حديثٌ ثاني خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ قال، حينَ خرجَ إلى مكَّةَ مُعتمِرًا في الفِتْنةِ: إن صُدِدتُ عن البيتِ، صَنَعنا كما صَنَعنا معَ رسُولِ الله -ﷺ- (^٢)، فأهَلَّ بعُمرةٍ، من أجْلِ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أهلَّ بعُمرةٍ يومَ (^٣) الحُدَيبيةِ.
ثُمَّ إنَّ عبدَ الله بنَ عُمرَ نظَرَ في أمرِهِ، فقال: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، والتفتَ إلى أصحابِهِ، فقال: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجَبْتُ الحجَّ معَ العُمْرةِ. ثُمَّ نفَذَ حتّى جاءَ البيتَ، فطافَ به طوافًا واحدًا، ورَأى أنَّهُ مُجزِئٌ (^٤) عنهُ، وأهْدَى.
إلى هاهُنا انتهت رِوايةُ يحيى، وعلى ذلك أكثرُ رُواةِ "المُوطَّأ" (^٥) وفي رِوايةِ عليِّ بن عبدِ العزيزِ، عن القَعْنبيِّ، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: وأهدى شاةً. فزادَ ذِكرَ الشّاةِ، وهُو غيرُ محفُوظٍ عن ابن عُمرَ.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٤٨٤ (١٠٤٢).
(٢) زاد هنا في الأصل، د ٤، م: "فخرج". ولم ترد في نُسَخ الموطأ.
(٣) هكذا في النسخ، وفي الموطأ: "عام".
(٤) هكذا في الأصل، ف ٣، وفي د ٤: "ورأى أنّ ذلك يجزئ عنه"، وفي المطبوع من الموطأ: "ورأى ذلك مجزيًا عنه".
(٥) في د ٤: "الرواة للموطأ". وقد رواه عن مالك: أبو مصعب الزهري (١١٧٣)، وإسماعيل بن أبي أويس عند البخاري (١٨١٣)، وسويد بن سعيد (٥٦٩)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي عند الجوهري (٦٦٧)، وعبد الله بن يوسف التنيسي عند البخاري (١٨٠٦)، وعبد الرحمن بن مهدي عند أحمد ٩/ ٢٢٠ (٥٢٩٨) و١٠/ ٣٥٢ (٦٢٢٧)، وقتيبة بن سعيد عند البخاري (٤١٨٣)، والشافعي في مسنده، ص ١٢٤، ويحيى بن بكير عند البيهقي في الكبرى ٥/ ٢١٥، ويحيى بن يحيى النيسابوري عند مسلم (١٢٣٠) (١٨٠) والبيهقي ٥/ ٢١٥.
[ ٩ / ٤٥٢ ]
ولم يذكُر القَعْنبيُّ أيضًا في هذا الحديثِ قولَهُ: من أجلِ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أهلَّ بعُمرةٍ يومَ الحُديبيةِ. وذكرهُ يحيى، وابنُ بُكير (^١)، وابنُ القاسم، وغيرُهُم.
والدَّليلُ على أنَّ ذِكرَ الشّاةِ في هذا الحديثِ غلطٌ، أنَّ ابنَ عُمرَ كان مذهبُهُ فيما اسْتَيسرَ من الهدي: بقَرةً دُون بَقَرةٍ، أو بَدَنةً دُون بَدَنةٍ.
وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: بَدَنةٌ دُون بدنةٍ، وبَقَرةٌ دُون بَقَرة (^٢).
قال: وأخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: ما اسْتيسَر من الهَدْي: البَدَنةُ، والبقَرةُ (^٣).
قال أبو عُمر: رُوِيَ عن عُمرَ، وابن عبّاس (^٤)، وعليٍّ (^٥)، وغيرِهِم: ما استيسرَ من الهدي: شاةٌ. وعليه العُلماءُ.
وفي هذا الحديثِ مَعانٍ من الفِقهِ:
مِنْها: أنَّهُ جائزٌ للرَّجُلِ أن يَخرُجَ حاجًّا في الطَّريقِ المَخُوفِ، إذا لم يُوقِنْ بالسُّوءِ ورَجا السَّلامةَ، وإن كان معَ ذلك يخافُ ويخشَى، وليسَ ذلك من رُكُوبِ الغررِ.
وجمنْها: إباحَةُ الإهلالِ والدُّخُولِ في الإحرام على هذا الوَجْهِ، فإن سلِمَ ونَجا نفَذَ لوجهِهِ، وإن مُنِعَ وحُصِرَ، كان لهُ حُكمُ المُحصَرِ، على ما سنَّهُ رسُولُ الله -ﷺ- وعمِلَ به حينَ حُصِرَ عامَ الحُديبيةِ.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في المستخرج (٢٨٥٦)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢١٥، من طريق يحيى بن بكير، به.
(٢) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي ٥/ ١٤٠.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٥١٨ (١١٤٣).
(٤) أخرجه مالك في الموطأ أيضًا ١/ ٥١٨ (١١٤١).
(٥) أخرجه مالك في الموطأ أيضًا ١/ ٥١٨ (١١٤٠).
[ ٩ / ٤٥٣ ]
ونحنُ نذكُرُ (^١) هاهُنا من أحكام الإحصارِ بالعدُوِّ وبالمرضِ، وغيرِهِ من الموانِع، ما فيه شِفاءٌ وكِفايةٌ بحولِ الله، فهُو أولَى المواضِع بذِكرِ ذلك من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله، ثُمَّ ننصرِفُ إلى باقي معاني الحديثِ، وتوجيهِها، والقولِ فيها، ولا ننالُ شيئًا من ذلك إلّا بعونِهِ، لا شريكَ لهُ.
فمِنْ ذلك، أنَّ مالكًا والثَّوريَّ وأبا حنيفةَ وأصحابَهُم قالوا: لا ينفعُ المُحرِمَ الاشتِراطُ في الحجِّ إذا خافَ الحصرَ، لمرضٍ أو عدُوٍّ.
قال أبو عُمر: والاشتِراطُ: أن يقولَ إذا أهلَّ في الحالِ (^٢) التي وَصْفنا: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، ومحِلِّي حيثُ حَبَستني من الأرضِ.
قال مالكٌ: والاشْتِراطُ في الحجِّ باطِلٌ، ويمضي على إحرامِهِ حتّى يُتِمَّهُ على سائرِ أحكام المُحصرِ، ولا ينفعُهُ قولُهُ: محِلِّي حيثُ حَبَستني. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، وهُو قولُ إبراهيم النَّخَعيِّ، ومحمدِ بن شِهابِ الزُّهريِّ، وهُو قولُ ابن عُمرَ أيضًا (^٣).
ذكر ابنُ وَهْب، عن يونُسَ. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، جميعًا عن ابن شِهاب، عن سالم، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يُنكِرُ الاشتِراطَ في الحجِّ، ويقولُ: أليسَ حَسْبُكُم سُنَّةَ رسُولِ الله -ﷺ- أنَّهُ لم يشترِطْ؟ فإن حبَسَ أحدَكُم حابِسٌ عن الحجِّ، فليَأْتِ البيتَ فلْيطُفْ به، وبينَ الصفا والمَرْوةِ، ويحلِقْ أو يُقصِّرْ، ثُمَّ قد حلَّ من كلِّ شيءٍ، حتّى يحُجَّ قابِلًا ويُهْدي، أو يصُومَ إن لم يجِد هَدْيًا (^٤).
_________________
(١) في د ٤: "ندخل".
(٢) في د ٤: "الحالة"، وحذف التاء أشيع.
(٣) انظر: الأم ٢/ ١٧٢، ومسائل أحمد وإسحاق ٥/ ٢٠٨٣ (١٣٧١)، والإشراف ٣/ ١٨٧، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ٩٦. وانظر فيها ما بعده.
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ١٦٩، وفي الكبرى ٤/ ٦١ - ٦٢ (٣٧٣٥) من طريق ابن وهب، به. وأخرجه البخاري (١٨١٠)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢٢٣، من طريق يونس، به. وأخرجه أحمد في =
[ ٩ / ٤٥٤ ]
وقال الشّافِعيُّ: لو ثبتَ حديثُ ضُباعَةَ (^١)، يعني: بنتَ الزُّبيرِ بن عبد المطَّلبِ (^٢) لم أعُدَّهُ، وكان محِلُّهُ حيثُ حَبَسهُ الله بلا هَدْي.
واختلفَ أصحابُهُ في هذه المسألةِ إلى اليَوم، فمِنهُم من يقولُ: يَنْفعُهُ الاشتِراطُ، على حَديثِ ضُباعةَ، ومنهُم من يقولُ: الاشْتِراطُ باطِلٌ.
وقال أحمدُ بن حَنْبل وإسحاقُ بن راهُوية وأبو ثَوْرٍ: لا بأسَ أن يَشْترِطَ، ولهُ شَرْطُهُ، على ما رُوي عن النَّبيِّ -ﷺ-، وعن غيرِ واحدٍ من أصحابِهِ.
قال أبو عُمر: رُوي جَوازُ الاشْتِراطِ في الحجِّ: عن عُمرَ، وعليٍّ، وابن مسعُودٍ، وعمّارِ بن ياسِرٍ. وبه قال عَلْقمةُ، وشُرَيح، وعَبِيدةُ، والأسودُ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ، وعَطاءُ بن يسارٍ، وعِكْرِمةُ، وهُو مذهبُ عَطاءِ بن أبي رَباح (^٣). وحُجَّتُهُم في ذلك حديثُ ضُباعةَ.
قال أبو عُمر: حديثُ ضُباعةَ في ذلك، ما أخبَرنيهِ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (^٥):
_________________
(١) = مسنده ٨/ ٤٨٧ (٤٨٨١)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٦٩، وفي الكبرى ٤/ ٦٢ (٣٧٣٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٥/ ١٥٥ (٥٩١٦)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٥٠ (٢٤٩١)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢٢٣، من طريق عبد الرزاق، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٩١ - ٢٩٢ (٧٥٣٣).
(٢) سيأتي مسندًا، ويخرج في موضعه.
(٣) قوله: "يعني بنت الزبير بن عبد المطلب" سقط من د ٤، م.
(٤) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (٤٩٥٠) فما بعد، وسنن البيهقي الكبرى ٥/ ٢٢٢، والمحلى لابن حزم ٧/ ١٣٩، ١٤٠.
(٥) في سننه (١٧٧٦).
(٦) في المسند ٤٤/ ٥٧٨ (٢٧٠٣٠). ومن طريقه أخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ٣٣١ (١١٩٠٩)، و٢٤/ ٣٣٣ (٨٢٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٩/ ٢٤٤. وأخرجه الترمذي (٩٤١)، وابن الجارود في المنتقى (٤١٩)، وأبو يعلى (٢٤٨٠)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٢٢) ٢٤٣١)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢٢٢، من طريق عباد بن العوام، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وانظر: المسند الجامع ٩/ ٣٥ (٦٢٣١).
[ ٩ / ٤٥٥ ]
حدَّثنا عبّادُ بن العوّام، عن هِلالِ بن خبّابِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ ضُباعَةَ بنتَ الزُّبيرِ بن عبدِ المُطَّلِبِ أتَتْ رسُولَ الله -ﷺ- فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي أُريدُ الحجَّ أأشترِطُ؟ قال: "نعم"، قالت: وكيفَ أقولُ؟ قال: "قُولي: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، ومحِلِّي من الأرْضِ حيثُ حَبَسْتني".
قال أبو عُمر: الإحصارُ عندَ أهلِ العِلم على وُجُوهٍ، مِنْها: الحصرُ بالعدُوِّ، ومنها: بالسُّلطان الجائرِ، ومنها: بالمرَضِ، وشِبهِهِ.
وأصلُ الحَصرِ في اللُّغةِ، الحَبْسُ والمنعُ، قال الخليلُ (^١)، وغيرُهُ: حصرتُ الرَّجُلَ حصرًا: مَنعتَهُ وحبستَهُ، وأُحصِرَ الحاجُّ عن بُلُوغ المناسِكِ من مَرضٍ، أو نحوِهِ. هكذا قال، جَعَل الأوَّلَ ثُلاثيًّا، من حَصرتُ، وجَعل الثّانيَ في المَرضِ رُباعيًّا، وعلى هذا خرجَ قولُ ابن عبّاسٍ: لا حصرَ إلّا حصرُ العَدُوِّ (^٢). ولم يَقُل: لا إحصارَ (^٣) إلّا إحْصارُ العدُوِّ.
وقالت طائفة: يُقالُ: أُحصِرَ فيهما جميعًا، من الرُّباعيِّ.
وقال منهُم جماعةٌ: حُصِرَ، وأُحصِرَ، بمعنًى واحدٍ (^٤) في المرضِ والعدُوِّ جميعًا، ومعناهُ حُبِسَ.
