) سقط هذا اللفظ من د ٤.
(٦) في م: "أبو عاصم". انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦/ ٣٥٠، والثقات لابن حبان ٨/ ٥٠٦.
(٧) الضبط من د ٤.
[ ٩ / ٣٠٢ ]
خالُ مُسدَّدٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا انتَفَى من ولدِهِ، وقذَفَ امرأتَهُ، فلاعَنَ رسُولُ الله -ﷺ- بينهُما، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ.
وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي زائدةَ والحَسَنُ بن سوّارٍ، قالا: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا انتَفَى من وَلدِهِ، وقذَفَ امرأتهُ، فلاعنَ رسُولُ الله -ﷺ- بينهُما، وألحَقَ الولدَ بأُمِّه (^١).
وأمّا قولُهُ: ففرَّقَ رسُولُ الله -ﷺ- بينهُما، فهُو عندِي محفُوظٌ من حديثِ ابن عُمرَ، صحيحٌ.
وقال ابنُ عُيينةَ: عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- فرَّقَ بينَ المُتلاعِنَيْنِ. وأنكرُوهُ على ابن عُيَينةَ في حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْل، وقد ذكَرْتُ (^٢) ذلكَ في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، من كِتابِنا هذا.
وقد كان ابنُ مَعِينٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثنا به عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: سُئلَ يحيى بن مَعينٍ، عن حديثِ ابن عُيينةَ: أنَّ (^٣) النَّبيَّ -ﷺ- فرَّقَ بينهُما. فقال: أخطأ، ليسَ النَّبيُّ -ﷺ- فرَّقَ بينهُما. هكذا ذكرهُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ في "التّاريخ" (^٤) عن ابن مَعينٍ.
فإن صحَّ هذا، ولم يكُن فيه وهمٌ، فالوجهُ فيه، أن يُحمَلَ كلامُ ابن مَعينٍ على أنْ ليسَ النَّبيُّ -ﷺ- فرَّقَ بينهُما من حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ.
وأمّا ظاهِرُ كلام ابن مَعينٍ، فإنَّهُ يُوجِبُ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- لم يُفرِّقْ بينَ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٩/ ١٨ (٤٩٥٣) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، به.
(٢) في م: "ذكرنا".
(٣) في الأصل، م: "وأن".
(٤) تاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثالث ١/ ٢٨٨ (١٠١١).
[ ٩ / ٣٠٣ ]
المُتلاعِنَيْنِ، وهذا خطأٌ من ابن مَعينٍ، إن كان أرادَهُ؛ لأنَّهُ قد صَحَّ عن ابن عُمرَ من حديثِ مالكٍ، وغيرِه: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ.
وقد يحتمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِهِ: ليسَ النَّبيُّ -ﷺ- فرَّقَ بينهُما، أي: أنَّ اللِّعانَ فرَّقَ بينهُما. فإن كان أراد هذا، فهُو مَذْهبُ مالكٍ وأكثرِ أهلِ العِلم، وقد ذكَرْنا هذا المعنى في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ من كِتابِنا هذا.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، سمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ يقولُ: شهِدتُ النَّبيَّ -ﷺ-، وكُنتُ ابنَ خمسَ عَشْرةَ سنةً، فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْن (^١).
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ ووَهْبُ بن بَيانٍ وأحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح وعَمرُو بن عُثمانَ، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال مُسدَّدٌ: قال: شهِدتُ المُتلاعِنَيْنِ على عَهدِ رسولِ الله -ﷺ- وأنا ابنُ خمسَ عَشْرةَ سنةً، ففرَّق بينهُما رسُولُ الله -ﷺ-. وقال الآخرُونَ (^٣): إنَّهُ شهِدَ النَّبيَّ -ﷺ- فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ، فقال الرَّجُلُ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمسكتُها. وبعضُهُم لم يَقُل: عليها. قال أبو داودَ: ولم يُتابِعْ أحدٌ ابنَ عُيَينةَ على قولِهِ: إنَّهُ فرَّق بين المُتلاعِنَيْنِ.
_________________
(١) أخرجه أبو عوانة (٤٦٨٢) عن محمد بن شاذان، به. وأخرجه الشافعي في مسنده، ص ٢٦٩، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٧٦٥٥) و(٣٧٢٨٢)، وأحمد في مسنده ٣٧/ ٤٦٢ - ٤٦٣ (٢٢٨٠٣)، والبخاري (٦٨٥٤، ٧١٦٥)، وأبو عوانة (٤٦٨١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ١٥٥، والطبراني في الكبير ٦/ ١١٨ - ١١٩ (٥٦٨٧، ٥٦٩١)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٠١، من طريق سفيان بن عيينة، به. وانظر: المسند الجامع ٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤ (٥١٠١).
(٢) في سننه (٢٢٥١).
(٣) في الأصل، م: "آخرون".
[ ٩ / ٣٠٤ ]
قال أبو عُمر: معنى قولِ أبي داود هذا عِندِي: أنَّهُ لم يُتابِعْهُ أحَدٌ على ذلك: في حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ؛ لأنَّ ذلكَ محفُوظٌ في حديثِ ابن عُمرَ من وُجُوهٍ ثابتةٍ، وأظُنُّ ابنَ عُيَينةَ اختلطَ عليه لفظُ حَديثِهِ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، بلفظِ حديثهِ عن عَمرِو بن دينارٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عُمر.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (^٢): حدَّثنا إسماعيلُ، يعني: ابنَ عُليَّةَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابن عُمرَ: رَجُلٌ قذفَ امرأتهُ؟ فقال: فرَّقَ رسُولُ الله -ﷺ- بين أخَوَيْ بني العَجْلانِ، وقال: "اللهُ يعلَمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنْكُما تائبٌ؟ " يُردِّدُها ثلاثَ مرّاتٍ، فأبَيا، ففرَّقَ بينهُما.
قال (^٣): وحدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (^٤): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، قال: سمِعَ عَمرٌو سعيدَ بنَ جُبَيرٍ سمِعَ ابنَ عُمرَ يقولُ: قال رسُولُ الله -ﷺ- للمُتلاعِنَيْنِ: "حِسابُكُما على الله، أحدُكُما كاذِبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها"، فقال: يا رسُولَ الله، مالي، قال: "لا مالَ لكَ، إن كُنتَ صَدَقتَ عليها، فهُو بما اسْتَحلَلتهُ من فَرْجِها، وإن كُنتَ كذَبتَ عليها، فهُو أبعدُ لكَ".
_________________
(١) في سننه (٢٢٥٨).
(٢) في المسند ٨/ ٥٣ (٤٤٧٧). وأخرجه البخاري (٥٣١١، ٥٣٤٩)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٧٧، وفي الكبرى ٥/ ٢٨٣ (٥٦٣٩) من طريق إسماعيل بن علية، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٤٢٤ - ٤٢٥ (٧٧١٥).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٢٢٥٧).
(٤) في المسند ٨/ ١٩٢ (٤٥٨٧). وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٢٤٥٥)، وسعيد بن منصور في سننه (١٥٥٦)، والبخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣) (٥)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٧٧، وفي الكبرى ٥/ ٢٨٤ (٥٦٤٠)، وابن الجارود في المنتقى (٧٥٣)، وأبو يعلى (٥٦٥١)، وأبو عوانة (٤٦٨٩)، وابن حبان ١٠/ ١٢١ (٤٢٨٧)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٠١، من طريق سفيان، بن عيينة، به.
[ ٩ / ٣٠٥ ]
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابنُ أبي سُليمانَ، يعني: عبدَ الملِكِ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قلتُ لابن عُمرَ: أرأيتَ المُتلاعِنَيْنِ، أيُفرَّقُ بينَهُما؟ فقال: سُبحانَ الله! نعَمْ، كان أوَّلَ من سألَ عن هذا فُلانٌ، فسكتَ عنهُ النَّبيُّ -ﷺ-، ثُمَّ جاءَ فقال: أرأيتكَ الذي سَألتَ عنهُ، فقدِ ابتُليتُ به؟ فنَزَلت عليه الآياتُ في سُورةِ النُّورِ، فتَلاها عليه ووعَظهُ، وذكَّرهُ، وأخبَرهُ أنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ من عذابِ الآخِرةِ، فقال: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما كذَبتُ، ثُمَّ دَعا المرأةَ، فقال لها مِثلَ ذلكَ، فقالت: والذي بعثَكَ بالحقِّ إنَّهُ لَكاذِبٌ. فبَدَأ بالرَّجُل، فشَهِدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِنَ الصّادِقينَ، والخامِسةَ: أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. ثُمَّ دَعا بالمرأةِ، فشَهِدت أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِن الكاذِبينَ، والخامِسةَ: أنَّ غضَبَ الله عليها إن كان من الصّادِقينَ. ثُمَّ فرَّقَ بينهُما (^١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملِكِ بن أبي سُليمانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جُبيرٍ يقولُ: سُئلتُ عن المُتلاعِنَيْنِ زمنَ مُصعبِ بن الزُّبيرِ، فلم أدْرِ ما أقُولُ، وأتيتُ ابن عُمرَ، فقلتُ: أرأيتَ المُتلاعِنَيْنِ، أيُفرَّقُ بينهُما؟ فذكَرَ مِثلَهُ سواءً إلى آخِرِه (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٣١٩، و٩/ ٥٢ (٤٦٩٣، ٥٠٠٩)، والدارمي (٢٢٣١)، ومسلم (١٤٩٣) (٤)، والترمذي (١٢٠٢، ٣١٧٨)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٧٥ - ١٧٦، وفي الكبرى ٥/ ٢٨٢، ٢٨٣ (٥٦٣٧)، وابن الجارود في المنتقى (٧٥٢)، وأبو عوانة (٤٦٨٤)، وابن حبان ١٠/ ١١٩ - ١٢٠ (٤٢٨٦)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٠٤، من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٤٢٥ - ٤٢٦ (٧٧١٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٩٣) (٤ م) من طريق عيسى بن يونس، به.
