حديثٌ تاسِعُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ تَلْبيةَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك".
قال: وكانَ عبدُ الله بن عُمرَ: يزيدُ فيها: لبَّيكَ لبَّيكَ، لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بيدَيْكَ، والرَّغباءُ (^٢) إليكَ والعمل.
يُقالُ: إنَّهُ (^٣) لم يسمع أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ من مالكٍ غيرَ هذا الحديثِ.
حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ أحمدُ بن محمدِ بن عليٍّ الدِّينَوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ. وحدَّثنا خلَفٌ، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ محمدُ بن عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا موسى بن هارُون الحمّالُ. قالا: حدَّثنا سُليمانُ بن داود أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: كانت تَلْبيةُ رسُول الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شَريكَ لك" (^٤).
هكذا رَوى هذا الحديثَ أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ، لم يذكُر زيادةَ ابن عُمرَ، وكلُّ من رَوى "المُوطَّأ" ذكَرَها فيه، وذكَرَها أيضًا جماعةٌ من غيرِ رُواةِ "المُوطَّأ" (^٥).
_________________
(١) الموطأ ١/ ٤٤٦ (٩٣٢).
(٢) كتب ناسخ د ٤ في الحاشية: " والرُّغبى" إشارة إلى أنها كذلك في نسخة أخرى.
(٣) حرف النصب لم يرد في د ٤.
(٤) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥٨١٥) عن أبي الربيع، به.
(٥) رواه عن مالك: أبو مصعب الزهري (١٠٦٥) ومن طريقه ابن حبان (٣٧٩٩) والبغوي (١٨٦٥)، وسويد بن سعيد (٤٩٧)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي عند أبي داود (١٨١٢) والجوهري (٦٦٣)، وعبد الله بن وهب عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٤،=
[ ٩ / ٣٩٤ ]
حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، حدَّثنا عليُّ بن الحسَنْ بن علّانَ (^١)، قال: حدَّثنا أبو يعلى أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى الموصِليُّ، قال (^٢): حدَّثنا أبو الرَّبيع الزَّهرانيُّ وعبدُ الأعلى بن حمّادٍ النَّرسيُّ. قال أبو الرَّبيع: حدَّثنا مالكٌ. وقال عبدُ الأعلى: قرأتُ على مالكِ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ تَلْبيةَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك". وزادَ عبدُ الأعلى: وكان ابنُ عُمرَ يزيدُ فيها: لبَّيكَ لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يَدَيْكَ، والرَّغباءُ إليكَ والعمل.
هكذا رواهُ جَماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ، وكذلكَ رواهُ أصحابُ نافع أيضًا. ورواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مِثلَهُ سَواءً (^٣).
ورواهُ عُبيدُ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، مثلَهُ بمعناه (^٤).
_________________
(١) = والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٤، وعبد الله بن يوسف التنيسي عند البخاري (١٥٤٩)، وقتيبة بن سعيد عند النسائي في المجتبى ٥/ ١٦٠، والشافعي في مسنده، ص ١٢٢ ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٥/ ٤٤، ومحمد بن الحسن الشيباني (٣٨٦)، ويحيى بن يحيى النيسابوري عند مسلم (١١٨٤) (١٩).
(٢) في م: "بن غيلان". خطأ. وهو أبو الحسن، علي بن الحسن بن علان الحراني، صاحب تاريخ الجزيرة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٠.
(٣) أخرجه في مسنده (٥٨٠٤) عن عبد الأعلى، به. وبرقم (٥٨١٥) عن أبي الربيع، به.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ١٩٢ (٦١٤٦)، ومسلم (١١٨٤) (٢١)، وأبو عوانة (٣٧١٨)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٤، من طريق ابن شهاب، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٧٥ (٧٥١٧).
(٥) أخرجه الطيالسي (١٩٣٣)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٦٠، وفي الكبرى ٤/ ٥٤ (٣٧١٦) من طريق عبيد الله، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٧٥ - ٢٧٦ (٧٥١٨).
