حديثٌ ثامِنُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سألَ رسُولَ الله -ﷺ-: مما يلبَسُ المُحرِمُ من الثِّيابِ؟ فقال رسُولُ الله -ﷺ-: "لا تَلْبسُوا القُمُص، ولا العمائمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ، إلّا أحدٌ لا يجِدُ نَعْلينِ، فلْيَلْبَسْ (^٢) الخُفَّين (^٣)، وليَقْطَعْهُما أسفَلَ من الكَعْبينِ، ولا تَلْبسُوا شَيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ ولا الوَرْسُ".
قال أبو عُمر: كلُّ ما في هذا الحديثِ (^٤) فمُجتمَعٌ عليه من أهلِ العِلم: أنَّهُ لا يَلْبسُهُ المُحرِمُ، ما دام مُحرِمًا.
ورواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -ﷺ- مِثلَهُ سواءً؛ رواهُ عن ابن شِهابٍ: معمرٌ (^٥)، وابنُ عُيَينةَ (^٦)، وإبراهيمُ بن سعد (^٧)، وغيرُهُم، وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ، عن ابن شِهابٍ.
وفي معنى ما ذُكِر في هذا الحديثِ من القُمُصِ، والسَّراويلاتِ، والبَرانِسِ، يدخُلُ المخِيطُ كلُّهُ بأسْرِهِ، فلا يجُوزُ لِباسُ شيءٍ منهُ للمُحرِم عندَ جميع أهلِ العِلم.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧ (٩٠٦).
(٢) في الأصل، م: "فيلبس" والمثبت من د ٤ وغيرها، وهو الموافق لما في الموطأ.
(٣) هكذا في النسخ، وفي الموطأ: "خفين".
(٤) في د ٤: "الباب".
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٥٠٠ (٤٨٩٩)، وابن الجارود في المنتقى (٤١٦)، وابن خزيمة (٢٦٠١) من طريق معمر، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤ (٧٥٠٣).
(٦) أخرجه الحميدي (٦٢٦)، وأحمد في مسنده ٨/ ١٣٦ (٤٥٣٨)، والبخاري (٥٨٠٦)، ومسلم (١١٧٧) (٢)، وأبو داود (١٨٢٣)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٢٩، وفي الكبرى ٤/ ٢٣ (٣٦٣٣)، وأبو يعلى (٥٤٢٥، ٥٤٨٨، ٥٥٣٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٣٥، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٤٢ (٢٤٧٣)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٩، من طريق سفيان، به.
(٧) أخرجه البخاري (١٨٤٢) من طريق إبراهيم بن سعد، به.
[ ٩ / ٣٧٥ ]
وأجمعُوا أنَّ المُرادَ بهذا الخِطابِ في اللِّباسِ المذكُورِ الرِّجالُ، دُونَ النِّساءِ، وأنَّهُ لا بأسَ للمرأةِ بلِباسِ القَميصِ، والدِّرع، والسَّراويلِ، والخُمُرِ، والخِفافِ.
وأجمعُوا أنَّ الطِّيبَ كلَّهُ لا يجُوزُ للمُحرِم أن يَقْربَهُ مُتطيِّبًا به، زعفرانًا كان أو غيرَهُ.
وإنَّما اختلفُوا فيمَنْ تطيَّبَ قبلَ إحرامِهِ، هل لهُ أن يُبقيَ الطِّيبَ على نفسِهِ وهُو محُرِمٌ أم لا؟ وقد ذكرنا ما للعُلماءِ في ذلك، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، من كِتابِنا هذا والحمدُ لله.
وأجمعُوا أنَّ إحرامَ الرَّجُلِ في رأسِهِ، وأنَّهُ ليسَ لهُ أن يُغطِّيَ رأسَهُ، لنَهْي رسُولِ الله -ﷺ- المُحرِمَ عن لُبْسِ البَرانِسِ والعَمائم. وهذا ما لا خِلافَ فيه، والحمدُ لله.
وأجمعُوا على أنَّ إحرامَ المرأةِ في وَجْهِها، ورُوي عن النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّهُ نَهَى المرأةَ الحرامَ عن النِّقابِ والقُفّازينِ.
أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (^١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (^٢)، قالا: حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قامَ رجُلٌ، فقال: يا رسُولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ من الثِّيابِ في الحَرَم؟ فقال رسُولُ الله -ﷺ-: "لا تَلْبسُوا القميصَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا العَمائمَ (^٣)، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ، إلّا أن يكونَ أحدٌ ليسَ لهُ نعلانِ، فلْيلبَسِ الخُفَّينِ
_________________
(١) في المجتبى ٥/ ١٣٣، وفي السنن الكبرى ٤/ ٢٦ (٣٦٣٩).
(٢) في سننه (١٨٢٥). وأخرجه الترمذي (٨٤٨) من طريق قتيبة، به. وأخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٢٠٦ (٦٠٠٣)، والبخاري (١٨٣٨)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٦، من طريق الليث، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٥٨ - ٢٦١ (٧٥٠١).
(٣) قوله: "ولا العمائم" لم يرد في د ٤.
[ ٩ / ٣٧٦ ]
ما (^١) أسفلَ من الكَعْبينِ، ولا تَلْبسُوا شيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ ولا الوَرْسُ، ولا تَنْتقِبِ المرأةُ الحَرامُ، ولا تَلْبسِ القُفّازينِ".
قال أبو داود (^٢): رَوَى هذا الحديثَ حاتِمُ بن إسماعيلَ ويحيى بن أيُّوبَ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -ﷺ-، على ما قال اللَّيثُ.
ورواهُ أبو قُرَّةَ موسى بن طارِقٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع موقُوفًا على ابنِ عُمرَ.