[ ٩ / ٣٠٦ ]
فهذا عن ابن عُمرَ من وُجُوهٍ صِحاح: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- فرَّقَ بينَ المُتلاعِنَيْنِ. كما رَوَى مالكٌ، وهذا يدُلُّك على أنَّهُ إنَّما أنكَرَ على ابن عُيينةَ ذلكَ في حديثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ عندي، والله أعلمُ.
وقد زعَمَ قومٌ أنَّ مالكًا أيضًا انفردَ في حديثهِ هذا، بقولِهِ فيه: وألْحَقَ الولدَ بالمرأةِ، أو: ألْحَقَ الولدَ بأُمِّهِ. قالوا: وهذا لا يقولُهُ أحدٌ غيرُ مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ.
قال أبو عُمر: حديثُ نافع، عن ابن عُمرَ، في هذا البابِ، رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- لاعَنَ بين رَجُلٍ وامرأتِهِ، وفرَّقَ بينَهُما (^١).
وهكذا رواهُ كلُّ من رَواهُ عن نافع، ذكَرُوا فيه اللِّعانَ والفُرقةَ، ولم يذكُرُوا أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- ألحقَ الولدَ بالمرأةِ، وقالهُ مالكٌ عن نافع، كما رأيتَ، وحسبُك بمالكٍ حِفظًا وإتقانًا، وقد قال جماعةٌ من أئمَّةِ أهلِ الحديثِ: إنَّ مالكًا أثبتُ في نافع وابن شِهابٍ من غيرِهِ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذان، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- لاعَنَ بين رجُلٍ وامرأتِهِ، انتَفَى من ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله -ﷺ- بينَهُما، وألحقَ الولَدَ بأُمِّهِ.
هكذا قال: بأُمِّهِ. وفي "المُوطَّأ": وألحقَ الولدَ بالمرأةِ. وذلك كلُّهُ سواءٌ.
وهذه اللَّفظةُ: وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ، أو: بالمرأةِ، التي زعَمُوا أنَّ مالكًا انفردَ بها، وهي محفُوظةٌ أيضًا من وُجُوهٍ، منها: أنَّ ابنَ وَهْبٍ ذَكَر في "مُوطَّئهِ"، قال:
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٢١٠، و٩/ ١٧٤ (٤٦٠٤، ٥٢٠٢)، والبخاري (٥٣١٣، ٥٣١٤)، ومسلم (١٤٩٤) (٩) من طريق عبيد الله، به.
[ ٩ / ٣٠٧ ]
أخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِديِّ، قال: حَضَرتُ لِعانَهُما عندَ رسولِ الله -ﷺ- وأنا ابنُ خمسَ عشْرةَ سنةً. وساقَ الحديث، قال: وفيه: ثُمَّ خَرَجَتْ حامِلًا، فكان الولَدُ لأُمِّهِ (^١).
وذكَرَه الفِرْيابيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِديِّ في هذا الخبرِ، خبَر المُتلاعِنَيْنِ، وقال فيه: فكان يُدْعَى (^٢) الولدُ لأُمِّه (^٣).
وذكَرَ أبو داود (^٤) الحديثين جميعًا، ذكَرَ حديثَ ابن وَهْبٍ: عن أحمدَ بن صالح، عن ابن وَهْب. وذكَرَ حديث الفِريابيِّ: عن محمودِ بن خالدٍ، عن الفِريابيِّ.
وحسبُكَ بحديثِ مالكٍ في ذلكَ، ومالكٌ مالكٌ في إتقانِهِ وحِفظِهِ وتَوقِّيهِ وانتِقادِه (^٥) لِما يَرْويهِ.
فإن قيلَ: ما معنى قولِهِ: وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ، ومعلُومٌ أنَّهُ قد لحِقَ بأُمِّهِ، وأنَّها على كلِّ حالٍ (^٦) أُمُّهُ؟ قيل لهُ: المعنى أنَّهُ ألحقَهُ بأُمِّهِ دُونَ أبيهِ، ونفاهُ عن أبيهِ بلِعانِهِ، وصَيَّرهُ إلى أُمِّهِ وحدَها، ولهذا ما اختلَفَ العُلماءُ في ميراثِهِ، فجعَلَ بعضُهُم عصَبَتَهُ عَصَبةَ أُمِّهِ، وجعَلَ بعضُهُم أُمَّهُ عصَبتَهُ، وسنذكُرُ اختِلافَهُم في ذلك، في آخِرِ هذا البابِ إن شاءَ الله.
وأمّا تفريقُ رسُولِ الله -ﷺ- بين المُتلاعِنينِ فذلك عندَنا إعلامٌ منهُ -ﷺ- أنَّ التَّلاعُنَ يُوجِبُ الفُرْقةَ والتَّباعُدَ، فأعلَمَهُما بذلكَ وفرَّقَ بينهُما، وقال: "لا سَبِيلَ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٦/ ١١٧ (٥٦٨٥).
(٢) في البخاري: "ينسب".
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٥)، وابن الجارود (٧٥٦)، وأبو عوانة (٤٦٧٧)، والطبراني في الكبير ٦/ ١١٤ (٥٦٧٧)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٠٠، من طريق الفريابي، به.
(٤) انظر: سننه (٢٢٤٧، ٢٢٤٩).
(٥) في م: "انتقائه"، والمثبت من النسخ.
(٦) هذه الكلمة لم ترد في م.
[ ٩ / ٣٠٨ ]
لكَ عليها" (^١). وهذا على الإطلاقِ على ما قد بيَّنّا فيما سلَفَ من كِتابِنا، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، وقال لهما رسُولُ الله -ﷺ-: "اللهُ يَعْلمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنكُما تائبٌ؟ ". وأخبَرَ أنَّ الخامِسةَ مُوجِبةٌ، يعني: أنَّها تُوجِبُ لَعْنةَ الله وغَضبَهُ، فلمّا جهِلَ الملعُونُ منهُما، وصحَّ أنَّ أحدَهُما قد لحِقَتهُ لَعْنةُ الله وغضَبُهُ فرَّقَ، والله أعلمُ بينهُما، لئلّا يجتمِعَ رجُلٌ ملعُونٌ وامرأةٌ غيرُ ملعُونةٍ.
ولَسْنا نعرِفُ أنَّ المرأةَ أُفرِدَت باللَّعنةِ، فنَقِيسَها على اليهُوديَّةِ الجائزِ نِكاحُها، ولا بأسَ أن يكونَ الأسفلُ ملعُونًا، كما أنَّهُ لا بأسَ أن يكونَ كافِرًا.
ولا سَبيلَ إلى مَعْرِفةِ مَن حقَّت عليه اللَّعنةُ منهُما، فمِنْ ها هُنا وَقَعتِ الفُرْقةُ، ولو أيقنّا أنَّ اللَّعنَةَ حقَّت على المرأةِ بكذِبِها، لم نُفرِّقْ بينَهُما.
هذا جُملةُ ما اعتلَّ به بعضُ أصحابِنا، وفي ذلكَ نَظَرٌ، والتَّلاعُنُ يَقْتضي التَّباعُدَ، وعليه جُمهُورُ السَّلفِ.
وفي قولِهِ -ﷺ-: "لا سبيلَ لك عليها" كِفايةٌ ودلالةٌ صَحِيحةٌ على أنَّ اللِّعانَ هُو المُوجِبُ للفُرقةِ بينهُما، وأنَّ الحاكِمَ إنَّما يُنفِّذُ الواجِبَ في ذلكَ من حُكم الله تعالى ذِكرُهُ.
ولم يكُن تَفْريقُ النَّبيِّ -ﷺ- بين المُتلاعِنَيْنِ بعدَ اللِّعانِ اسْتِئنافَ حُكم، وإنَّما كان تنفيذًا لِما أوجَبهُ اللهُ تعالى باللِّعانِ بينَهُما، فالواجِبُ على سائرِ الحُكّام تنفيذُ الحُكْم بذلكَ، والتَّفريقُ بينهُما، فإن فَعلَ، فقد فَعلَ ما يجِبُ، وإن تَركَ كان الحُكْمُ بالفُرقَةِ بينهُما نافِذًا على حسَبِ ما ذكَرْنا.
واحتجَّ أصحابُ أبي حَنِيفةَ لقولِهِ: إذا الْتَعنا فرَّقَ الحاكِمُ بينهُما (^٢)، بما
_________________
(١) سلف تخريجه قريبًا.
(٢) ينظر في الفرقة باللعان: مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٥٠٥ (١٠٥٠).
[ ٩ / ٣٠٩ ]
رُويَ عن رسُولِ الله -ﷺ-: أنَّهُ فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ. قالوا: فدَلَّ على أنَّهُ الفاعِلُ للفُرْقةِ. قالوا: وهي فُرْقةٌ تَفْتقِرُ إلى حُضُورِ الحاكِم، فوجبَ أن تَفْتَقِرَ (^١) إلى تَفْريقِهِ، قياسًا على فُرْقةِ العِنِّين (^٢).
ومن حُجَّةِ مالكٍ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ التَّفاسُخَ في التَّبايُع لمّا وقَعَ بتمام التَّحالُفِ، فكذلكَ اللِّعانُ.
وأمّا الشّافِعيُّ (^٣)، فإنَّ الفُرقةَ تقعُ عندَهُ بالْتِعانِ الزَّوج وحدَهُ؛ لأنَّهُ لمّا دفعَ لِعانُهُ الولدَ والحدَّ، وجبَ أن يدفعَ الفِراشَ، لأنَّ لِعانَ المرأةِ لا مدخَلَ لهُ في ذلك، وإنَّما هُو لنَفْيِ الحدِّ عنها لا غيرُ.
