حديثٌ ثامِنُ خمسين لنافع، عن ابن عُمر
مالكٌ (^١)، عن نافع: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان إذا سُئلَ عن صَلاةِ الخوفِ قال: يتَقدَّمُ الإمامُ بطائفةٍ من النّاسِ، فيُصلِّي بهم رَكعةً، وتكونُ طائفة منهُم بَيْنهُ وبين العدُوِّ لم يُصلُّوا، فإذا صَلَّى الذين معَهُ ركعةً، اسْتَأخرُوا مكان الذينَ لم يُصلُّوا، ولا يُسلِّمُونَ، ويتقدَّمُ الذين لم يُصلُّوا فيُصلُّونَ معَهُ رَكعةً، ثُمَّ ينصرِفُ الإمامُ وقد صَلَّى رَكعتين، فيقومُ كلُّ واحدٍ من الطّائفتينَ، فيُصلُّونَ لأنفُسِهِم رَكْعةً رَكْعةً بعدَ أن ينصرِفَ الإمامُ، فيكونُ كلُّ واحدٍ من الطّائفتينِ قد صلَّوا رَكْعتينِ، فإن كان خوفًا هُو أشدُّ من ذلك، صلَّوا رِجالًا قيامًا على أقدامِهِم، أو رُكبانًا مُسْتقبِلي القِبلَةِ، أو غيرَ مُسْتقبِليها. قال مالكٌ: قال نافعٌ: لا أرَى ابنَ عُمرَ حدَّثهُ إلّا عن رسُولِ الله -ﷺ-.
هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ، عن نافع، على الشَّكِّ في رَفْعِهِ.
ورواهُ عن نافع جَماعة، ولم يشُكُّوا في رَفْعِهِ، ومِمَّن رواهُ كذلك مرفُوعًا، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ -ﷺ-: ابنُ أبي ذِئبٍ، وموسى بن عُقبةَ، وأيُّوبُ بن موسى (^٢).
وكذلك رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -ﷺ- (^٣). وكذلك رواهُ خالدُ بن مَعْدانَ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ١/ ٢٥٨ (٥٠٥).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٢٩٩ (٦١٥٩)، والطبري في تفسيره ٩/ ١٥٥ (١٠٣٧١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٢، من طريق أيوب بن موسى، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ١٧٩ - ١٨٠ (٧٣٩٣).
(٣) سيأتي بإسناده، وانظر تخريجه في موضعه.
(٤) ذكره أبو داود بإثر رقم (١٢٤٣).
[ ٩ / ٥١١ ]
أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (^١) بن عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ الفَزاريُّ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قامَ رسُولُ الله -ﷺ- بطائفةٍ من أصْحابِهِ خلفَهُ، وقامَتْ طائفةٌ بينهُ وبين العَدُوِّ، فصلَّى بالذينَ خلفَهُ ركعةً وسَجْدَتينِ، ثُمَّ انطلَقُوا فقامُوا في مَقام أُولئكَ، وجاءَ الآخرُونَ، فصلَّى بهمْ ركعةً وسَجْدَتينِ، ثُمَّ سلَّمَ رسُولُ الله -ﷺ- وقد تمَّت صَلاتُهُ، ثُمَّ صلَّتِ الطّائفتانِ كلُّ واحدةٍ منهُما رَكْعةً، رَكْعةً (^٢).
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (^٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ؛ قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٤): حدَّثنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، عن يزيدَ بن زُريع، قال: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- صلَّى بإحْدَى الطّائفتينِ رَكْعةً، والطّائفةُ الأُخْرَى مُواجِهةُ العدُوِّ، ثُمَّ
_________________
(١) في ف ٣، م: "عبيد الله"، خطأ. وهو: عُبَيد بن عبد الواحد بن شريك أبو محمد البغدادي البزار. انظر: تاريخ بغداد للخطيب ١٢/ ٣٩٢، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٨٥.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٤٧١ - ٤٧٢ (٦٤٣١)، والبخاري (٩٤٣)، ومسلم (٨٣٩)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧٣، وفي الكبرى ٢/ ٣٧٠ (١٩٤٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٢، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٠، من طريق موسى بن عقبة، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ١٧٩ - ١٨٠ (٧٣٩٣).
(٣) في سننه (١٢٤٣).
(٤) في الكبرى ٢/ ٣٦٩ (١٩٤٢)، وهو في المجتبى ٣/ ١٧١. وأخرجه البخاري (٤١٣٣)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٠، من طريق مسدد، به. وأخرجه الترمذي (٥٦٤)، وابن خزيمة (١٣٥٥) من طريق يزيد بن زريع، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٣/ ٣١ (٤٢٤١)، وأحمد في مسنده ١٠/ ٤٢١ (٦٣٥١)، ومسلم (٨٣٩) (٣٠٥)، وابن خزيمة (١٣٥٤)، وابن حبان ٧/ ١٣٣ (٢٨٧٩) من طريق معمر، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ١٨٠ - ١٨١ (٧٣٩٤).
[ ٩ / ٥١٢ ]
انصرَفُوا فقامُوا في مَقام أُولئكَ، وجاءَ أُولئكَ فصَلَّى بهم رَكْعةً أُخرَى، ثُمَّ سلَّمَ عليهم، ثُمَّ قامَ هؤُلاءِ يَقْضُونَ رَكْعتَهُم، وقامَ هؤُلاءِ يَقْضون رَكْعتَهُم.
قال أبو داودَ (^١): وكذلكَ رَوَى نافعٌ وخالدُ بن مَعْدانَ، عن ابن عُمرَ.
قال: وكذلكَ قولُ مسرُوقٍ ويوسُفَ بن مِهرانَ، عن ابن عبّاسٍ.
وكذلك رَوَى الحسنُ، عن أبي موسى فِعْلَهُ.
ورواهُ أبو حُرَّة، عن الحسنِ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ -ﷺ- (^٢).
قال: وكذلك رِوايةُ أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -ﷺ-.
قال أبو عُمر: ورَوَى أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، عن أبي موسى مِثلَهُ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^٣): حدَّثنا محمدُ بن بِشرٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ: أنَّ أبا موسى كان بالدّارِ من أصْبَهانَ، وما كان بها يومَئذٍ كبيرُ خوفٍ، ولكِن أحبَّ أن يُعلِّمَهُم دينَهُم وسُنّةَ نبيِّهِم -ﷺ-، فجَعلهم صفَّينِ، طائفةً معَها السِّلاحُ مُقبِلةٌ على عدُوِّها، وطائفةً من وَرائهِ، فصلَّى بالذينَ يَلُونهُ رَكْعةً، ثُمَّ نَكَصُوا على أدبارِهِم حتّى قامُوا مقامَ الآخَرينَ يَتَخلَّلُونهُم، وجاءَ الآخرُونَ حتّى قامُوا وَراءَهُ، فصلَّى بهم رَكْعةً أُخرَى، ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ الذينَ يلُونهُ والآخرُونَ فصلَّوا ركعةً ركعةً، ثمَّ سلَّمَ بعضُهُم على بعضٍ، فتمَّت للإمام ركعتانِ في جماعةٍ، وللنّاسِ رَكْعةٌ، رَكْعةٌ.
قال أبو عُمر: يعني: معَ الإمام، وقضَوْا رَكْعةً رَكْعةً.
_________________
(١) ذكره في سننه بإثر رقم (١٢٤٣).
(٢) ذكره أبو داود في سننه بإثر رقم (١٢٣٦).
(٣) أخرجه في المصنَّف (٨٣٦٠). وأخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ١٥٤ (١٠٣٦٤) من طريق سعيد، به.
[ ٩ / ٥١٣ ]
وبحديثِ ابن عُمرَ هذا المذكُورِ في هذا البابِ وما كان مِثلَهُ، مِثلُ حديثِ أبي موسى هذا وشِبهِهِ في صلاةِ الخوفِ، قال جماعةٌ من أهلِ العِلم، منهُم: الأوزاعيُّ، وإليه ذهَبَ أشهبُ بن عبدِ العزيزِ صاحِبُ مالكٍ.
وأمّا مالكٌ وسائرُ أصحابِهِ غيرَ أشهبَ، فإنَّهُم كانوا يَذْهبُونَ في صَلاةِ الخوفِ إلى حَديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ، وهُو ما رواهُ مالكٌ (^١)، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خَوّاتٍ الأنصاريِّ، أنَّ سهلَ بنَ أبي حثمةَ حدَّثهُ: أنَّ صَلاةَ الخوفِ: أن يقومَ الإمامُ ومعَهُ طائفةٌ من أصحابِهِ، وطائفةٌ مُواجِهة العَدُوَّ، فيَرْكعُ الإمامُ رَكْعةً، ويسجُدُ بالذين معَهُ، ثُمَّ يقومُ، فإذا اسْتَوَى قائمًا ثَبَت (^٢) وأتمُّوا لأنفُسِهِمُ الرَّكعةَ الباقيةَ، ثُمَّ سلَّمُوا وانصرفُوا والإمامُ قائمٌ، فكانوا وِجاهَ العدُوِّ، ثُمَّ يكبِلُ الآخرُونَ الذين لم يُصلُّوا فيُكبِّرُونَ وراءَ الإمامَ، فيَرْكعُ (^٣) بهم، وَيسْجُدُ، ثُمَّ يُسلِّمُ، فيقومُونَ، فيَرْكعُونَ لأنفُسِهِمُ الرَّكعةَ الباقيةَ ويُسلِّمُونَ.