واحتجَّ من قال بهذا من الفُقهاءِ، بقولِ الله ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإنَّما نزلت هذه الآيةُ في الحُدَيبيةِ.
وعلى نحوِ ذلك اختَلَف (^٥) أهل العِلم في أحكام المحبُوسِ بعدُوٍّ، والمحبُوسِ
_________________
(١) انظر: العين ٣/ ١١٣.
(٢) أخرجه الشافعي في مسنده، ص ٣٦٧، وفي الأم ٣/ ١٦٣، ٢١٦، ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٥/ ٢١٩.
(٣) قوله: "لا إحصار" من د ٤، ف ٣.
(٤) هذه الكلمة لم ترد في م.
(٥) هذه الكلمة سقطت من م.
[ ٩ / ٤٥٦ ]
بمَرَضٍ، إلّا أنَّ أكثرَ عُلماءِ اللُّغةِ يقولُونَ في هذا الفِعلِ من العدُوِّ: حَصَرهُ العدُوُّ، فهُو محصورٌ، وأحصَرهُ المرضُ، فهُو محُصرٌ.
وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا المعنى، فقال مالكٌ (^١) والشّافِعيُّ (^٢) وأصحابُهُما: كلُّهُمُ اتَّفقُوا على أنَّ من أحصَرهُ المرضُ، فلا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ، ومن حُصِرَ بعدُوٍّ، فإنَّهُ يَنْحرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُصرَ، ويتَحلَّلُ وينصرِفُ، ولا قَضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ صرُورةً (^٣) فيحُجَّ (^٤) حجَّةَ الفَريضةِ. ولا خِلافَ بين الشّافِعيِّ ومالكٍ في شيءٍ من ذلك.
واحتجَّ مالكٌ بأنَّ رسُولَ الله -ﷺ- لم يأمُر أحدًا من أصحابِهِ عامَ الحُديبيةِ بقَضاءِ العُمرةِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ.
وقال ابنُ وَهْب وغيرُهُ، عن مالك (^٥): من أُحصِرَ بعدُوٍّ، وحِيلَ بينهُ وبينَ البيتِ، حلَّ من كلِّ شيءٍ، ونحَرَ هَدْيهُ، وحلقَ رأسَهُ حَيْثُ حُبِسَ، وليسَ عليه قَضاءٌ، إلّا أن يكونَ لم يحُجَّ حجَّةً (^٦) قطُّ، فعليه أن يحُجَّ حجَّةَ الإسلام.
قال: وأمّا من أُحصِرَ بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يحِلُّ دُونَ البيت (^٧).
قال: وكذلكَ كلُّ من حُبسَ عن الحجِّ بعدما يُحرِمُ، إمّا بمَرضٍ، أو خطأ من العَددِ، أو خَفِيَ عليه الهِلالُ، فهُو محُصَرٌ، عليه ما على المُحصرِ، وكذلك من أصابَهُ كسرٌ، أو بطنٌ مُنْخَرِقٌ (^٨).
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٣٩٨.
(٢) انظر: الأم ٢/ ١٧٤، ١٧٨.
(٣) الصرورة: الذي لم يحج. انظر: لسان العرب ٤/ ٤٥٣.
(٤) في م: "فحج".
(٥) انظر: الموطأ ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤ (١٠٤٠).
(٦) المصدر لم يرد في د ٤.
(٧) انظر: المدونة ١/ ٣٩٧.
(٨) في م: "متحرق". ومنخرق البطن، من أصابه الإسهال. انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض ١/ ٨٧.
[ ٩ / ٤٥٧ ]
وقال مالكٌ: أهلُ مكَّةَ في ذلك، كأهلِ الآفاقِ؛ لأنَّ الإحصارَ عندَهُ في المكِّيِّ (^١): الحَبْسُ عن عَرَفةَ خاصَّةً.
قال: فإن احتاجَ المُحصَرُ بمرضٍ إلى دواءٍ، تَداوى به وافتَدَى، ويبقَى على إحْرامِهِ لا يحِلُّ من شيءٍ منهُ حتّى يبرَأ من مَرضِهِ، فإذا بَرِئَ من مَرضِهِ، مَضَى إلى البيتِ فطافَ به سبعًا، وسَعَى بين الصَّفا والمروةِ، وحلَّ من حَجِّهِ، أو من عُمْرتِهِ.
قال أبو عُمر: وهذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ (^٢) أيضًا.
قال مالكٌ (^٣): وقد أمرَ عُمرُ بن الخطّابِ أبا أيُّوبَ الأنصاريَّ وهبّارَ بن الأسودِ حينَ فاتهُما الحجُّ، وأتيا يومَ النَّحرِ، أن يحِلّا بعُمرةٍ، ثُمَّ يَرْجِعانِ حَلالينِ، ثُمَّ يحُجّان عامًا قابِلًا، ويُهْديانِ.
قال مالكٌ: فمن لم يجِد هَدْيًا، فصيامُ ثلاثةِ أيام في الحجِّ، وسَبْعةٍ إذا رجعَ إلى أهلِهِ.
قال مالكٌ (^٤): وبَلَغني أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- حلَّ هُو وأصْحابُهُ بالحُديبيةِ، فنَحَرُوا الهَدْيَ، وحَلقُوا رُءُوَسهُم، وحَلُّوا من كلِّ شيءٍ قبلَ أن يطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يصِلَ إليه الهديُ. قال: ثُمَّ لم يُعْلَمْ (^٥) أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أمرَ أحدًا من أصْحابِهِ، ولا مِمَّن كان معَهُ، أن يقضُوا شيئًا، ولا يعُودُوا لشيءٍ.
قال مالكٌ (^٦): وعلى هذا الأمرُ عندَنا فيمن أُحصِرَ بعدُوٍّ، كما أُحصِرَ النَّبيُّ -ﷺ- وأصحابُهُ، فأمّا من أُحصِر بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يحِلُّ دُونَ البيتِ.
_________________
(١) شبه الجملة "في المكي" لم يرد في د ٤.
(٢) انظر: الأم ٢/ ١٧٤، ١٧٨.
(٣) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧ (١٠٤٩).
(٤) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٨٤ (١٠٤١).
(٥) في م: "نعلم".
(٦) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٨٥ (١٠٤٣).
[ ٩ / ٤٥٨ ]
قال أبو عُمر: بمِثلِ هذا كلِّهِ قال الشّافِعيُّ أيضًا، ذهَبا جميعًا فيمَنْ حَصَرهُ (^١) العَدُوُّ إلى قِصَّةِ الحُدَيبيةِ، وأنَّ النَّبيَّ -ﷺ- نحَرَ الهَدْيَ في مَكانِهِ الذي أُحصِرَ فيه، وحلَ ورجَعَ.
وذهَبا في المُحصَرِ (^٢) بمَرَضٍ، إلى ما رُوي عن عُمرَ، وابن عبّاسٍ، وعائشةَ، وابن عُمرَ، وابن الزُّبيرِ، أنَّهُم قالوا في المُحصرِ بمَرضٍ، أو خطأ في العَددِ، أنَّهُ لا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيت (^٣).
وحُكمُ من كانت هذه حالَهُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ، أن يكونَ بالخيارِ إذا خافَ فوتَ (^٤) الوُقُوفِ بعرَفةَ لمرَضه (^٥)، إن شاءَ مَضَى إذا أفاقِ إلى البيتِ، فطافَ به، وتحلَّلَ بعُمرةٍ، وإن شاءَ أقامَ على إحْرامِهِ إلى قابِلٍ، فإن تحلَّل بالطَّوافِ بالبيتِ فعليه دمٌ، ويَقْضي حجَّهُ من قابِل، وإن أقامَ على إحرامِهِ ولم يُواقِعْ شيئًا مِمّا نُهي عنهُ الحجاجُ، فلا هديَ عليه (^٦).
ومن حُجَّتِهِ في ذلك: الإجماعُ من الصَّحابةِ على من أخطَأ العددَ، أنَّهُ هكذا حُكمُهُ، لا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ.
قال مالكٌ (^٧): إذا تحلَّل المريضُ والذي تَفُوتُهُ عَرَفةُ بالطَّوافِ بالبيتِ، فعليهما القَضاءُ وإن كانا مُتطوِّعَينِ، وكذلك المُعتمرُ.
_________________
(١) في ف ٣: " أحصره".
(٢) في م: "الحصر".
(٣) انظر: الموطأ ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦ (١٠٤٤ - ١٠٤٧).
(٤) في د ٤: "فوات" وكلاهما سيّان.
(٥) في م: "لمرض".
(٦) انظر: المدونة ١/ ٤٤١.
(٧) انظر: المدونة ١/ ٤١٧.
[ ٩ / ٤٥٩ ]
والحصرُ عندَ مالكٍ ومن تابَعهُ، إنَّما يكونُ عن عَرَفةَ فقط، فإذا عَلِمَ المُحصَرُ بعدُوٍّ، أو غيرِهِ، أنَّهُ قد فاتَهُ الوُقُوفُ بعرَفةَ في وَقْتٍ (^١)، أوِ انكشَفَ لهُ العدُوُّ في زَمَن لا يَصِلُ فيه إلى البيتِ إلّا بعدَ فَوْتِ عَرَفةَ، أو غلبَ ذلك على ظنِّهِ، تحلَّل مكانَهُ، وانصرفَ (^٢).
وأمّا من وقَفَ بعرَفةَ، وصُدَّ عن مَكَّةَ، فهُو على إحْرامِهِ، حتّى ينكشفَ (^٣) العدُوُّ، ثُمَّ يطُوفُ ويُتِمُّ حجَّهُ، فرضًا كان أو تطوُّعًا، وإن خافَ طُولَ الزَّمانِ انصرفَ إلى بَلدِهِ، فمَتَى أمكَنهُ الرُّجُوعُ إلى البيتِ عادَ، فإن كان مسَّ النِّساءَ، دخلَ محُرِمًا، وطافَ وأهدى، وإن لم يَمسَّ النِّساءَ، ولا الصَّيدَ، طافَ وتمَّ حجُّهُ.
وكان ابنُ القاسم يقولُ: ليس على من صُدَّ عن البيتِ في حج، أو عُمرةٍ هديٌ، إلّا أن يكونَ ساقَهُ معهُ. وهُو قولُ مالكٍ.
وقال أشهبُ: عليه الهديُ إذا صُدَّ عن البيتِ بعدَ أن أحرمَ، لا بُدَّ لهُ منهُ، ينحر كما نحرَ رسُولُ الله -ﷺ- الهديَ بالحُديبيةِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ.
ومِن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهبَ مالكٍ، وابن القاسم في ذلك: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- إنَّما نحَرَ يومَ الحُدَيبيةِ هديًا قد كان أشعَرهُ وقلَّدهُ، حينَ أحرمَ بعُمرتِهِ، فلمّا لم يبلُغْ ذلك الهديُ محِلَّهُ للصَّدِّ، أمرَ به رسُولُ الله -ﷺ- فنُحِرَ؛ لأنَّهُ كان هديًا قد وجَبَ بالإشعارِ والتَّقليدِ وخرجَ لله، فلم يجُزِ الرُّجُوعُ فيه، ولم يَنْحرهُ رسُولُ الله -ﷺ- من أجلِ الصَّدِ (^٤)، فلهذا لا يجِبُ عندَهُ على من صُدَّ عن البيتِ هَدْيٌ.
_________________
(١) في د ٤: "وقته".
(٢) انظر: المدونة ١/ ٣٩٨.
(٣) في م: "ينكف".
(٤) في م: "الصيد".
[ ٩ / ٤٦٠ ]
وقال الشّافِعيُّ (^١): لو أُحصِرَ مُوسِرٌ لا يجِدُ هَدْيًا مكانَهُ، أو مُعسِرٌ بهديٍ، ففيها قولانِ، أحدُهُما: لا يحِلُّ إلّا بهديٍ، والآخرُ: أنَّهُ مأمُورٌ بأن يأتيَ بما يَقدِرُ عليه، فإن لم يَقْدِر على شيءٍ، خرجَ مِمّا عليه، وكان عليه أن يأتي به (^٢) إذا قدرَ عليه، ومن قال هذا قال (^٣): يحِلُّ مكانَهُ، ويذبحُ إذا قدرَ، فإن قدرَ على أن يكون الذَّبحُ بمكَّةَ، لم يجزئه أن يذبحَ إلّا بها، وإن لم يقدِرْ، ذبَحَ حيثُ قدر.
قال الشّافِعيُّ: ويُقالُ: لا يُجزِئُهُ إلّا هديٌ، ويُقالُ: يُجزِئُهُ إذا لم يجِد هديًا، طعامٌ، أو صيامٌ، فإن لم يجِدِ الطَّعام، كان كمَنْ لم يجِد هديًا ولا طعامًا، وإذا قدرَ، أدَّى أيَّ هديٍ كان عليه.