وذهَبَ عُثمانُ البتِّيُّ: أنَّ الفُرْقةَ تَقَعُ بالطَّلاقِ بعدَ اللِّعانِ؛ لأنَّ العَجْلانيَّ طلَّقها ثلاثًا بعد اللِّعانِ (^٤).
وقد مَضَى القولُ أيضًا في حُكْم فُرْقةِ المُتلاعِنَيْنِ، وهل يحتاجُ الحاكِمُ إلى أن يُفرِّقَ بينهُما بعدَ اللِّعانِ أم لا؟ وما في ذلكَ للعُلماءِ من التَّنازُع، ووجهُ الصَّوابِ فيه عندَنا، عندَ ذِكْرِ حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، في كِتابِنا هذا، وذكَرْنا (^٥) هُناك أيضًا أحكامًا صالحةً من أحْكام اللِّعانِ، لا معنَى لإعادتِها ها هُنا، ونَذكُرُ ها هُنا حُكم الحَمْل والولَدِ، وما ضارَعَ ذلك بعونِ الله لا شريكَ لهُ.
فأمّا قولُهُ في حَديثِنا هذا: وانْتَفَى من ولَدِها، فإنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ انتَفَى منهُ وهُو حَمْلٌ ظاهِرٌ، ويحتمِلُ أن يكون انتَفَى منهُ بعدَ أن وُلِدَ (^٦).
_________________
(١) في م: "يفتقر".
(٢) انظر: بداية المجتهد لابن رشد ٢/ ٩١.
(٣) الحاوي الكبير ١١/ ٧٤.
(٤) مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٥٠٦.
(٥) في م: "ذكرنا".
(٦) في الأصل، م: "ولده".
[ ٩ / ٣١٠ ]
وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في المُلاعَنةِ على الحمل (^١)، فقال منهُم قائلُونَ: لا سبيلَ إلى أن يُلاعِنَ أحدٌ عن حَمْل، ولا لأحَدٍ أن يَنْتفيَ من وَلدٍ لم يُولَد بَعدُ، ولأنَّهُ رُبَّما حسِبَ أنَّ بالمرأةِ حَمْلًا، وليسَ بها حملٌ. قالوا: وكم حَمْلٍ ظاهرٌ (^٢) في رأيِ العَيْنِ، ثُمَّ انفشَّ واضْمَحلَّ. قالوا: فلا لِعانَ على الحملِ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ. قالوا: ولوِ التعَنَ أحدٌ على الحَمْلِ، لم ينتَفِ عنهُ الولدُ، حتّى ينفيهُ بعدَ أن يُولد ويلتعِنُ بعدَ ذلك، ويَنْفيه في اللِّعانِ، فحينئذٍ يَنْتفي عنهُ. هذا قولُ أبي حنيفةَ، وطائفةٍ من فُقهاءِ الكُوفة.
وقال آخرُونَ: جائزٌ أن يَنْتفي الرَّجُلُ من الحَمْلِ، إذا كان حملًا ظاهِرًا. هذا قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ وجَماعةٍ من فُقهاءِ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ. وحُجَّتُهُم: أنَّ المرأةَ التي لاعنَ رسُولُ الله -ﷺ- بينها وبين زَوْجِها كانت حامِلًا، فانْتَفى المُلاعِنُ من ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله -ﷺ- بينهُما، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ.
والآثارُ الدّالَّةُ على صِحَّةِ هذا القولِ كَثِيرةٌ، وسنَذكُرُ منها في هذا البابِ ما فيه كِفايةٌ، وشِفاءٌ وهِدايةٌ إن شاءَ الله.
وجُملةُ قولِ مالكٍ (^٣) وأصحابِهِ في هذه المسألةِ: أنَّهُ لا يُنْفَى الحملُ بدعوى رُؤيةِ الزِّنا، ولا يُنْفَى الحملُ إلّا بدعوى الاسْتِبراءِ وأنَّهُ لم يَطَأ بعد الاستِبراءِ، والاسْتِبراءُ عندَهُم حَيْضةٌ كامِلةٌ. هذا قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، إلّا عبد الملِك، فإنَّهُ قال: ثلاثُ حِيَضٍ. ورواهُ أيضًا عن مالكٍ.
وقال ابنُ القاسم: لا يلزمُهُ ما وَلَدت بعدَ لِعانِهِ، إلّا أن يكونَ حَمْلًا ظاهِرًا حينَ لاعنَ بإقرارٍ أو بيِّنةٍ فيُلحَقُ به.
_________________
(١) ينظر: الإشراف لابن المنذر ٥/ ٣١٦.
(٢) في ظا، م: "ظهر"، والمثبت من الأصل، د ٤.
(٣) انظر: المدونة ٢/ ٣٥٦.
[ ٩ / ٣١١ ]
وقال المُغيرةُ (^١) المخزُوميُّ (^٢): إن أقرَّ بالحَمْل وادَّعى رُؤيةً: لاعنَ، فإن وَضَعتهُ لأقلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من يوم الرُّؤيةِ، فهُو لهُ، وإن كانَ لسِتَّةِ أشهُرٍ فأكثرَ، فهُو للِّعانُ، فإن ادَّعاهُ لحِقَ به وحُدَّ (^٣).
قال المُغيرةُ: ويُلاعِنُ في الرُّؤيةِ من يدَّعي الاسْتِبراءَ (^٤).
وأمّا الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ وأصحابُهُم، فإنَّهُم يقولُونَ: كلُّ من قذَفَ امرأتهُ، وطلَبتِ الحدَّ، ولم يأتِ زَوْجُها بأربعةِ شُهداءَ: لاعَنَ، وسواءٌ قال لها: يا زانيةُ، أو: زَنَيتِ، أو: رأيتُها تزني: يُلاعِنُ أبدًا. وكلُّ من نَفَى الحملَ عندَهُم، وقال: ليسَ مِنِّي، ولم يَكُن علِمَ به: لاعَنَ. ولا معنى عندَهُم للاسْتِبراءِ؛ لأنَّ الاستِبراءَ قد تلِدُ مَعهُ، فلا معنى لهُ، ما كان الفِراشُ قائمًا، إلّا أبا حنيفةَ، فإنَّهُ على أصْلِهِ، في أنْ لا لِعانَ على حمل، على ما ذكرتُ لك.
ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِه: أنَّهُ (^٥) إذا ادَّعَى رُؤيةً، وأقرَّ أنَّهُ وَطِئَ بعدَها، حُدَّ، ولحِقَ به الوَلَدُ.
قال ابنُ القاسم: فلو أكذَبَ نفسهُ في الاسْتِبراءِ، وادَّعَى الوَلَدَ، لحِقَ به، وحُدَّ (^٦) إذ باللِّعانِ نفيناهُ عنهُ، وصار قاذِفًا.
_________________
(١) قوله: "المغيرة" من ظا حسبُ، وهي ثابتة في الاستذكار ٦/ ٩٥.
(٢) انظر: الاستذكار ٦/ ٩٥. وانظر فيه أيضًا ما بعده.
(٣) في م: "وحده".
(٤) بعد هذا في ظا: "وإن وضعَتْ لأقل من ستّة أشهر من يوم الرُّؤية لحقَ به، ولا ينفعُه إن نفاه، ولا يُحدُّ. قال: ولو قال بعد الوضع لأقل من ستّة أشهر كنتُ استبريتُه ونفاه، كان للعان الأول. قال أصبغ: لا ينتفي إلا بلعانٍ ثانٍ"، وهذا النص مقحم إذ لم يرد في الأصل ولا في بقية النسخ ولا في الاستذكار ٦/ ٩٥.
(٥) قوله: "أنه" لم يرد في د ٤.
(٦) في م: "وحده".
[ ٩ / ٣١٢ ]
وقال مالكٌ وابنُ القاسم (^١) وغيرُهُما: يُبدَأُ بالزَّوج في اللِّعانِ، فيَشْهدُ أربعَ شهاداتٍ بالله، يقولُ في الرُّؤيةِ: أشْهَدُ بالله إنِّي لمِنَ الصّادِقينَ، لَرَأيتُها تَزْني. ويقولُ في نَفْيِ (^٢) الحمل: أشهدُ بالله لَزَنَتْ (^٣).
وذكرَ ابنُ الموّازِ، عن ابن القاسم، قال: يقولُ (^٤) في نفيِ الحَمْل: أشهدُ بالله إنِّي لمِنَ الصّادِقينَ، ما هذا الحملُ مِنِّي.
قال أصبغُ: وأحَبُّ إليَّ أن يزيدَ: لَزَنَتْ (^٥). قال أصبغُ: ويقولُ في الرُّؤية: كالمِرْودِ في المُكْحُلةِ.
قال مالكٌ وابنُ القاسم: ويقولُ في الخامسةِ: أنَّ لعنَةَ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. وتقولُ المرأةُ في الرُّؤيةِ: أشْهَدُ بالله ما رآني أزْنِي. وفي الحَمْل: أشهدُ بالله ما زَنَيتُ، وإنَّ هذا الحملَ منهُ.
قال أبو عُمر: إن كان ولدًا أو حملًا ونَفاهُ، قال في لِعانِهِ: أشْهَدُ بالله لقد زنَتْ، وما هذا الحملُ مِنِّي، أو: ما هذا الولدُ مِنِّي. وتقولُ هي: أشهدُ بالله ما زَنَيتُ، وأنَّ هذا الحملَ منهُ، أو: هذا الولدَ منهُ. وإن كان غائبًا، أو ميِّتًّا سَمَّتهُ ونَسَبتهُ، وقالت: وإنَّهُ من زَوْجي فُلان ابن فُلانٍ. يقولُ كلُّ واحدٍ منهُما هذا القولَ أربعَ مرّاتٍ، بأربع شهاداتٍ بالله، ثُمَّ يقولُ الزَّوجُ في الخامِسةِ: وعليه لعنَةُ الله إن كان من الكاذِبينَ. وتقولُ هِيَ: وعليها غَضَبُ الله، إن كان من الصّادِقينَ، فيما ذكَرَ من رُؤيةٍ، أو فيما ذكَرَ من زِناها، ومن نَفْي حَمْلِها أو ولدِها، على حسَبِ ما فسَّرتُ لك.
