حديثٌ خامِسٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمر: أنَّ رجُلًا ذَكَرَ لرسُولِ اللَّه -ﷺ- أَنَّهُ يُخدَعُ في البُيُوع، فقال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا بايَعْتَ فقُل: لا خِلابةَ". فكان الرَّجُلُ إذا بايَعَ، قال: لا خِلابةَ.
قال أبو عُمر: يُقالُ: إنَّ الرَّجُلَ الذي قال لهُ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا بايعتَ فقُل: لا خِلابةَ" هُو مُنقِذُ بن حَبّان (^٢)، وذلك محفُوظٌ من حديثِ ابنِ عُمرَ، وغيرِهِ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيان، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ مُنقِذًا سُقِعَ (^٣) في رأسِهِ مأمُومةً في الجاهِليّةِ، فخبَلَتْ لسانهُ، فكان يُخدَعُ في البَيْع. ومرّةً قال: إذا بايَعَ (^٤) خُدِعَ. فقال لهُ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "بِعْ وقُل: لا خِلابةَ، ثُمَّ أنتَ بالخيارِ ثلاثًا من بيعِكَ". قال ابنُ عُمرَ: فسمِعتُهُ إذا بايَعَ يقولُ: لا خِذَابةَ، لا خِذَابةَ (^٥) (^٦).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن
_________________
(١) الموطأ ٢/ ٢١٨ (١٩٩٩).
(٢) في ي ١: "حنان"، وفي م: "بن حيان"، مصحّف.
(٣) في ي ١، م: "شج"، والمثبت من الأصل، والسَّقع: الضرب بباطن الكف.
(٤) في ي ١: "باع".
(٥) في م: "لا خيابة، لا خيابة".
(٦) أخرجه الشافعي في السنن المأثورة (٢٦٣)، والحميدي (٦٢٢)، وابن الجارود في المنتقى (٥٦٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٢/ ٣٣٨ (٤٨٥٨)، والدارقطني في سننه ٤/ ٧ (٣٠٥٨)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٢، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢٧٣، من طريق سفيان بن عيينة، به. وأخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٢٨٢ - ٢٨٣ (٦١٣٤)، والدارقطني في سننه ٤/ ٩ (٣٠١١)، من طريق ابن إسحاق، به، وهذا إسناد حسن. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٤٦٨ - ٤٦٩ (٧٧٧١).
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
زُهَيرٍ، قال (^١): حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عبّادُ بن العَوّام، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان (^٢)، عن عمِّهِ واسِع بن حَبّان: أنَّ جدَّهُ مُنقِذًا كان قد أتَى عليه سبعُونَ (^٣) ومئةُ سنةٍ، فكانَ إذا باعَ غُبِنَ، فذكرَ ذلك للنَّبيِّ ﵇، فقال: "إذا بايَعْتَ فقُل: لا خِلابةَ، وأنتَ بالخيارِ".
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه الأُرزِّيُّ (^٥) وإبراهيمُ بن خالدٍ أبو ثورٍ الكلبيُّ. قالوا: حدَّثنا عبدِ الوهّابِ بن عَطاءٍ الخفّافُ، قال: أخبَرنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ: أنَّ رجُلًا على عَهدِ رسُولِ اللَّه -ﷺ- كان يبتاعُ، وكانَ في عُقدتِهِ ضعفٌ -زاد عبدُ الوارثِ في حديثهِ قال: قال الخفّافُ: في عُقدتِهِ، يعني: في عَقلِهِ- فأتَى أهلُهُ النَّبيَّ -ﷺ- فقالوا: يا نَبيَّ اللَّه، احْجُر على فُلانٍ، إنَّهُ يبتاعُ، وفي عُقدتِهِ
_________________
(١) أخرجه في تاريخه الكبير، السفر الثاني ١/ ٥٦١. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٨/ ١٧، وابن ماجة (٢٣٥٥)، والدارقطني في سننه ٤/ ٩ - ١٠ (٢/ ٣٠١١) من طريق ابن إسحاق، به. دون ذكر واسع بن حبان.
(٢) في ي ١ في الموضعين: "حنان" مصحّف.
(٣) في تاريخ ابن أبي خيثمة، وسنن الدارقطني: "ثلاثون ومئة". وباقي المصادر لم تذكر ذلك، والمثبت من النسخ.