فهذا يُبيِّنُ لك أنًّ الهَدْيَ عندَ الشّافِعيِّ على المُحصَرِ واجِبٌ لإحلالِهِ، وبه قال أشْهَبُ، وعليه أكثرُ العُلماءِ.
والحُجَّةُ في ذلك أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- لم يحِلَّ يومَ الحُديبيةِ، ولم يحلِقْ رأسَهُ حتّى نحَرَ الهَدْي، فدلَّ ذلك على أنَّ مِن شَرْطِ إحْلالِ المُحصَرِ بعدُوٍّ: ذبْحَ هَدْيٍ متى وجدهُ وقدرَ عليه، والكلامُ في هذه المسألةِ يطُولُ، وفيما ذكَرْنا كِفايةٌ.
وأمّا من أُحصِرَ بغيرِ عدُوٍّ من مَوانِع الأمراضِ وشِبْهِها، فحُكمُهُ عندَ أهلِ الحِجازِ في ذلك ما قد رَوَى مالكٌ (^٤)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن ابن عُمرَ، قال: من حُبِسَ دُونَ البيتِ بمرَضٍ، فإنَّهُ لا يحِلُّ حتّى يَطُوفَ بالبيتِ، ويسعَى بين الصَّفا والمروةِ. فإن اضطُرَّ إلى شيءٍ من لُبسِ الثِّيابِ التي لا بُدَّ لهُ منها، أو إلى الدَّواءِ صنعَ ذلك وافتَدَى.
_________________
(١) انظر: الأم ٢/ ١٧٥.
(٢) هذا الحرف سقط من الأصل، د ٤، م.
(٣) زاد هنا في الأصل، م: "لا". انظر: مصدر التخريج.
(٤) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٨٦ (١٠٤٧).
[ ٩ / ٤٦١ ]
ومالكٌ (^١)، عن أيُّوبَ بن أبي تمَيمةَ، عن رَجُلٍ من أهْلِ البَصْرةِ كان قَدِيمًا قال: خَرجتُ إلى مكَّةَ، حتّى إذا كُنتُ ببعضِ الطَّريقِ، كُسِرت فَخِذي، فأرسلتُ إلى مكَّةَ، وبِها عبدُ الله بن عبّاسٍ، وعبدُ الله بن الزُّبير (^٢) والنّاسُ، فلم يُرخِّصْ لي أحدٌ في أن أحِلَّ، فأقَمْتُ على ذلك الماءِ سبعَةَ أشهُرٍ، ثُمَّ حَلَلتُ بعُمرةٍ.
ومالكٌ (^٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ: أنَّ ابنَ حُزابةَ (^٤) المخزُوميَّ صُرِع ببعضِ طريقِ مكَّةَ وهُو محُرِم بالحجِّ، فسألَ على الماءِ الذي كان عليه، فوَجَدَ عليه عبدَ الله بنَ عُمرَ وعبدَ الله بن الزُّبيرِ ومروانَ بن الحَكَم، فذكَرَ لهمُ الذي عرضَ لهُ، فكلُّهُم أمرَهُ أن يتَداوى بما لا بُدَّ منهُ ويَفْتدي، فإذا صحَّ، اعتمَرَ فحلَّ من إحرامِهِ، ثُمَّ عليه أن يحُجَّ قابِلًا ويُهدي.
قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا فيمَنْ حُبِس بغيرِ عدُوٍّ.
قال مالكٌ: والمُحصَرُ الذي أرادَ اللهُ ﷿ بقولِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] هُو: المريضُ.
قال: وإنَّما جَعلنا للمُحصَرِ (^٥) بالعدُوِّ أن يحِلَّ بالسُّنَّةِ، وذلكَ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- حَصرَهُ العدُوُّ فحلَّ.
قال مالكٌ: ولم نَجْعل لهُ الإحلالَ بالكِتابِ، وإنَّما جعلَناهُ بالسُّنَّةِ في ذلك. ذكر ذلك أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن مالكٍ، وهُو قولُ الشّافِعيِّ.
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦ (١٠٤٦).
(٢) هكذا في النسخ وفي مطبوعات الموطأ: "بن عمر"، لكن سيأتي أن الرجل وجد عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم.
(٣) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٨٦ (١٠٤٨).
(٤) في د ٤: "خزامة". انظر: الموطأ، وهو سعيد بن حزابة المخزومي.
(٥) في د ٤: "المحصر"، وما هنا من بقية النسخ.
[ ٩ / ٤٦٢ ]
وذكر مالكٌ (^١)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، قِصَّةَ أبي أيُّوبَ، إذ فاتَهُ الحجُّ. وذكَرَ (^٢) عن نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ، قِصَّةَ هبّارِ بن الأسودِ، إذ فاتَهُ الحجُّ أيضًا، فأمَرَ (^٣) عُمرُ بن الخطّابِ كلَّ واحدٍ منهُما أن يحِلَّ بعمَلِ عُمق، ثُمَّ يحُجَّ من قابِلٍ ويُهدي، فمن لم يجِدْ صامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ.
وهذا أمرٌ مجُتَمَعٌ عليه فيمَنْ فاتهُ الحجُّ، بعدَ أن أحرمَ به، ولم يُدرِك عَرَفةَ، إلّا يومَ النَّحرِ.
والمُحصَرُ عن عَرَفةَ بمرضٍ عندَ مالكٍ والشّافِعيِّ: كذلك. وهُو قولُ الأوزاعيِّ؛ ذكرهُ الوليدُ بن مَزْيَدٍ (^٤) عنهُ، قال: من أُحصِرَ بمرضٍ، فلا يحِلُّ من شيءٍ حتّى يحِلَّ بالبيتِ.
حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٥): أخبرني عليُّ بن ميمُونٍ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ السَّخْتيانيِّ وأيُّوبَ بن موسى وإسماعيلَ بن أُميَّةَ وعُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، قال: خرجَ عبدُ الله بن عُمر، فلمّا أتَى ذا الحُلَيفةِ أهَلَّ بالعُمْرةِ، فسارَ قليلًا، فخَشِيَ أن يُصدَّ عن البيتِ، فقال: إن صُدِدتُ، صَنعتُ كما صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ-. قال: والله ما سَبيلُ الحجِّ، إلّا سبيلُ العُمرةِ، أُشهِدُكُم أنِّي قَدْ أوجَبتُ مع عُمرتي
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ١/ ٥١٥ (١١٣٣).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٥١٦ (١١٣٤).
(٣) في الأصل، م: "فأمرهما"، وقد كتب ناسخ د ٤: "فأمرهما" ثم ضرب على ضمير التثنية، لقوله بعد: "كلّ واحد منهما".
(٤) في د ٤: "يزيد"، وهو تحريف.
(٥) أخرجه في الكبرى ٤/ ١٢٢ (٣٩٠٠)، وهو في المجتبى ٥/ ٢٢٦. وأخرجه الحميدي (٦٧٨)، وأحمد في مسنده ٨/ ٢٠٠ (٤٥٩٥)، وابن خزيمة (٢٧٤٣) من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى وحده، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٨٧ - ٢٨٨ (٧٥٣٠).
[ ٩ / ٤٦٣ ]
حجًّا. فسارَ حتّى أتَى قُدَيْدًا، فاشْتَرى منها هديًا، ثُمَّ قدِمَ مكَّةَ فطافَ بالبيتِ سَبْعًا، وبين الصفا والمروةِ، وقال: هكذا رأيتُ رسُولَ الله -ﷺ- فعَلَ.
وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^١): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: سمِعتُ عُبيدَ الله بن عُمرَ وعبدَ العزيزِ بن أبي رَوّادٍ، يُحدِّثانِ عن نافع، قال: خرَجَ ابنُ عُمرَ يُريدُ الحجَّ، زمانَ نزَلَ الحجّاجُ بابنِ الزُّبيرِ، فقيل لهُ: إن كان بَيْنهُما قِتالٌ، خِفْنا أن نُصدَّ عن (^٢) البيتِ، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إذَنْ أصنَعَ كما صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ-، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجَبْتُ عُمرةً. حتّى إذا كان بظهرِ البَيْداءِ، قال: ما شأنُ الحجِّ والعُمْرةِ إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجتُ حَجًّا مع عُمرةٍ. وأهْدَى هديًا اشْتَراهُ بقُدَيدٍ. فانطلقَ، فقدِمَ مَكَّةَ فطافَ بالبيتِ، وبالصَّفا والمَرْوةِ، ولم يزِدْ على ذلك، لم يحلِقْ، ولم يُقصِّرْ، ولم يحللْ من شيءٍ كان أحرَمَ منهُ، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحَرَ وحلَقَ، ورأى أنْ قد قَضَى طَوافَهُ للحَجِّ والعُمرةِ، بطوافِهِ الأوَّلِ، وقال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ-.
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ أرادَ أن يحُجَّ عامَ نزلَ الحجّاجُ بابن الزُّبيرِ، فقيل لهُ: إنَّ النّاسَ كائنٌ بينهُم شيءٌ، وإنّا نخافُ أن يصدُّونا، فقال: إذَنْ نَصْنَعُ كما صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ-، أُشهِدُكُم أنِّي قد
_________________
(١) في السنن الكبرى ٤/ ١٢٢ - ١٢٣ (٣٩٠١). وأخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٤٤٩ (٦٣٩١)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٣٥٤، من طريق عبد الرزاق، به.
(٢) في م: "من".
[ ٩ / ٤٦٤ ]
أوجَبتُ حجًّا مع عُمْرتي. قال: فانطلَقَ يُهِلُّ بهما جميعًا، حتّى قدِمَ مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ولم يزِدْ على ذلك، ولم ينحَرْ، ولم يحلق (^١)، ولم يُقصِّر، ولم يحِلَّ من شَيءٍ حرَّمَهُ اللهُ عليه، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحرَ، وحلَقَ، ورأى أنَّهُ قَدْ قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمرةِ بطَوافِهِ ذلك الأوَّلِ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ- (^٢).
فعلى هذا، وعلى ما ذكَرْنا عن الصحابةِ في هذا البابِ (^٣) من الآثارِ، مذهبُ الحِجازِّيينَ في الإحصارِ.
وذكَرْنا هاهُنا رِوايةَ السَّختيانيِّ، وأيُّوب بن موسى، وإسماعيل بن أُميَّةَ، وعُبيدِ الله بن عُمر، وعبدِ العزيزِ بن أبي روّادٍ، وموسى بن عُقبةَ، عن نافع لهذا الحديثِ؛ لأنَّ في رِوايةِ جَميعِهِم فيه -عن نافع، عن ابن عُمرَ-: أنَّهُ طافَ بالبيتِ، وسَعَى بين الصَّفا والمروةِ وهُو قارِنٌ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ-.
وليسَ ذلك في رِواية مالكٍ، عن نافع، وهي زيادةُ قوم حُفّاظٍ ثِقاتٍ، وفيها حُجَّة قاطِعة لمالكٍ ومن تابَعهُ، في القارِنِ أنَّهُ لا يطُوفُ إلّا طوافًا واحدًا، ولا يَسْعَى إلّا سعيًا واحدًا، وسَنذكُرُ هذه المسألةَ في مَوْضِعِها من هذا البابِ إن شاءَ الله.
وقال أبو حَنيفةَ: المُحصَرُ بالعدُوِّ والمرَضِ سواءٌ، يَذْبحُ هديَهُ في الحَرم، ويحِلُّ قبلَ (^٤) يوم النَّحرِ إن ساق هديًا، وعليه حجَّة وعُمرةٌ (^٥). وهُو قولُ الطَّبريِّ.
_________________
(١) قوله: "ولم يحلق" سقط من م.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٥١، ١٩٧، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٩٣ (٢٥٩١) من طريق عبد العزيز بن محمد، به. وأخرجه البخاري (١٧٠٨)، وابن خزيمة (٢٧٤٦) من طريق موسى بن عقبة، به.
(٣) في د ٤: "الكتاب".
(٤) في د ٤: "مثل".
(٥) انظر: اختلاف العلماء لمحمد بن نصر، ص ٨٤ - ٨٥.
[ ٩ / ٤٦٥ ]
وقال أبو يوسُف ومحمدٌ: ليسَ ذلك لهُ، ولا يتحلَّلُ دُونَ يوم النَّحرِ. وهُو قولُ الثَّوريِّ، والحسن بن صالح.
واتَّفق أبو حنيفةَ وأصحابُهُ في المُحصَرِ بعُمرةٍ: أنّهُ يتَحلَّلُ منها مَتَى شاءَ، ويَنْحرُ هَدْيَهُ، سواءٌ بَقِيَ الإحصارُ إلى يوم النَّحرِ، أو زالَ عنهُ. هكذا روى محمدٌ، عن أبي يوسُفَ، عن أبي حَنِيفةَ.