وقال ابنُ القاسم وابنُ وَهْب وأشهبُ وغيرُهم، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ فقيل لهُ: أيُّ الحديثين أحبُّ إليكَ أن يُعمَلَ به، حديثُ صالح بن خَوّاتٍ، أو حديثُ سهلِ بن أبي حَثْمةَ؟ فقال: أحبُّ إليَّ أن يُعمَلَ بحديثِ سهلِ بن أبي حَثْمةَ، يقومُونَ بعد سلام الإمام فتقْضُون الرَّكعةَ التي عليهم، ثُمَّ يُسلِّمُونَ لأنفُسِهِم.
وقال ابنُ القاسم: العملُ عندَ مالكٍ في صَلاةِ الخوفِ، على حديثِ القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خوّاتٍ. قال: وقد كان مالكٌ يقولُ بحديثِ يزيدَ بن رُومانَ، ثُمَّ رَجَع إلى هذا (^٤).
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ١/ ٢٥٧ (٥٠٤).
(٢) في م: "وثبت".
(٣) في م: "يركع".
(٤) انظر: المدونة ١/ ٢٤١، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٦٨، وشرح مختصر الطحاوي ٢/ ١٧٢.
[ ٩ / ٥١٤ ]
قال أبو عُمر: حديثُ القاسم، وحديثُ يزيدَ بن رُومانَ، كِلاهُما عن صالح بن خوّاتٍ. إلّا أنَّ بينهُما فَصْلًا في السَّلام، ففي حديثِ القاسم: أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ بالطّائفةِ الثّانيةِ، ثُمَّ يقومُونَ فيقضُونَ الرَّكعةَ. وفي حديثِ يزيدَ بن رُومانَ: أنَّهُ ينتظِرُهُم، ويُسلِّمُ بهم.
وقد تقدَّم في هذا البابِ حديثُ القاسم، من رِوايةِ مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم (^١).
وأمّا حديثُ يزيدَ بن رُومانَ، فذكَرهُ أيضًا في "المُوطَّأ" (^٢) مالكٌ، عن يزيدَ بن رُومانَ، عن صالح بن خوّاتٍ، عمَّن صلَّى مع النَّبيِّ -ﷺ- صَلاةَ الخَوْفِ يومَ ذاتِ الرِّقاع: أنَّ طائفةً صفَّتْ (^٣) معَهُ، وطائفةً وِجاهَ العدُوِّ، فصلَّى بالذين معَهُ ركعةً، ثُمَّ ثبتَ قائمًا، وأتمُّوا لأنفُسِهِم، ثُمَّ جاءَتِ الطّائفةُ الأُخرى فصلَّى بهم، ثُمَّ ثبتَ جالِسًا فأتمُّوا لأنفُسِهِم، ثُمَّ سلَّمَ بهم.
وبهذا الحديثِ، قال الشّافِعيُّ وإليه ذهبَ.
قال الشّافِعيُّ (^٤): حديثُ صالح بن خوّاتٍ هذا أشبَهُ الأحاديثِ في صَلاةِ الخَوْفِ بظاهِرِ كِتابِ الله ﷿، وبه أقول.
ومن حُجَّتِهِ: أنَّ اللهَ ﷿ ذكَرَ استِفتاحَ الإمام ببَعضِهِم، لقولِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، ثُمَّ قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٥٧ (٥٠٤).
(٢) الموطأ ٢/ ١٥٦ (٥٠٣).
(٣) في د ٤، م: "صلت".
(٤) انظر: الأم ١/ ٢٤٣ و٧/ ٢٠٤.
[ ٩ / ٥١٥ ]
وذكَرَ انصِرافَ الطّائفتينِ والإمام من الصَّلاةِ معًا بقولِهِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وذلك للجميع لا للبعضِ، ولم يذكُر أنَّ على واحدٍ منهُم قَضاءً.
وفي الآيةِ أيضًا دليل على أنَّ الطّائفةَ الثّانيةَ لا تَدخُلُ في الصَّلاةِ إلّا بعد انصِرافِ الطّائفةِ الأُولى، بقولِهِ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا﴾ [النساء: ١٠٢]. وهُو خِلافُ ظاهِرِ حديثِ أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ (^١)، وما كان مِثلَهُ في صلاةِ الخَوْفِ.
وفي قولِهِ: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ دليلٌ على أنَّ الطّائفةَ الثّانيةَ تَنْصرِفُ ولم يبقَ عليها من الصَّلاةِ شيءٌ تَفْعلُهُ بعدَ الإمام.
بهذا كلِّهِ نزعَ بعضُ من يحتجُّ للشّافِعيِّ، لأخذ بحديثِ يزيدَ بن رُومانَ، لِما فيه من انتِظارِ الإمام الطّائفةَ الثّانيةَ، حتّى يُسلِّمَ بهم.
ومن حُجَّةِ مالكٌ -في اختياره حديثَ القاسم بن محمدٍ، في سَلام الإمام قبلَ الطّائفةِ الثّانيةِ، وقَضائها الرَّكْعةَ الثّانية بعد سَلامِهِ -القياسُ على سائرِ الصَّلواتِ، في أنَّ الإمامَ ليسَ لهُ أن ينتظِرَ أحدًا سَبقهُ بشيءٍ، وأنَّ السُّنّةَ المُجتَمَعَ عليها، أن يَقْضيَ المأمُومُونَ ما سُبِقُوا به بعدَ سلام الإمام.
وقولُ أبي ثَوْرٍ في ذلك، كقولِ مالكٍ، بحديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ في رِوايةِ القاسم، عن صالح بن خَوّاتٍ، قال: يُسلِّمُ الإمامُ، ثُمَّ تقومُ الطّائفةُ الأُخْرَى فتَقْضي رَكْعتَها.
ولم يختلِفْ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، أنَّ الإمامَ إذا قَرَأ في الرَّكعةِ الثّانيةِ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ، قبلَ أن تأتيَ الطّائفةُ الأُخرَى، ثُمَّ أتَتهُ فركَعَ بها حينَ
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبًا.
[ ٩ / ٥١٦ ]
دخلَتْ معَهُ قبلَ أن يقرؤُوا شيئًا، أنَّهُ يُجْزئهُمْ، إلّا أنَّ الشّافِعيَّ قال: إذا أدركُوا معَهُ ما يُمكِنُهُم فيه قِراءةُ أُمِّ القُرآنِ، فلا يُجْزئهُمْ إلّا أن يقرؤُوها.
وقولُ أحمد بن حَنْبل في صَلاةِ الخَوْفِ، كقولِ الشّافِعيِّ سواءً، على حديثِ يزيدَ بن رُومانَ، هُو المُختارُ عندَ أحمد، وكان لا يَعِيبُ من فعَلَ شيئًا من الأوجُهِ المرويَّةِ في صَلاةِ الخوفِ.
قال الأثرمُ (^١): قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: صلاةُ الخَوْفِ تقولُ فيها بالأحاديثِ كلِّها، كلُّ حديثٍ في مَوْضِعِهِ، أم تختارُ (^٢) واحدًا منها؟ فقال: أنا أقولُ: من ذهَبَ إلى واحدٍ منها، أو ذهَبَ إليها كلِّها، فحسنٌ، وأمّا حديثُ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، فأنا أختارُهُ، لأنَّهُ أنْكَأُ للعدُوِّ. قلتُ لهُ: حديثُ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ تَسْتعمِلُهُ مُسْتقبِلي القِبْلةِ كان العدُوُّ، أو مُستدبِريها؟ قال: نعم، هُو أنكأُ فيهم؟ لأنَّهُ يُصلِّي بطائفةٍ، ثُمَّ يذهبُونَ، ويُصلِّي بطائفةٍ أُخرى، ثُمَّ يذهبُونَ.
واختارَ داودُ، وطائفةٌ من أصحابِهِ حديثَ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ أيضًا في صلاةِ الخَوْف (^٣).
وكان عبدُ الرَّحمن بن مَهْديٍّ، ويحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ يختارُونَ في صلاةِ الخَوْفِ حديثَ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ.
رواهُ (^٤) شُعبةُ، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، عن النَّبيِّ -ﷺ- (^٥)، مِثلَ حديثِ مالكٍ، عن يزيدَ بن رُومانَ،
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة ٢/ ١٣٧.
(٢) في م: "يختار".
