حديثٌ سابعُ خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أَنَّهُ قال: نَهَى رسُولُ الله -ﷺ- أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرْضِ العدُوِّ.
قال مالكٌ: أرَى (^٢) ذلك مخافَةَ أن ينالَهُ العدُوُّ.
هكذا قال يحيى، والقَعْنبيُّ (^٣)، وابنُ بُكيرٍ، وأكثرُ الرُّواةِ.
ورواهُ ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، فقال في آخِرِهِ: "خَشْيةَ أن ينالَهُ العدُوُّ" (^٤). قي سياقة الحديثِ، لم يجعلهُ من قولِ مالكٍ. وكذلك قال عُبيدُ الله بن عُمرَ (^٥)، وأيُّوبُ (^٦)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى أن يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ مخافَةَ أن ينالَهُ العدُوُّ.
ورواهُ اللَّيثُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن رسولِ الله -ﷺ-: أنَّهُ كان يَنْهَى أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العدُوِّ، يخافُ (^٧) أن ينالَهُ العدُوُّ (^٨).
_________________
(١) الموطأ ١/ ٥٧٤ (١٢٨٩).
(٢) كذا في النسخ، وفي الموطأ: "وإنما".
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦١٠)، وأبو القاسم الجوهري في مسند الموطأ (٦٧٠) من طريق القعنبي، به.
(٤) أخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٠٦٤)، وأبو عوانة (٧٢٣٩)، وابن أبي داود في المصاحف، ص ١٨١، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥/ ١٦٣ (١٩٠٧) من طريق ابن وهب، به.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٧٢١٧)، وأحمد في مسنده ٩/ ١٥٧ (٥١٧٠)، وأبو عوانة (٣٩٨٠، ٧٢٤٤)، وابن أبي داود في المصاحف، ص ١٨٠، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥/ ١٦٢ (١٩٠٤) من طريق عبيد الله، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٧٢٢ - ٧٢٣ (٨١٣٢)، والمسند المصنف المعلل ١٦/ ٣٠٠ (٧٧١٠).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٩٤١٠)، وأحمد في مسنده ٨/ ٩٩، ١٨٣ (٤٥٠٧، ٤٥٧٦)، ومسلم (١٨٦٩) (٩٤)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ١٠٨، من طريق أيوب، به.
(٧) في ف ٣، د ٤: "ويخاف"، وفي صحيح مسلم: "مخافة".
(٨) أخرجه مسلم (١٨٦٩) (٩٣)، والنسائي في الكبرى ٧/ ٢٧٤ (٨٠٠٦)، وابن ماجة (٢٨٨٠)، وأبو عوانة (٧٢٤١) من طريق الليث، به.
[ ٩ / ٥٠٧ ]
وقال إسماعيلُ بن أُميَّةَ، وليثُ بن أبي سُليم، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-: "لا تُسافِرُوا بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ، فإنِّي أخافُ أن ينالَهُ العدُوُّ" (^١).
وكذلكَ قال شُعبةُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -ﷺ- (^٢). وهُو صحيحٌ مرفُوعٌ.
وأجمَعَ الفُقهاءُ أنْ لا يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ في السَّرايا والعَسْكرِ الصَّغيرِ المَخُوفِ عليه.
واختلفُوا في جَوازِ ذلك في العَسْكرِ الكبيرِ المأمُونِ عليه (^٣).
فقال مالكٌ: لا يُسافَرُ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ. ولم يُفرِّق بين العَسْكرِ الكبيرِ والصَّغيرِ.
وقال أبو حَنيفةَ: يُكرَهُ أن يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ، إلّا في العَسْكرِ العَظيم، فإنَّهُ لا بأسَ بذلك.
واختلفُوا من هذا البابِ في تَعْليم الكافِرِ القُرآنَ.
فمذهبُ أبي حنيفةَ: أنَّهُ لا بأسَ بتعليم الحربيِّ والذِّمِّيِّ القُرآنَ والفِقهَ.
وقال مالكٌ: لا يُعلَّمُوا القُرآنَ، ولا الكِتابَ. وكرِهَ رُقيةَ أهلِ الكِتابِ.
وعن الشّافِعيِّ رِوايتانِ، إحداهُما: الكَراهةُ، والأُخرى: الجَوازُ.
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥/ ١٦٥ (١٩١٠، ١٩١١) من طريق إسماعيل وليث، به. وأخرجه ابن أبي داود في المصاحف، ص ١٨٢، من طريق ليث وحده، به.
(٢) أخرجه أبو عوانة (٣٩٧٦، ٧٢٣٨)، والبغوي في الجعديات (١١٩٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآئار ٥/ ١٦٢ (١٩٠٦)، والخطيب في تاريخ مدينة السلام ٢/ ٢٨٥، من طريق شعبة، به.
(٣) انظر: الإشراف ٤/ ١٤٧، ومختصر اختلاف العلماء ٣/ ٤٣٥، وشرح مختصر الطحاوي ٧/ ١٩٠. وانظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر ٦/ ١٣٤.