ورَوَى زُفَرُ، عن أبي حَنِيفةَ: أنَّهُ إن بَقِيَ الإحْصارُ إلى يوم النَّحرِ، أجزَأ ذلك عنهُ، وكان عليه قَضاءُ حَجَّةٍ وعُمرةٍ، وإنْ صَحَّ قبلَ فَوْتِ الحجِّ لم يُجزِئهُ ذلك، وكان مُحرِمًا بالحجِّ على حالِهِ. قال: ولو صَحَّ في العُمرةِ بعدَ أن بعثَ بالهَدْي، فإن قدرَ على إدراكِ الهَدْيِ قبلَ أن يذبَحَ، مضَى حتّى يقضيَ عُمرتَهُ، فإن لم يقدِرْ، حلَّ إذا نُحِرَ عنهُ الهَدْيُ.
وقال لسُفيانُ الثَّوريُّ: إذا أُحصِرَ المُحرِمُ بالحجِّ، بعثَ بهديِ فنُحِر عنهُ يوم النَّحرِ، وإن نُحِرَ قبلَ ذلك لم يُجزِئه (^١).
وجُملةُ قولِ أصحابِ الرَّأيِ، أنَّهُ إذا أُحصِرَ الرَّجُلُ، بعَثَ بهديِهِ، وواعدَ المبعُوثَ معَهُ يومًا يَذبَحُ فيه، إذا كان ذلك اليومُ، حلقَ -عندَ أبي يوسُف- أو قَصَّر، وحلَّ ورجعَ، فإن كان مُهِلًّا بحَجٍّ، قفَى حجَّةً وعُمرةً؛ لأنَّ إحرامهُ بالحجِّ صارَ عُمرةً، وإن كان قارِنًا، قَضَى حجَّةً وعُمْرتينِ، وإن كان مُهِلًّا بعُمرةٍ، قَضَى عُمرةً، وسواءٌ عندَهُمُ المُحصَرُ بالعدُوِّ، والمرَض (^٢).
وذكَرَ الجُوزْجانيُّ (^٣)، عن محمدِ بن الحسنِ، قال: قال أبو حنيفةَ، وأبو
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٣٤٢.
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٢٤٦، والمبسوط للسرخسي ٤/ ١٠٨.
(٣) في م: "الجوزاني"، محرّف، وهو: إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، أبو إسحاق الجُوزجاني. تهذيب الكمال ٢/ ٢٤٥.
[ ٩ / ٤٦٦ ]
يوسُف، ومحمدٌ: من أهلَّ بحَجٍّ فأُحصِرَ، فعليه أن يبعثَ بثَمَنِ هَدْيٍ، فيُشتَرى لهُ بمكَّةَ، فيُذبحُ عنهُ يومَ النَّحرِ ويحِلُّ وعليه عُمْرةٌ وحجَّةٌ، وليسَ عليه تَقْصيرٌ في قولِ أبي حَنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ التَّقصيرَ نُسُكٌ، وليسَ عليه من النُّسُكِ شيءٌ.
وقال أبو يوسُف: يُقصِّرُ، وإن لم يَفْعل، فلا شيءَ عليه. وقالوا: إذا بعثَ بالهديِ، فإن شاءَ أقامَ مَكانهُ، وإن شاءَ انصرفَ، وإن كان مُهِلًّا بعُمرةٍ، بعثَ فاشتُري لهُ الهديُ، ويُواعِدُهُم يومًا، فإذا كان ذلك اليومُ حلَّ، وكانت عليه عُمْرةٌ مكانَها.
وقالوا: إذا كان المُحصرُ قارِنًا، فإنَّهُ يَبْعثُ فيُشتَرى لهُ هديانِ فيُنحرانِ، ويحِلُّ، وعليه عُمرتانِ وحجَّة، فإن شاءَ قَضَى العُمْرتين مُتفرِّقتينِ، والحَجَّةَ بعدَ ذلك، وإن شاءَ ضمَّ إحْدَى العُمرتين إلى الحَجَّةِ.
ورُوي (^١) عن ابن مَسعُودٍ وعَلْقمةَ نحوُ قولِ أبي حَنيفةَ، فيمَنْ أُحصِرَ بمَرضٍ في الحجِّ والعُمرةِ سواءٌ، على اختِلافٍ عنهُما في ذلك أيضًا، وهُو قولُ الحَكَم، وحمّادٍ، وإبراهيمَ، وجماعةٍ من الكُوفيِّين (^٢).
وقال أبو ثَوْرٍ، فيمَنْ أُحصِرَ بعدُوٍّ، مِثلَ قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ سواءً، وقال في المُحصَرِ بالكسرِ، أوِ المرضِ، أوِ العرَج: إنَّهُ يَحِلُّ في الموضِع الذي عرضَ لهُ ذلك فيه، ولا هَدْيَ عليه، وعليه القَضاءُ.
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من أوجَبَ القَضاءَ على المُحصرِ بعدُوٍّ: ما أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٣): حدَّثنا
_________________
(١) هذه الفقرة والتي تليها وردتا في د ٤ بعد قول أبي عمر.
(٢) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١٤٠٥٣) و(١٤٠٥٧)، والمحلى لابن حزم ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٣) أخرجه في سننه (١٨٦٤). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦، من طريق النفيلي، به. وابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع. وانظر: المسند الجامع ٩/ ١٢٧ - ١٢٨ (٦٣٨٥).
[ ٩ / ٤٦٧ ]
النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عَمرِو بن ميمُونٍ، قال: سمِعتُ أبا حاضِرٍ الحِمْيريَّ (^١) يُحدِّثُ، أنَّ (^٢) ميمُونَ بن مِهرانَ قال: خَرَجتُ مُعتمِرًا عامَ حاصرَ أهلُ الشّام ابن الزُّبيرِ بمَكَّةَ، وبعَثَ معي رِجالٌ من قومي بهديٍ، فلمّا انتهَيتُ إلى أهلِ الشّام، مَنعُونا أن ندخُلَ الحرمَ، فنَحَرتُ الهدي مكاني، ثُمَّ حَلَلتُ، ثُمَّ رَجعتُ، فلمّا كان من العام المُقبِلِ، خَرَجتُ لأقْضِيَ عُمرتي، فأتَيتُ ابن عبّاسٍ فسألتُهُ، فقال: أبدِلِ الهديَ، فإنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أمرَ أصحابَهُ أن يُبدِلُوا الهديَ الذي نَحرُوا عامَ الحُدَيبيةِ في عُمْرةِ القَضاءِ.
وأمّا الحُجَّةُ لأبي ثَوْرٍ، ومن ذهَبَ مَذْهبَهُ، في المُحصَرِ بمرَضٍ يحِلُّ في مَوْضِعِهِ، ولا هديَ عليه، وعليه القَضاءُ؛ فما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (^٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن حجّاج الصَّوّافِ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: سمِعتُ الحجّاجَ بن عَمرٍو الأنصاريَّ، قال: قال رَسُولُ الله -ﷺ-:
_________________
(١) في د ٤، م: "الحميدي"، محرّف، وهو: عثمان بن حاضر الحميري، أبو حاضر القاص. تهذيب الكمال ١٩/ ٣٤٩.
(٢) كذا في النسخ، وفي مصادر التخريج: "يحدث أبي". فعلى حسب ما في النسخ يكون صاحبَ القصة، وراويَ الحديث عن ابن عباس، هو ميمونُ بن مهران، وعلى حسب ما في مصادر التخريج، فهو أبو حاضر الحميري.
(٣) في سننه (١٨٦٢). وأخرجه الطبراني في الكبير ٣/ ٢٥٣ (٣٢١٢) من طريق مسدد، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩ (١٥٧٣)، وابن ماجة (٣٠٧٧)، والنسائي في المجتبى، وفي الكبرى ٤/ ٩٥ (٣٨٣٠) من طريق يحيى بن سعيد، به. وأخرجه الترمذي (٩٤٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٤٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٧٠، ٤٨٢، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٣٥٧، من طريق حجاج الصواف، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٦٥ (٣٢٥٣).
[ ٩ / ٤٦٨ ]
"من كُسِرَ، أو عرِجَ، فقد حلَّ، وعليه الحجُّ من قابِلٍ". قال عِكرِمةُ: فسألتُ ابن عبّاسٍ، وأبا هريرةَ، فقالا: صدَقَ.
وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: أخبرنا محمدُ بن جَرير، قال (^١): حدَّثني يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا (^٢) إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن الحجّاج بن أبي عُثمانَ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كَثيرٍ، قال: حدَّثني عِكْرِمةُ، قال: حدَّثني الحجّاجُ بن عَمرٍو، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله -ﷺ- يقولُ: "من كُسِرَ، أو عرِجَ، فقد حلَّ، وعليه حَجَّةٌ أُخرَى". فحدَّثتُ به ابنَ عبّاسٍ، وأبا هريرةَ، فقالا: صدَقَ.
هكذا رواهُ الحجّاجُ بن أبي عُثمان الصَّوّافُ. ورواهُ مُعاويةُ بن سلّام ومَعْمرٌ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: قال عبدُ الله بن رافِع مولى أُمِّ سلَمةَ: أنا (^٣) سألتُ الحجّاجَ بن عَمرٍو عمَّن حُبِسَ وهُو مُحرِمٌ، فقال: قال رسُولُ الله -ﷺ-، فذكَر الحديثَ مِثلَهُ سواءً. قال: فحدَّثتُ بذلك ابنَ عبّاسٍ وأبا هريرةَ، فقالا: صدقَ (^٤).
ورواهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عن عبدِ الله بن رافع (^٥)، عن الحجّاج بن عَمرٍو، عن النَّبيِّ -ﷺ- مثلهُ بمعناه إلى آخِرِهِ، من قولِ ابن عبّاسٍ، وأبي هريرةَ: صدَقَ (^٦).
_________________
(١) في تفسيره ٣/ ١٥٢ (٣٣٢١). وأخرجه أحمد في مسنده ٢٤/ ٥٠٨، ٥٠٩ (١٥٧٣١)، وابن ماجة (٣٠٧٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٥٥) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، به.
(٢) لفظ التحديث سقط من د ٤.
(٣) في د ٤: "أنها".
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٤٩، وفي شرح مشكل الآثار ٢/ ٧٦ (٦١٧) من طريق معاوية بن سلام، به.
(٥) في م: "نافع". تهذيب الكمال ١٤/ ٤٨٥.
(٦) أخرجه أبو داود (١٨٦٣)، والترمذي بإثر رقم (٩٤٠ م ٢)، وابن ماجة (٣٠٧٨) من طريق عبد الرزاق، به. وقال الترمذي: سمعت محمدًا (يعني البخاري) يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح.
[ ٩ / ٤٦٩ ]
فهذه حُجَّةُ أبي ثورٍ، ومن ذهبَ مذهبَهُ، في أنَّ المُحرِمَ إذا حبَسهُ المرضُ والكسرُ (^١)، عن البَيتِ: حلَّ، ولا شيءَ عليه من هَدْي، ولا غير إلى القضاءِ في العام المُقبِل.
ومِن الحُجَّةِ عليه لسائرِ العُلماءِ، الذين أوجَبُوا عليه الهديَ، ولم يُجيزُوا لهُ أن يحِلَّ ويحلِقَ حتّى ينحَرَ الهَدْيَ: القياسُ على حصرِ العدُوِّ؛ لأنَّهُ كلَّهُ مَنْعٌ عن الوُصُولِ إلى البيتِ (^٢)، لقولِ الله ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦]، فلمّا أمرَ اللهُ المُحصَرَ بأنْ لا يحلِقَ رأسَهُ، حتّى يبلُغَ الهديُ محِلَّهُ، عُلِي بذلكَ أنَّهُ لا يحِلُّ المُحصَرُ من إحرامِهِ، إلّا إذا حلَّ لهُ حَلْقُ رأسِهِ، ولا يحِلّ لهُ ذلك، حتّى ينحَرَ الهدي.
واستدلُّوا بفِعلِ رسُولِ الله -ﷺ- يومَ الحُديبيةِ، أنَّهُ لم يحلِقْ رأسَهُ حتّى نحرَ، ولم يحِلَّ حتّى نحَرَ الهَدْي.
أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوب بن بادِي، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بن بُكيرٍ، قال: حدَّثني ميمُونُ بن يحيى، عن مَخْرمةَ بن بُكَيرٍ، عن أبيهِ، قال: سمِعتُ نافعًا مولى ابن عُمرَ يقولُ: إذا عرَضَ للمُحرِم عدُوٌّ، فإنَّهُ يحِلُّ حينئذٍ، وقد فعلَ ذلك رسُولُ الله -ﷺ-، حَبَسهُ كُفّارُ قُريشٍ في عُمْرِة عن البيتِ، فنحَرَ هديَهُ وحلَقَ وحلَّ هُو وأصحابُهُ، ثُمَّ رَجعُوا حتّى اعْتَمرُوا من العام المُقبِل (^٣).