[ ٩ / ٣٩٥ ]
ورَوَى عبدُ الله بن مسعُود (^١)، وجابرُ بن عبدِ الله (^٢)، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، مِثلَ حديثِ ابن عُمرَ هذا في تَلْبيتِهِ -ﷺ- سَواءً، دُونَ زيادةِ ابن عُمرَ من قولِهِ. وفي حديثِ أبي هُريرةَ زيادةُ: "لبَّيكَ إلَهَ الحقِّ" (^٣).
ومن حديثِ عَمرِو بن مَعْدي كَرِب، قال: لقد رأيتُنا ونحنُ إذا حَجَجنا نقُولُ:
لبَّيك تعظيمًا إليكَ عُذرا
هذي زُبَيدٌ قد أتتكَ قَسْرا
تعدُو بها مُضمَّرات شُزْرا
يَقْطعن خَبْتًا (^٤) وجِبالًا وُعْرا
قد خلَّفُوا الأوثانَ خِلْوًا صِفْرا (^٥)
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ١٢ (٣٨٩٧)، والبزار في مسنده ٥/ ٢٨٥ (١٩٠١) والنسائي في المجتبى ٥/ ١٦١، وفي الكبرى ٤/ ٥٤ (٣٧١٧)، وأبو يعلى (٥٠٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٢، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٦/ ٢٦٦. وانظر: المسند الجامع ١١/ ٥٩٣ (٩١٠١).
(٢) أخرجه الشَّافعي في مسنده، ص ١٢٢، وإسحاق بن راهوية (١٧٩٤)، وأحمد في مسنده ٢٣/ ١٣٢ (١٤٨٣٣)، والبخاري (١٥٧٠)، ومسلم (١٢١٧) (١٤٦)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٠. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٢٢ - ٢٣ (٢٤١٢).
(٣) أخرجه الشَّافعي في مسنده، ص ١٢٢، والطيالسي (٢٤٩٩)، وأحمد ١٤/ ١٩٤ (٨٤٩٧)، وابن ماجة (٢٩٢٠)، والبزار في مسنده ١٥/ ٣١٥ (٨٨٤٨)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٦١، وفي الكبرى ٤/ ٥٤ (٣٧١٨)، وابن خزيمة (٢٦٢٣، ٢٦٢٤)، وابن حبان ٩/ ١٠٩ (٣٨٠٠)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٣٢ (٢٤٤٨). وانظر: المسند الجامع ١٧/ ١١٨ - ١١٩ (١٣٣٨٥).
(٤) الخبت من الأرض: ما انخفض واتسع. انظر: المعجم الوسيط ص ٢١٤.
(٥) الصفر: الشيء الخالي، وكذلك الجمع والواحد، والمذكر والمؤنث سواء. انظر: لسان العرب ٤/ ٤٦١.
[ ٩ / ٣٩٦ ]
ونحنُ نقُولُ اليومَ كما علَّمَنا رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-. فذكَرَ التَّلبيةَ على حسَبِ ما في حديثِ ابن عُمرَ (^١).
واختلَفتِ الرِّوايةُ في فَتْح "إنَّ" وكَسْرِها، في قولِهِ: "إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لك"، وأهلُ العَربيَّةِ يختارُونَ في ذلكَ الكسر.
وأجمَعَ العُلماءُ على القولِ بهذه التَّلبيةِ، واختَلَفُوا في الزِّيادةِ فيها (^٢).
فقال مالكٌ: أكرهُ أن يزيدَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-. وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ.
وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّهُ لا بأسَ أن يُزادَ فيها ما كان ابنُ عُمرَ يزيدُهُ في هذا الحديثِ.
وقال الشّافِعيُّ: لا أُحِبُّ أن يزيدَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، إلّا أن يَرَى شيئًا يُعجِبُهُ، فيقولَ: لبَّيكَ إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرةِ.
وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ: لا بأسَ بالزِّيادةِ في التَّلبيةِ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، يزيدُ فيها ما شاءَ.
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ إلى هذا: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ (^٣)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (^٥):
_________________
(١) أخرجه البزار (١٠٩٣، زوائد)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٤، والطبراني في الكبير ١٧/ ٤٦ - ٤٧ (١٠٠)، وفي الأوسط ٢/ ٣٧٩ (٢٢٨٢)، وفي الصغير ١/ ١١٠ (١٥٧).