قال أبو عُمر: رَفْعُهُ صحيحٌ عن ابن عُمرَ. رواهُ ابنُ إسحاقَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا. ورواهُ ابنُ المُباركِ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا أيضًا، فهذا يُصحِّحُ ما رواهُ اللَّيثُ، وحاتِمُ بن إسماعيلَ، ويحيى بن أيُّوبَ.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٣): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى النِّساءَ في إحْرامِهِنَّ عن القُفّازين والنِّقابِ، وما مسَّهُ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثِّيابِ، ولْتَلبَسْ بعدَ ذلك ما أحبَّتْ من ألوانِ الثِّيابِ، من مُعصفَرٍ، أو خزٍّ، أو حُليٍّ، أو سَراويلَ، أو قُمُصٍ، أو خُفٍّ.
قال أبو داود: روى هذا الحديثَ عن ابن إسحاقَ: عبدةُ، ومحمدُ بن سلمةَ إلى قولِهِ: وما مسَّ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثِّيابِ. ولم يذكُرا ما بعدهُ.
_________________
(١) هذا الحرف سقط من م.
(٢) انظر: سننه بإثر رقم (١٨٢٥).
(٣) في سننه (١٨٢٧). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٨٦، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٧، من طريق أحمد بن حنبل، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٣٦١، ٤٧٣ (٤٧٤٠، ٤٨٦٨) من طريق ابن إسحاق، به. وطريق ابن إسحاق هذا علقه البخاري بإثر رقم (١٨٣٨).
[ ٩ / ٣٧٧ ]
أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (^١): أخبرنا سُويدُ بن نَصْرٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا قامَ فقال: يا رسُولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ من الثِّيابِ في الإحرام؟ فقال رسُولُ الله -ﷺ-: "لا تَلْبسُوا القُمُص، ولا السَّراويلاتِ، ولا الخِفافَ، إلّا أن يكونَ رجُلٌ ليسَ لهُ نَعْلانِ فلْيلبسِ الخُفَّين أسفَلَ من الكَعْبينِ، ولا يَلْبسْ شيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ والورسُ، ولا تَنْتقِبِ المرأةُ الحَرامُ، ولا تَلْبسِ القُفّازينِ".
وعلى كَراهيةِ النِّقابِ للمَرْأةِ جُمهُورُ عُلماءِ المُسلِمينَ من الصَّحابةِ، والتّابِعينَ، ومن بعدَهُم من فُقهاءِ الأمْصارِ أجمعينَ، لم يختلِفُوا في كَراهيةِ الانْتِقابِ، والتَّبرقُع للمرأةِ المُحْرِمةِ؛ إلّا شيءٌ رُوِيَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ: أنَّها كانت تُغطِّي وَجْهَها وهي مُحْرِمَةٌ (^٢).
ورُوي عن عائشةَ: أنَّها قالت: تُغطِّي المُحرِمةُ وَجْهَها إن شاءَتْ (^٣).
وقد رُوي عنها: أنَّها لا تفعلُ، وعليه النّاسُ.
وأمّا القُفّازانِ، فاختلفُوا فيهما أيضًا؛ فرُوي عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ: أنَّهُ كان يُلبِسُ بناتِه وهُنَّ مُحرِماتٌ القُفّازين (^٤). ورخَّصَتْ فيهما عائشةُ أيضًا. وبه قال عطاءٌ (^٥)، والثَّوريُّ، ومحمدُ بن الحسنِ، وهُو أحَدُ قوليِ الشّافِعيِّ.
_________________
(١) في المجتبى ٥/ ١٣٥، وفي السنن الكبرى ٤/ ٢٨ (٣٦٤٧). وأخرجه ابن خزيمة (٢٥٩٩، ٢٦٠٠)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٦، ٤٧، من طريق موسى بن عقبة، به.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٤١ (٩١٩).
(٣) أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١٢٠٩).
(٤) انظر: الأم للشافعي ٢/ ٢٢٣.
(٥) انظر: المحلى لابن حزم ٧/ ٨٤.
[ ٩ / ٣٧٨ ]
وقد يُشبِهُ أن يكونَ مذهبَ ابن عُمرَ؛ لأنَّهُ كان يقولُ: إحرامُ المرأةِ في وَجهِها (^١).
وقال مالكٌ (^٢): إن لَبِسَتِ المرأةُ القُفّازينِ، افتدَتْ.
وللشّافِعيِّ قولانِ في ذلك، أحدُهُما: تفتدي، والآخرُ: لا شيءَ عليها.
قال أبو عُمر: الصَّوابُ عِندي قولُ من نَهَى المرأةَ عن القُفّازينِ، وأوجَبَ عليها الفِدْيةَ، لثُبُوتِهِ عن النَّبيِّ -ﷺ-.
ولا خِلافَ بين العُلماءِ بعدَما ذكَرْنا في أنَّهُ جائزٌ للمَرْأةِ المُحرِمةِ لِباسُ القُمُصِ، والخِفافِ، والسَّراويلاتِ، وسائرِ الثِّيابِ التي لا طِيبَ فيها، وأنَّها ليست في ذلك كلِّهِ كالرَّجُلِ.
وأجمعُوا أنَّ إحرامَها في وَجْهِها دُونَ رأسِها، وأنَّها تُخمِّرُ رأسَها، وتَسْتُرُ شعرَها وهي مُحرِمَةٌ.
وأجمعوا أنَّ لها (^٣) أن تَسْدُلَ الثَّوبَ على وَجْهِها من فوقِ رَأسِها سَدْلًا خَفِيفًا تَسْتَتِرُ به عن نَظَرِ الرِّجالِ إليها، ولم يُجيزُوا لها تغطيةَ وَجْهِها وهي مُحرِمةٌ، إلّا ما ذكَرْنا عن أسماءَ.
روى مالكٌ (^٤)، عن هشام بن عُروةَ، عن فاطِمةَ بنتِ المُنذِرِ، أنَّها قالت: كُنّا نُخمِّرُ وُجُوهَنا ونحنُ مُحرِماتٌ معَ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ٣/ ٣٦٣ (٢٧٦١)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٧.
(٢) انظر: المدونة ١/ ٤٦١.
(٣) وقع في بعض النسخ: "واستحبوا لها"، والمثبت من الأصل ومن نقل عنه، وكأنه الذي استقر عليه المؤلف.
(٤) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٤١ (٩١٩).