(٣) انظر: اختلاف الفقهاء للمروزي، ص ١٦٢، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٦٨، وشرح مختصر الطحاوي ٢/ ١٧٢.
(٤) في د ٤: "ورواه".
(٥) سلف تخريجه قريبًا.
[ ٩ / ٥١٧ ]
عن صالح بن خوّاتٍ سَواءً، حرفًا بحرفٍ. كذلكَ رواهُ مُعاذُ بن مُعاذٍ العَنْبريُّ، عن شُعبَةَ.
وأمّا أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، إلّا أبا يوسُفَ، فإنَّهُم ذهَبُوا إلى ما رواهُ الثَّوريُّ وشَريكٌ وزائدةُ وابنُ فُضَيلٍ، عن خُصيفٍ، عن أبي عُبَيدةَ بن عبدِ الله بن مسعُودٍ، عن أبيهِ، قال: صلَّى رسُولُ الله -ﷺ- صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ، وطائفةٌ مُسْتَقبِلي العدُوِّ، فصلَّى بالذينَ وراءَهُ رَكْعةً وسَجْدتينِ وانصرَفُوا ولم يُسلِّمُوا، فوَقَفُوا بإزاءِ العدُوِّ، ثُمَّ جاءَ الآخرُونَ فقامُوا مَقامَهُم، فصلَّى بهم رَكْعةً ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ هؤُلاءِ فصلَّوا لأنفُسِهِم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمُوا، وذهَبُوا فقامُوا مقامَ أُولئكَ مُسْتقبِلي العدُوِّ، ورجعَ أُولئكَ إلى مَراتِبِهِم، فصلَّوا لأنفُسِهِم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمُوا (^١).
ورَوَى أبو الأسودِ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن مَرْوانَ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسُولِ الله -ﷺ- عامَ نَجْدٍ صلاةَ الخَوْفِ، قال: فقامَتْ طائفةٌ معَهُ، وطائفةٌ أُخرَى مُقابِلَ العدُوِّ وظُهُورُهُم إلى القِبْلة (^٢). فذكَرَ مِثلَ حديثِ ابن مسعُودٍ سَواءً، إلّا أنَّهُ ليسَ في حديثِ ابن مسعُودٍ: وظُهُورُهُم إلى القِبلةِ، ولا فيه ما يُخالِفُ ذلك.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٤٥)، وأحمد في مسنده ٦/ ٤٢٦ (٣٨٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١١، من طريق الثوري، به. وأخرجه أبو داود (١٢٤٥)، والطبري في تفسيره ٩/ ١٥١ (١٠٣٥٧) من طريق شريك، به. وأخرجه أحمد أيضًا ٦/ ٢٦ (٣٥٦١)، وأبو داود (١٢٤٤)، وأبو يعلى (٥٣٥٣)، والطبري في تفسيره ٩/ ١٥١ (١٠٣٥٦) من طريق ابن فضيل، به. وانظر: المسند الجامع ١١/ ٥٥٧ - ٥٥٨ (٩٠٥٨)، وهو منقطع فإن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يدرك أباه.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٤/ ١٢ (٨٢٦٥)، وأبو داود (١٢٤٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧٣، وفي الكبرى ٢/ ٣٧٠ (١٩٤٤)، وابن خزيمة (١٣٦١)، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٣٨، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٤، من طريق أبي الأسود، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٧٩٣ - ٧٩٤ (١٣١٣٦).
[ ٩ / ٥١٨ ]
فالمَعْنى عِندي في حديثِ ابن مسعُودٍ، وحديثِ أبي هريرةَ، وحديثِ ابن عُمر المذكُورِ في هذا البابِ واحدٌ، في أنَّ الطّائفتين كِلْتَيهِما لا تَقْضي كلُّ واحدةٍ مِنْهُما رَكْعتَها، إلّا بعد سَلام الإمام.
وكان الثَّوريُّ مرَّةً يقولُ بحديثِ ابن مسعُودٍ، كقولِ أبي حَنِيفةَ.
ومرَّةً بحديثهِ عن منصُورٍ، عن مجُاهِدٍ، عن أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله -ﷺ- بعُسْفانَ، وعلى المُشرِكين خالدُ بن الوَليدِ. فذكر الحديث (^١).
وفيه: والعدُوُّ بينهُم وبين القِبْلةِ. قال: فأمَرَهُم رسُولُ الله -ﷺ- فأخَذُوا السِّلاح، ثُمَّ قامُوا خلفَهُ صفَّينِ: صفٌّ بعدَ صَفٍّ، فكبَّرَ رسُولُ الله -ﷺ-، وكبَّرُوا جميعًا، ثُمَّ ركَعَ ورَكَعُوا جميعًا، ثُمَّ رفَعَ ورَفعُوا جميعًا، ثُمَّ سجَدَ وسجَدَ الذين يلُونَهُ والآخرُونَ قيام يحرُسُونهُم، فلمّا سَجَدُوا سَجْدتينِ، قامُوا وسجَدَ الآخرُونَ الذينَ كانوا خَلْفَهُم، ثُمَّ تأخَّرَ الذينَ سَجَدُوا مع رسُولِ الله -ﷺ-، إلى مَقام الذينَ كانوا يحرُسُونهُم (^٢)، وتقدَّمَ الآخرُونَ، فقامُوا في مَقامِهِم، ثُمَّ ركَعَ النَّبيُّ -ﷺ- ورَكَعُوا، ثُمَّ رفَعَ، فرفعُوا جميعًا، ثُمَّ سجَدَ وسجَدَ الذين يلُونهُ في الصَّفِّ الذي يليهِ والآخرُونَ قِيامٌ يحرُسُونهُم، فلمّا رفَعَ رسُولُ الله -ﷺ- رأسَهُ من سُجُودِهِ، وجلَسَ، سجَدَ الآخرُونَ، ثُمَّ جَلسُوا جميعًا، ثُمَّ سلَّمَ عليهم. قال: فصَلّاها رسُولُ الله -ﷺ- مرَّةً بعُسْفانَ، ومرَّةً بأرضِ بني سُلَيم (^٣).
_________________
(١) قوله: "فذكر الحديث" لم يرد في د ٤.
(٢) في د ٤: "يحرسونه".
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٣٧)، وأحمد في مسنده ٢٧/ ١٢٠ (١٦٥٨٠)، وابن الجارود في المنتقى (٢٣٢)، وابن حبان ٧/ ١٢٦ - ١٢٧ (٢٨٧٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٨، والطبراني في الكبير ٥/ ٢١٣ - ٢١٤ (٥١٣٢)، والدارقطني في سننه ٢/ ٤٠٨ (١٧٧٧) من طريق الثوري، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٥٩٦ (٣٩٤٩).
[ ٩ / ٥١٩ ]
قال سُفيانُ: وحدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- صلّاها بنَخْلَةَ مِثلَ ذلك (^١).
قال أبو عُمر: رواهُ أيُّوبُ وجَماعةٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر (^٢). كما رواهُ الثَّوريُّ.
وكذلكَ رواهُ عبدُ الملكِ بن أبي سُليمانَ، عن عَطاءٍ، عن جابر (^٣).
وكذلك رواهُ داودُ بنُ حُصينٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس (^٤).
وكذلك رواهُ قتادةُ، عن الحسنِ، عن حِطّان الرَّقاشيِّ، عن أبي موسى فِعْلَهُ (^٥).
ومِن مُرسلِ مجُاهِد (^٦)، وعُروةَ (^٧) مِثلهُ.
وإلى هذا الوَجْهِ في صلاةِ الخَوْفِ ذهَبَ ابنُ أبي ليلى.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٣٨)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧٦، وفي الكبرى ٢/ ٣٧٣ (١٩٤٩) من طريق الثوري، به. وانظر: المسند الجامع ٣/ ٥٠٠ - ٥٠١ (٢٣٢١).
(٢) أخرجه ابن ماجة (١٢٦٠)، وابن خزيمة (١٣٥٠) من طريق أيوب، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤ (١٥٠١٩)، والبخاري (٤١٣٠) معلقًا، ومسلم (٨٤٠) (٣٠٨)، وابن حبان ٧/ ١٢٥، ١٢٩ (٢٨٧٤، ٢٨٧٧)، والطبراني في الأوسط ٤/ ١٦١ (٣٨٧٠)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٥٨، من طرق عن أبي الزبير، به.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٢٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ (١٤٤٣٦)، ومسلم (٨٤٠) (٣٠٧)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧٥، وفي الكبرى ٢/ ٣٧٢ (١٩٤٨)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٥٧، والبغوي في شرح السنة (١٠٩٧) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، به.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢١٢ (٢٣٨٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧٠، وفي الكبرى ٢/ ٣٦٧ (١٩٣٦)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩، من طريق داود، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٤٨٤ - ٤٨٥ (٦١٠٧).
(٥) ذكره أبو داود بإثر رقم (١٢٣٦).