(٢) انظر: الأم ٢/ ١٦٩ و٧/ ٢٠٠، ومسائل الإِمام أحمد، ص ١٤١ رواية أبي داود، ومختصر المزني ٨/ ١٦٢، والإشراف ٣/ ١٩٣، وانظر فيه ما بعده.
(٣) في د ٤: "عبد الله بن محمد بن بكر"، وهو خطأ بيّن.
(٤) في سننه (١٨١٣).
(٥) في المسند ٢٢/ ٣٢٥ (١٤٤٤٠) مطولًا. وأخرجه أبو يعلى (٢١٢٦)، وابن الجارود (٤٦٥)، وابن خزيمة (٢٦٢٦)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٥، من طريق يحيى بن سعيد، به. =
[ ٩ / ٣٩٧ ]
حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا جَعْفر، يعني ابنَ محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: أهلَّ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-، فذكَرَ التَّلبيةَ بمِثلِ حديثِ ابن عُمرَ.
قال: والنّاسُ يزيدُونَ: لبَّيك ذا المَعارِج، ونحوَهُ من الكلام، والنَّبيُّ -ﷺ-، يسمعُ، فلا يقولُ لهم شيئًا.
واحتجُّوا أيضًا بأنَّ ابنَ عُمرَ كان يزيدُ فيها ما ذكرَ مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع في هذا الحديثِ.
وما رُوي عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّهُ كان يقولُ بعدَ التَّلبيةِ: لبَّيكَ ذا النَّعماءِ والفَضْلِ الحسنِ، لبَّيكَ مرهُوبًا مِنكَ، ومرغُوبًا إليكَ (^١).
وعن أنَسِ بن مالكٍ: أنَّهُ كان يقولُ في تَلْبييهِ: لبَّيكَ حقًّا (^٢) حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا (^٣).
ومن كرِهَ الزِّيادةَ في التَّلبيةِ، احتجَّ بأنَّ سَعْدَ بن أبي وقّاصٍ أنْكَرَ على من سَمِعهُ يزيدُ في التَّلبيةِ ما لم يَعْرِفْهُ، وقال: ما كُنّا نقُولُ هذا على عَهدِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-.
وحديثُ سَعْدٍ في ذلكَ، حدَّثناه عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بَكْرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن عَجْلانَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن أبي سَلَمةَ: أنَّ سعدًا سمِعَ
_________________
(١) = وأخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجة (٢٩١٣، ٣٠٧٤)، وابن حبان ٩/ ٢٥٠ - ٢٥١ (٣٩٤٣)، من طريق جعفر بن محمد، به. وهو طرف من حديث جابر المطول بخبر حجة النبيُّ -صلي الله عليه وسلَّم-. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٢٧ - ٤٤ (٢٤١٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٣٦٤٥).
(٣) في مصادر التخريج: "حجًّا".
(٤) أخرجه البزار في مسنده ١٣/ ٢٦٥ (٦٨٠٣)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل، ص ٦٢٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٨/ ٤٥، من حديث أنس مرفوعًا.
[ ٩ / ٣٩٨ ]
رجُلًا يقولُ: لبَّيكَ ذا المعارِج، فقال: إنَّهُ لذُو المعارِج ولكِنْ لم نَكُن نقُولُ هذا ونحنُ مع نبيِّنا -ﷺ- (^١).
قال أبو عُمر: من زادَ في التَّلبيةِ ما يجمُلُ ويحسُنُ من الذِّكرِ، فلا بأسَ، ومن اقتصَرَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، فهُو أفْضَلُ عِندي، وكلُّ ذلكَ حَسَنٌ إن شاءَ اللهُ ﷿.
وسَنذكُرُ ما للعُلماءِ في رَفْع الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، في بابِ عبدِ الله (^٢) بن أبي بكرٍ من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
ومعنى التَّلبيةِ: إجابَةُ الله فيما فرضَ عليهم من حَجِّ بَيتِهِ، والإقامةُ على طاعتِهِ، فالمُحرِمُ بتَلْبيتِهِ، مُستجيبٌ لدُعاءِ الله إيّاهُ في إيجابِ الحجِّ عليه.