[ ٩ / ٣٧٩ ]
وقد يحتمِلُ أن يكونَ ما رُوي عن أسماءَ في ذلك، كنحوِ ما رُوي عن عائشَةَ، أنَّها قالت: كُنّا معَ رسُولِ الله -ﷺ- ونَحْنُ مُحرِمُونَ، فإذا مرَّ بنا راكِبٌ سَدَلْنا الثَّوبَ من قِبَلِ رُؤُوسِنا، وإذا جاوَزَنا الرّاكِبُ رَفَعناهُ (^١).
وأجمعُوا أنَّ الرَّجُلَ المُحرِمَ لا يُخمِّرُ رأسَهُ، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ.
واختلفُوا في تَخْميرِهِ (^٢) وجهَهُ:
فرُوي عن ابن عُمر، أنَّهُ قال: ما فوقَ الذَّقنِ من الرَّأسِ، وعلى المُحرِم أنْ لا يُغطِّيَهُ (^٣).
وإلى هذا ذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ (^٤). وبه قال محمدُ بن الحسنِ الشَّيبانيُّ.
ورُوي عن عُثمانَ بن عفّانَ، وعبدِ الرَّحمن بن عَوْفٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، وعبدِ الله بن الزُّبيرِ: أنَّهُم كانوا يُغطُّونَ وُجُوههُم وهُم مُحرِمُونَ (^٥).
ذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (^٦) عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، قال: أخبَرَني الفُرافِصةُ بن عُمَيرٍ الحنفيُّ: أنَّهُ رأى عُثمانَ بن عفّانَ بالعَرْج (^٧) يُغطِّي وَجْههُ، وهُو مُحرِمٌ.
وعن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الله بن عامرِ بن ربيعةَ، قال: رأيتُ عُثمانَ بن عفّان بالعَرْج وهُو مُحرِمٌ في يوم صائفٍ قد غَطَّى وجهَهُ بقَطِيفةِ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤٠/ ٢١ (٢٤٠٢١)، وأبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجة (٢٩٣٥)، وابن خزيمة (٢٦٩١)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٨.
(٢) في م: "تخميرة".
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٤٠ (٩١٥).
(٤) انظر: المدونة ١/ ٣٩٥.
(٥) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١٤٤٥٤) و(١٤٤٥٨) و(١٤٤٥٩).
(٦) انظر: الموطأ ١/ ٤٤٠ (٩١٤).
(٧) بفتح أوله وسكون ثانيه. (معجم البلدان ٤/ ٩٨).
[ ٩ / ٣٨٠ ]
أُرجُوانٍ، ثُمَّ أُتي بلَحْم صيدٍ، فقال لأصحابِه: كُلُوا. فقالوا: أولا تأكُلُ؟ فقال: إنِّي لَسْتُ كهيئَتِكُم، إنَّما صِيدَ من أجْلِي (^١).
وعن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وجابرِ بن عبدِ الله، والقاسم بن محمدٍ، وطاوُوسٍ: أنَّهُم أجازُوا للرَّجُلِ المُحرِم أن يُغطِّيَ وجهَهُ (^٢).
وبه قال الثَّوريُّ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُوية، وأبو ثَوْر (^٣).
وقال ابنُ القاسم: كرِهَ مالكٌ للمُحرِم أن يُغطِّيَ وجهَهُ، وأن يُغطِّيَ ما فوقَ ذَقنِهِ؛ لأنَّ إحرامَهُ عندَهُ في وجهِهِ ورأسِهِ. قيل لابن القاسم: فإن فعلَ؟ قال: لم أسمَعْ من مالكٍ فيه شيئًا، ولا أرى عليه شيئًا، لِما جاءَ عن عُثمان.
وقد رُوي عن مالكٍ فيمَنْ غطَّى وجهَهُ، وهُو مُحرِمٌ: أنَّهُ يفتدي.
وفي موضِع آخرَ من كِتابِ ابن القاسم: قيلَ: أرأيتَ مُحرِمًا غطَّى وجهَهُ ورأسَهُ في قولِ مالكٍ؟ قال: قال مالكٌ: إن نَزَعهُ مكانَهُ، فلا شيءَ عليه، وإن تَرَكهُ، فلم يَنْزِعْهُ مكانَهُ حتّى انتفعَ بذلكَ، افتدى. قلتُ: وكذلكَ المرأةُ إذا غَطَّت وَجْهَها؟ قال: نعَمْ، إلّا أنَّ مالكًا كان يُوسِعُ للمَرْأةِ أن تُسدِلَ رِداءَها من فَوْقِ رأسِها على وَجْهِها إذا أرادَتْ سِترًا، وإن كانت لا تُريدُ سِترًا، فلا تُسدِلُ (^٤).
وأجمعُوا أنَّ للمُحرِم أن يَدْخُلَ الخِباءَ والفُسطاطَ، وإن نزلَ تحتَ شَجَرةٍ أن يَرْميَ عليها ثوبًا.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٧٦ (١٠١٦).
(٢) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١٤٤٤٨) و(١٤٤٥٣)، والمحلى لابن حزم ٧/ ١٠٢.
(٣) انظر: الأم للشافعي ٢/ ٢٤١، ومسائل أحمد وإسحاق ٥/ ٢١٨٧ (١٤٦٦)، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ٧/ ١٥٤.
(٤) انظر: المدونة ١/ ٤٦٣.
[ ٩ / ٣٨١ ]
واختلفُوا في اسْتِظلالِهِ على دابَّتِهِ، أو على المَحْمِل، فرُوي عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: أَضْحِ (^١) لمن أحرمتَ لهُ (^٢). وبعضُهُم يرفعُهُ عنهُ.
وكرِهَ مالكٌ وأصحابُهُ أن يَسْتظِلَّ المُحرِمُ على مَحْمِلِه. وبه قال عبدُ الرَّحمن بن مهديٍّ، وأحمدُ بن حَنْبل (^٣).
ورُوي عن عُثمان بن عفّانَ: أنَّهُ كان يستظِلُّ وهُو مُحرِمٌ، وأنَّهُ أجازَ ذلك للمُحرِم. وبه قال عطاءُ بن أبي رباح، والأسودُ بن يزيد (^٤).