قالوا: ومَعنَى قولِ رسُولِ الله -ﷺ- في حَديثِ الحجّاج بن عَمرٍو: "من كُسِرَ، أو عرِجَ فقد حلَّ"، أي: فقد حلَّ لهُ أن يحِلَّ بما يحِلُّ به المُحصَرُ، من
_________________
(١) في م: "أو الكسر".
(٢) عبارة د ٤: "حصر العدو والامتناع عن الدخول إلى البيت".
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٩، من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، به.
[ ٩ / ٤٧٠ ]
النَّحرِ أوِ الذَّبح، لا أنَّهُ قد حلَّ بذلكَ من إحرامِهِ. قالوا: وإنَّما هذا مِثلُ قولِهِم: قد حلَّت فُلانةُ للرِّجالِ: إذا انقضت عِدَّتُها، والمعنى في ذلك أنَّها تحِلُّ لهم بما يجِبُ أن تحِلَّ به من الصَّداقِ وغير من شُرُوطِ النِّكاح.
قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ فيمَنْ كُسِرَ، أو عرِجَ، أنَّهُ يحِلُّ، ولكِن اختَلفُوا فيما به يحِلُّ، فقول مالك: إنَّهُ يحِلُّ بالطَّوافِ بالبيتِ، لا يحِلُّهُ غيرُهُ (^١).
ومن خالَفَ مالكًا في ذلك من الكُوفيِّينَ، يقولُ: يحِلُّ بالنِّيَّةَ، وفِعلِ ما يُتحلَّلُ به. على ما وَصَفنا عنهُم، وأبو ثورٍ يقولُ بظاهِرِ حديثِ الحجّاج بن عَمرٍو (^٢)، على ما ذَكَرنا عنهُ، ولم يَقُل أحدٌ: إنه بنَفسِ الكَسْرِ يكونُ حلالًا، غيرُ أبي ثورٍ، وتابَعهُ داودُ، وبعضُ أصحابِهِ.
قمال أبو عُمر: من زعمَ أنَّ على المُحصرِ بعُمْرةٍ قَضاءَ عُمرتِهِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ، بعدُوٍّ كان حصرهُ، أو بغيرِ عدُوٍّ، زعمَ أنَّ اعتِمارَ رسُولِ الله -ﷺ- وأصحابِهِ في العام المُقبِلِ من عام الحُديبيةِ، إنَّما كان قَضاءً لتلكَ العُمرةِ. قالوا: ولذلكَ قيلَ (^٣) لها: عُمرةُ القَضاءِ. واسْتَدلُّوا بقولِهِ -ﷺ-: "من كُسِرَ، أو عرِج فقد حلَّ، وعليه حجَّةٌ أُخرَى، أو عُمرةٌ أُخرَى".
ومن زعَمَ أنَّ المُحصَرَ بعدُوٍّ، يَنْحرُ هديَهُ، ويحلِقُ رأسَهُ، وقد حَلَّ بفِعلِهِ ذلك من كلِّ شيءٍ، ولا شيءَ عليه، احتجَّ بأنَّ رسُولَ الله -ﷺ- لم يَقُل لأحدٍ منهُم: عليكُم قَضاءُ هذه العُمرةِ، ولا حُفِظَ ذلك عنهُ بوَجهٍ من الوُجُوهِ، ولا قال في العام المُقبِلِ: إنَّ عُمْرتي هذه قَضاءٌ عن العُمرةِ التي حُصِرتُ فيها، ولم يَقُل ذلك عنهُ أحدٌ. قالوا: والعُمرةُ المُسمّاةُ بعُمْرةِ القَضاءِ، هي عُمرةُ القَضيَّةِ عندَنا.
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٣٩٧.
(٢) عبارة د ٤: "بظاهر الحديث" حسبُ.
(٣) في الأصل، د ٤، م: "ما قيل"، والمثبت من بقية النسخ.
[ ٩ / ٤٧١ ]
قالوا: وعُمرةُ القَضاءِ وعُمرةُ القَضيَّةِ سواءٌ، وإنَّما قيل ذلك، لأنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قاضَى قُرَيشًا وصالحهُم في ذلك العام على الرُّجُوع عن البيتِ، وقَصدِهِ من قابِلٍ إن شاءَ، فسُمِّيت بذلك عُمرةَ القَضيَّةِ.
قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا قد قيلَ فيما وصفنا، وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في وُجُوبِ القَضاءِ على (^١) المُحصَرِ بعدُوٍّ على حسَبِ ما قدَّمنا في هذا البابِ واجْتَلَبنا، ومِن جِهَةِ النَّظرِ: إيجابُ القَضاء (^٢) إيجابُ فَرْضٍ، والفُرُوضُ لا تجِبُ أن تَثبُت إلّا بدليل (^٣) لا مُعارِضَ لهُ، وبالله التَّوفيقُ.
أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا النُّفيليُّ وقُتيبةُ، قالا: حدَّثنا داودُ بن عبدِ الرَّحمن العطّارُ، عن
_________________
(١) في م: "عن".
(٢) في م: "قضاء".
(٣) عبارة د ٤: "والفرض لا يجب أن يثبت إلا بدليل".
(٤) أخرجه في سننه (١٩٩٣). وأخرجه الترمذي (٨١٦) من طريق النفيلي، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٨٧، و٥/ ١١١ (٢٢١١، ٢٩٥٤)، وابن ماجة (٣٠٠٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٩ - ١٥٠، وابن حبان ٩/ ٢٦٢ (٣٩٤٦)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٤٦ (١١٦٢٩)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٠، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٢، من طريق داود بن عبد الرحمن العطار، به. وانظر: المسند الجامع ٩/ ١٢١ - ١٢٢ (٦٣٧٨). وقد اقتصر الترمذي على تحسينه لأنه معلول، فقد رواه من حديث عكرمة مرسلًا (٨١٦ م)، ونقل البيهقي ٥/ ١٣ عن أبي الحسن علي بن عبد العزيز أنه قال: "ليس أحد يقول في هذا الحديث: عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن"، ثم نقل قول البخاري في داود هذا فقال: "يهم في الشيء". وقال الدوري عن ابن معين ٢/ ٢١٦: "سفيان بن عيينة أحب إليَّ في عمرو بن دينار من داود العطار" وكذا قال في رواية ابن الجنيد عن ابن معين، وقال: "أثبت" بدلًا من "أحب". وممن أخرج هذا الحديث مرسلًا ابن سعد ٢/ ١٧٠ من طريق أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، ولم يذكر عمرة الحج. وأخرجه مرسلًا عن سعيد بن جبير أيضًا.
[ ٩ / ٤٧٢ ]
عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: اعتمَرَ رسُولُ الله -ﷺ- أربعَ عُمَرٍ: عُمْرةَ الحُديبيةِ، والثّانيةَ حيثُ تَواطؤوا على عُمْرةِ قابِلٍ، والثّالثةَ من الجِعرانةِ، والرّابعةَ التي قرَنَ مع حَجَّتِهِ.
قال أبو عُمر: ليس في قولِهِ: "حيثُ تواطؤوا على عُمرةِ قابِلٍ" دليلٌ على أنَّها على جِهَةِ القَضاءِ، وحسبُكَ أنَّهُ قد جعَلَ عُمرةَ الحُديبيةِ -وهي التي حُصِرَ عنها رسُولُ الله -ﷺ--عُمْرةً من عُمَرِهِ، وقد أجمَعُوا على أنَّ تلكَ عُمرَةٌ من عُمَرِهِ، وإنَّما اختلفُوا في العُمرةِ الرّابعةِ، فمن زعَمَ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- كان مُفرِدًا، يقولُ: لم يَعْتمِرْ رسُولُ الله -ﷺ- إلّا ثلاثَ عُمَرٍ: عُمْرةَ الحُدَيبيةِ، والعُمْرةَ من قابِل، وعُمْرةَ الجِعِرّانةِ. وهُو مذهَبُ مالكٍ، وعُرْوةَ بن الزُّبيرِ، وجَماعةٍ، وسنَذكُرُ الآثارَ في ذلك، في بابِ هشام بن عُروةَ، وفي بابِ بلاغ مالكٍ إن شاءَ الله.
ومن زعَمَ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- تمتَّعَ في حَجَّةِ الوداع بالعُمرةِ إلى الحجِّ، أو قرَنَ الحجَّ مع العُمْرةِ، زعمَ أنَّ عُمَرَهُ كانت أربعًا -ﷺ-.
وقد ذكَرْنا ما اعتلَّ به من جِهَةِ الأثرِ من قال: إنَّهُ كان مُفْرِدًا، وما اعتلَّ به من قال: إنَّهُ تمتَّعَ، ومن قال: إنَّهُ قرَنَ. كلُّ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
واختلَفَ الفُقهاءُ في المُحصرِ بعدُوٍّ، أينَ ينحرُ هَدْيَهُ؟ فقال مالكٌ (^١): يَنْحرُ هديَهُ حيثُ حُصِرَ في الحَرَم، وغيرِهِ. وبذلك قال الشّافِعيُّ (^٢). وقال أبو حَنيفةَ (^٣): لا يَنْحر إلّا في الحَرَم. وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ مجُوَّدةً، في بابِ أبي الزُّبيرِ.
_________________
(١) انظر: المدونة ٤/ ٤٣٩.
(٢) انظر: الأم ٢/ ١٧٣.
(٣) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٢/ ٤٦٢.
[ ٩ / ٤٧٣ ]
وكذلكَ اختَلفُوا في وُجُوبِ الحِلاقِ على المُحصَرِ. وسَنذكُرُ ذلك في البابِ الذي بعدَ هذا.
وأمّا قولُ ابن عُمرَ في حديثِ هذا البابِ: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوْجَبتُ الحجَّ مع العُمرةِ، ففيه دليل على أنَّ الحجَّ يَنْعقِدُ بالنِّيَّةِ، وأنَّ العِبارةَ عن تلكَ النِّيَّةِ تكونُ بالتَّلبيةِ، وبغيرِ التَّلبيةِ. وقد تقدَّم هذا المعنى مجُوَّدًا في حديثِ نافع والحمدُ لله.
وفيه: إدخالُ الحجِّ على العُمْرةِ، وذلكَ بيِّن عنهُ (^١) في الأحاديثِ المذكُورةِ في هذا البابِ، من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ، عن نافع، عنهُ.
ولا خِلافَ بين العُلماءِ، في أنَّ للمُحرم بالعُمْرةِ إدخالَ الحجِّ على العُمرةِ، ما لم يَبْتدِئ الطَّوافَ بالبيتِ لعُمْرَتِهِ، هذا إذا كان ذلك في أشْهُرِ الحجِّ. على أنَّ جَماعةً منهُم، وهُم أكثرُ أهلِ الحِجازِ، يَسْتحِبُّونَ أن لا يُدخِلَ المُحرِمُ الحَجَّ على العُمرةِ حتّى يَفْرُغَ من عَملِها ويَفْصِلَ بينَها وبينَ العُمرةِ، ولهذا اسْتَحبُّوا العُمرةَ في غيرِ أشهُر الحجِّ.
وروى مالكٌ (^٢)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: افْصِلُوا بين حجِّكُم وعُمْرتِكُم، فإنَّ ذلك أتمُّ لحجِّ أحَدِكُم، وأتمُّ لعُمرتِهِ أن يعتمِرَ في غيرِ أشهُرِ الحجِّ.
قال أبو عُمر: هذا إفراطٌ من عُمرَ ﵀ في اسْتِحبابِ الإفْرادِ في الحجِّ، ولذلكَ قال هذا القولَ -واللهُ أعلمُ- لئلّا يَتَمتَّعَ أحدٌ بالعُمرة إلى الحجِّ، ولا يجمعَ بَيْنهُما، ويُفرِدَ كلَّ واحدٍ منهُما، فإنَّ ذلك أتمُّ لهما عندَهُ، ولا نعلمُ أحدًا من أهلِ العِلم
_________________
(١) شبه الجملة "عنه" لم يرد في د ٤.
(٢) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦ (٩٨٩).
[ ٩ / ٤٧٤ ]
كَرِهَ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ غيرَ عُمرَ ﵁، وقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- لم تكُن عُمَرُهُ كلُّها إلّا في شوّالٍ، وقيل: في ذي القَعْدةِ، وهُما جميعًا من أشهُرِ الحجِّ.
وستأتي الآثارُ في عُمَرِهِ -ﷺ-، في بابِ هشام بن عُروةَ إن شاءَ الله.
قال أبو عُمر: العُلماءُ مُجمِعُونَ، على أنَّهُ إذا أدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ في أشْهُرِ الحجِّ، على ما وصَفْنا قبلَ الطَّوافِ بالبيتِ، أنَّهُ جائزٌ لهُ ذلك، ويكونُ قارِنًا بذلك (^١)، يلزمُهُ ما يلزمُ الذي أنشَأَ الحجَّ والعُمرةَ معًا.