(٦) انظر: تفسيره، ص ٢٩٠.
(٧) في د ٤: "وغيره"، وهو تحريف، والمثبت يعضده ما ورد عند أبي داود، وقد ذكره بإثر رقم (١٢٣٦).
[ ٩ / ٥٢٠ ]
قال الثَّوريُّ (^١): وبلَغَنا أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- صلَّى بذي قَرَدٍ (^٢) فصفَّ خلفَهُ صفًّا، وقامَ صفٌّ بإزاءِ العَدُوِّ، فصلَّى بالذينَ خلفَهُ ركعةً، ثُمَّ انصَرفُوا، فقامُوا مقامَ أصْحابِهم، وجاءَ الآخرُونَ فصلَّى بهم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمَ عليهم، فكانت للنَّبيِّ -ﷺ- رَكْعتانِ، ولكلِّ صفٍّ رَكْعةٌ.
قال سُفيانُ: قد جاءَ هذا، وهذا، وأيَّ ذلك فعلتَ، رَجَوتُ أن يُجزِئَ.
قال أبو عُمر: فخيَّر الثَّوريُّ في صَلاةِ الخوفِ على ثلاثةِ أوجُهٍ:
أحدُها: حديثُ ابن مسعُودٍ الذي ذهَبَ إليه أبو حنيفةَ.
والثّاني: حديثُ أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ. وإليه ذهَبَ ابنُ أبي ليلى جُملةً، وذهَبَ إليه أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، إذا كان العدُوُّ في القِبْلةِ.
والثّالثُ: الوجهُ الذي بَلَغهُ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- صلَّى بذي قَرَدٍ. وهُو وإن كان أرسلَهُ في "جامِعِهِ" فإنَّهُ محفُوظٌ من حديثهِ، عن الأشْعَثِ بن سُلَيم، عن الأسودِ بن هِلالٍ، عن ثَعْلبةَ بن زَهْدَم (^٣): أنَّهُم كانوا مع سَعيدِ بن العاصِ بطَبَرِستانَ، فسأل سعيدٌ حُذيفةَ عن صَلاةِ الخَوْفِ، فقال حُذَيفةُ: شهِدتُ رسُولَ الله -ﷺ- صَلّاها بهؤُلاءِ رَكْعةً، وبههؤُلاءِ رَكْعةً، ولم يَقْضُوا (^٤).
ورَوَى الثَّوريُّ أيضًا عن أبي بكر بن أبي الجَهْم، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن
_________________
(١) انظر: سنن أبي داود بإثر رقم (١٢٣٦).
(٢) ذو قَرَد: ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/ ٣٢١.
(٣) في م: "بن بزهدم". وهو ثعلبة بن زهدم التميمي اليربوعي الحنظلي. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٣٩١.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٤٩)، وأحمد في مسنده ٣٨/ ٣٠٢، ٤٠١ (٢٣٢٦٨، ٢٣٣٨٩)، وأبو داود (١٢٤٦)، والبزار في مسنده ٧/ ٣٧٠ (٢٩٦٨)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٨، وفي الكبرى ٢/ ٣٦٥ (١٩٣٠)، وابن خزيمة (١٣٤٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٠، وابن حبان ٤/ ٣٠٢ (١٤٥٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٣٥، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦١، من طريق سفيان الثوري، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٩٩ - ١٠٠ (٣٢٩٧).
[ ٩ / ٥٢١ ]
عُتْبةَ، عن عبدِ الله بن عبّاس (^١)، مِثلَ حَديثِ حُذيَفةَ، وذكَرَ أنَّ ذلك كان بذي قَرَدٍ. فبلاغُ الثَّوريِّ قد بانَ أنَّهُ مُسندٌ عندَهُ صحيحٌ.
ورواهُ مجُاهِدٌ، عن ابن عبّاس (^٢).
وروى سِماكٌ الحنفيُّ، عن ابن عُمرَ مِثلهُ (^٣).
والقاسمُ بن حسّانَ (^٤)، عن زيدِ بن ثابتٍ، عن النَّبيِّ -ﷺ- مِثلهُ (^٥).
ويزيدُ الفَقِيرُ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ -ﷺ- مثلَهُ (^٦) (^٧).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٥١)، وأحمد في مسنده ٣/ ٣٩٤ (٢٠٦٣)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٩، وفي الكبرى ٢/ ٣٦٦ (١٩٣٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٩، وابن حبان ٧/ ١٢٢ (٢٨٧١)، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٣٥، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٢، من طريق سفيان الثوري، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٤٨٤ (٦١٠٦).
(٢) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ١٣٤ (١٠٣٢٧)، وابن خزيمة (١٣٤٩) من طريق سماك، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ١٨٢ (٧٣٩٥).
(٤) في الأصل وبعض النسخ: "بن حيان"، محرف، وهو: القاسم بن حسان العامري الكوفي، أخو عثمان بن حسان. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/ ١٠٨، وتهذيب الكمال ٢٣/ ٣٤١.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٥٠)، وأحمد في مسنده ٣٥/ ٤٧٠ (٢١٥٩٣)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٨، وفي الكبرى ٢/ ٣٦٥ (١٩٣٢)، وابن خزيمة (١٣٤٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٠، وابن حبان ٧/ ١٢١ (٢٨٧٠)، والطبراني في الكبير ٥/ ١٥٣ (٤٩١٩، ٤٩٢٠)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٢، ٢٦٣، من طريق القاسم بن حسان، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٥٢٠ - ٥٢١ (٣٨٥٥).
(٦) من قوله: "ويزيد الفقير" إلى هنا، سقط من م.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٨٣٦٢)، وأحمد في مسنده ٢٢/ ٨٥ (١٤١٨٠)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٧١، وفي الكبرى ٢/ ٣٧١ (١٩٤٦)، وابن خزيمة (١٣٤٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٠، وأبو عوانة (٢٤٢١)، وابن حبان ٧/ ١٢٠ (٢٨٦٩)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٣، من طريق يزيد الفقير، به. وانظر: المسند الجامع ٣/ ٤٩٨ - ٤٩٩ (٢٣١٨).
[ ٩ / ٥٢٢ ]
إلّا أنَّ بعضَ رُواةِ حديثِ يزيدَ الفقيرِ، قال فيه: إنَّهُم قَضَوْا رَكْعةً (^١).
وقال أحمدُ بن حَنْبل: لا أعلمُ أَنَّهُ رُوي في صَلاةِ الخوفِ إلّا حديثٌ ثابتٌ، هي كلُّها ثابتة، فعَلَى أيِّ حَديثٍ صلَّى المُصلِّي صَلاةَ الخوفِ، أجْزَأهُ إن شاءَ الله.
وكذلكَ قال الطَّبريُّ.
قال أبو عُمر: في صلاةِ الخوفِ عن النَّبيِّ -ﷺ- وُجُوهٌ كثيرةٌ:
مِنْها: حديثُ ابن عُمرَ المذكُورُ في أوَّلِ هذا البابِ، وما كان مِثلهُ، على حسَبِ ما تقدَّمَ في هذا البابِ ذِكرُهُ، ومِن القائلينَ به من أئمَّةِ فُقهاءِ الأمصارِ: الأوزاعيُّ، وإليه ذهَبَ أشهبُ صاحِبُ مالكٍ.
ووجهٌ ثانٍ، وهُو حديثُ صالح بن خوّاتٍ، من رِوايةِ مالكٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خوّات (^٢). ومِن رِوايتهِ أيضًا، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خوّاتٍ. على حسَبِ ما بينهُما من الاختِلافِ، في انتِظارِ الإمام الطّائفةَ الأُخرى بالسَّلام، ومن القائلين بذلكَ: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ، على اختِلافِ ما بينهُم في السَّلام، على حسَبِ ما وصفناهُ.
ووجهٌ ثالِثٌ، وهُو حديثُ ابن مسعُودٍ، على ما تَقدَّم ذِكر في هذا البابِ، ومِن القائلين به: أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، إلّا أبا يوسُف، وهُو أحدُ الوُجُوهِ التي خيَّر الثَّوريُّ فيها، وبه قال بعضُ أصحابِ داود أيضًا.
ووجهٌ رابعٌ، وهُو حديثُ أبي عيّاشٍ الزُّرقيِّ، وما كان مِثلهُ، على حسَبِ ما ذكَرْناهُ في هذا البابِ، ومِن القائلين به: ابنُ أبي ليلى، والثَّوريُّ أيضًا في تخيُّرِهِ، وقد قالت به طائفة من الفُقهاءِ، إذا كان العدُوُّ في القِبلةِ.
_________________
(١) ذكره أبو داود في سننه بإثر رقم (١٢٤٦).
(٢) سلف تخريجه.
[ ٩ / ٥٢٣ ]
ووجهٌ خامِسٌ، وهُو حديثُ حُذَيفةَ، وما كان مِثلَهُ، على ما قد مَضَى في هذا البابِ ذِكرُهُ، وهُو أحدُ الأوجُهِ الثَّلاثةِ التي خيَّر الثَّوريُّ ﵀ في العَملِ بها في صلاةِ الخوفِ.