وهُو قولُ ربيعةَ والثَّوريِّ، وابن عُيينةَ، والشّافِعيِّ وأصحابِه.
وقال مالكٌ: إن استظلَّ المُحرِمُ في مَحْمِلِهِ، افتدى. وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ: لا شيءَ عليه؛ قالا: ولا بأسَ أن يستظِلَّ إذا جافى ذلك عن رأسِه (^٥).
وأجمعُوا أنَّ المُحرِمَ إذا وجدَ إزارًا، لم يَجُز لهُ لُبْسُ السَّراويلِ.
واختلفُوا فيه إذا لم يجِد إزارًا، هل لهُ لُبْسُ السَّراويلِ؟ وإن لَبِسها على ذلك، هل عليه فِديةٌ أم لا؟
وفي "المُوطَّأ" (^٦): سُئل مالكٌ عمّا ذُكِرَ عن النَّبيِّ -ﷺ-، أنَّهُ قال: "من لم
_________________
(١) أي: ظهَر واعتزل الكِنَّ والظل، يقال: ضحيت للشمس، إذا برزت لها وظهرت. قال الجوهرى: يرويه المحدِّثون: أضح بفتح الألف وكسر الحاء، وإنما هو بالعكس. انظر: النهاية لابن الأثير ٣/ ٧٧. قال بشار: على أنه جاء في الأصل، د ٤ مضبوطًا بفتح الحاء المهملة، على طريقة اللغويين، والصواب ما قال الجوهري.
(٢) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١٤٤٦٠)، وسنن البيهقي الكبرى ٥/ ٧٠.
(٣) انظر: الأم للشافعي ٢/ ٢٢٣، ٢٤١، ومسائل أحمد وإسحاق ٥/ ٢٤٢٣ (١٧٢٦)، ومختصر اختلاف العلماء ٨/ ١١٠. وانظر فيها ما بعده.
(٤) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١٤٤٦٤) و(١٤٤٦٥).
(٥) انظر: الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن ٢/ ٢٧٠، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ١١٠ (٥٨٣).
(٦) الموطأ ١/ ٤٣٧ (٩٠٧).
[ ٩ / ٣٨٢ ]
يَجِد إزارًا، فلْيلبَسْ سَراويلَ"، فقال مالكٌ: لم أسمَعْ بهذا، ولا أرى أن يَلْبس المُحرِمُ سراويلَ؛ لأنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى عن لُبْسِ السَّراويلاتِ، فيما نَهَى عنهُ من لُبسِ الثِّيابِ، التي لا يَنْبغي للمُحرِم أن يَلْبسها.
قال: ولم يَسْتَثْنِ فيها، كما اسْتَثنى في الخُفَّينِ.
وقولُ أبي حَنِيفةَ في ذلك كقولِ مالكٍ.
ويرَوْنَ على من لبِسَ السَّراويل وهُو مُحرِمٌ الفِدْيةَ. وسواءٌ عندَ مالكٍ وجدَ الإزار، أو لم يجِد.
وقال عَطاءُ بن أبي رباح والشّافِعيُّ وأصحابُهُ والثَّوريُّ وأحمدُ بن حَنْبل وإسحاقُ بن راهوية وأبو ثورٍ وداودُ: إذا لم يجِدِ المُحْرِمُ إزارًا، لبِسَ السَّراويلَ، ولا شيءَ عليه (^١).
وحُجَّةُ من ذهَبَ إلى هذا: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن عَمرِو بنَ دينارٍ، عن جابرِ بن زيدٍ، عن ابن عبّاس، قال: سمِعتُ رسُولَ الله -ﷺ- يقولُ: "السَّراويلُ لمن لم يَجِدِ إزارًا (^٣)، والخُفُّ لمن لم يجِدِ النَّعلَيْنِ".
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا:
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٠٥ (٥٧٩).
(٢) في سننه (١٨٢٩). وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٩٠، من طريق سليمان بن حرب، به. وأخرجه مسلم (١١٧٨)، والترمذي (٨٣٤)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٣٢، وفي الكبرى ٤/ ٢٥ (٣٦٣٧)، وابن خزيمة (٢٦٨١) من طريق حماد بن زيد، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٣٤٧ (١٨٤٨)، والبخاري (١٨٤١، ١٨٤٣)، ومسلم (١١٧٨) (٤ م)، وابن حبان ٩/ ٩٢، ٩٦ (٣٧٨١، ٣٧٨٥) من طريق عمرو بن دينار، به. وانظر: المسند الجامع ٩/ ٣٢ - ٣٣ (٦٢٢٩).
(٣) في م: "الإزار".
[ ٩ / ٣٨٣ ]
حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (^١)، قالا (^٢): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، قال: أخبرني أبو الشَّعثاءِ جابرُ بن زَيدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عبّاسٍ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله -ﷺ- وهُو يخطُبُ على المِنْبرِ يقولُ: "من لم يجِدِ النَّعْلَين، فلْيلبسِ الخُفَّينِ، ومن لم يَجِدْ إزارًا، فليَلْبَسْ سَراويلَ".
ورَوَى زُهيرٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ -ﷺ- مِثلَهُ (^٣).
واختلفُوا فيمَنْ لم يَجِد نَعْلينِ، هل يلبَسُ الخُفَّينِ، ولا يَقْطعُهُما؟
فذهَبَ عطاءُ بن أبي رباح، وسعيدُ بن سالم القدّاحُ، وطائفةٌ من أهلِ العِلْم غيرُهُما، إلى أنَّ من لم يَجِدْ نَعْلينِ، لبِسَ الخُفَّينِ، ولم يَقْطَعْهُما. وإلى ذلك ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل (^٤).
قال عطاءٌ: وفي قَطْعِهِما فسادٌ.
وقال أكثرُ أهلِ العِلْم: إذا لم يجِدِ المُحْرِمُ نَعْلينِ، لبِسَ الخُفَّين، وقَطَعهُما أسفلَ من الكَعْبينِ.
ومِمَّن قال بهذا: مالكُ بن أنسٍ، والشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وجماعةٌ من التّابِعين.