_________________
(١) انظر: المدونة ٢/ ٣٥٣.
(٢) النفي سقط من د ٤.
(٣) في م: "لزنيت".
(٤) هذه الكلمة لم ترد في م.
(٥) في م: "لزنيت".
[ ٩ / ٣١٣ ]
فإذا تمَّ الْتِعانُ المرأةِ بعدَ الْتِعان الرَّجُلِ، وقَعَتِ الفُرقةُ بينهُما، ثُمَّ لم تحِلَّ لهُ أبدًا، وسَواءٌ فرَّق الحاكِمُ بينهُما، أو لم يُفرِّق، وإن أكذَبَ نفسَهُ بعدَ ذلكَ، حُدَّ ولحِقَ به الولدُ، ولم يتَراجعا أبدًا، وإن بَقِي من لِعانِهِ، أو لِعانِ المرأةِ، ولو مرَّةً واحدةً، شَهادةٌ واحدةٌ، الخامِسةُ أو غيرُها، فأكذَبَ نفسَهُ قبلَ تمَامِها، حُدَّ وبَقِيت مَعهُ زوجَتُه إذا لم يتِمَّ لِعانُها. هذا كلُّهُ قولُ مالكٍ وأصحابِه (^١).
ولو لاعَنَ عِندهُم من نَفَى حملًا، فانْفَشَّ، لم تُردَّ إليه، ولم تحِلَّ لهُ أبدًا؛ لأنَّهُ قد يجُوزُ أن تكونَ أسْقَطتهُ وكَتَمتهُ.
وعندَ الشّافِعيِّ (^٢): أنَّ الرَّجُلَ إذا تمَّ الْتِعانُهُ، فقد زالَ فِراشُهُ، ولا تحِلُّ لهُ أبدًا.
وعندَ أبي حَنِيفةَ: أنَّ تمامَ اللِّعانِ لا يُوجِبُ فُرْقَةً حتّى يُفرِّقَ الحاكِمُ بينهُما. ولكلِّ واحدٍ منهُم حُجَّةٌ من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ هذا محُتمَلةٌ للتَّأويل، وقولُ مالكٍ أولى بالصَّوابِ إن شاءَ الله.
وقال الشّافِعيُّ (^٣) ﵀: تَفْريقُ النَّبيِّ -ﷺ- بين المُتلاعِنينٍ، تفريقُ حُكم، ليس لطَلاقِ الزَّوج فيه مدخَلٌ، وإنَّما هُو تفريقٌ أوجَبهُ اللِّعانُ، فأخبَرَ به (^٤) النَّبيُّ -ﷺ- بقولِهِ: "لا سبيلَ لكَ عليها" (^٥).
قال (^٦): وإذا أكملَ الزَّوجُ الشَّهادَةَ والالْتِعانَ، فقد زالَ فِراشُ امرأتِهِ، ولا تحِلُّ لهُ أبدًا وإن أكذَبَ نفسَهُ، الْتَعنت أو لم تَلْتعِن. قال: وإنَّما قلتُ هذا، لأنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قال: "لا سبيلَ لكَ عليها"، ولم يَقُل: حتّى تُكذبَ نفسَكَ.
_________________
(١) انظر: المدونة ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٢) انظر: الأم ٥/ ٣٠٩.
(٣) انظر: الأم ٥/ ١٣٩.
(٤) "به" لم ترد في الأصل.
(٥) سلف قريبًا مسندًا من حديث ابن عمر.
(٦) الأم ٥/ ٣٠٩.
[ ٩ / ٣١٤ ]
قال (^١): وكان معقُولًا في حُكْم رسُولِ الله -ﷺ- إذ ألحَقَ (^٢) الولدَ بأُمِّهِ، أنَّهُ نفاهُ عن أبيهِ، وأنَّ نَفْيَهُ عنهُ إنَّما كان بيَمِينِهِ والْتِعانِهِ، لا بيمينِ المرأةِ على تَكْذيبِهِ.
قال (^٣): ومعقُولٌ في إجماع المُسلِمينَ: أنَّ الزَّوجَ إذا أكذَبَ نَفْسهُ، لحِقَ به الوَلَدُ، وجُلِدَ الحدَّ. ولا معنَى للمَرْأةِ في نَفْيِهِ، وأنَّ المعنى للزَّوج، فكيف يكونُ لها معنًى في يمينِ الزَّوج، ونفيُ الوَلدِ وإلحاقُهُ، والولَدُ بكلِّ حالٍ ولَدُها لا يَنْتفي عنها أبدًا، إنَّما يَنْتفي عن الرَّجُلِ، وإليه ينتسِبُ؟
قال: والدَّليلُ على ذلك ما لا يختلِفُ فيه أهلُ العِلم، من أنَّ الأُمَّ لو قالت: ليسَ هُو مِنكَ، إنَّما اسْتَعرتُهُ: لم يَكُن قولُها شيئًا، إذا عُرِفَ أنَّها ولدتهُ على فِراشِهِ، ولم يَنْتفِ منه إلّا بلِعانٍ؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ (^٤) للولَدِ دُونَ الأُمِّ. وكذلكَ لو قال: هُو ابني، وقالت هِيَ: بل زنيتُ، وهُو من زِنًى. كان ابنَهُ، ولم يُنظَر إلى قولِها. ألا تَرَى أنَّ حُكمَ النَّفيِ والإثباتِ إليه دُونَ أُمِّهِ؟ فكذلكَ نفيُهُ بالْتِعانِهِ إليه دُون أُمِّهِ. قال: والْتِعانُ المرأةِ إنَّما هُو لدَرْءِ الحدِّ عنها لا غيرُ، ليسَ من إثباتِ الولَدِ، ولا نَفْيِهِ في شيءٍ.
قال الشّافِعيُّ (^٥): وإذا علِمَ الزَّوجُ بالولدِ، فأمكَنهُ الحاكِمُ إمكانًا بيِّنًا، فتركَ اللِّعانَ (^٦) لم يكُن لهُ أن يَنْفيَهُ بعدُ.
وقال ببغدادَ: إن لم يَشْهد بحَضْرةِ ذلك في يوم أو يومينِ، لم يكُن لهُ نفيُهُ. وقال بمِصرَ أيضًا: ولو قال قائلٌ: لهُ نَفْيُهُ في ثلاثةِ أيام إن كان حاضِرًا، كان مذهبًا.
_________________
(١) الأم ٥/ ٣١٠.
(٢) في م: "إذا لحق".
(٣) انظر: الأم ٥/ ٣١٠.
(٤) في م: "أحق".
(٥) نقله من مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٥٠٣، وكذلك قوله الآتي ببغداد.
(٦) زاد هنا في د ٤: "ثم".
[ ٩ / ٣١٥ ]
قال أبو عُمر: كلُّ من قال: إنَّ الفُرقةَ تَقَعُ باللِّعانِ دُونَ تفريقِ الحاكِم، من فُقهاءِ الأمصارِ خاصَّةً، يقولُونَ: إنَّ الفُرقةَ لا تَقَعُ بينهُما إلّا بتمام الْتِعانِهِما جميعًا، إلّا الشّافِعيَّ وأصحابهُ، فإنَّهُم قالوا: تَقَعُ الفُرقةُ بتمام الْتِعانِ الزَّوج وحدَهُ. وكلُّهُم يقولُونَ: إنَّ المرأةَ إذا أبَتْ أن تَلْتعِنَ بعد الْتِعانِ الزَّوج، وجَبَ عليها الحدُّ، وحدُّها -إن كانت غيرَ مدخُولٍ بها-: الجَلْدُ، وإن كانت مَدْخُولًا بها: الرَّجمُ.
إلّا أبا حَنِيفةَ وأصْحابهُ، فإنَّهُم قالوا: إن أبَتْ أن تَلْتعِن حُبِست أبدًا حتّى تَلْتعِنَ (^١).
والحُجَّةُ عليهم قولُ الله ﷿: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] والسِّجنُ ليسَ بعذابٍ، والله أعلمُ، بدليل قولِ الله ﷿: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فجعَلَ السِّجن غيرَ العذابِ، وقد سَمَّى الله الحدَّ عذابًا بقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقولِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
وقد رُوي مِثلُ قولِ أبي حنيفةَ في هذه المسألةِ عن عَطاءٍ، والحارِثِ العُكْليِّ، وابن شُبرُمةَ. وهُو خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ، وخِلافُ ما عليه أكثرُ عُلماءِ المُسلِمينَ.
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدٍ قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ محمد بن بكرٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الحُسين (^٢) بن واقِدٍ، عن أبيهِ، عن يزيدَ النَّحويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ،
_________________
(١) وفي الأم للشافعي ٧/ ٢٢: "قلتُ: فلم قلتَ: إذا أبت أن تلتعن حُبِست؟ قال: بقول بعض الفقهاء" وقال في موضع آخر ٧/ ٢٦: "إن التعن الزوج ولم تلتعن المرأة حُدّت إذا أبت أن تلتعن لقول الله ﷿: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ ".
(٢) في د ٤: "بن الحسن"، خطأ، والمثبت من الأصل، وانظر: تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٠٦.
[ ٩ / ٣١٦ ]
قال: وقولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيةَ [النور: ٦]. قال: فإذا حلَفا فُرِّقَ بينهُما، وإن لم يَحْلِفا أُقيمَ الجَلْدُ أوِ الرَّجمُ (^١).
وهذا كقولِ مالكٍ (^٢) سَواءٌ في الفُرقةِ وإقامةِ الحدِّ، عندَ نُكُولِ المرأةِ.