ومِن حُجَّةِ من قال: بهذا الوجهِ، ما رواهُ بُكَيرُ بن الأخنسِ، عن مجُاهِدٍ،
عن ابن عبّاسٍ، قال: فرضَ اللهُ ﷿ الصلاةَ على لِسانِ نبيِّكُم -ﷺ- في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وفي الخَوْفِ رَكْعةً (^١).
وزعَمَ بعضُ من قال بهذا (^٢) الوجه من الفُقهاءِ: أنَّ للقَصرِ في الخَوفِ خُصُوصًا، ليسَ في غَيرِ الخوفِ، لقولِ الله ﷿: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُو﴾ [النساء: ١٠١].
قالوا: فيَنْبغي أن تكونَ الصلاةُ في السَّفرِ بشَرْطِ الخَوْفِ، خِلافَ الصلاةِ في السَّفرِ في حالِ الأمنِ.
وذكرُوا عن جماعةٍ من الصَّحابةِ، منهُم: ابنُ عبّاسٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وجابرُ بن عبدِ الله، أنَّهُم قالوا: الصَّلاةُ في الحَضَرِ أربعٌ، وفي السَّفرِ رَكْعتانِ، وفي الخوفِ رَكْعةٌ. قالوا: ولو كان القَصْرُ في حالِ الأمنِ وحالِ الخَوْفِ سواءً، ما كان لقولِهِ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ معنًى، وقد جلَّ اللهُ ﷿ عن ذلك.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٨، ٦٦، ١٤٤ (٢١٢٤، ٢١٧٧، ٢٢٩٣)، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام (٢٢٦)، ومسلم (٦٨٧) (٥، ٦)، وأبو داود (١٢٤٧)، والبزار في مسنده ١١/ ١٨٣ (٤٩٢٥)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٢٦، و٣/ ١١٨، ١٦٨، وفي الكبرى ١/ ٢٠١، ٢٧٨، ٢٨١ (٣١٤، ٥١٤، ٥٢٣)، وأبو يعلى (٢٣٤٦)، وابن خزيمة (٣٠٤، ٩٤٣، ١٣٤٦)، وأبو عوانة (١٣٣٣، ٢٣٣٣، ٢٣٣٤)، وابن حبان ٧/ ١١٩ (٢٨٦٨)، والطبراني في الكبير ١١/ ٦٠، ٩٥ (١١٠٤١)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٣٥، من طريق بكير بن الأخنس، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٤٥٢ (٦٠٥٩).
(٢) في الأصل، م: "هذا".
[ ٩ / ٥٢٤ ]
قال أبو عُمر: هذا القولُ خِلافُ ما عليه جُمهُورُ الفُقهاءِ، وقد يجُوزُ في حُكم لِسانِ العربِ أن يكونَ المسكُوتُ عنهُ، في معنى المذكُورِ، كما يجُوزُ أن يكونَ بخِلافِهِ، وقد بيَّنّا ذلك في مواضِعَ، والحمدُ لله.
ومِمّا يدُلّ على أنَّ صلاةَ السَّفرِ في الخَوْفِ، وفي الأمنِ سَواءٌ، حديثُ ابن عُمرَ، حينَ قال لهُ رجُلٌ من آلِ خالدِ بن أسِيد: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، إنّا نجِدُ صَلاةَ الحَضَرِ، وصلاةَ الخَوْفِ في القُرآنِ، ولا نجِدُ صلاةَ السَّفرِ، يعني في حالِ الأمنِ، فقال: يا ابن أخي، إنَّ اللهَ بعَثَ إلينا محمدًا -ﷺ- ونحنُ لا نعلَمُ شيئًا، فإنَّما نَفْعلُ كما رأيناهُ يَفْعلُ (^١). أي: رأيناهُ يَفْعلُ في حالِ الخَوْفِ، وحالِ الأمنِ في السَّفرِ فِعلًا واحدًا، فنحنُ نفعلُ كما كان -ﷺ- يفعلُ.
وفي ذلك ما يدُلّ على أنَّ مُرادَ الله ﷿ في ذلك من عِبادِهِ واحدٌ ببيانِ السُّنَّةِ في ذلك.
كما صارَ قتلُ الصَّيدِ خَطأً بالسّنَّةِ، يجِبُ فيه من الجَزاءِ، كما يجِبُ على من قتَلَهُ عَمْدًا، مع قولِ الله ﷿: ﴿الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقد عجِبَ عُمرُ بن الخطّابِ ويعلَى بن أُميَّةَ من هذا المعنى أيضًا، حينَ قال يعلَى لعُمر: يا أميرَ المُؤمِنين، ما بالنا نَقْصُرُ الصَّلاةَ، وقد أمِنّا، واللّهُ ﷿ يقولُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾؟ فقال: عجِبتُ مِمّا عجِبتَ منهُ، فسألتُ رسُولَ الله -ﷺ- عن ذلك، فقال (^٢): "تلكَ صَدَقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكُم، فاقبَلُوا صَدَقتَهُ" (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩).
(٢) زاد هنا في الأصل، ف ٣، م: "تلك".
(٣) سلف باسناده في حديث ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، وهو في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩). وانظر تخريجه هناك.
[ ٩ / ٥٢٥ ]
وهذا أيضًا بيِّنٌ في أنَّ صلاةَ السَّفرِ في الأمْنِ وفي الخَوْفِ سواءٌ، وبذلك جَرَى العملُ والفَتْوَى في أمصارِ المُسلِمين عندَ جُمهُورِ الفُقهاءِ.
وقد يحتمِلُ أن تكون رِوايةُ من رَوَى: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- صلَّى بهم رَكْعةً، ولم يقضُوا. أي: في عِلْم من روى ذلك؛ لأنَّهُ قد رَوَى غيرُهُ: أنَّهُم قَضَوْا رَكْعةً في تلكَ الصَّلاةِ بعينِها، وشهادَةُ من زادَ أولى.
ويحتمِلُ أن يكون أرادَ بقولِهِ: لم يَقْضُوا. أي: لم يَقْضُوا إذ أمِنُوا، وتكونُ فائدتُهُ أنَّ الخائفَ إذا أمِنَ، لا يَقْضي ما صلَّى على تلكَ الهيئةِ من الصلواتِ في الخَوْفِ.
وقد يحتمِلُ قولُهُ: صَلَّوا في الخوفِ رَكْعةً. أي: في جماعةٍ معَ رسُولِ الله -ﷺ-، وسكتَ عن الثّانيةِ، لأنَّهُم صلَّوها أفذاذًا.
وحديثُ ابن عبّاسٍ انفردَ به بُكيرُ بن الأخْنَسِ، وليسَ بحُجَّةٍ فيما يَنْفرِدُ به.
والصَّلاةُ أوْلى ما احتيطَ فيه، ومن صلَّى رَكْعتينِ في خوفِهِ وسَفرِهِ، خرجَ من الاختِلافِ إلى اليَقينِ.
ووجهٌ سادِسٌ، وهُو حديثُ أبي بَكْرةَ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- صلَّى بهم في صَلاةَ الخَوْفِ رَكْعتينِ بطائفةٍ، ورَكْعتينِ بطائفةٍ فكانت للنَّبيِّ ﵇ أربعٌ، ولكلِّ طائفةٍ رَكْعتانِ. رَواهُ الأشْعَثُ، وغيرُهُ، عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرةَ:
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذِ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأشْعَثُ،
_________________
(١) في سننه (١٢٤٨). ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٠. وأخرجه أحمد في مسنده ٣٤/ ٥٠، ١٣٦ (٢٠٤٠٨، ٢٠٤٩٧)، والبزار ٩/ ١١١ (٣٦٥٨)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٠٣، و٣/ ١٧٩، وفي الكبرى ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦ (١٩٥٢، ١٩٥٦)، وابن حبان ٧/ ١٣٥ (٢٨٨١) من طريق الأشعث، به. وانظر: المسند الجامع ١٥/ ٥٦١ (١١٩٣٢).
[ ٩ / ٥٢٦ ]
عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرةَ، قال: صلَّى رسُولُ الله -ﷺ- الظُّهرَ في خَوْفٍ، فصفَّ بعضَهُم خلَفهُ، وبعضهُم (^١) بإزاءِ العدُوِّ، فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فانطلقَ الذين صلَّوا فوَقفُوا مَوْقِفَ أصحابِهِم، ثُمَّ جاءَ أُولئكَ فصفُّوا خَلْفهُ، فصلَّى بهم رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فكانت لرسُولِ الله -ﷺ- أربعٌ، ولأصحابِهِ رَكْعتانِ رَكْعتانِ. وبذلكَ كان يُفتي الحَسَنُ.
ورَوَى يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرٍ، مثله بمعناه.
حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح (^٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (^٣): حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزيد، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن جابرٍ، قال: أقبَلْنا معَ رسُولِ الله -ﷺ- حتّى إذا كُنّا بذاتِ الرِّقاع. فذكَرَ الحديث.
وفيه قال: فنُودِيَ بالصَّلاةِ. قال: فصلَّى رسُولُ الله -ﷺبطائفةٍ رَكْعتينِ، ثُمَّ تأخَّرُوا، وصلَّى بالطّائفةِ الأُخْرَى رَكْعتينِ. قال: فكانتْ لرسُولِ الله -ﷺ- أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وللقَوم رَكْعتين.
قال أبو عُمر: كلُّ من أجازَ اختِلافَ نيَّةِ الإمام والمأمُوم في الصَّلاةِ، وأجازَ لمن صَلَّى في بَيْتِهِ أن يؤُمَّ في تلكَ الصلاةِ غيرَهُ، وأجازَ أن تُصلَّى الفَرِيضةُ خلفَ المُتنفِّل: يُجيزُ هذا الوَجْهَ في صلاةِ الخوفِ.
_________________
(١) قوله: "خلفَه، وبعضهم" سقط من د ٤.
(٢) قوله: "قال حدثنا ابن وضّاح" سقط من م. وهو إسناد دائر.
(٣) في المصنَّف (٨٣٧٣). ومن طريقه أخرجه مسلم (٨٤٣) (٣١١)، و٤/ ١٧٨٧ (١٤ م)، وابن حبان ٧/ ١٣٩ (٢٨٨٤). وأخرجه أحمد في مسنده ٢٣/ ١٩١ (١٤٩٢٨)، وأبو عوانة (٢٤٢٧)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٥٩، والبغوي في شرح السنة (١٠٥٩) من طريق عفان، به. وأخرجه البخاري (٤١٣٦) معلقًا، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٥، وفي شرح مشكل الآثار ١٠/ ٤١٥ (٤٢٢٥) من طريق أبان بن يزيد، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٢٩٥٩).
[ ٩ / ٥٢٧ ]
وهُو مذهبُ الأوزاعيِّ، والشّافِعيِّ، وابن عُليَّةَ، وأحمد بن حَنْبل، وداود.
وصلاةُ الخَوْفِ إنَّما وُضِعَتْ على أخفِّ ما يُمكِنُ وأحوطِهِ للمُسلِمينَ.
ولا وجهَ لقولِ من قال: إنَّ حديثَ أبي بَكْرةَ، وما كان مثلَهُ كان (^١) في الحَضَرِ؛ لأنَّ فيه سلامَهُ (^٢) في كلِّ رَكْعتينِ منها، وغيرُ محفُوظٍ عن النَّبيِّ -ﷺ- أَنَّهُ صلَّى صَلاةَ الخوفِ في الحَضَرِ.
وقد حَكَى المُزنيُّ، عن الشّافِعيِّ (^٣) قال: ولو صلَّى في الخَوْفِ بطائفةٍ رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فصلَّى بالطّائفةِ الأُخْرَى ركعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، كان جائزًا. قال: وهكذا صلَّى النَّبيُّ -ﷺ- ببَطْن نَخْلةَ.
قال أبو عُمر: قد رُوي أنَّ صَلاتَهُ هكذا كانت يومَ ذاتِ الرِّقاع. ولكن ذلك عندي لا يَثْبُت والله أعلم، لروايةِ صالح بن خَوّاتٍ في يوم ذات الرِّقاع (^٤)، ويحتمِلُ أن يكونَ صلّاها مرَّتين على الهيئَتين هُناكَ (^٥).
فهذه ستَّةُ (^٦) أوجُهٍ كلُّها ثابتةٌ من جِهَةِ النَّقلِ، قد قال بكلِّ وجهٍ منها طائفةٌ من أهلِ العِلم.
وقال أحمدُ بن حَنْبل والطَّبريُّ وبعضُ أصحابِ الشّافِعيِّ بجَوازِ كلِّ وجهٍ منها.
_________________
(١) قوله: "مثله كان" سقط من م.
(٢) في د ٤: "كلامه".
(٣) انظر: الأم ١/ ٢٤٣، ومختصر المزني ٨/ ١٢٣.
(٤) من قوله: "ولكن ذلك" إلى هنا لم يرد في الأصل، م.
(٥) قوله: "ويحتمل أن يكون صلاها مرتين على الهيئتين هناك" لم يرد في د ٤.
(٦) في م: "سبعة".
[ ٩ / ٥٢٨ ]
والوَجْهُ المُختارُ في هذا البابِ، على أنَّهُ لا يَحْرَجُ (^١) عِندي من صلَّى بغير (^٢) مِمّا قد ثبتَ عن النَّبيِّ -ﷺ-: هو الوَجْهُ المذكُورُ في حديثِ ابن عُمرَ، حديثِ هذا البابِ، وما كان مِثلَهُ؛ لأنَّهُ وردَ بنقلِ أئمَّةِ أهلِ المدينةِ، وهُمُ الحُجَّةُ على من خالَفهُم، ولأنَّهُ أشبهُ بالأُصُولِ، لأنَّ الطّائفةَ الأُولى والثّانيةَ لم يَقْضوا الرَّكعةَ، إلّا بعد خُرُوج رسُولِ الله -ﷺ- من الصَّلاةِ، وهُو المعرُوفُ من سنُتَّهِ (^٣) المُجتَمع عليها في سائرِ الصَّلواتِ.
وأمّا صَلاةُ الطّائفةِ الأُولى رَكْعتَها قبلَ أن يُصلِّيَها إمامُها، فهُو مخُالِفٌ للسُّنَّةِ المُجتَمع عليها في سائرِ الصَّلواتِ، ومخُالِفٌ لقولِهِ -ﷺ-: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به" (^٤).
وقد رَوَى الثِّقاتُ حديثَ صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، على مِثلِ معنَى حديثِ ابن عُمرَ، فصارَ حديثُ سهلٍ مخُتلَفًا فيه، ولم يُختلَف في حديثِ ابن عُمرَ، إلّا ما جاءَ من شكِّ مالكٍ ﵀ في رَفْعِهِ، وقد رَفَعهُ من غير شكٍّ جماعةٌ عن نافع، ورَفَعهُ الزُّهريُّ، عن سالم، والشَّكُّ لا يُلتَفتُ إليه، والتقِينُ معمُولٌ عليه.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (^٥): حدَّثنا أبو اليمانِ، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهريِّ: أنَّهُ
_________________
(١) في د ٤، ف ٣، م: "يخرج".
(٢) في م: "لغيره".
(٣) في م: "السنة".
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٩٦ (٣٥٨، ٣٥٩) من حديث أنس، وعائشة.
(٥) في صحيحه (٩٤٢). ومن طريقه أخرجه البغوي في شرح السنة (٣٧٩٩). وأخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٤٤٣ (٦٣٧٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣١٢، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٦٠، من طريق أبي اليمان، به. وأخرجه النسائي في المجتبى ٣/ ١٧١، وفي الكبرى ٢/ ٣٦٩ (١٩٤٢) من طريق شعيب، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ١٨٠ - ١٨١ (٧٣٩٤).
[ ٩ / ٥٢٩ ]
سألَهُ: هل صلَّى النَّبيُّ -ﷺ- صَلاةَ الخَوْفِ؟ فقال: أخبرنا سالمٌ، أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ قال: غَزَوتُ مع رسُولِ الله -ﷺ- قِبَلَ نَجْدٍ فوازينا العدُوَّ، فصفَفْنا لهم، فقامَ رسُولُ الله -ﷺ- يُصلِّي لنا، فقامَتْ طائفة معهُ، وأقبَلَتْ طائفةٌ على العدُوِّ، فركَعَ رسُولُ الله -ﷺ- بمَنْ معَهُ رَكْعةً وسجَدَ سَجْدتينِ، ثُمَّ انْصَرفُوا مكان الطّائفةِ التي لم تُصلِّ، فجاؤُوا فركَعَ رسُولُ الله -ﷺ- بهم رَكْعةً، وسَجْدتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ كلّ واحدٍ منهُم فركَعَ لنفسِهِ رَكْعةً، وسجَدَ سَجْدتينِ.
وأمّا الرِّوايةُ التي جاءَت في حَديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ بنحوِ حَديثِ ابن عُمرَ؛ فحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^١): أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّانَ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- صلَّى بهم صَلاةَ الخَوْفِ، فصفَّ صفًّا خلفهُ، وصفًّا مُصافِّي العدُوِّ، فصلَّى بهم ركعةً، ثُمَّ ذهَبَ هؤُلاءِ، وجاءَ أُولئكَ، فصلَّى بهم رَكْعةً، ثُمَّ قامُوا فقَضوا رَكْعةً رَكْعةً.
فإن قيلَ: إنَّ يحيى القطّانَ قد خُولِفَ عن شُعبةَ في ذلك.