_________________
(١) في مسنده (٤٦٩). وأخرجه الشافعي في مسنده، ص ١١٧، وأحمد ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (١٩١٧)، ومسلم (١١٧٨) (٤ م ٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٣٣، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٤٠ (٢٤٧٠)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٥٠، من طريق سفيان بن عيينة، به.
(٢) في ف ٣، م: "قال".
(٣) أخرجه الطيالسي (١٨٤١)، وأحمد في مسنده ٢٢/ ٣٥٦، و٢٣/ ٤٠٤ (١٤٤٦٥، ١٥٢٥٦)، ومسلم (١١٧٩) (٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٢٨، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٣٨ (٢٤٦٧)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٥١، من طريق زهير، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٢٣ (٢٤١٣).
(٤) انظر: الأم ٢/ ١٢٢، ١٦٠، ومسائل أحمد وإسحاق ٢/ ٢١٧٨ (١٤٥٩) و(١٤٦٠)، واختلاف الفقهاء للمروزي، ص ٤١١، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٠٥. وانظر فيها الآراء الآتية بعدُ.
[ ٩ / ٣٨٤ ]
وقال الشّافِعيُّ: ابنُ عُمر قد زادَ على ابن عبّاسٍ شيئًا نقَصَهُ ابنُ عبّاسٍ وحَفِظهُ ابنُ عُمرَ، وذلك قولُهُ: "وليَقْطعهُما أسفلَ من الكَعْبينِ". والمصيرُ إلى رِوايةِ ابن عُمرَ أولى.
ورَوَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ واللَّيثِ: أنَّ من لبِسَ خُفَّينِ مَقْطُوعينِ، أو غيرَ مَقْطُوعين، إذا كان واجِدًا للنَّعلينِ، فعليه الفِديةُ.
وقال أبو حَنِيفةَ: لا فِديةَ عليه إذا لَبِسهُما مَقْطُوعينِ وهُو واجِدٌ للنَّعلينِ. قال: ومن لبِسَ السَّراويلَ افْتَدَى على كلِّ حالٍ، وجدَ إزارًا، أو لم يجِدْ، إلّا أن يَفْتُقَ السَّراويلَ.
واختلفَ قولُ الشّافِعيِّ فيمَنْ لبِس الخُفَّينِ مَقْطُوعينِ وهُو واجِدٌ للنَّعلينِ، فمرَّةً قال: عليه الفِديةُ، ومرَّةً قال: لا شيءَ عليه.
وقال مالكٌ: من ابتاعَ خُفَّينِ وهُو مُحرِمٌ، فجرَّبهُما وقاسَمهُما في رِجلِهِ، فلا شيءَ عليه، وإن تَرَكهُما حتّى مَنعهُ ذلك من حرٍّ، أو بردٍ، أو مَطرٍ، افتدى.
قال أبو عُمر: كان ابنُ عُمرَ يَقْطعُ الخُفَّينِ، حتّى للمرأةِ المُحرِمةِ، وهذا شيءٌ لا يقولُ به أحدٌ من أهلِ العِلم فيما عَلِمتُ، ولا بأسَ بلِباسِ المُحرِمةِ الخِفافَ عندَ جَميعِهِم، وقد رُوي عن ابن عُمرَ: أنَّهُ انصرفَ عن ذلك.
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ،
_________________
(١) في سننه (١٨٣١). ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٥/ ٥٢. وأخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٤٤٩، و٤٠/ ٧٨ (٤٨٣٦، ٢٤٠٦٧) عن ابن أبي عدي، به. وأخرجه ابن خزيمة (٢٦٨٦)، والدارقطني في سننه ٣/ ٣٢١ (٢٦٧٠) من طريق ابن إسحاق، به. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ٥٩٣ (١٦٤٦٥). قال الدارقطني في العلل (٣٩١٩): "يرويه محمد بن إسحاق عن الزهري عن سالم عن أبيه عن امرأته صفية عن عائشة عن النبي -ﷺ-، وخالفه يونس والليث بن سعد وابن عيينة رووه عن الزهري بهذا الإسناد موقوفًا، وهو الصحيح".
[ ٩ / ٣٨٥ ]
عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني سالمٌ، أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان يَقْطعُ الخُفَّين للمرأةِ المُحْرِمةِ، ثُمَّ حدَّثَتْهُ صَفيَّةُ بنتُ أبي عُبيدٍ، أنَّ عائشةَ حَدَّثتها: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قد كان أرْخَصَ للنِّساءِ في الخُفَّين، فتركَ ذلكَ.
قال أبو عُمر: هذا إنَّما كان من وَرَع ابن عُمرَ، وكَثْرةِ اتِّباعِهِ، ومع هذا فإنَّهُ استعملَ ما حفِظَ على عُمُومِهِ، حتّى بلَغهُ فيه الخُصُوصُ.
ومِمّا وَصَفتُ من وَرعِهِ وتَوقُّفِهِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ وجدَ القُرَّ (^٢)، فقال: يا نافعُ، ألْقِ عليَّ ثوبًا. قال: فألقيتُ عليه بُرنُسًا، فقال: أتُلْقي عليَّ هذا وقد نَهَى رسُولُ الله -ﷺ- أن يَلْبَسَهُ المُحْرِمُ؟
ألا تَرَى أنَّهُ كرِهَ أن يُلقَى عليه البُرنُسُ؟ وسائرُ أهلِ العِلم إنَّما يكرهُونَ الدُّخُولَ فيه، ولكِنَّهُ، ﵀، استعملَ العُمُومَ في اللِّباسِ؛ لأنَّ التَّغْطيةَ والامتِهانَ (^٣) قد يُسمَّى لِباسًا، ألم تسمَعْ إلى قولِ أنَسٍ: فقُمتُ إلى حَصيرٍ لنا قدِ اسْوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ (^٤)؟
قال أسدٌ وأبو ثابتٍ وسُحنُونٌ (^٥) وأبو زيدٍ: قلتُ لابن القاسم: هل كان
_________________
(١) في سننه (١٨٢٨). وأخرجه الحميدي (٦٩٥)، وأحمد في مسنده ١٠/ ٣٧٥ (٦٢٦٦) من طريق أيوب، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٦٤ - ٢٦٥ (٧٥٠٤).