وقال الضَّحّاكُ بن مُزاحِم، في قولِهِ ﷿: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ قال: إن هي أبت أن تُلاعِنَ، رُجِمت إن كانت ثيِّبًا، وجُلِدت إن كانت بِكْرًا (^٣). وهُو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلم بتأويلِ القُرآن، وأكثرِ فُقهاءِ الأمْصَارِ.
والعَجَبُ من (^٤) أبي حَنِيفةَ يقضي بالنكُولِ في الحُقُوقِ بين النّاسِ، ولا يَرَى ردَّ اليَمينِ، ولم يَقُل بالنُّكُولِ ها هُنا، والذي ذهَبَ إليه أبو حنيفةَ، واللهُ أعلمُ، أنَّهُ جَبُن عن (^٥) إقامةِ الحدِّ عليها -بدعوَى زَوْجِها ويَمينِهِ، دُون إقرارِها، أو ببيِّنة تقومُ عليها، ولم يَقْضِ بالنُّكُولِ، لأنَّ الحُدُودَ تُدرأُ بالشُّبُهاتِ، ومِثلُ هذا كلِّهِ شُبْهةٌ دَرَأَ بها الحدَّ عنها- وحَبَسها حتّى تلتعِنَ. وهذا قولٌ ضعيفٌ في النَّظرِ، مع مخُالفتِهِ الجُمهُورَ والأُصُولَ، والله المُستعانُ.
ومذهبُ مالكٍ والشّافِعيِّ: أنَّ اللِّعانَ فسخٌ بغيرِ طلاقٍ. وقال أبو حنيفةَ: هي طَلْقةٌ بائنةٌ (^٦).
واتَّفق مالكٌ والشّافِعيُّ على أنَّهُ جائزٌ أن يُلاعِنَ إذا نَفَى الحملَ، وكان الحملُ (^٧) ظاهِرًا، على ما تقدَّمَ عن مالكٍ وأصحابِهِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأصحابِهِ
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٠/ ٦٤٦، وعزاه إلى أبي داود في الناسخ والمنسوخ.
(٢) في د ٤: "هكذا كقول مالك".
(٣) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (٢٩٠٤٧) وفيه: تجلد مئة وتُرجم.
(٤) في د ٤: "في".
(٥) في م: "حين عز" بدل: "جبن عن".
(٦) وهو في الأصل قول إبراهيم النخعي أخذ به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن. ينظر: المبسوط للسرخسي ٧/ ٤٣.
(٧) قوله: "وكان الحملُ" لم يرد في د ٤.
[ ٩ / ٣١٧ ]
أيضًا. والحُجَّةُ لهمُ الآثارُ المُتواتِرةُ بذلكَ، التي لا يُعارِضُها ولا يُخالِفُها مِثلُها، فمِنْ ذلكَ:
ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ الهاشِميُّ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال: جاءَ عُوَيمِرٌ إلى عاصِم بن عَدِيٍّ، فقال: سَلْ لي (^١) رسُولَ الله -ﷺ- (^٢): أرأيتَ رجُلًا وجدَ مع امرأتِهِ رجُلًا، أيَقتُلُهُ فيُقتَلَ به، أم كيفَ يَصْنعُ؟ فسألَ عاصِمٌ رسُولَ الله -ﷺ- عن ذلكَ، فعابَ رسُولُ الله -ﷺ- عليه المسائلَ. ثُمَّ لَقِيهُ عُوَيمِرٌ فسألهُ: ما صنعتَ؟ فقال: صَنَعتُ، إنَّكَ لم تأتِ بخيرٍ، سألتُ رسُولَ الله -ﷺ- فعابَ المسائلَ. فقال عُوَيمِرٌ: والله لآتينَّ رسُولَ الله -ﷺ-، قال: فأتَى رَسُولَ الله -ﷺ- (^٣)، فسألَهُ، فوجَدَهُ قد أُنزِلَ عليه فيها، فدَعا بهما فتَلاعنا، فقال عُوَيمِرٌ: لئن انْطَلقتُ بها يا رسُولَ الله، لقد كَذَبتُ عليها. قال: ففارَقَها قبلَ أن يأمُرَهُ بذلكَ رسُولُ الله -ﷺ-، فصارت سُنَّةً في المُتلاعِنَيْنِ، ثُمَّ قال: "انظُرُوها، فإن جاءَت به أسْحَمَ أدعَجَ العَيْنَينِ، عظيمَ الألْيَتينِ، فلا أُراهُ إلّا قد صدَقَ، وإن جاءَت به أحمرَ كأنَّهُ وَحْرةٌ، فلا أُراهُ إلّا كاذِبًا". قال: فجاءَت به على النَّعتِ المكرُوه (^٤).
فهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّها كانت حامِلًا، وإذا كانت حامِلًا، فقد وقَعَ التَّلاعُنُ على الحَمْلِ؛ لأنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَفاهُ عن الرَّجُلِ وألحقهُ بأُمِّهِ، وليس
_________________
(١) في م: "سئل".
(٢) من هنا إلى قوله: "فعاب" سقط كله من د ٤.
(٣) قوله: "قال فأتى رسول الله -ﷺ-" سقط من م.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٣٧/ ٤٨٥ (٢٢٨٣٠)، وأبو داود (٢٢٤٨)، وابن ماجة (٢٠٦٦)، والطبراني في الكبير ٦/ ١١٦، ١١٩ (٥٦٨٢، ٥٦٩٠)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٣٩٩، من طريق إبراهيم بن سعد، به. وانظر: المسند الجامع ٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤ (٥١٠١).
[ ٩ / ٣١٨ ]
في شيءٍ من الآثارِ أنَّ اللِّعانَ أُعيدَ في ذلك مرَّةً ثانيةً بعدَ أن ولدتهُ، وفي (^١) ذلكَ ما يدُلُّ على أنَّهُ نَفاهُ حملًا، فنفاهُ عنهُ رسُولُ الله -ﷺ- وألحقهُ بأُمِّهِ.
ومِمّا يُصحِّحُ أيضًا ما قُلناهُ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله، قال: إنّا ليلةَ جُمُعةٍ في المَسْجِدِ، إذ دخلَ رجُلٌ من الأنصارِ، فقال: لو أنَّ رَجُلًا وَجَدَ مع امرأتِهِ رجُلًا فتَكلَّمَ جَلَدتُمُوهُ، وإن قتَلَ قَتلتُمُوهُ، أو سكَتَ، سكَتَ على غَيْظٍ، والله لأسألنَّ عنهُ رسُولَ الله -ﷺ-، فلمّا كان من الغَدِ أتَى رسُولَ الله فسألهُ، فقال: لو أنَّ رجُلًا وجَدَ مع امرأتِهِ رجُلًا، فتكلَّمَ جَلَدتُمُوهُ، أو قتَلَ قَتَلتُمُوهُ، أو سكَتَ سكَتَ على غَيْظٍ، فقال: "اللَّهُمَّ افتَحْ". وجعَلَ يدعُو، فنزَلَتْ آيةُ اللِّعانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] فابتُلي به ذلكَ الرَّجُلُ من بينِ النّاسِ، فجاءَ هُو وامرأتُهُ إلى رسُولِ الله -ﷺ-، فتَلاعَنا، فشهِدَ الرَّجُلُ أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِنَ الصّادِقينَ، ثُمَّ الخامِسةَ: لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. قال: فذهَبَت لتَلْتعِنَ، فقال لها النَّبيُّ -ﷺ-: "مَهْ" فأبَتْ وفعلَتْ، فلمّا أدْبَرَ (^٣)، قال: "لعلَّها أن تجيء به أسودَ أجْعَدَ". فجاءَت به أسوَدَ أجْعَدَ.
_________________
(١) قوله: "وفي" سقط من د ٤.
(٢) في سننه (٢٢٥٣). ومن طريقه أخرجه أبو عوانة (٤٧٠١)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٠٥. وأخرجه مسلم (١٤٩٥)، وأبو عوانة (٤٧٠١) عن عثمان بن أبي شيبة، به. وأخرجه البزار في مسنده (١٥٠١)، وابن حبان ١٠/ ١١٢ (٤٢٨١)، وأبو يعلى (٥١٦٠) من طريق جرير، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٧/ ١٠٥ (٤٠٠١)، وابن ماجة (٢٠٦٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩٩، من طريق الأعمش، به. وانظر: المسند الجامع ١١/ ٦١٥ - ٦١٦ (٩١٣٠).
(٣) هكذا في النسخ، وفي المطبوع من أبي داود: "أدبرا"، وهو الأوجه.
[ ٩ / ٣١٩ ]
قال أبو عُمر: هكذا في الحديثِ: "أجعَدَ"، والصَّوابُ عندَ أهلِ العربيَّةِ: جَعْدٌ، يُقالُ: رجُلٌ جَعْدٌ، وامرأةٌ جَعْدةٌ، ولا يُقالُ: أجعَدُ. قال الأوزاعيُّ ﵀: أعْرِبُوا الحديثَ، فإنَّ القومَ كانوا عَرَبًا.
وأمّا الحديثُ الذي قيلَ هذا فيه (^١): "إن جاءَت به أسْحَمَ، أدْعَجَ العَيْنينِ، عظيمَ الألْيَتينِ، فلا أُراهُ إلّا قد صدَقَ، وإن جاءَت به أحمرَ، كأنَّهُ وَحْرةٌ، فلا أُراهُ إلّا كاذِبًا". قال: فجاءَت به على النَّعتِ المكرُوهِ.
فالأسْحَمُ: الأسودُ من كلِّ شيءٍ، والسُّحمةُ: السَّوادُ.
والدَّعَجُ: شِدَّةُ سَوادِ العَيْنِ، يُقالُ: رجُلٌ أدعجُ، وامرأةٌ دعجاءُ وعَيْنٌ دَعْجاءُ، وليلٌ أدعجُ، أي: أسودُ.