(٤) أخرجه في سننه (٣٥٠١). وأخرجه أحمد في مسنده ٢١/ ٩ (١٣٢٧٦)، وأبو يعلى (٢٩٥٢)، وابن الجارود في المتتقى (٥٦٨)، وابن حبان ١١/ ٤٣٠ - ٤٣١ (٥٠٤٩، ٥٠٥٠)، والدارقطني في سننه ٤/ ٨ (٣٠٠٩)، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٠١، والبيهقي في الكبرى ٦/ ٦٢، من طريق عبد الوهاب، به. وأخرجه ابن ماجة (٢٣٥٤)، والترمذي (١٢٥٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٢٥٢، وفي الكبرى ٦/ ١٦ (٦٠٣٣)، من طريق سعيد، به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وانظر: المسند الجامع ٢/ ٤٥ (٧٨٠).
(٥) وقع في الأصل: "الأزدي". انظر: سنن أبي داود، والأنساب للسمعاني ١/ ١١٣، وتهذيب الكمال ٢٥/ ٥٧٥.
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
ضَعْفٌ. فدَعاهُ نبيُّ اللَّه فنَهاهُ عنِ البَيْع، فقال: يا نبيَّ اللَّه، إنِّي لا أصبِرُ على البَيْع. فقال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إن كُنتَ غيرَ تارِكٍ للبيع، فقُل: هاءَ وهاءَ، ولا خِلابةَ".
واختلَفَ العُلماءُ في معنى أحاديثِ هذا البابِ، فقال منهُم قائلُونَ: هذا خُصُوصٌ في ذلك الرَّجُلِ وحدَهُ بعينِهِ، جعلَ لهُ رسُولُ اللَّه -ﷺ- الخيارَ في كلِّ سِلْعةٍ يَشْتريها، شرَطَ ذلك، أو لم يَشْترِطهُ، خصهُ بذلك لضَعفِهِ، ولِما شاءَ -ﷺ-، ولم يُجِزْ لأحَدٍ خِلابتُهُ وخَدِيعتُهُ، وإن كان -ﷺ- قد قال: "دَعُوا النّاسَ يرزُقُ اللَّهُ بعضَهُم من بعضٍ" (^١). فخُصَّ هذا بأن لا يُخدَعَ، فيُؤخَذ منهُ في السِّلعةِ أكثرُ مِمّا تُساوي.
وأمّا الخَدِيعةُ والخِلابةُ التي فيها الغِشُّ، وسترُ العُيُوبِ، فمَحظُورةٌ على النّاسِ كلِّهِم، ولكِنَّ البيعَ صحيحٌ فيها، وللمُشتري إذا اطَّلعَ على العَيْبِ الخيارُ، في الاستِمساكِ أوِ الرَّدِّ، على حسبِ السُّنّةِ في ذلك، مِمّا نُقِل عنهُ في قِصّةِ المُصرّاةِ وغيرِها.
وقال آخرُونَ: كلُّ ما جعلَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- لمُنقِذٍ من الخيارِ فيما اشْتَراهُ، وما جعلَ لهُ في أن لا يُخدَعَ شرطًا يَشْترِطُهُ بقولِهِ: لا خِلابةَ. فجائزٌ اشْتِراطُهُ اليومَ لكلِّ النّاسِ، فلو أنَّ رجُلًا شَرَطَ على بائعِهِ: أَنَّهُ بالخيارِ فيما ابْتاعهُ منهُ ثلاثًا، وقال لهُ: إنَّكَ متى ما خَدَعتني في هذه السِّلعةِ، وبانَتْ خَدِيعتُكَ لي فيها، فأنا بالخيارِ ثلاثةَ أيام، إن شِئتُ أمسَكتُ، وإن شِئتُ ردَدتُ. كان لهُ شرطُهُ، وذلك جائزٌ، ولهُ الخيارُ على حَسَبِ ما اشترطَ.
وأمّا القولُ في اشْتِراطِ الخيارِ ثلاثًا، وما فوقها، ودُونها من المُدّةِ، فقد مَضَى مُسْتوعبًا في بابِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، من كِتابِنا هذا، فلا وجَهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مسنده، ص ١٧٣، والحميدي (١٧٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢١٢٨٨)، ومسلم (١٥٢٢)، وابن ماجة (٢١٧٦)، والترمذي (١٢٢٣)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٢٥٦، وفي الكبرى ٦/ ١٩ (٦٠٤٢)، وابن الجارود في المنتقى (٥٧٤)، وأبو يعلى (١٨٣٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ١١، وابن حبان ١١/ ٣٣٥ - ٣٣٨ (٤٩٦٠، ٤٩٦٣، ٤٩٦٤) من حديث جابر. وانظر: المسند الجامع ٤/ ١٤٥ - ١٤٦ (٢٥٧٤).
[ ١٠ / ٣٨٤ ]