(٢) القُرُّ: البرد عامة، بالضم. وقيل: القر في الشتاء، والبرد في الشتاء والصيف. انظر: لسان العرب ٥/ ٨٢.
(٣) جاء في نسخة في حاشية د ٤: "الاستتار".
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢١٨ - ٢١٩ (٤١٩).
(٥) انظر: المدونة ١/ ٤٦٢.
[ ٩ / ٣٨٦ ]
مالكٌ يَكْرهُ للمُحرِم أن يُدخِلَ مَنْكِبَهُ في القَباءِ، من غيرِ أن يُدخِلَ يدَيهِ في كُمَّيهِ، ولا يَزُرَّهُ (^١) عليه؟ قال: نعم. قلتُ: فكان يكرهُ لهُ أن يطرَحَ قَمِيصَهُ على ظهرِهِ، يتردَّى به، من غيرِ أن يَدْخُلَ فيه؟ قال: لا. قيل لهُ: فلِمَ كرِهَ أن يُدخِلَ مَنكِبيهِ في القَباءِ، إذا لم يدخُلْ فيه ولم يَزُرَّهُ؟ قال: لأنَّ ذلك دُخُولٌ في القَباءِ ولِباسٌ لهُ، فلذلكَ كرِههُ.
قال أبو عُمر: كان أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ، وأبو ثَوْرٍ يقولُونَ: لا بأسَ أن يُدخِلَ مَنكِبيهِ في القَباءِ. وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ (^٢).
وكرِهَ ذلك الثَّوريُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ، والشّافِعيُّ. وقال عَطاءٌ: لا بأسَ أن يَتَردَّى به (^٣).
وجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ المُحرِمَ إذا أدخَلَ كفَّيهِ (^٤) في قَباءٍ، افتدى، وإن لم يُدخِل كفَّيهِ، فلا شيءَ عليه. وهُو قولُ زُفر، وقولُ الشّافِعيِّ.
وقال أبو حَنِيفةَ: لا فِدْيةَ عليه، إلّا أن يُدخِلَ فيه يدَيه (^٥).
وقال مالكٌ (^٦): إن عقدَ إزارَهُ على عُنُقِهِ، افتدَى.
وقال الشّافِعيُّ (^٧)، وأبو حنيفةَ: لا شيءَ عليه.
_________________
(١) في الأصل: "برره"، وفي ف ٣، م: "برزه"، والمثبت من د ٤، والزَّر، بالفتح: شد الأزرار. انظر: تاج العروس ١١/ ٤٢١. قلت: وتأتي على الصواب بعد قليل.
(٢) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٢/ ٤٨٠، ومصنَّف ابن أبي شيبة (١٦١٢٠).
(٣) انظر: الإشراف لابن المنذر ٣/ ٢٢٠، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٠٧، وانظر فيهما ما بعده.
(٤) في م: "كتفيه".
(٥) في ف ٣: "بدنة".
(٦) انظر: المدونة ١/ ٤٧٠.
(٧) انظر: الأم ٢/ ٢٢٢.
[ ٩ / ٣٨٧ ]
قال أبو عُمر: رُوي عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كرِهَ الهِميانَ والمِنْطقةَ للمُحرِم (^١)، ورُوي عن ابن عبّاس: أنَّهُ أجازَ ذلك للمُحرِم (^٢).
وكذلكَ رُوي عن عائشةَ، أنَّها قالت: أوثِقْ عليك نفقتَك (^٣).
وأجازَ ذلك جماعةُ فُقهاءِ الأمْصارِ، مُتقدِّمُوهُم ومُتأخِّرُوهُم. وعن جماعةٍ من التّابِعينَ بالحِجازِ والعِراقِ مِثلُ ذلكَ.
وقال إسحاقُ بن راهُوية: ليسَ لهُ أن يعقِدَ السُّيُورَ، ولكِن يُدخِلُ بعضَها في بعض.
وقال مالكٌ (^٤): أحَبُّ ما سمِعتُ إليَّ في ذلك، ما حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّهُ كان يقولُ في المِنْطقةِ يلبسُها المُحرِمُ تحت ثيابِهِ: إنَّهُ لا بأسَ بذلك، إذا جعلَ في طَرَفيها جميعًا سُيُورًا، يعقِدُ بعضَها إلى بعضٍ.
وقال ابنُ عُليَّةَ: قد أجمعُوا على أنَّ المُحرِمَ (^٥) لهُ أن يعقِدَ الهِميانَ والإزارَ على وَسَطِهِ، والمِنْطقةُ مِثلُ ذلك.
واختلفُوا في المُحرِم يَعصِبُ رأسَهُ وجَسَدَهُ عن ضرُورةٍ.
فقال مالكٌ: لا يفعلُ ذلك أحدٌ إلّا من ضرُورةٍ، فإن فعلَ ذلك من غيرِ ضرُورةٍ، فعليه الفِديةُ، وسواءٌ عندَهُ في ذلك الرَّأسُ والجسدُ.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إن عصَبَ رأسَهُ يومًا إلى اللَّيلِ، فعليه صَدَقةٌ، وإن عصَبَ بعضَ جَسدِهِ، فلا شيءَ عليه (^٦).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٣٩ (٩١٢) دون ذكر الهميان.
(٢) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١٥٦٩٦).
(٣) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١٥٦٨٦). ولفظه: "أوثق نفسك في حقويك".
(٤) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٣٩ (٩١٣).
(٥) زاد هنا في الأصل، م: "ليس".
(٦) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن ٢/ ٤٨٢.
[ ٩ / ٣٨٨ ]
وقال الشّافِعيُّ (^١): من عصَبَ رأسهُ، فعليه الفِدْيةُ. وكذلك إذا شدَّ السَّيرَ على رأسِهِ، وحملَ خُرْجَهُ (^٢) على رأسِهِ.
قال: ولا بأسَ أن يضَعَ يدَهُ على رأسِهِ.