ومن أجْلِ الاسْتِجابةِ -واللهُ أعلمُ- لُبِّيَ؛ لأنَّ (^٣) من دُعِيَ، فقال: لبَّيكَ، فقدِ استجابَ.
وقد قيلَ: إنَّ أصلَ التَّلبيةِ: الإقامةُ على الطّاعةِ، يُقالُ: منهُ ألبَّ فُلان بالمكانِ، إذا أقامَ به. وأنشد ابنُ الأنباريِّ في ذلك:
محل الهجرِ أنتَ به مُقيمُ مُلِبٌّ ما تزُولُ ولا تريمُ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٧٤ (١٤٧٥)، والبزار في مسنده ٤/ ٧٧ (١٢٤٤)، وأبو يعلى (٧٢٤) من طريق يحيى بن سعيد، به. وأخرجه الشَّافعي في مسنده، ص ١٢٣، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٣٦٤٠)، وابن أبي خيثمة في تاريخه، السفر الثالث ٢/ ٣٢٠ (٣١٢٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٥، من طريق ابن عجلان، به. وهذا مرسل لأن عبد الله بن أبي سلمة لم يلق سعدًا. وهذا يروى عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عامر بن سعد، عن أبيه؛ أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه، السفر الثالث ٢/ ٣٢٠ (٣١٢٩). وانظر: المسند الجامع ٦/ ٨٤ - ٨٥ (٤٠٥٩).
(٢) في د ٤: "عُبيد الله" خطأ، وهو: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(٣) قوله: "لأن" سقط من د ٤.
[ ٩ / ٣٩٩ ]
وقال آخر:
لبَّ بأرضٍ ما تخطّاها النَّعَمْ
قال: وإلى هذا المعنى كان يذهبُ الخليلُ والأحمرُ.
قال أبو عُمر: وقال جماعة من أهلِ العِلم: إنَّ معنى التَّلبيةِ، إجابَةُ إبراهيمَ ﵇ حينَ أذَّنَ بالحجِّ في النّاسِ.
ذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن قابُوسِ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا فرغَ إبراهيمُ من بناءِ البَيْتِ، قيلَ لهُ: أذِّنْ في النّاسِ بالحجِّ. قال: ربِّ، وما يَبْلُغُ صوتي؟ قال: أذِّنْ، وعليَّ البَلاع، فنادَى إبراهيمُ: أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عليكُمُ الحجُّ إلى البَيْتِ العتيقِ. قال: فسمِعهُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ، أفلا تَرَونَ النّاسَ يجيؤُونَ من أقْطارِ البلادِ (^١) يُلبُّونَ (^٢)؟
قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجُاهِدٍ في قولِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. قال: قامَ إبراهيمُ على مَقامِهِ، فقالَ: يا أيُّها النّاسُ، أجيبُوا ربَّكُم. فقالوا: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، فمَنْ حجَّ اليومَ، فهُو مِمَّن أجابَ إبراهيمَ يومَئذٍ (^٣).
قال أبو عُمر: معنى "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ" عندَ العُلماءِ، أي: إجابَتِي إيّاكَ إجابَةٌ بعدَ إجابَةٍ. ومعنى قولِ ابن عُمرَ، وغيرِهِ: لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، أي: أسْعِدنا سَعادَةً بعدَ سَعادةٍ، وإسْعادًا بعد إسعادٍ. وقد قيلَ: معنَى سَعْديكَ: مُساعدةٌ لكَ.
_________________
(١) وقع في بعض النسخ: "الأرض"، والمثبت من الأصل.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٢٤٧٨)، والطبري في تفسيره ١٨/ ٦٠٥، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٨٨، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٧٦، من طريق جرير، به.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٨/ ٦٠٦، من طريق الحسين بن داود سنيد، عن حجاج، به.