فالجوابُ، أنَّ الذي خالَفهُ، لا يُقاسُ به حِفظًا وإتقانًا وإمامَةً في الحديثِ.
وما اختَرْناهُ في هذا البابِ، فهُو اختيارُ أشهبَ، وإليه ذهَبَ الأوزاعيُّ، وقال به بعضُ أصحابِ داود.
والحُجَّةُ في اختيارِنا هذا الوجْهَ من بين سائرِ الوُجُوهِ المرويَّةِ في صلاةِ الخَوْفِ، أنَّهُ أصحُّها إسنادًا، وأشبهُها بالأُصُولِ المُجتَمع عليها.
_________________
(١) أخرجه في الكبرى ٢/ ٣٦٧ (١٩٣٧)، وهو في المجتبى ٣/ ١٧٠، وقد سلف تخريجه في هذا الباب.
[ ٩ / ٥٣٠ ]
وفي صَلاةِ رسُولِ الله -ﷺ- في الخَوْفِ بأصحابِهِ رَكْعةً ركعةً، وأتمَّت كلُّ طائفةٍ لأنْفُسِها (^١)، دليل على أنَّ حديثٌ جابرٍ في قِصَّةِ مُعاذٍ -وصلاتِهِ بقَومِهِ، بعدَ صَلاتِهِ مع النَّبيِّ -ﷺ- (^٢) تلكَ الصلاةَ -منسُوخٌ، لأنَّهُ لو جازَ أن تُصلَّى الفَرِيضةُ خلفَ المُتنفِّلِ، لصلَّى بهم رسُولُ الله -ﷺ- رَكْعتينِ رَكْعتينِ، والله أعلمُ.
قدِ احتجَّ بهذا أبو الفَرج، وغيرُهُ من أصحابِنا، ومن الكُوفيِّين أيضًا، إلّا (^٣) أنَّهُ يَعترِضُ عليهم حديثُ أبي بَكْرةَ، وحديثُ جابرٍ، وفي ذلك نظرٌ، وبالله التَّوفيقُ.
وقالت طائفة من أهلِ العِلْم، منهُم أبو يوسُف، وابنُ عُليَّةَ: لا تُصلَّى صَلاةُ الخَوْفِ بعدَ النَّبيِّ -ﷺ- بإمام واحدٍ، وإنَّما تُصلَّى (^٤) بإمامَيْنِ، يُصلِّي كلُّ إمام بطائفةٍ رَكْعتينِ، واحتجُّوا بقولِ الله ﷿: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآيةَ [النساء: ١٠٢].
قالوا: فإذا لم يكُن فيهمُ النَّبيُّ -ﷺ- لم يكُن ذلك لهم، لأنَّ النَّبيَّ -ﷺ- ليسَ
كَغير في ذلك، ولم يَكُن من أصحابِهِ من يُؤثِرُ بنَصيبِهِ منهُ غيرَهُ، وكلُّهُم كان يُحِبُّ أن يأتَمَّ به ويُصَلِّي خلَفهُ، وليسَ أحَدٌ بعدَهُ يقومُ في الفَضْلِ مقامَهُ، والنّاسُ بعدهُ تَسْتوي أحوالُهُم، أو تتقاربُ، فلذلكَ يُصلِّي الإمامُ بفريق منهُم، ويأمُرُ من يُصلِّي بالفَريقِ الآخرِ، وليسَ بالنّاسِ اليومَ حاجةٌ إلى صَلاةِ الخَوْفِ، إذا كان لهم سَبيلٌ أن يُصلُّوا فوجًا فوجًا، ولا يَدَعُوا فرضَ القِبْلةِ ولهم إليها سبيلٌ.
_________________
(١) في م: "لنفسها".
(٢) سيأتي بإسناده في الحديث الثاني والأربعون لأبي الزناد، وهو في الموطأ ١/ ١٩٥ (٣٥٥). وانظر تخريجه هناك.
(٣) حرف الاستثناء سقط من د ٤، ولابدّ منه.
(٤) زاد هنا في د ٤: "بعد إلى يوم القيامة"، ولا توجد مثل هذه العبارة في الاستذكار ٢/ ٤٠٦ حين ذكر هذا النص.
[ ٩ / ٥٣١ ]
قال أبو عُمر: هذه جُملةُ ما احتجَّ به القائلُونَ بأنْ لا تُصلَّى صَلاةُ الخوفِ بإمام واحدٍ لطائفتين، بعدَ النَّبيِّ -ﷺ-.
ومِن الحُجَّةِ عليهم لسائرِ العُلماءِ، أنَّهُ لمّا كان قولُ الله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] لا يُوجِبُ الاقتِصارَ على النَّبيِّ -ﷺ- وحدَهُ، وأنَّ من بعدَهُ يقومُ في ذلك مقامَهُ، فكذلك قولُهُ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ سواءٌ. ألا ترَى أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيق في جماعةِ الصَّحابةِ قاتَلُوا من تأوَّل في الزَّكاةِ، مِثلَ تأويلِ هؤُلاءِ في صَلاةِ الخَوْفِ؟
قال أبو عُمر: ليسَ في أخذِ الزَّكاةِ التي قدِ اسْتَوى فيها النَّبيُّ -ﷺ- ومن بعدَهُ من الخُلفاءِ، ما يُشبِهُ صَلاةَ من صلَّى خلفَ النَّبيِّ -ﷺ-، وصلَّى غيرُهُ خلفَ غيرِهِ؛ لأنَّ أخذَ الزَّكاةِ، فائدتُها توصيلُها للمساكينِ، وليسَ في هذا فضلٌ للمُعطَى، كما في الصَّلاةِ فَضْلٌ للمُصلِّي خلفَهُ.
وأمّا مُراعاةُ القِبْلةِ للخائفِ في الصَّلاةِ، فساقِطةٌ عنهُ عندَ أهلِ المدينةِ، والشّافِعيِّ (^١)، إذا اشتدَّ خَوْفُهُ، كما يسقُطُ عنهُ (^٢) النُّزولُ إلى الأرضِ، لقولِ الله ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. قال ابن عُمر: مُسْتقبِلي القِبلةِ، وغيرَ مُستقبِليها. وهذا لا يجُوزُ لمُصلِّي الفَرْضِ في غيرِ الخَوْفِ.
ومِن الدَّليلِ على أنَّ ما خُوطِبَ به النَّبيُّ -ﷺ- دخلت فيه أُمَّتُهُ، إلّا أن يتبيَّنَ خُصُوصٌ في ذلك، قولُ الله ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٣٧]. ومِثلُ ذلك قولُ الله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ٢٤٢، والمدونة ١/ ٢٤٠.
(٢) في م: "عند".
[ ٩ / ٥٣٢ ]
[الأنعام: ٦٨]. هُو المُخاطبُ به، وأُمَّتُهُ داخِلةٌ في حُكْمِهِ، ومِثلُ هذا كثيرٌ (^١)، وبالله التَّوفيقُ.
وأمّا قولُ ابن عُمرَ في حديثهِ هذا: فإن كان خوفًا هُو أشدَّ من ذلك، صلَّوا رِجالًا قيامًا (^٢) على أقدامِهِم، أو رُكبانًا مُسْتقبِلي القِبلةِ، وغيرَ مُستقبِليها. فإليه ذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما، وجماعةٌ غيرُهُم.
قال مالكٌ والشّافِعيُّ (^٣): يُصلِّي (^٤) المُسافِرُ، والخائفُ على قَدْرِ طاقتِهِ، مُسْتَقبِلَ القِبْلةِ ومُستدبِرَها. وبذلكَ قال أهلُ الظّاهِرِ.
وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا يُصلِّي الخائفُ إلّا إلى القِبْلةِ، ولا يُصلِّي أحدٌ في حالِ المُسايَفة (^٥).
وقولُ الثَّوريّ نحوُ قولِ مالكٍ، ومِن قولِ مالكٍ والثَّوريِّ: إنَّهُ إن لم يَقْدِر على الرُّكُوع والسُّجُودِ، فإنَّهُ يُصلِّي قائمًا، ويُومِئُ.
قال الثَّوريُّ: إذا كُنت خائفًا، فكُنت راكِبًا أو قائمًا، أومأت إيماءً حيثُ كان وجهُكَ رَكْعتينِ، تجعلُ السُّجُودَ أخفَضَ من الرُّكُوع، وذلكَ عندَ السَّلَّةِ. والسَّلَّةُ: المُسايَفةُ.
وقال الأوزاعيُّ: إذا كان القومُ مُواجِهي العدُوِّ، وصلَّى بهم إمامُهُم صَلاةَ الخوفِ، فإنْ شَغَلهمُ القِتالُ، صلَّوا فُرادى، فإن اشتَدَّ القِتالُ، صلَّوا رِجالًا ورُكبانًا إيماءً، حيثُ كانت وُجُوهُهُم، فإن لم يَقدِرُوا، تَركُوا الصَّلاةَ حتّى يأمَنُوا.