وقال مالكٌ (^٣): لا بأسَ أن يحمِلَ المُحرِمُ خُرْجَهُ وجِرابَهُ على رأسِهِ، إذا كان فيه زادُهُ، واحتاجَ إلى ذلكَ، أُرْخِصَ (^٤) له في ذلك (^٥)، كما أُرْخِصُ لهُ في حَمْلِ مِنْطقةِ نَفسِهِ. قال: وأمّا لو تطوَّع بحَملِهِ، أو آجَرَ نفسَهُ على ذلك، لكان عليه الفِدْيةُ. قال: والأطباقُ، والغَرائرُ، والأخرِجةُ، في ذلك سواءٌ.
وجُملةُ قولِ مالكٍ: أنَّهُ سواءٌ في المُحرِم لبِسَ ناسيًا، أو عامِدًا، أو تطيَّبَ، أو حلَقَ، ناسيًا أو عامِدًا، لضرُورةٍ أو غيرِ ضرُورةٍ، عليه في ذلك كلِّهِ الكفّارةُ، وهُو مُخيَّرٌ فيها، إن شاءَ صامَ ثلاثةَ أيام، وإن شاءَ أطعمَ سِتَّةَ مساكينَ، مُدَّينِ مُدَّينِ لكلِّ مِسْكينٍ، وإن شاءَ ذبحَ شاةً.
قال مالكٌ (^٦): وإنَّما يكونُ الصِّيامُ والطَّعامُ مكان الهدي في فِدْيةِ الأذى وجزاءِ (^٧) الصَّيدِ، لا غيرُ. قال: وأمّا دَمُ المُتعةِ، أوِ الهديُ الواجِبُ على من عجَزَ عن المشيِ، أو وطِئَ أهْلَهُ، أو فاتَهُ الحجُّ، أو رَجُلٍ تركَ شيئًا من الحجِّ، فجَبَرهُ
_________________
(١) انظر: الأم ٢/ ١٦٣.
(٢) الخرج: وعاء من شعر، أو جلد، ذو عدلين، يوضع على ظهر الدابة لوضع الأمتعة فيه. انظر: المعجم الوسيط، ص ٢٢٥.
(٣) انظر: المدونة ١/ ٤٦٤.
(٤) الضبط من د ٤.
(٥) قوله: "أرخص له في ذلك" لم يرد في م.
(٦) انظر: المدونة ١/ ٤٠٢.
(٧) في ف ٣: "أو جزاء".
[ ٩ / ٣٨٩ ]
بالدَّم، أيَّ شيءٍ كان المترُوكُ من حَجِّهِ، فإنَّ (^١) هذا كلَّهُ إذًا لم يجِدِ الهَدْيَ فيه من وجَبَ عليه، صامَ فقط، وليسَ في شيءٍ من ذلك إطعامٌ.
قال ابنُ القاسم (^٢): والصَّومُ في هذا كلِّهِ، كصوم المُتمتِّع: ثلاثةُ أيام في الحجِّ، وسَبْعةٌ إذا رجعَ، هذا كلُّهُ إذا لم يجِدِ الهَدْيَ.
وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما: كلُّ من لبِسَ عامِدًا، أو تطيَّبَ عامِدًا، فليسَ بمُخيَّرٍ في الكفّارةِ، وإنَّما عليه الدَّمُ لا غيرُ (^٣).
قالوا: فإن كان ذلك من ضرُورةٍ، فهُو مُخيَّرٌ. على حسَبِ ما تقدَّم عن مالكٍ: إن شاءَ صام، وإن شاءَ نَسَكَ بشاةٍ، وإن شاءَ أطعمَ سِتّةَ مساكإن مُدَّين مُدَّينِ، على حديثِ كعبِ بن عُجْرةَ (^٤).
وللشّافِعيِّ فيمَنْ لبِسَ، أو تطيَّبَ ناسيًا قولانِ، أحدُهُما: لا فِدْيةَ عليه. والآخَرُ: عليه الفِدْيةُ.
وقال أبو حَنِيفةَ، والثَّوريُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ: النّاسي والعامِدُ في وُجُوبِ الفِدْيةِ سَواءٌ.
وقال داودُ: لا فِدْيةَ عليه إن لبِسَ من ضرُورةٍ، وإنَّما عليه الفِدْيةُ إن لبِسَ عامِدًا، وإن حلَقَ رأسَهُ لضرُورةٍ فعليه الفِدْيةُ، وإن حلَقَ شعرَ جَسدِهِ، فلا فِدْيةَ عليه لضرُورةٍ، ولا لغيرِ ضرُورة.
_________________
(١) في ف ٣: "كان".
(٢) انظر: المدونة ١/ ٤٠٢.
(٣) انظر: الأم ٢/ ٢٢٢، ومختصر المزني ٨/ ١٦٢، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٩٧ - ١٩٨، والحاوي الكبير للماوردي ٤/ ١٠٥. وانظر فيها ما بعده.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٥٥٦ (١٢٥٠).
[ ٩ / ٣٩٠ ]
قال أبو عُمر: من لم يرَ على اللّابِسِ النّاسي والجاهِلِ شيئًا، اسْتَدلَّ بحديثِ يعلَى بن أُميَّةَ، في الأعْرابيِّ الذي أحرمَ وعليه جُبَّةٌ وصُفْرةُ خلُوقٍ، فأمَرهُ رسُولُ الله -ﷺ- بنَزْع الجُبَّةِ، وغَسْلِ الخَلُوقِ، ولم يأمُرهُ بفِديةٍ.
وقد ذكَرْنا هذا الخبَرَ وأحكامَهُ، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، من كِتابِنا هذا.
ومن أوجَبَ الفِدْيةَ على النّاسي وغيرِهِ، فحُجَّتُهُ: أنَّ الفِدْيةَ إنَّما وَرَدت فيمَنْ فعَلَها من ضرُورةٍ.