وقالت طائفةٌ من أصحابِ مالكٍ: إنَّ لهُ أن يُدخِلَ الحجَّ على العُمرةِ وإن كان قد طافَ، ما لم يَرْكعْ رَكْعتيِ الطَّوافِ.
وقال بعضُهُم: ذلك لهُ بعد الطَّوافِ، ما لم يُكمِلِ السَّعيَ بين الصَّفا والمروةِ (^٢).
وقال أشهبُ: من (^٣) طافَ لعُمرتِهِ، ولو شَوْطًا واحدًا، لم يكُن لهُ إدخالُ الحجِّ عليها (^٤)، وهذا هُو الصَّوابُ إن شاءَ الله.
فإن فعلَ وأدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ بعدَ ذلك، فقدِ اختَلفُوا فيما يَلْزمُ من ذلك:
فقال مالكٌ: من أدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ، بعدَ أن يَفْتتِحَ الطَّوافَ، لزِمهُ ذلك وصارَ قارِنًا (^٥).
ورُوي مِثلُ ذلك عن أبي حَنِيفةَ، والمشهُورُ عنهُ: أنَّهُ لا يجُوزُ إلّا قبلَ الأخذِ في الطَّوافِ، على ما قدَّمنا.
_________________
(١) في د ٤: "ولذلك".
(٢) زاد هنا في م من ظا: "وهذا كله شُذوذٌ عند أهلِ العلم"، ولم يرد في النسخ الأخرى.
(٣) في د ٤، ف ٣: "متى".
(٤) التفريع في فقه الإمام مالك لابن الجلاب ١/ ٢١٧.
(٥) انظر: المدونة ١/ ٤١٦.
[ ٩ / ٤٧٥ ]
وقال الشّافِعيُّ (^١): لا يكونُ قارِنًا. وذكَرَ أنَّ ذلك قولُ عطاءٍ، وبه قال أبو ثَوْرٍ، وغيرُهُ.
واختَلفُوا في إدخالِ العُمْرةِ على الحجِّ (^٢).
فقال مالكٌ: يُضافُ الحجُّ إلى العُمرةِ، ولا تُضافُ العُمرةُ إلى الحجِّ، فإن أهلَّ أحدٌ بالحجِّ، ثُمَّ أضافَ العُمرةَ إليه، فلَيْستِ العُمرةُ بشيءٍ، ولا يَلْزمُهُ شيءٌ.
وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، وهُو المشهُورُ عنهُ، قالهُ بمِصرَ. قال: من أهَلَّ بالحجِّ، لم يُدخِلِ العُمرةَ على الحجِّ، حتّى يُكمِلَ عمَلَ الحجِّ، وهُو آخِرُ أيام التَّشريقِ، إن أقامَ إلى آخِرِها، وإنْ نفرَ النَّفرَ الأوَّل، واعتمرَ يومئذٍ، لَزِمتهُ العُمرةُ؛ لأنَّهُ لم يبقَ عليه للحجِّ عَملٌ. قال: ولو أخَّرهُ كان أحبَّ إليَّ. قال: ولو أهلَّ بعُمْرةٍ من يوم النَّفرِ الأوَّلِ، كان إهلالُهُ باطِلًا؛ لأنَّهُ مَعكُوفٌ على عَملٍ من عملِ (^٣) الحجِّ، ولا يخرُجُ منهُ إلّا بإكمالِهِ، والخُرُوج منهُ.
وقال ببغدادَ: إذا بَدَأ فأهلَّ بالحجِّ، فقد قال بعضُ أصحابِنا: لا يُدخِلُ العُمرةَ على الحجِّ. قال: والقياسُ أنَّ أحدَهُما إذا جازَ أن يدخُل على الآخَرِ، فهُما سَواءٌ.
قال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: من أهلَّ بحجَّةٍ، ثُمَّ أضافَ إلى الحجِّ عُمرةً، فهُو قارِنٌ، ويكونُ عليه ما على القارِن. قالوا: ولو طافَ لحجَّتِهِ شوطًا، ثُمَّ أهلَّ بعُمرةٍ لم يكُن قارِنًا (^٤)؛ لأَنَّهُ قد عمِلَ في الحجِّ. قالوا: فإن كان إهلالُهُ بعُمرةٍ فطافَ لها شوطًا،
_________________
(١) انظر: الأم ٢/ ١٥٥.
(٢) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٢/ ٥٣١، والمدونة ١/ ٤٠٠ وما بعدها، ومسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، ص ٢١٩، وأحكام القرآن للجصاص ٢/ ٨١، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٠١، ١٤٦. وانظر فيها ما بعده.
(٣) "عمل" لم ترد في الأصل.
(٤) زاد هنا في م: "ولم يلزمه".
[ ٩ / ٤٧٦ ]
ثُمَّ أهلَّ بحجَّةٍ لزِمتهُ، وكان قارِنًا إذا طافَ لعُمرتِهِ في أشْهُرِ الحجِّ. قالوا: والفرقُ بينهُما، أنَّ الحجَّ يدخُلُ على العُمرةِ، ولا تدخُلُ العُمرةُ على الحجِّ. قالوا: وإن أهلَّ بعُمرةٍ، وقد طافَ للحجِّ، فإنَّهُ يرفُضُها (^١)، وعليه لرَفْضِها دمٌ، وعُمرةٌ مكانَها.
وقال الأوزاعيُّ: لا بأسَ أن يُضيفَ العُمرةَ إلى الحجِّ بعدَما يُهِلُّ بالحجِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أحرمَ بحجَّةٍ، فليسَ لهُ أن يُضيفَ إليها عُمرةً، ولا يُدخِلَ إحرامًا على إحرام، كما لا يُدخِلُ صَلاةً على صَلاة.
قال أبو عُمر: قولُ أبي ثَوْرٍ: لا يَدْخُلُ إحرامٌ على إحْرام، كما لا تَدْخُلُ صَلاةٌ على صَلاةٍ (^٢)، يَنْفي دُخُولَ الحجِّ على العُمرةِ، وهذا شُذُوذٌ، وفِعلُ ابن عُمرَ في إدخالِهِ الحجَّ على العُمْرةِ، ومعَهُ على ذلك جُمهُورُ العُلماءِ، خير من قولِ أبي ثَوْرٍ الذي لا أصلَ لهُ إلّا القياسُ الفاسِدُ في هذا الموضِع، والله المُستعانُ.
ومِن هذا البابِ اختِلافُهُم فيمَنْ أهلَّ بحجَّتينِ، أو (^٣) بعُمْرَتينِ، أو أدخلَ حَجَّةً على حجَّةٍ، أو عُمْرةً على عُمرِة.
فقال مالكٌ: الإحرامُ بحجَّتينِ أو عُمْرتين لا يجُوزُ، ولا يلزمُهُ إلّا واحدةٌ. وبذلك قال الشّافِعيُّ، ومحمدُ بن الحسنِ (^٤).
قال الشّافِعيُّ: وكذلكَ لو أحرمَ بحجٍّ، ثُمَّ أدخلَ عليه حجًّا آخرَ قبلَ أن يُكمِلَ، فهُو مُهِلٌّ بحجٍّ واحدٍ، ولا شيءَ عليه في الثّاني، من فِديةٍ، ولا قضاءٍ، ولا غيرِهِ (^٥).
_________________
(١) الرَّفضُ: التَّرك. انظر: لسان العرب ٧/ ١٥٦.
(٢) في ظا، م: "لا يدخل إحرامًا على إحرام، كما لا يدخل صلاةً على صلاة"، والمثبت من الأصل.
(٣) قوله: "بحجتين أو" لم يرد في د ٤.
(٤) انظر: التفريع في فقه الإمام مالك لابن الجلاب ١/ ٢١٦، والكافي في فقه أهل المدينة للمؤلف، ص ١٥٠.
(٥) انظر: الأم ٢/ ١٤٨.
[ ٩ / ٤٧٧ ]
وقال أبو حنيفةَ: تَلزمُهُ الحجَّتانِ، ويصيرُ رافِضًا لإحداهما حينَ يتوجَّهُ إلى مكَّةَ (^١).
وقال أبو يوسُف: تلزمُهُ الحجَّتانِ، ويصيرُ رافِضًا ساعتَئذٍ.
وذكر الجُوزجانيُّ (^٢)، عن محمدٍ، قال: وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسُف ومحمدٌ: من أهلَّ بحجَّتين معًا أو أكثرَ، فإنَّهُ إذا تَوَجَّه إلى مكَّةَ، وأخذَ في العَملِ، فهُو رافِضٌ لها كلِّها إلّا واحدةً، وعليه لكلِّ حَجَّةٍ رفَضَها دمٌ وحجَّة وعُمرةٌ.
وأمّا قولُهُ في حديثِ ابن عُمر: ثُمَّ نفَذَ حتّى جاءَ البيتَ، فطافَ به طَوافًا واحدًا، ورأى أنَّ ذلك مجُزِئٌ عنهُ، وأهْدَى. ففيه حُجَّة لمالكٍ في قولِهِ: إنَّ طوافَ الدُّخُولِ إذا وصلَ بالسَّعيِ، يُجزِئُ عن طَوافِ الإفاضَةِ لمن تَرَكهُ جاهِلًا، أو نَسِيهُ ولم يَذْكُرْهُ حتّى رجَعَ إلى بلد، وعليه الهديُ. ولا أعلمُ أحدًا قالهُ غيرَهُ، وغيرَ أصحابِهِ، واللهُ أعلمُ.
وفي رِوايةِ موسى بن عُقبةَ (^٣)، وعُبيدِ الله بن عُمرَ، في حديثِ هذا البابِ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قولُهُ: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، وانطلقَ يُهِلُّ بهما جَميعًا حتّى قدِمَ مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ولم يزِدْ على ذلك، ولم يحلِقْ ولم يُقصِّرْ، ولم يحِلَّ، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحَرَ وحلقَ، ورأى أنْ قد قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمْرةِ بطوافِهِ ذلك الأوَّلِ. فهذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ الطَّوافَ في الحجِّ واحدٌ واجِبٌ للقارِنِ وغَيرِهِ، وأنَّ من اقتَصرَ عليه، لم يُسقِط فرضًا.
_________________
(١) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٢/ ٥٢٨، والإشراف لابن المنذر ٣/ ١٩٩، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٦٥. وانظر فيها ما بعده.
(٢) في م: "الجوزاني"، محرَّف، وقد سلف التنبيه عليه.
(٣) سلف مسندًا من روايته، وكذا ما بعده، وانظر تخريجه في موضعه.
[ ٩ / ٤٧٨ ]
ولمّا أجمعُوا أنَّ من لم يَطُفْ للدُّخُولِ، وطافَ للإفاضَةِ وسَعَى، أنَّهُ يُجزِئُهُ الدَّمُ، كان -بذلكَ معَ فِعْلِ ابن عُمرَ هذا- معلُومًا أنَّ فرضَ الحجِّ طوافٌ واحدٌ، ويُعتَبرُ هذا بالمكِّيِّ أنَّهُ ليسَ عليه إلّا طَوافٌ واحدٌ، وينُوبُ أيضًا عندَ مالكٍ وأصحابِهِ في الحجِّ الطَّوافُ التَّطوُّعُ عن الواجِبِ؛ لأَنَّهُ عملٌ يُعمَلُ في زَمنٍ واحدٍ.
وأمّا سائرُ الفُقهاءِ فطَوافُ الإفاضَةِ يومَ النَّحرِ واجِبٌ عندَهُم فرضًا، لقولِ الله ﷿: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فلم يُوجِبِ الطَّوافَ إلّا بعدَ قَضاءِ التَّفَث، وذلكَ إنَّما يَتِمُّ برَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ. وقد قال في الشَّعائرِ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فجَعَلهُ بعدَها.
قالوا: وأمّا طوافُ الدُّخُولِ، فسُنَّةٌ ساقِطةٌ عن المكِّيِّ والمُراهِقِ، كسُقُوطِ طَوافِ الوَداع عن الحائضِ.
وفي هذا الحديثِ أيضًا حُجَّة لمالكٍ ومن قال بقولِهِ -في القارِنِ-: أنَّهُ يُجزِئُهُ طَوافٌ واحدٌ لحجِّهِ وعُمرتِهِ. وهذا موضِع اختلَفَ فيه العُلماءُ قديمًا وحديثًا، وقد ذكَرْناهُ في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، ونُعيدُ منهُ هاهُنا طَرَفًا كافيًا بعونِ الله.
قال مالكٌ (^١): من أهلَّ بحجَّةٍ وعُمْرةٍ، أو أدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ، طافَ لهما طوافًا واحدًا بالبيتِ (^٢)، وسَعَى لهما بينَ الصَّفا والمروةِ سعيًا واحدًا.
وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ.