[ ٩ / ٤٠٠ ]
وأمّا قولُهُم: لبَّيكَ إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ فيُروَى بفتح الهمزةِ وكسرِها، وكان أحمدُ بن يحيى ثعلبٌ يقولُ: الكَسْرُ في ذلك أحَبُّ إليَّ؛ لأنَّ الذي يكسِرُها يذهبُ إلى أنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ على كلِّ حالٍ، والذي يفتحُ يذهبُ إلى أنَّ المعنى لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لك، أي: لبَّيكَ لهذا السَّببِ.
قال أبو عُمر: المعنى عِندي واحدٌ، لأنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ من فتَحَ الهمزةَ أرادَ لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لكَ على كلِّ حالٍ، والمُلكَ لكَ والنِّعمةَ، وحدَكَ دُونَ غيرِكَ حَقِيقةً، لا شريكَ لكَ.
واسْتَحبَّ الجميعُ أن يكونَ ابتِداءُ المُحْرِم بالتَّلبيةِ بإثْرِ صَلاةٍ يُصلِّيها: نافِلةٍ، أو فَريضةٍ من مِيقاتِهِ، إذا كانت صلاةً لا يُتَنفَّلُ بعدَها، فإن كان في غيرِ وقتِ صلاةٍ، لم يَبْرَحْ حتّى يحِلَّ وَقْتُ صلاةٍ فيُصلِّي، ثُمَّ يُحرِمَ إذا اسْتَوت به راحِلتُهُ، وإن كان مِمَّن يَمْشي، فإذا خرجَ من المسجدِ أحرمَ.
وقال أهلُ العِلم بتأويلِ القُرآنِ، في قولِ الله ﷿: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قالوا: الفَرْضُ: التَّلبيةُ. كذلك قال عَطاءٌ، وعِكْرِمةُ وطاوُوسٌ، وغيرُهُم (^١).
وقال ابنُ عبّاسٍ: الفرضُ: الإهلالُ (^٢).
وهُو ذلكَ بعينِهِ، والإهلالُ: التَّلبيةُ.
وقد ذكَرْنا معنى الإهلالِ في اللُّغةِ، في باب موسى بن عُقبةَ من كِتابِنا هذا، بما يُغني عن إعادتِهِ هاهُنا، وذكَرْنا هُناكَ مسأَلةً من مَعاني هذا البابِ، يجِبُ الوُقُوفُ عليها.
_________________
(١) انظر: تفسير سفيان، ص ٦٣، ومصنف ابن أبي شيبة (١٣٨١٩) و(١٣٨٢٢)، وتفسير الطبري ٤/ ١٢١ - ١٢٢ (٣٥٥٥، ٣٥٦١)، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٦.
(٢) انظر: تفسير الطبري ٤/ ١٢٣ (٣٥٦٨)، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٦.
[ ٩ / ٤٠١ ]
وقال ابنُ مسعُودٍ: الفَرْضُ: الإحْرامُ (^١). وهُو ذاكَ المعنى أيضًا.
وكذلك قال ابنُ الزُّبير (^٢).
وقالت عائشةُ: لا إحْرامَ، إلّا لمنْ أهَلَّ ولَبَّى (^٣).
وقال الثَّوريُّ: الفَرْضُ الإحْرامُ. قال: والإحرامُ التَّلبيةُ (^٤). قال: والتَّلبيةُ في الحجِّ، مِثلُ التَّكبيرِ في الصَّلاةِ.
وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ: إن كبَّرَ، أو هلَّلَ، أو سبَّحَ، ينوي بذلكَ الإحرام، فهُو مُحرِمٌ (^٥).
فعلى هذا القولِ، التَّلبيةُ عندَ الثَّوريِّ وأبي حَنِيفةَ رُكنٌ من أرْكانِ الحجِّ، والحجُّ إليها مُفتَقِر، ولا يُجزِئُ منها شيءٌ عندَهُم غيرُها.
ولم أجِدْ في هذه المسألةِ نَصًّا عن الشّافِعيِّ، وأُصُولُهُ تدُلُّ على أنَّ التَّلبيةَ ليسَتْ من أركانِ الحجِّ عندَهُ.