وأمّا قولُهُ: "كأنَّهُ وَحْرةٌ" فأرادَ، واللهُ أعلمُ، كأنَّهُ وَزَغةٌ؛ قال الخليلُ (^٢): والوَحَرَةُ: وَزَغَةٌ تكونُ في الصَّحاري. قال: وامرأةٌ (^٣) وَحَرةٌ: سوداءُ دَمِيمةٌ.
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ واضحٌ (^٤) على أنَّ المرأةَ كانت حُبلَى.
وفيه ضُرُوبٌ من الفِقهِ ظاهِرةٌ، أبْيَنُها: أنَّ القاذِفَ لزَوْجتِهِ يُجلَدُ إن لم يُلاعِنْ. وعلى هذا جَماعةُ أهلِ العِلم، إلّا ما قدَّمنا ذِكْرهُ عن أبي حَنِيفةَ في هذا البابِ، وشيءٌ رُوِيَ عن الشَّعبيِّ والحارِثِ العُكليِّ، قالوا: المُلاعِنُ إذا أكْذَبَ نفسَهُ لم يُضْرَب.
وهذا قولٌ لا وجهَ لهُ، والقُرآنُ والسُّنَّةُ يرُدّانِهِ، وَيقْضيانِ: أنَّ كلَّ من قذفَ امرأةً (^٥)، ولم يخرُج بما قالهُ بشُهُودٍ أربعةٍ، إن كان أجنبيًّا، أو بلِعانٍ، إن كان زوجًا، جُلِدَ الحدَّ. ولا يصِحُّ عِندي عن الشَّعبيِّ، وكذلكَ لا يصِحُّ إن شاءَ اللهُ عن غيرِهِ.
_________________
(١) في د ٤: "ففيه".
(٢) انظر: العين ٣/ ٢٩٠.
(٣) في م: "والمرأة".
(٤) هذه الكلمة سقطت من م.
(٥) في م: "يقذف امرأته" بدل: "قذف امرأة".
[ ٩ / ٣٢٠ ]
وقد ذكَرَ أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^١): حدَّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، عن عامرٍ، يعني: الشَّعبيَّ، قال: إذا أكذَبَ نفسَهُ جُلِد الحدَّ، ورُدَّت إليه امرأتُهُ.
وحجّاجٌ، عن ابن جُريج، عن ابن شِهابٍ مِثلهُ.
وهُشيمٌ، عن جُوَيبر (^٢)، عن الضَّحّاكِ مِثلهُ.
قال حمّادُ بن أبي (^٣) سُليمان: يكونُ خاطِبًا من الخُطّابِ إذا جُلِدَ. وهُو قولُ أبي حنيفةَ، وأصحابِهِ.
وقد ذكَرْنا اختِلافَ الفُقهاءِ في هذه المسألةِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ من هذا الكِتابِ.
والنّاسُ فيها على (^٤) ثلاثةِ أقاويلَ:
أحدُها: أنَّهُ إذا أكذَبَ نفسهُ، جُلِدَ، ورُدَّتْ إليه امرأتُهُ دُونَ نِكاح على عِصْمتِهِ.
والثّاني: أن يكونَ بعد الجلدِ خاطِبًا، كما ذكَرْنا.
والثّالثُ: أنَّهُما لا يَجْتمِعانِ أبدًا وإنْ جُلِد (^٥).
وأمّا قولُ من قال: إنَّهُ لا يُجلَدُ فلا يُعرَّجُ عليه، ولا يُشتغلُ به، وهُو وَهمٌ وخطأٌ، وقد مَضَى القولُ في هذا والحُجَّةُ، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، من هذا الكِتابِ، فلا وجهَ لإعادتِهِ ها هُنا.
_________________
(١) انظر: المصنَّف (١٧٦٦٩). ورواه في (١٧٥٣٧) عن أبي خالد الأحمر، عن ابن سالم، عن الشعبي، به.
(٢) في م: "جرير".
(٣) هذا الحرف سقط من م. وهو حماد بن أبي سليمان، الأشعري، أبو إسماعيل الكوفي الفقيه. انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٢٦٩.
(٤) في م: "وللناس فيها" بدل: "والناس فيها على".
(٥) قوله: "وإن جلد" من د ٤.
[ ٩ / ٣٢١ ]
ومِمّا يُوضِّحُ أيضًا أنّ (^١) التَّلاعُنَ على الحَمْلِ البيِّنِ: ما أخبرناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى أبو الأصْبَغ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني عبّاسُ بنُ سهلٍ، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال لعاصِم بن عديٍّ: "أمْسِكِ المرأةَ عِندكَ حتّى تَلِدَ".
ومِثلُهُ أيضًا حديثُ ابن وَهْب، عن يونُس بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال فيه: ثُمَّ خرَجَتْ حامِلًا، فكان الولَدُ إلى أُمِّه (^٣).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عائذٍ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا ثَوْرُ بن يزيد، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عن رسُولِ الله -ﷺ-: أنَّ رجُلًا من بَني زُرَيقٍ قذَفَ امرأتهُ، فأتَى النَّبيَّ -ﷺ-، فردَّد ذلكَ أربعَ مرّاتٍ على النَّبيِّ -ﷺ-، فنزلت آيةُ المُلاعَنةِ، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "قد نزَلَ من الله أمرٌ عظيمٌ". فأبَى الرَّجُلُ إلّا أن يُلاعِنَها، فرَأيتُ المرأةَ تَدْرأُ عن نَفْسِها العذابَ، فتَلاعَنا، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "إمّا أن تَجِيءَ به أُصَيفِرَ (^٤)، أُحَيْمِشَ (^٥) مَسْلُولَ (^٦) العِظام، فهُو للمُتلاعِنِ، وإمّا أن تجيءَ به أسودَ كالجَملِ الأوْرَقِ، فهُو لغيرِهِ". فجاءَت به أسودَ
_________________
(١) حرف التوكيد زيادة من د ٤.
(٢) في سننه (٢٢٤٦). وأخرجه أحمد في مسنده ٣٧/ ٤٩٠ (٢٢٨٣٧)، والطبراني في الكبير ٦/ ١٢٨ (٥٧٣٤) من طريق ابن إسحاق، به. وانظر: المسند الجامع ٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (٥١٠٢).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٦/ ١١٧ (٥٦٨٥) من طريق ابن وهب، به.
(٤) في د ٤: "أسود أصيفر".
(٥) في مصادر التخريج: "أخينس". وانظر كلام المصنف الآتي.
(٦) جاء في نسخة في حاشية د ٤: "مسلوب"، وفي مصادر التخريج: "منسول". ورجل مسلول: أي: ذاهب اللحم. انظر: تاج العروس ١٠/ ١١٩.
[ ٩ / ٣٢٢ ]
كالجَملِ الأورقِ، فدَعا به رسُولُ الله -ﷺ- فجَعَلهُ لعَصَبةِ أُمِّهُ، وقال: "لولا الأَيْمانُ التي مَضَتْ"، يعني: اللِّعانَ، "لكان فيه كذا وكذا" (^١).
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: رأيتُ (^٢) المرأةَ تَدْرأُ عن نَفْسِها العَذابَ. وهُو حُجَّةٌ على أبي حَنِيفةَ في قولِهِ: إنَّها تُسجَنُ، وقد مَضَى القولُ في ذلك.
وأمّا قولُهُ فيه: "أُصَيفِرَ، أُحَيمِشَ" فالأُصيفِرُ: تصغيرُ أصفرَ، والأُحَيمِشُ: تصغيرُ أحمشَ، والأحمشُ: الدَّقيقُ القَوائم.
وفي حديثِ ابن عبّاسٍ، من رِوايةِ عبّادِ بن مَنصُورٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاس (^٣) (^٤).
ومن رِوايةِ جَريرِ بن حازِم، عن، أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس (^٥).
ومن رِوايةِ ابن أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ، عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عبّاس (^٦).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ٤/ ٤١٤ (٣٧٠٣) من طريق أبي الأحوص، به. والنسائي في الكبرى ٦/ ١١٨ - ١١٩ (٦٣٢٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣/ ١٣٨ (٥١٤٦)، والطبراني في مسند الشاميين ١/ ٢٨٨ (٥٠١) من طريق محمد بن عائذ، به.
(٢) في الأصل: "وأتت"، وهو تحريف ظاهر.
(٣) سيأتي بإسناده، ويخرج في موضعه.
(٤) بعد هذا في ظا: "وفي رواية هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس"، وهذه العبارة لم ترد في الأصل، د ٤، وهي رواية أخرجها البخاري (٤٧٤٧)، وأبو داود (٢٢٥٤)، وابن ماجة (٢٠٦٧)، والترمذي (٣١٧٩)، والطبراني في الكبير ١١/ ٣٢٣، ٣٢٤ (١١٨٨٣)، والدارقطني في سننه ٤/ ٤١٩ - ٤٢٠ (٣٧١٢) من طريق هشام، به. وانظر: المسند الجامع ٩/ ٢٠٨ - ٢١٠ (٦٥٠٨).
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٧٤ (٢٤٦٨)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٠٢، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٣٩٥، من طريق جرير، به.
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٥٦٣)، وأحمد في مسنده ٥/ ٢١٩ (٣١٠٧)، وابن الجارود في المنتقى (٧٥٥)، وأبو يعلى (٢٤٢٤، ٢٥١٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٠٠، والطبراني في الكبير ١٠/ ٣٥٧ - ٣٥٨ (١٠٧١٠) من طريق أبي الزناد، به.
[ ٩ / ٣٢٣ ]
وسُليمانَ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، ومَخْرمةَ بن بُكيرٍ، عن أبيهِ، جميعًا عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن ابن عبّاس (^١) ما يدُلُّ على أنَّ المُلاعَنةَ كانت على الحَمْل.