والحُجَّةُ لمن ذهَبَ هذا المذهبَ، حديثُ مالك (^٣)، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ الحديثَ، قالت: وأمّا الذينَ أهلُّوا بالحجِّ، أو جَمعُوا الحجَّ،
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٤٢١.
(٢) قوله: "بالبيت، وسعى لهما بين الصفا والمروة سعيًا واحدًا" سقط كلّه من د ٤، قفز نظر.
(٣) أخرجه في الموطأ ١/ ٥٤٨ (١٢٢٨).
[ ٩ / ٤٧٩ ]
والعُمْرةَ، فإنَّما طافُوا طَوافًا واحدًا. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، والحمدُ لله.
وما حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^١): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن حجّاج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قرَنَ بين الحجِّ والعُمْرةِ، وطافَ لهما طَوافًا واحدًا.
ورَوَى رباحُ بن أبي مَعرُوفٍ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ: أنَّ أصحابَ النَّبيِّ -ﷺ- لم يزيدُوا على طَوافٍ واحد (^٢).
وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٣): أخبرنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ بن موسى، عن نافع: أنَ ابنَ عُمرَ قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ثُمَّ قال: هكذا رأيتُ رسُولَ الله -ﷺ- يفعلُ. وقد تَقدَّم في هذا البابِ حديثُ ابن عُمرَ هذا من طُرُقٍ.
_________________
(١) أخرجه في المصنَّف (١٤٥٠١) و(١٤٥٢٩). وأخرجه الترمذي (٩٤٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٠٤، من طريق أبي معاوية، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٢/ ٣٠٦ (١٤٤١٤)، ومسلم (١٢١٥)، وأبو داود (١٨٩٥)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢٤٤، وفي الكبرى ٤/ ١٤٥ (٣٩٦٦)، وأبو يعلى (٢٠١٢)، وابن الجارود في المنتقى (٤٥٩)، وأبو عوانة (٣٣١٥)، وابن حبان ٩/ ٢٢٣ (٣٩١٤) من طريق أبي الزبير، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٥٥ - ٥٦ (٢٤٣٢).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٠٤، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٩٧ (٢٦٠١) من طريق رباح بن أبي معروف، به.
(٣) أخرجه في المجتبى ٥/ ٢٢٥، وفي الكبرى ٤/ ١٢٢ (٣٨٩٩). وأخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٢٠٠ (٤٥٩٥)، وابن خزيمة (٢٧٤٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٩٧، من طريق سفيان، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٨٧ - ٢٨٩ (٧٥٣٠).
[ ٩ / ٤٨٠ ]
ورَوَى الدَّراوَرْديُّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قال: "من قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، كفاهُ لهما طوافٌ واحدٌ، وسَعْيٌ واحدٌ، ثُمَّ لا يحِلُّ حتّى يحِلَّ منهُما جميعًا" (^١).
ورَوَى يحيى بن يمانٍ، عن سُفيانَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -ﷺ- مِثلَهُ بمَعناهُ (^٢).
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٣): حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ المُؤَذِّنُ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (^٤)، عن ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيح، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال لها: "طَوافُكِ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمَرْوةِ، يَكْفيكِ لحجِّكِ وعُمرتِكِ".
قال أبو عُمر: هذا قولُ ابن عُمرَ، وابن عبّاسٍ، وجابرٍ، وعائشةَ.
وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن حيٍّ، والأوزاعيُّ: على القارِنِ طوافانِ وسَعْيانِ (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٢٥٢ (٥٣٥٠)، وابن ماجة (٢٩٧٥)، والترمذي (٩٤٨)، وابن الجارود في المنتقى (٤٦٠)، وابن خزيمة (٢٧٤٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٩٧، وابن حبان ٩/ ٢٢٣ (٣٩١٥)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٩٤ (٢٥٩٢)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٠٧، من طريق الدراوردي، به. قلت: والصحيح في هذا الحديث الوقف، قال الترمذي: وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر، ولم يرفعوه، وهو أصح. وسيأتي نقد المؤلف له.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٢٣، ٢٤ (٤٩٦٤)، والطبراني في الأوسط ٣/ ٣٧٤ (٣٤٣٧)، وفي الصغير ١/ ٢٢٥ (٣٦١)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٩٥ (٢٥٩٥) من طريق يحيى بن يمان، به.
(٣) في سننه (١٨٩٧).
(٤) في مسنده، ص ١١٣، وفي الأم ٢/ ١٤٦. ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٥/ ١٠٦، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٩/ ١٥٧، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٠٠، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٧٣، من طريق ابن عيينة، به. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ٦١٨ (١٦٤٩٨).
(٥) انظر: المحلى لابن حزم ٧/ ٢٤٩.
[ ٩ / ٤٨١ ]
ومِن حُجَّتِهِم أنْ قالوا في حديثِ عائشةَ، وقولِها فيه: وأمّا الذين جَمعُوا الحجَّ والعُمْرةَ، فإنَّما طافُوا لهما طوافًا واحدًا. قالوا: أرادت جمعَ مُتعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ. تعني أنَّهُم طافُوا طوافًا واحدًا بعد جَمعِهِم بين الحجِّ والعُمرةِ التي قد كانوا طافُوا لها: لأنَّ حَجَّتَهُم تلكَ كانت مكِّيَّةً، والحَجَّةُ المكِّيَّةُ لا يُطافُ لها قبلَ عرفةَ، وإنَّما يُطافُ لها بعدَ عرَفةَ طوافًا واحدًا.
واحتجُّوا بما ذكَرهُ أبو داود، قال (^١): حدَّثنا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أصحابَ النَّبيِّ -ﷺ- الذينَ كانوا معَهُ لم يطُوفُوا حتّى رَموُا الجَمْرةَ.
ودَفعُوا حديثَ أبي مُعاويةَ، عن الحجّاج بن أرطاةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، بأنَّ ابنَ جُرَيج (^٢)، والأوزاعيَّ (^٣)، وعَمرَو بن دينار (^٤)، وقَيْسَ بن سعْد (^٥)، رَوَوْا عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أمرَ أصحابَهُ بفَسْخ الحجِّ في العُمرةِ وهُم على الصَّفا في آخِرِ الطَّوافِ.
_________________
(١) أخرجه في سننه (١٨٩٦).
(٢) أخرجه من طريقه الحميدي (١٢٩٣)، وأحمد في مسنده ٢٢/ ٣٠٠ (١٤٤٠٩)، والبخاري (٢٥٠٦، ٧٣٦٧)، ومسلم (١٢١٦) (١٤١)، وابن ماجة (١٠٧٤)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٥٧، ٢٠٢، وفي الكبرى ٤/ ٧٣ - ٧٤ (٣٧٧٣)، وأبو عوانة (٣٣٢٧)، وابن حبان ٩/ ١٠٠ (٣٧٩١). وانظر: المسند الجامع ٤/ ٤٥، ٦٩ (٢٤٢٠).
(٣) أخرجه من طريقه أبو داود (١٧٨٧)، وابن ماجة (٢٩٨٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٩٢، وابن حبان ٩/ ٢٣٢ (٣٩٢١).
(٤) أخرجه من طريقه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٩١، والطبراني في الكبير ٧/ ١٤٧ (٦٥٧٥).
(٥) أخرجه من طريقه أحمد في مسنده ٢٣/ ١٧٥ (١٤٩٠٠)، وأبو داود (١٧٨٨)، والنسائي في الكبرى ٤/ ٢١٨ (٤١٥٧)، والطحاوفي في/ شرح مشكل الآثار ٦/ ٢٢٥ (٢٤٣٦).
[ ٩ / ٤٨٢ ]
فهذا تمتُّع لا قِرانٌ؛ لأنَّهُم حجُّوا يَومئذٍ بعدَ ذلك، والطَّوافُ للحَجِّ بعد ذلك إنَّما يكون طوافًا واحدًا.
ودَفعُوهُ أيضًا بأنَّ جعفرَ بن محمدٍ رَوَى، عن أبيهِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أفردَ الحجَّ (^١). قالوا: فكيف يُقبَلُ حديثُ حجّاج بن أرطاةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، وطاف لهما طوافًا واحدًا، والحجّاجُ ضعيفٌ عندَهُم ليس بحُجَّةٍ؟
ودفعُوا أيضًا حديثَ الحجّاج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، بأنْ قالوا: رواهُ ابنُ جُرَيج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: لم يَطُفِ النَّبيُّ -ﷺ- أصحابُهُ بينَ الصَّفا والمروةِ إلّا طوافًا واحدًا (^٢). قالوا: وإنَّما معنى هذا، أنَّ السَّعيَ بين الصَّفا والمروةِ لا يُصنَعُ إلّا في طوافِ القُدُوم خاصَّةً مرَّةً واحدةً.
واعتَلُّوا في حديثِ الدَّراوَرْديِّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمر، بأن قالوا: أخطأ فيه الدَّراوَرْديُّ؛ لأنَّ الجماعةَ رَوَوهُ عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قولَهُ، ولم يرفعُوهُ (^٣).
قالوا: وأمّا قولُ ابن عُمرَ حينَ طاف طوافًا واحدًا، وقال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ-، فإنَّهُ أرادَ: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ- في حجَّتِهِ، طوافًا واحدًا بعدَ رُجُوعِهِ من مِنًى، ورَمْي الجَمْرةِ؛ لأنَّهُ كان في حَجَّتِهِ مُتمتِّعًا عندَ ابن عُمرَ،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٩٦٦) من طريق جعفر بن محمد، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٧٢ (٢٤٦٢).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢٢/ ٣٠٦ (١٤٤١٤)، ومسلم (١٢١٥)، وأبو داود (١٨٩٥)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢٤٤، وفي الكبرى ٤/ ٢٢٠ (٤١٦٢)، وأبو يعلى (٢٠١٢)، وابن الجارود في المنتقى (٤٥٩)، وأبو عوانة (٣٣١٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٠٤، وابن حبان ٩/ ٢٢٣ (٣٩١٤)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٩٧ (٢٦٠٢) من طريق ابن جريج، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٥٥ - ٥٦ (٢٤٣٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٥٣٦٣) من طريق ابن نمير. والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٩٧، من طريق هشيم، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، به موقوفًا.
[ ٩ / ٤٨٣ ]
وقد كان طافَ لعُمرتِهِ عندَ الدُّخُولِ، وأمرَ من لم يَكُن معَهُ هدي أن يحِلَّ، ولم يحِلَّ هُو؛ لأنَّهُ (^١) ساقَ الهَدْي.
قالوا: فإن كان ابنُ عُمرَ جعلَ طوافَ القارِنِ، كطوافِ المُتمتِّع، فقد خالَفهُ في ذلك عليٌّ، وابنُ مسعُودٍ.
وذكَرُوا ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سُفيانَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمن بن أُذَينةَ، أنَّهُ سألَ عليًّا عمَّن جمَعَ بينَ الحجِّ والعُمرةِ، فقال: إذا قدِمتَ مكَّةَ فطُفْ طَوافينِ بالبيتِ، وطَوافينِ بينَ الصَّفا والمروةِ، ولا تحِلَّ حتّى تنحَرَ. أو قال: حتّى يوم النَّحر (^٢).
وقد (^٣) ذكَرْنا عليٍّ خبرَ وابن مسعودٍ من طرُقٍ، في بابِ ابن شِهابٍ.
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُم: إنَّ عائشةَ أرادَتْ بقولهِا: وأمّا الذينَ جَمعُوا الحجَّ مع العُمرةِ، فإنَّما طافُوا لهما طَوافًا واحدًا، أرادت: جمعَ مُتْعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ، فدعَوَى لا بُرهانَ عليها.
وظاهِرُ حديثِ عائشةَ وسياقُهُ يدُلُّ على أنَّها أرادتِ الذين قَرنُوا الحجَّ والعُمرةَ؛ لأنَّها فصَلَتْ بالواوِ بينَ من أهلَّ بحجّ (^٤)، وبين من أهلَّ بعُمرهٍ فتمتَّعَ بها. وبين من جمَعَ الحجَّ والعُمرةَ. ثُمَّ قالت: فأمّا الذين أهلُّوا بعُمْرةٍ، فإنَّهُم طافُوا بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ، ثُمَّ حلُّوا، ثُمَّ طافُوا طوافًا آخَرَ بعد أن رَجَعُوا من مِنًى لحَجِّهِم (^٥)، وأمّا الذينَ كانوا أهلُّوا بالحجِّ، أو جَمعُوا الحجَّ والعُمرةَ، فإنَّما
_________________
(١) زاد هنا في م: "كان".
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٠٥.
(٣) من هنا إلى آخر الفقرة لم يرد في د ٤.
(٤) زاد هنا في الأصل: "وعمرة"، ولا مسوغ له.
(٥) في د ٤، م: "بحجهم"، والمثبت من الأصل، وانظر: الموطأ ١/ ٥٤٨ (١٢٢٧).