وذلك محفُوظٌ في قِصَّةِ كَعْبِ بن عُجْرةَ، فالضَّرُورةُ، وغيرُ الضَّرُورةِ، والنِّسيانُ وغيرُهُ، في ذلك سواءٌ؛ لأنَّهُ إذا وجبَتْ على من فعَلَ ذلك من ضرُورةٍ، فأحْرَى أن تجِبَ على من فعلَ ذلك من غيرِ ضَرُورةٍ، والنّاسي قياسٌ على المُضطرِّ، والعامِدُ أحْرَى بذلك وأوْلَى.
واختلفُوا فيمَنْ لبِسَ، أو تطيَّب في مَواطِنَ:
فقال مالكٌ (^١): إن لبِسَ القميصَ والسَّراويلَ والعِمامةَ والقَلَنسُوةَ، وما أشبَهَ ذلك من الثِّياب في فَوْرٍ واحدٍ، وكانت حاجتُهُ إلى ذلكَ كلِّهِ في فَوْرٍ واحدٍ، فعليه كفّارةٌ واحدةٌ وكذلك إن تطيَّبَ مِرارًا في مَوْطِنٍ واحدٍ، وفَوْرٍ واحدٍ، فعليه فِدْيةٌ واحدةٌ، وإن كان ذلك في أحْوالٍ مختلِفةٍ، فعليه لكلِّ مرَّةٍ فِدْيةٌ.
وبه قال أبو حَنِيفةَ، والثَّوريُّ، واللَّيْثُ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ.
وقال محمدُ بن الحسنِ، والأوزاعيُّ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ أيضًا: ليسَ عليه إلّا كفّارةٌ واحدةٌ، ما لم يُكفِّر، فإن كفَّر، ثُمَّ صنَعَ شيئًا من ذلك، فعليه كفّارةٌ أُخرى.
وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّهُ عليه في كلِّ ما يَلْبسُ أو يتطيَّبُ فِدْيةٌ بعدَ فِدْيةٍ أبدًا.
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٤٦٢.
[ ٩ / ٣٩١ ]
وأمّا الثَّوبُ المصبُوغُ بالوَرْسِ والزَّعفرانِ، فلا خِلافَ بين العُلماءِ أنَّ لِباسَ ذلك لا يجُوزُ للمُحرِم، على ما جاءَ في حديثِ ابن عُمرَ هذا، فإن غسَلَ ذلك الثَّوب حتّى يذهَبَ ريحُ الزَّعفَرانِ منهُ، وخرج عنهُ، فلا بأسَ به عندَ جميعِهِم أيضًا.
وكان مالكٌ فيما ذَكَر ابنُ القاسم عنهُ: يَكْرهُ الثَّوبَ الغَسِيلَ من الزَّعفَرانِ والوَرْسِ إذا بَقِيَ فيه من لونِهِ شيءٌ. وقال: لا يَلْبسُهُ المُحرِمُ، وإن غَسَلهُ إذا بَقِيَ فيه شيءٌ من لَوْنِهِ، إلّا أن لا يجِدَ غيرَهُ، فإن لم يَجِد غيرَهُ، صَبَغهُ بالمِشْقِ (^١) وأحرَمَ فيه (^٢).
وقد رَوَى يحيى بن عبدِ الحَميدِ، عن أبي مُعاويةَ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -ﷺ- هذا الحديثَ، فقال فيه: "ولا تَلْبسُوا ثوبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، أو زعفَرانٌ، إلّا أن يكونَ غَسِيلًا" (^٣).
وقال الطَّحاويُّ (^٤) عن ابن أبي عِمران: رأيتُ يحيى بنَ مَعينٍ وهُو يتعجَّبُ من الحِمّانيِّ كيف يُحدِّثُ بهذا الحديثِ، فقال لهُ عبدُ الرَّحمن بن مهديٍّ: هذا عِندي، ثُمَّ وثبَ في فورِهِ، فجاءَ بأصلِهِ، فأخرجَ منهُ هذا الحديث، عن أبي مُعاويةَ، كما قال الحِمّانيُّ.
والوَرْسُ: نباتٌ يكونُ باليمَنِ كَشِبْهِ العُصْفُرَ صِبْغُهُ ما بينَ الصُّفرةِ والحُمْرةِ، ورائحتُهُ طيِّبةٌ.
_________________
(١) المشق: بفتح الميم وكسرها، هي المغرة التي يصبغ بها الأحمر. والمغرة: الطين الأحمر. انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض ١/ ٣٨٨.
(٢) انظر: المدونة ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٣) أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده، كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٣/ ٤٠٤، ومن طريقه أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٣٧.
(٤) أخرجه في شرح معاني الآثار ٢/ ١٣٧.
[ ٩ / ٣٩٢ ]
واختلفُوا في العُصْفُرِ، فجُملةُ مذهب مالكٍ، وأصحابِه (^١): أنَّ العُصْفُرَ ليسَ بطيبٍ. ويكرهُونَ للحاجِّ استِعمالَ الثَّوبِ الذي ينتفِضُ (^٢) في جِلْدِهِ، فإن فعلَ فقد أسَاءَ، ولا فِدْيةَ عليه عندَهُم.
وهُو قولُ الشّافِعيِّ (^٣).
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ والثَّوريُّ: والعُصْفُرُ طيبٌ، وفيه الفِدْيةُ على من استعملَ شيئًا منهُ في اللِّباسِ وغيرِهِ، إذا اسْتَعملهُ وهُو مُحرِم (^٤).
فهذه جُمَلُ ما في هذا الحديثِ من الأحْكام، والحمدُ لله على (^٥) عَوْنِهِ، لا شَريكَ لهُ (^٦).
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٣٩٥.
(٢) نفض الثوب نفوضًا، ذهب بعض لونه. انظر: المعجم الوسيط، ص ٩٤١.
(٣) انظر: الأم ٢/ ١٢٢، ١٦٤.
(٤) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٢/ ٣٤٧، والمبسوط للسرخسي ٤/ ١٢٦، والإشراف لابن المنذر ٣/ ٢٢٨.
(٥) من هنا إلى آخر الفقرة لم يرد في د ٤.
(٦) جاء في حاشية الأصل: "بلغت المقابلة بحمد الله وحسن عونه".
[ ٩ / ٣٩٣ ]