وحديثُ عبّادِ بن منصُورٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ حديثٌ طويلٌ في اللِّعانِ، ذكَرَ فيه كلامَ سَعْدِ بن عُبادةَ، وقصَّةَ تلاعُنِ هِلالِ بن أُميَّةَ وزَوْجتِهِ، إذ رَماها بشَريكِ بن سَحْماءَ، حديثًا طويلًا؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^٢): حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عبّادُ بن منصُورٍ.
وذكَرهُ أبو داودَ، قال (^٣): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا عبّادُ بن منصُورٍ. ولم يسُقهُ بتمامِهِ.
وفيه عندَ جميعِهِم: ففرَّقَ رسُولُ الله -ﷺ- بينهُما. يعني: بعدَ تمام الْتِعانِهِما،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣١٦)، ومسلم (١٤٩٧) (١٢ م) من طريق سليمان بن بلال، به.
(٢) في المصنَّف (١٧٦٥٦) و(٢٩٦٧٥) و(٣٧٢٨٣).
(٣) في سننه (٢٢٥٦). ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٧/ ٣٩٥. وأخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٣٣ (٢١٣١)، وأبو يعلى (٢٧٤٠) من طريق يزيد بن هارون، به. على أن هذا الحديث معلول، ولذلك قال الترمذي: "حسن غريب" (الجامع ٣١٧٩)، فقد رواه أيوب عن عكرمة مرسلًا لم يذكر فيه ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٤٤). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة اللعان جاء هلال بن أمية، فقال أبي: له بهذا الإسناد عشرة أحاديث. قال: فرأيت في بعض حديث عباد بن منصور، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-. علل الحديث (١٣٤٥) و(١٤٠٣). قلنا: يشير إلى أن عباد بن منصور قد دَلَّسه بإسقاط إبراهيم الضعيف وداود، فجعله عن عكرمة، ولذلك قال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٢٧٦٠): "غريب من حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس".
[ ٩ / ٣٢٤ ]
وقَضَى ألّا يُدعَى ولَدُها لأبٍ، ولا تُرمَى (^١)، ولا يُرمَى ولَدُها، ومن رَماها، أو رَمَى ولدَها، فعليه الحدُّ. وقَضَى أنْ لا بَيْتَ عليها، ولا قُوتَ، من أجْلِ أنَّهُما يتَفَرَّقانِ (^٢) من غيرِ طَلاقٍ، ولا هي مُتوفّى عنها.
وقال: "إن جاءَت به أُصَيْهِبَ، أُثَيْبِجَ، حَمْشَ (^٣) السّاقيْنِ، فهُو لهِلال، وإن جاءَت به أورَقَ، جَعْدًا جُماليًّا، خَدَلَّجَ السّاقينِ (^٤) سابِغَ الألْيتينِ، فهُو للذي رُمِيَتْ به". فجاءَت به أورَقَ، جعدًا جُماليًّا، خَدَلَّج السّاقينِ، سابِغَ الألْيَتينِ، فقال رسُولُ اللهﷺ-: "لولا الأَيْمانُ، لكان لي ولها شأنٌ". قال عِكْرِمةُ: فكان بعد ذلكَ أميرًا على مِصْرٍ، وما (^٥) يُدعَى لأب.
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: وقَضَى أنَّ من رَماها، أو رَمَى ولَدَها، فعليه الحدُّ.
وهُو حُجَّةٌ لمالكٍ، ومن قال بقولِه: أنَّ من قذَفَ المُلاعنةَ، أو ولَدَها حُدَّ، إن لم يأتِ بأربعةِ شُهداءَ. وعليه أكثرُ النّاسِ، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ في ذلك.
وفيه أيضًا: أنْ (^٦) لا بيتَ عليها، ولا قُوتَ، يعني: لا سُكنَى لها، ولا نَفَقةَ.
وهذا مَوْضِعٌ اختَلَفَ فيه العُلَماءُ:
فأمّا مالكٌ، فإنَّهُ لم يذهَبْ إلى هذا، ورأى أنَّ السُّكنَى لكلِّ مُطلَّقةٍ وجَبَت لها
_________________
(١) زاد هنا في م: "هي".
(٢) في م: "مفترقان".
(٣) في م: "أحمش".
(٤) من قوله: "فهو لهلال" إلى هنا لم يرد في الأصل، د ٤، قفز نظر من ناسخ الأصل تابعه عليه ناسخ د ٤.
(٥) هذا الحرف سقط من م.
(٦) حرف التوكيد المخفّف لم يرد في د ٤.
[ ٩ / ٣٢٥ ]
النَّفقةُ، أو (^١) لم تَجِبْ، مُختلِعةً كانت، أو مُلاعِنةً، أو مَبْتُوتةً. ولا نَفَقةَ عندَهُ إلّا لمن يَمْلِكُ رجعَتَها خاصَّةً، أو حامِلٍ يُقِرُّ بحَمْلِها، فيُنفِقُ عليها (^٢) من أجلِ الحَمْل (^٣).
وللمَبْتُوتاتُ والمُختلِعاتُ كلُّهِنَّ لهنَّ (^٤) عندَهُ السُّكنى دُونَ النَّفَقةِ. وهذا كلُّهُ أيضًا قولُ الشّافِعيِّ (^٥)، ولا خِلافَ بينهُما في شيءٍ من ذلكَ كلِّهِ.
وذهَبَ أبو حنيفةَ، وجَماعةٌ من السَّلفِ إلى إيجابِ النَّفقةِ لكلِّ مُعتَدَّةٍ، مَبْتُوتةٍ وغيرِ مبتُوتةٍ، مع السُّكنى (^٦).
وذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وجماعةٌ من أهلِ الحديثِ، وهُو قولُ داود أيضًا: إلى أنْ لا سُكنَى ولا نَفَقةَ لمن لا رَجْعةَ عليها (^٧). فلا سُكنَى عندَهُم للمُلاعنةِ والمُختلِعةِ، ولا لغيرِهما، ولا نَفَقةَ.
وهذا الحديثُ حُجَّةٌ لمن ذهَبَ إلى هذا، ورُوي عن جَماعةٍ من السَّلفِ أيضًا.
وسنذكُرُ اختِلافَ العُلماءِ في إيجابِ السُّكنى والنَّفقةِ للمَبتُوتةِ، ومن جَرَى مجْراها، في بابِ عبدِ الله بن يَزيدَ مولى الأسودِ بن سُفيانَ من كِتابِنا هذا، ونذكُرُ وُجُوهَ أقاويلِهِم ومَعانيها هُناك إن شاءَ الله.
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "أُصَيْهِبَ"، فهُو تصغيرُ أصْهَب، والصُّهبَةُ: حُمْرةٌ في الشَّعرِ.
_________________
(١) في الأصل، د ٤: "أم"، والمثبت من بقية النسخ.
(٢) في م: "بعد تحملها فسقوطها" بدل: "يقر بحملها فينفق عليها".
(٣) انظر: المدونة ٢/ ٤٨.
(٤) هذه اللفظة سقطت من م.
(٥) انظر: الحاوي الكبير ١١/ ٣١.
(٦) انظر: الاستذكار ٦/ ١٦٦.
(٧) انظر: الإشراف لابن المنذر ٥/ ٣٥٠، والمغني لابن قدامة ٨/ ٢٣٢.
[ ٩ / ٣٢٦ ]
والأُثَيْبِجُ: تصغيرُ أثبج، والأثْبَجُ: العالي الظَّهرِ، يُقالُ: رجُلٌ أثْبَجُ، ناتِئُ الثَّبج. وثبجُ كلِّ شيءٍ: وسَطُهُ وأعلاهُ، ورجُلٌ مُثبَّجٌ، مُضْطرِبُ الخَلْقِ، في طُولٍ.
والأحْمَشُ السّاقين: دقيقُهُما.
والأوْرَقُ: الرَّماديُّ اللَّونِ. ويُقالُ: الأورقُ: الرَّمادُ أيضًا، ومنهُ قيل: حمامةٌ وَرْقاءُ. وأصلُ الوُرْقة (^١): سَوادٌ في غُبْرة (^٢).
والجُماليُّ: العظيمُ الخَلْقِ، يُقالُ: ناقةٌ جُماليَّةٌ. إذا كانت في خَلْقِ الجَمَلِ.
والخَدَلَّجُ: الضَّخمُ السّاقينِ، يُقالُ: امرأةٌ خَدَلَّجةٌ، إذا كانت ضَخْمةَ السّاقِ.
وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ المرأةَ المُلاعنةَ، كانت في حينِ التَّلاعُن حُبْلَى، فلمّا نَفاهُ في لِعانِهِ، نفاهُ عنهُ رسُولُ الله -ﷺ-، وألْحَقهُ بأُمِّهِ.
وفي حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- ألْحَقَ الولَدَ بأُمِّهِ.
وهُو أولى، وأصحُّ من حديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- جَعَلهُ لعصَبةِ أُمِّه (^٣).
واختَلَف العُلماءُ في ميراثِ ولَدِ المُلاعِنةِ (^٤)، فقال قائلُونَ: أُمُّهُ عَصَبتُهُ.
ومِمَّن قال ذلك: عبدُ الله بن مَسْعُودٍ وجَماعةٌ، قال ابنُ مسعُودٍ: أُمُّهُ عصَبتُهُ، فإن لم تكُن، فعصَبتُها (^٥).
_________________
(١) في م: "الورق"، وما أثبتناه من د ٤، وهو الصواب.
(٢) في الأصل، م: "غيره".
(٣) سلف بإسناده قريبًا.
(٤) ينظر: المدونة ٢/ ٥٩٥، والأم ٤/ ٨٦، ومختصر المزني ٨/ ٢٤١، والحاوي الكبير ٨/ ١٥٩، والمبسوط للسرخسي ٢٩/ ١٩٨، والمغني لابن قدامة ٦/ ٣٤١ - ٣٤٥، ومختصر اختلاف العلماء ٤/ ٤٧٩.