[ ٩ / ٤٨٤ ]
طافُوا لهما طَوافًا واحدًا. ولم تَقُل: وأمّا الذين أهلُّوا بعُمرةٍ. تعني من تمتَّعَ، فدلَّ على أنَّها أرادت مَن قَرَنَ، واللهُ أعلمُ.
وقد رَفَعَ الإشكالَ في ذلك ما أورَدْنا من الآثارِ عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قرنَ بين الحجِّ والعُمْرةِ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ولم يزِد على ذلك، وقال: هكذا صنَعَ رسولُ الله -ﷺ- (^١).
وليسَ حملُهُم على الدَّراوَرْديِّ بشيءٍ؛ لأنّهُ قد تابَعَ الدَّراوَرْديَّ: يحيى بنُ يَمانٍ، عن الثَّوريِّ، عن عُبيدِ الله، بمعنى رِوايتهِ.
والدَّليلُ على صِحَّةِ ما رواهُ الدَّراوَرْديُّ، أنَّ أيُّوبَ السَّخْتيانيَّ وأيُّوبَ بن موسى وموسى بن عُقْبةَ وإسماعيلَ بن أُميَّةَ روَوْا، عن نافع، عن ابن عُمرَ، معنى ما رواهُ الدَّراوَرْديُّ، وقد ذكَرْنا أحاديثَهُم فيما مَضَى من هذا البابِ.
وأمّا قولُهُم: إنَّ عائشةَ وابنَ عُمرَ أرادا بقولِهِما ذلك، جمعَ مُتعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ، فقد مَضَى القولُ، عن عائشةَ، في ذلك.
وكيفَ يجُوزُ أن يتأوَّلُوا ذلك في حديثِ ابن عُمرَ وهُم يزعُمُونَ أنَّ رسولَ الله -ﷺ- كان قارِنًا، لا مُتمتِّعًا؟
فإن اعتلُّوا بأنَّ حديثَ ابن عُمرَ، في حَجَّةِ رسُولِ الله -ﷺ-، مُختلِفٌ، قد رُوي عنهُ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- تمتَعّ في حَجَّةِ الوداع. رواهُ عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيه (^٢)، ورُوي عنهُ أنَّهُ أهلَّ هُو وأصحابُهُ بالحجِّ؛ رواهُ حُميدٌ، عن بكرٍ المُزنيِّ، عنهُ (^٣).
_________________
(١) سلف تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (٦٢٤٧)، والبخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧)، وأبو داود (١٨٠٥)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٥١، وفي الكبرى ٤/ ٤٥ - ٤٦ (٣٦٩٨)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٧٣، من طريق عقيل، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٨٥ - ٢٨٦ (٧٥٢٩).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٤٣٧، و٩/ ٤٥ (٤٨٢٢، ٤٩٩٦)، والبخاري (٤٣٥٤)، ومسلم (١٢٣٢)، وأبو يعلى (٥٦٩٣) من طريق حميد، به.
[ ٩ / ٤٨٥ ]
قيل لهم: لمّا اضطربتِ الآثارُ عنهُ في ذلك قضَيْنا (^١) برِوايةِ جابر (^٢)، وعائشةَ (^٣) أنَّ رسولَ الله -ﷺ- أفرَدَ الحجَّ، وتركنا ما سوَى ذلك.
فإن ذكرُوا أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ وعبدَ الله بن مسعُودٍ كانا يقولانِ: القارِنُ يطُوفُ طَوافينِ، وَيسْعَى سَعْيين (^٤). قيل لهم (^٥): قد خالَفهُما ابنُ عُمر، وجابرٌ، وابنُ عبّاسٍ، وعائشةُ، فوجبَ النَّظرُ.
فإن ذكَرُوا ما رواهُ الحكمُ، عن ابن أبي ليلى، عن عليٍّ، قال: أهلَّ رسُولُ الله -ﷺ- بعُمْرةٍ وحَجَّةٍ، فطافَ بالبيتِ لعُمرتِهِ، ثُمَّ عادَ فطافَ لحَجَّتِه (^٦) (^٧). قيل لهم: هذا حديثٌ مُنكرٌ، إنَّما رواهُ الحسنُ بن عُمارةَ، عن الحَكَم، فرَفَعهُ. والحسنُ بن عُمارةَ مترُوكُ الحديثِ لا يُحتجُّ بمِثلِهِ.
ومِن جِهَةِ النَظرِ، قد أجمعُوا أنَّ المُحرِمَ إذا قتَلَ الصَّيدَ في الحرَم، لم يجِب عليه إلّا جزاءٌ واحدٌ. وهُو قدِ اجتمَعَ عليه حُرْمتانِ: حُرمةُ الإحرام، وحُرمةُ الحَرَم، فكذلك الطوافُ للقارِنِ.
وكذلك أجمعُوا أنَّ القارِنَ يحِلُّ بحَلْقٍ واحدٍ، فكذلك الطَّوافُ أيضًا قياسًا، والله أعلمُ.
_________________
(١) في م: "قضيا"، ولا يسوغ مع قوله تاليًا: "وتركنا".
(٢) سلف تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٥١ (٩٤٣، ٩٤٤).
(٤) سلف ذكرهما قريبًا.
(٥) في الأصل: "لهما" كأنه سبق قلم.
(٦) في الأصل، م: "بحجته".
(٧) أخرجه العقيلي ١/ ٢٣٨، والدارقطني في سننه ٣/ ٣٠٦ (٢٦٢٩) من طريق الحسن بن عمارة، عن الحسن، به.
[ ٩ / ٤٨٦ ]
وفي قوله (^١): ثم نفَذَ حتى جاء البيتَ، فطاف به طوافًا واحدًا، ورأى أنه مُجزئٌ، دليلٌ واضح على أنّ الحاجَّ قارنًا كان أو غيرَ قارن، ليس عليه إلّا طوافٌ واحد، يقضي به فَرْضَه، فإن شاء جَعَله عندَ الدخول، ووَصَله بالسعي، وإن شاء جَعَله يومَ النحر، ووَصَله أيضًا بالسعي، وأنّ الإتيانَ بالطّوافَيْنِ جميعًا كمال، واتّباعٌ للسُّنّة، لا أنّ في الحجِّ طوافَيْنِ واجبَيْنِ فرضًا.
ويبيِّنُ لك ما قلتُ: ما قد مضَى ذكرُه في هذا الباب، في حديث الدّراوَرْدي، عن ابن عمر: أنه لم يزدْ على ذلك الطواف.
وهذا التوجيهُ يَخرُجُ على مذهب مالك وأكثر أصحابه فيمن لم يطُفْ للإفاضة، يومَ النَّحر، أو طافَه على غير وضوء ثم لم يذكُرْ حتى بَعُد جدًّا، أو بَلَغ بلدَه، أنه يُهدي، ويُجزئُه الطوافُ الأول الموصولُ بالسعي. وقالت طائفةٌ من أصحاب مالك وغيرُهم من الفقهاء: إنه ينصرفُ إليه من بلاده، إلّا أن يكونَ طافَ بعدَ رَمْي جمرة العقَبة تطوعًا، أو وَدَّع البيتَ، فإنه إنْ فَعَل ذلك أجْزأَ عنه، ويستحبُّونَ له معَ ذلك الهَدْيَ، ويُجزئُ عندَهم من عَمَل الحجِّ، التطوّعُ عن الواجب.
وفيما ذكَرْنا في هذا الباب من حُجّة العراقيِّينَ والمدنيِّين ما تقومُ به (^٢) الحُجّةُ لكلا الوجهَيْن، وفي سقوطِ الطواف الواحد عن المكيِّ، ما يشهدُ لما وَجّهناهُ أولًا، وقد يحتجُّ بذلك مَن أوْجَبَ طوافَ الإفاضة دونَ غيرِه. وهذه جملة يأتي بَسْطُها والاحتجاجُ بوجوهِها في غير هذا الموضع إن شاء الله.
قال أبو عُمر: أمّا الأحاديثُ عن النَّبيِّ -ﷺ- في الحجِّ، ففي تهذيبِها وتَلْخيصِها وتمهيدِها ما يحتمِلُ أن يُفرَدَ لها كِتابٌ كبيرٌ لا يُذكَرُ فيه غيرُ ذلك، ولا سبيلَ إلى
_________________
(١) من هنا إلى نهاية الفقرة من د ٤، ولم يرد في الأصل، ولعله سقط منه.
(٢) في د ٤: "منه".
[ ٩ / ٤٨٧ ]
اجْتِلابِها في كِتابِنا هذا، وقد مَضَى من ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، ما فيه هِدايةٌ، وإنَّما الغَرضُ في هذا الكِتابِ أن نذكُرَ ما للعُلماءِ في معنى الحديثِ من الأقوالِ والوُجُوهِ، والأُصُولِ التي بها نَزعُوا، ومنها قالوا، وأمّا الاعتِلالُ، والإدخالُ، والمُدافعاتُ (^١)، فتطويلٌ، وتكثيرٌ، وخُرُوجٌ عن تأليفِنا وشَرْطِنا لو تعرَّضنا لهُ، وبالله التَّوفيقُ، والعِصمةُ والرَّشادُ.
وأمّا قولُهُ في حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ: وأهدى، فإنَّ أهلَ العِلم اختَلَفُوا فيما على القارِنِ من الهديِ، والصيام.
فرُوي عن ابن عُمرَ: أنَّ القارِنَ والمُتمتِّع على كلِّ واحدٍ منهُما هَدْي: بدنةٌ أو بقرةٌ، وكان يقولُ: ما اسْتَيسرَ من الهدي: بدنةٌ، أو بَقَرةٌ (^٢).
وقد رُوي عن عُمرَ (^٣)، وعليٍّ، وابن عبّاسٍ، في قولِهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ، وعليه جُمهُورُ العُلماءِ، وجماعةُ الفُقهاءِ.
وكان مالكٌ يقولُ في القارِنِ: فإن لم يَجِد، صامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ، هُو والمُتمتِّعُ في ذلك سواءٌ (^٤).
وكذلك قال الشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ.
قال الشّافِعيُّ: يُجزِئُ القارِنَ شاةٌ. قياسًا على المُتمتِّع. قال: وهُو أخفُّ شأنًا من المُتمتِّع.
_________________
(١) في م: "المرافعات".
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٥١٨ (١١٤٣).
(٣) سلف تخريجه قريبًا، وكذا ما بعده.
(٤) انظر: المدونة ١/ ٤١٦، ٤٥٥. وانظر أيضا: الأم ٢/ ٢٣٩، ومسائل أحمد وإسحاق ٩/ ٤٨٠٠ (٣٤٩٨)، وشرح مختصر الطحاوي للجصاص ٢/ ٥٠١، ٥٤٥، ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ٢٢١. وانظر فيها ما بعده.
[ ٩ / ٤٨٨ ]
وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسُف ومحمدٌ: تجزئه شاةٌ، والبَقَرةُ أفضلُ. ولا يُجزِئُ عندَهُم إلّا الدَّمُ عن المُعسِرِ وغيرِهِ، ولا مدخلَ عِندهُم للصِّيام في هذا الموضِع، قياسًا على من جاوزَ الميقاتَ غيرَ محُرم، أو تركَ رَمْيَ الجِمارِ حتّى مضت أيامُها.
قال أبو عُمر: هذا بَعِيدٌ من القياسِ، والقِرانُ بالتَّمتُّع أشبَهُ وأوْلَى أن يُقاسَ بعضُها على بعضٍ، وقد نَصَّ اللهُ في المُتمتِّع الصيامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ، إن لم يجِد هديًا، والقارِنُ مِثلُهُ، ولهُ حُكمُهُ، قياسًا ونظرًا، وبالله التَّوفيقُ.
وقال مالكٌ: من حصَرهُ العدُوُّ بمكَّةَ تحلَّل بعمَلِ عُمْرةٍ، إلّا أن يكونَ مكِّيًّا، فيخرُجُ إلى الحِلِّ، ثُمَّ يتحلَّلُ بعُمْرةٍ.
وقال الشّافِعيُّ: الإحصارُ بمَكَّةَ وغيرِها سواءٌ. (^١)
وقال أبو حَنيفةَ: إذا أتَى مكَّةَ مُحرِمًا بالحجِّ، فلا يكونُ محُصرًا.
وقال مالكٌ: من وقفَ بعرَفةَ، فليسَ بمُحصَرٍ، ويُقيمُ على إحْرامِهِ حتّى يطُوفَ بالبيتِ، ويُهدي.
ونحوُ ذلك قولُ أبي حنيفةَ، وهو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، ولهُ قولٌ آخَرُ: أنَّهُ يكونُ محُصرًا. وهُو قولُ الحسنِ.
وقد تَكرَّر هذا المعنَى، ومضى كثيرٌ من معاني هذا البابِ، في بابِ ابن شِهابٍ، والحمدُ لله.
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٩٢. وانظر فيه ما بعده.
[ ٩ / ٤٨٩ ]