[ ٩ / ٥٠٨ ]
قال أبو عُمر: الحُجَّةُ لمن كرِهَ ذلك، قولُ الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقولُ رسُولِ الله -ﷺ-: "لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" (^١).
ومعلُومٌ أنَّ من تَنْزيهِ القُرآنِ وتَعْظيمِهِ، إبعادَهُ عن الأقْذارِ والنَّجاساتِ، وفي كَوْنِهِ عندَ أهلِ الكُفرِ، تعريضٌ لهُ بذلك وإهانةٌ لهُ، وكلُّهُم أنْجاسٌ لا يَغْتسِلُونَ من جنابةٍ، ولا يَعافُونَ مَيْتةً.
وقد كرِهَ مالكٌ وغيرُهُ أن يُعطَى الكافِرُ دِرْهمًا أو دينارًا فيه سُورةٌ أو آيةٌ من كِتابِ الله.
وما أعلمُ في هذا خِلافًا، إذا كانت آيةً تامَّةً، أو سُورةً، وإنَّما اختَلَفُوا في الدِّينارِ والدِّرهم، إذا كان في أحدِهِما اسمٌ من أسماءِ الله، فأمّا الدَّراهِمُ التي كانت على عَهدِ رسُولِ الله -ﷺ-، فلم يكُن عليها قُرآنٌ، ولا اسمُ الله، ولا ذِكرٌ؛ لأنَّها كانت من ضَرْبِ الرُّوم وغيرِهِم من أهلِ الكُفرِ، وإنَّما ضُرِبت دراهِمُ الإسلام في أيام عبدِ الملكِ بن مروان.
وذكَرَ أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن عبدِ الملكِ بن عبدِ العزيزِ الماجِشُونِ: أَنَّهُ سُئلَ عن الرَّجُلِ يَدخُلُ بالمُصْحَفِ أرضَ العدُوِّ، لِما لهُ في ذلك من اسْتِذكارِ القُرآنِ، والتَّعليم، ولما يخشَى أن يطُولَ به السَّفرُ فيَنْسى. فقال عبدُ الملكِ: لا يُدخَلُ أرضُ العدُوِّ بالمصاحِفِ، لِما يُخشَى من التَّعبُّثِ بالقُرآنِ، والامتِهانِ لهُ، مع أنَّهُم أنجاسٌ، ومع ما جاءَ في ذلك من النَّهيِ الذي لا يَنْبغي أن يُتعَدَّى.
فإن قال قائل: أفَيجُوزُ أن يَكتُبَ المُسلِمُ إلى الكافِرِ كِتابًا فيه آيةٌ من كِتابِ الله؟ قيل لهُ: أمّا إذا دُعِيَ إلى الإسلام، أو كانت ضَرُورةٌ إلى ذلك، فلا بأسَ به،
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٧٥ (٥٣٤).
[ ٩ / ٥٠٩ ]
لِما رواهُ الزُّهريُّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عبّاسٍ، قال: أخبرني أبو سُفيان بن حَرْبٍ، فذكَرَ قِصَّةَ هِرَقلَ، وحديثَهُ بطُولِهِ، وفيه قال: فقَرَأ كِتابَ رسُولِ الله -ﷺ-، وإذا فيه: "بِسْم الله الرَّحمن الرَّحيم، من محمدٍ عبدِ الله ورسُولِهِ، إلى هِرَقلَ عَظيم الرُّوم، سلامٌ على من اتَّبعَ الهُدى، أمّا بعدُ: فإنِّي أدعُوكَ بدعايةِ (^١) الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلِمْ يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مرَّتينِ، فإن تَولَّيتَ، فعليكَ إثمُ الأرِيسيِّينَ (^٢)، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ الآيةَ (^٣) (^٤) [آل عمران: ٦٤].
_________________
(١) في الأصل، د ٤: "بدعاء"، والمثبت من بقية النسخ، وهو الذي في البخاري.
(٢) الأريسي: هو الأكار، أو الأجير. وقيل: الأرارسة: الزراعون والفلاحون، واحدهم: أريس، والمراد بهم هنا: الضعفاء والأتباع. انظر: غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٩٩.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١٩٨ (٢٣٧٠)، والبخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣)، والنسائي في الكبرى ١٠/ ٤٣ (١٠٩٩٨)، وأبو عوانة (٦٧٢٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥/ ٢٢٩ (١٩٧٧)، وابن حبان ١٤/ ٤٩٢ (٦٥٥٥)، والطبراني في الكبير ٨/ ١٦ (٧٢٦٩)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ١٧٧، من طريق الزهري، به. والحديث مطول، واقتصر المصنف على ما ذكره. وانظر: المسند الجامع ٧/ ٣٨٠ (٥٢١٢).
(٤) بعد هذا في د ٤: "وصَلّى اللهُ على محمد وآلِه"، ولا تصحّ.
[ ٩ / ٥١٠ ]