(٥) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (٣٢٠٠٨)، وسنن سعيد بن منصور (١٢٠).
[ ٩ / ٣٢٧ ]
وقال آخرُونَ: عصَبتُهُ عصَبةُ أُمِّهِ. قال ذلك جماعَةٌ، وإليه ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل، قال: ابنُ المُلاعِنةِ ترِثُهُ أُمُّهُ وعصَبتُها. والقائلُونَ بهذين القولينِ، يقولُونَ بتوريثِ ذوي الأرْحام.
وقال عليُّ بن أبي طالب، وزيدُ بن ثابتٍ: لا عَصبةَ لابن المُلاعنةِ، وهُو عندَهُما كموروثٍ لم يُخلِفْ أبًا ولا عَصَبةً، فإن كان لهُ إخوةٌ لأُمٍّ، ورِثُوا فَرْضَهُم، ووَرِثت أُمُّهُ سهمَها، وما بَقِي فلِبَيْتِ المالِ. هذه رِوايةُ قتادةَ، عن خِلاس (^١)، عن عليٍّ، وزيد (^٢). والمشهُورُ عن عليٍّ: أنَّ عصَبَتهُ: عصَبةُ أُمِّهِ، إلّا أنَّ مذهَبَهُ: أنَّ ذا السَّهم، أحقُّ مِمَّن لا سهمَ لهُ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ.
وقال ابنُ مسعُودٍ: عصَبتُهُ عصَبةُ أُمِّه (^٣).
وهُو قولُ الحسنِ، وابن سيرينَ، وجابرِ بن زيدٍ، وعطاءٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ، وحمّادٍ، والحكم (^٤)، وسُفيانَ، والحسن بن صالح، وشَرِيكٍ، ويحيى بن آدمَ، وأحمد بن حَنْبل، وأبي عُبَيدٍ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا، فمِنهُم من لم يجعَلْ عَصَبةَ أُمِّهِ عصَبتَهُ إلّا عندَ عَدم أُمِّهِ، ومنهُم من أعَطاها فَرْضَها، وجعلَ الباقيَ لعصَبتِها، ابنًا كان لها، أو أخًا لابْنِها (^٥)، أو غيرَهُ من عصَبَتِها.
والذين جعلُوا أُمَّهُ عصَبَتهُ، فإذا لم تكُن فعصَبَتُها، احتجُّوا بحديثِ واثِلةَ بن الأسْقَع، عن النَّبيِّ -ﷺ-، أنَّهُ قال: "المرأةُ تُحرِزُ ثلاثةَ مواريثَ: عَتِيقَها، ولَقِيطَها،
_________________
(١) في م: "جلاس"، مصحف، وهو خلاس بن عمرو الهجري البصري. انظر: تهذيب الكمال ٨/ ٣٦٤.
(٢) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٢٥٨، من طريق قتادة، به.
(٣) انظر: سنن الدارمي (٢٩٦٣)، وسنن البيهقي الكبرى ٦/ ٢٥٨.
(٤) انظر: مصنَّف عبد الرزاق (١٢٤٨٠، ١٢٤٨٣)، ومصنَّف ابن أبي شيبة (٣١٩٧٧) فما بعد.
(٥) في د ٤: "لأبيها".
[ ٩ / ٣٢٨ ]
وابنَها الذي لاعَنَتْ عليه" (^١). وبحديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "ميراثُ ابن المُلاعِنَةِ لأُمِّهِ، ولوَرَثتِها من بَعدِها" (^٢). وقد أوضحنا ذلك في غيرِ هذا الموضِع.
وذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما إلى قولِ زَيْدِ بن ثابتٍ في ذلكَ.
وقال مالكٌ (^٣): إنَّهُ بَلَغهُ عن عُروةَ بن الزُّبيرِ وسُليمانَ بن يسارٍ: أنَّهُما سُئلا عن ولَدِ المُلاعنةِ ووَلَدِ الزِّنا: من يرِثُهُما؟ فقالا: ترِثُ أُمُّهُ حقَّها، وإخوتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقهُم، ويرِثُ ما بَقِي من مالِهِ موالي أُمِّهِ، إن كانت مَوْلاةً، وإن كانت عَربيَّةً ورِثَتْ حقَّها، وورِثَ إخوتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقَهُم، وورِثَ ما بَقِيَ من مالِهِ المُسلِمُونَ. قال مالكٌ: وذلكَ الأمرُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا، والذي أدركتُ عليه أهلَ العِلم ببلَدِنا (^٤).
قال أبو عُمر: وهُو قولُ الشّافِعيِّ سَواءً.
ولأهل العِراقِ القائلينَ بالرَّدِّ وتَورِيثِ ذَوِي الأرحام ضُرُوبٌ من التَّنازُع في تَوْريثِ عصَبَةِ أُمِّ ولَدِ المُلاعِنةِ منهُ مع الأُمِّ ودُونها، ليسَ هذا موضِعَ ذِكرِ ذلك.
ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ المُلاعِنَ إذا أقرَّ بالولَدِ، جُلِدَ الحدَّ، ولَحِقَ به،
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٥/ ٣٨٥، ٣٩٢، و٢٨/ ١٨٨ (٣١٣٢٢، ٣١٣٢٣، ٣١٣٢٤)، وأبو داود (٢٩٠٦). وابن ماجة (٢٧٢٤)، والترمذي (٢١١٥)، والنسائي في الكبرى ٦/ ١١٧ - ١١٨ (٦٣٢٦، ٦٣٢٧)، والدارقطني في سننه ٥/ ١٥٧ - ١٥٨ (٤١٢٨، ٤١٢٩، ٤١٣٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٣١٠، و١٣/ ١٢٧ (٢٨٧٠، ٥١٣٦)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٧٣ - ٧٤ (١٨١، ١٨٢)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١، والبيهقي في الكبرى ٦/ ٢٤٠، من طريق عمر بن رؤبة، عن عبد الواحد بن عبد الله النصري، عن واثلة، به. وهذا إسناد ضعيف، لضعف عمر بن رؤبة. وانظر: المسند الجامع ١٥/ ٦٦٢ - ٦٦٣ (١٢٠٤٤).
(٢) أخرجه الدارمي (٣١١٥)، وأبو داود (٢٩٠٨)، والبيهقي في الكبرى ٦/ ٢٥٩، من طريق عمرو بن شعيب، به. وانظر: المسند الجامع ١١/ ١١١ (٨٤٦٢).
(٣) أخرجه في الموطأ ٢/ ٣٦ (١٤٨٧، ١٤٨٨).
(٤) هذه اللفظة سقطت من الأصل، م. انظر: مصدر التخريج.
[ ٩ / ٣٢٩ ]
وورِثهُ، وابنُ الزّانيةِ عندَ جماعةِ العُلماءِ، كابن المُلاعِنةِ سواءً، وكلٌّ فيه على أصْلِهِ الذي ذكَرْناهُ عنهُم.
وأجمعُوا في تَوْأمي الزّانيةِ: أنَّهُما يَتَوارثانِ على أنَّهُما لأُمٍّ. واختَلَفُوا في تَوْأمي المُلاعِنةِ؟ فذهب مالكٌ، والشّافِعيُّ، وهُو قولُ أهلِ المدينةِ: إلى أنَّ تَوارُثَهُما كتَوارُثِ الإخْوةِ للأبِ والأُمِّ (^١). ويحتجُّون بأنَّ المُلاعِنَ إذا اسْتَلحقهُما، جُلِدَ الحدَّ، ولحِق به النَّسبُ.
وذهَبَ الكُوفيُّون إلى أنَّ تَوْأمي المُلاعنةِ كتَوْأمي الزّانيةِ، لا يتوارثانِ إلّا على أنَّهُما لأُمٍّ.
وإن ماتَ ابنُ المُلاعنةِ فاسْتَلحقهُ المُلاعِنُ بعد مَوْتِهِ، فإنَّ مالكًا وأبا حنيفةَ وأصحابَهُما يقولُونَ: إن خلَّفَ ولدًا، لحِق به نَسبُهُ وورِثَ، وإن لم يُخلِّف ولدًا، لم يرِثْهُ، ويُجلدُ الحدَّ على كلِّ حالٍ.
وقال الشّافِعيُّ يُجلَدُ الحدَّ، ويَلْحقُ به الولدُ ونَسبُهُ، ويرِثُ، خلَّف ولدًا أو لم يُخلِّف، وإن ماتَ المُلاعِنُ بعدَ أن التعَنَ، وقبلَ أن تَلْتعِنَ المرأةُ، فإن الْتَعنَتْ بعدَهُ لم تَرِثْه، وإن نَكَلَتْ عن الالْتِعانِ، حُدَّت وورِثَتْ في قولِ مالكٍ.
وقال الشّافِعيُّ: لا يَتَوارثانِ أبدًا إذا الْتَعنَ الرَّجُلُ وتمَّ التِعانُهُ؛ لأنَّ الفِراشَ قد زالَ بالْتِعانِهِ، وإنَّما الْتِعانُ المرأةِ لدَفْع الحدِّ عنها.
وقال أبو حنيفةَ: لا ينقطِعُ التَّوارُثُ بينهُما أبدًا حتّى يُفرِّق الحاكِمُ بينَهُما، فأيُّهُما ماتَ قبل ذلكَ، وِرِثَهُ الآخَرُ. وإليه ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل.
ولكلِّ واحدٍ منهُم في هذه المسائلِ اعْتِلالاتٌ يَطُولُ ذِكرُها، ولو تعرَّضنا لها، خرَجْنا عن شَرْطِنا في كِتابِنا، وبالله توفيقُنا (^٢).
_________________
(١) من هنا إلى آخر الفقرة لم يرد في د ٤، وهو ثابت في الأصل وغيره.
(٢) جاء في حاشية الأصل: "بلغت المقابلة بحمد الله وحسن عونه".
[ ٩ / ٣٣٠ ]