وقال الشّافِعيّ (^٦): تَكْفي النِّيَّةَ في الإحْرام بالحجِّ، من أن يُسمَّى حَجًّا أو عُمْرةً. قال: وإن لبَّى بحَجٍّ يُريدُ عُمرةً، فهي عُمرةٌ، وإن لبَّى بعُمرةٍ، يُريدُ حجًّا، فهُو حجٌّ، وإن لبَّى لا يُريدُ حجًّا ولا عُمرةً، فليسَ بحجٍّ ولا عُمرةٍ، وإن لبَّى ينوي الإحرامَ، ولا ينوي حجًّا، ولا عُمرةً، فلهُ الخيارُ يجعلُهُ أيّما شاءَ، وإن لبَّى وقد نَوَى أحدَهُما فنَسِي، فهُو قارِنٌ، لا يُجزيهِ غيرُ ذلك. هذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ ﵀.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى ٤/ ٣٤٢.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٦.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٥٨ (٩٦٥).
(٤) انظر: تفسير الطبري ٤/ ١٢٢ (٣٥٥٦).
(٥) انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر ٣/ ٤١١.
(٦) انظر: الأم ٢/ ١٦٩.
[ ٩ / ٤٠٢ ]
وذكَرَ ابنُ خُوَيْزِمَنْداد، قال: قال مالكٌ: النّيَّةُ بالإحرام في الحجِّ تُجزِئُ، وإن سَمَّى (^١)، فذلك واسع.
قال: وهُو قولُ أبي حنيفةَ: أنَّهُ إن نَوَى فكَبَّرَ، ولم يُسمِّ حجًّا ولا عُمرةً، أجْزَأتهُ النِّيَّةُ. غير أنَّ الإحرامَ عندَهُ، من شَرْطِهِ التَّلبيةُ، ولا يصِحُّ عندَهُ إلّا بتلبية.
قال: وكذلك قال الثَّوريُّ.
قال: وقال الحسنُ بن حيٍّ والشّافِعيُّ: التَّلبيةُ إن فعَلَها فحسنٌ، وإن ترَكَها، فلا شيءَ عليه (^٢).
قال أبو عُمر: وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاق، عن أبي ثابتٍ، قال: قيلَ لابن القاسم: أرأيتَ المُحرِمَ من مَسْجِدِ ذي الحُليفةِ، إذا توجَّه من فِناءِ المسجدِ، بعدَ أن صلَّى، فتَوجَّه وهُو ناسٍ، أيكونُ في توجُّهِهِ محُرِمًا؟ فقال ابنُ القاسم: أراهُ محُرِمًا، فإن ذكَرَ من قَريبٍ لبَّى، ولا شيءَ عليه، وإن تطاولَ ذلك عليه، ولم يذكُر حتّى خرجَ من حجِّهِ، رأيتُ أن يُهريقَ دمًا.
قال إسماعيلُ بن إسحاق: وهذا يدُلُّ من قولِهِ، على أنَّ الإهلالَ للإحرام ليسَ عندَهُ بمنزِلةِ التَّكبيرِ للدُّخُولِ في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يكونُ فى اخِلًا في الصَّلاةِ إلّا بالتَّكبيرِ، ويكونُ داخِلًا في الإحرام بالتَّلبيةِ، وبغيرِ التَّلبيةِ من الأعمالِ التي يوجِبُ الإحرامَ بها على نفسِهِ، مِثلَ أن يقولَ: قد أحرمتُ بالحجِّ والعُمرةِ، أو يُشْعِرَ الهَدْيَ، وهُو يُريدُ بإشْعارر الإحرامَ، أو يتوجَّه نحو البيتِ، وهُو يُريدُ بتوجُّهِهِ الإحرامَ، فيكونَ بذلك كلِّهِ وما أشبههُ مُحرِمًا.
وقد مَضَى القولُ في الحينِ الذي يقطَعُ فيه التَّلبيةَ، الحاجُّ والمُعتمِرُ، وإلى أين تنتهي تَلْبيتُهُ، في بابِ محمدِ بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله لا شريكَ له (^٣).
_________________
(١) في م: "نسي".
(٢) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي ٥/ ٧٨.
(٣) قوله: "لا شريك له" لم يرد في الأصل.
[ ٩ / ٤٠٣ ]