_________________
(١) في د ٤: "حَسَن".
(٢) في الأصل، م: "قياسًا"، وهو تحريف ظاهر.
(٣) انظر: الأم ١/ ٢٤٢، والمدونة ١/ ٢٤٠.
(٤) سقط هذا الفعل من د ٤.
(٥) انظر: الإشراف ٢/ ٢٢٧، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٦٦، وشرح مختصر الطحاوي ١/ ٥٦٥ و٢/ ١٧٤.
[ ٩ / ٥٣٣ ]
وقال الشّافِعيُّ (^١): لا بأسَ أن يضرِبَ في الصَّلاةِ الضَّربةَ، ويطعَنَ الطَّعنةَ، وإن تابَع الضَّربَ، أوِ الطَّعنَ، أو عمِلَ عملًا، بَطَلت صلاتُهُ (^٢).
واسْتَحبَّ الشّافِعيُّ أن يأخُذَ المُصلِّي سِلاحَهُ في الصَّلاةِ، ما لم يكُن نَجِسًا، أو يَمنَعْهُ من الصَّلاةِ، أو يُؤْذِ أحدًا. قال: ولا يأخُذُ الرُّمح، إلّا أن يكون في حاشِيةِ النّاسِ.
وأكثرُ أهلِ العِلم يَسْتحِبُّون للمُصلِّي أخذَ سِلاحِهِ، إذا صلَّى في الخَوْفِ، ويحمِلُونَ قولهُ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] على النَّدبِ، لأنَّهُ شيءٌ لولا الخوفُ، لم يجِب أخذُهُ، فكان الأمرُ به ندبًا.
وقال أهلُ الظّاهِرِ: أخذُ السِّلاح في صَلاةِ الخوفِ واجِبٌ، لأمرِ الله به، إلّا لمن كان به أذًى من مَطرٍ، أو مَرَضٍ، فإن كان ذلك، جازَ لهُ وضعُ سِلاحِهِ.
قال أبو عُمر: الحالُ التي يجُوزُ فيها للخائفِ أن يُصلِّي راكِبًا وراجِلًا، مُستقبِلَ القِبلةِ وغيرَ مُسْتقبِلِها، هي حالُ شدَّةِ الخوفِ، والحالُ الأُولى التي وَرَدتِ الآثارُ فيها هي غيرُ هذه الحال، وأحسنُ النّاسِ صِفةً للحالينِ جميعًا من الفُقهاءِ: الشّافِعيُّ ﵀.
ونحنُ نذكُرُ هاهُنا قولهُ في ذلك، لنُبيِّن به المُرادَ من الحديثِ، وبالله التَّوفيقُ (^٣).
قال الشّافِعيُّ: لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّي صَلاةَ الخَوْفِ، إلّا بأن يُعايِنَ عدُوًّا قريبًا غيرَ مأمُونٍ أن يحمِلَ عليه من مَوْضِع يراهُ، أو يأتيهُ من يُصدِّقُهُ بمِثلِ
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ٢٥٥، والإشراف لابن المنذر ٢/ ٢٢٤. وانظر فيهما ما بعده.
(٢) هكذا في النسخ، وفي الأم: "أو عمل ما يطول، فلا يجزئه صلاته".
(٣) في د ٤: "وبالله العون".
[ ٩ / ٥٣٤ ]
ذلك من قُربِ العدُوِّ منهُ، ومَسيرِهِم (^١) جادِّين إليه، فإن لم يكُن واحدًا من هذين المَعْنيينِ، فلا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ صلاةَ الخوفِ، فإن صلَّوا بالخَبرِ صَلاةَ الخوفِ، ثُمَّ ذهبَ، لم يُعيدُوا.
وقال أبو حنيفةَ: يُعيدُونَ (^٢).
وقال الشّافِعيُّ: إن كان بينهُم وبين العدُوِّ حائل يأمنُونَ وُصُولَ العدُوِّ إليهم، لم يُصلُّوا صلاةَ الخوفِ، وإن كانوا لا يأمنُونهُم صلَّوا.
وقال الشّافِعيُّ: الخَوْفُ الذي تجوزُ فيه الصَّلاةُ رِجالًا ورُكبانًا، إطلالُ العدُوِّ عليهم، فيتراءَونَ معًا والمُسلِمُونَ في غيرِ حِصنٍ، حتّى ينالهمُ السِّلاحُ من الرَّميِ، أو أكثرُ (^٣) من أن يَقرُب العدُوُّ فيه منهُم من الطَّعن والضَّربِ، فإذا كان هكذا، والعدُوُّ من وجهٍ واحدٍ، أو محُيطُونَ بالمُسلِمينَ، والمُسلِمُونَ كثيرٌ، والعدُوُّ قليلٌ، تَسْتقِلُّ كلُّ طائفةٍ وَليها العدُوُّ بالعدوِّ، حتّى تكونَ من بين الطَّوائفِ التي يَلِيها العدُوُّ في غَير شِدَّةِ خَوْفٍ منهُم، صلَّى الذينَ لا يلُونهُم صلاةً غيرَ شِدَّةِ الخوفِ، لا يُجزِئُ غيرُ ذلك.
ولغيرِ الشّافِعيِّ قريبٌ من هذا المعنى في الوَجْهين جميعًا.
وقال مالكٌ: إن صلَّى آمِنًا رَكْعةً، ثُمَّ خافَ، ركِبَ وبَنَى، وكذلكَ إن صلَّى ركعةً راكِبًا وهُو خائفٌ، ثُمَّ أمِنَ، نزلَ وبنى. وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، وبه قال المُزنيُّ.
_________________
(١) في د ٤: "وسيرهم".
(٢) في د ٤، ف ٣: "يعيدوا".
(٣) في الأصل، م: "وأكثر".
[ ٩ / ٥٣٥ ]
وقال أبو حنيفةَ: إذا افتتحَ الصَّلاةَ آمِنًا، ثُمَّ خافَ، استقبلَ ولم يبنِ، فإن صلَّى خائفَّاَ، ثُمَّ أمِنَ، بَنَى.
وقال الشّافِعيُّ: يبني النّازِلُ، ولا يبني الرّاكِبُ.
وقال أبو يوسُفَ: لا يبني في شيءٍ من هذا كلِّهِ.
وللفُقهاءِ اختِلافٌ فيمَنْ ظنَّ بالعَدوَّ، أو رآهُ، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثُمَّ انكشَفَ لهُ أنَّهُ لم يكُن عدُوٌّ، وفي (^١) الخوفِ من السِّباع وغيرِها، وفي الصَّلاةِ في حين المُسايَفةِ، وفي أخذِ السِّلاح في الحَرْبِ مسائلُ كثيرةٌ من فروع (^٢) صَلاةِ الخَوْفِ، لا يجمُلُ بي إيرادُها، لخُرُوجِنا بذلك عن تأليفِنا، وفيما ذكَرْنا من الأُصُولِ التي في معنَى الحديثِ، ما يُستَدلُّ به على كثيرٍ من الفُرُوع، وللفُرُوع كُتُبٌ غَيرُ هذه، وبالله العِصمةُ والتَّوفيقُ.
أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحمن الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي سَلَمةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني سابِقٌ البَرْبَريُّ، قال: كُنتُ مع مَكْحُولٍ بدابِقَ (^٣)، قال: فكتَبَ إلى الحسن يسألُهُ عن الرَّجُلِ يَطْلُبُ عَدُوَّهُ. فلم يَبْرح حتّى جاءَ كِتابُهُ، فقرأتُ كِتابَ الحسنِ: إن كان هُو الطّالِبَ، نزلَ فصلَّى على الأرضِ، وإن كان هُو المطلُوب صَلَّى على ظَهْرٍ. قال الأوزاعيُّ: فوَجَدْنا الأمرَ على غيرِ ذلك (^٤).
_________________
(١) في الأصل، د ٤، م: "في".
(٢) في م: "فرع".
(٣) في م: "بدانق". ودابق، قرية قرب حلب، من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ، عندها مرج معشب. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/ ٤١٦.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٥٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٠/ ٥، من طريق الأوزاعي، به.
[ ٩ / ٥٣٦ ]
قال شُرحبيلُ بن حَسَنةَ لأصحابِهِ: لا تُصلُّوا الصُّبحَ إلّا على ظَهْرٍ. فنزلَ الأشترُ، فصَلَّى على الأرْضِ، فمرَّ به شُرَحبيلُ، فقال: مخُالِفٌ، خالَف اللهُ به. قال: فخرجَ الأشْتَرُ في الفِتنة (^١).
وكان الأوزاعيُّ يأخُذُ بهذا الحديثِ في طَلَبِ العدُوِّ.
قال أبو عُمر: أكثرُ العُلماءِ على ما قال الحسنُ في صَلاةِ الطّالِبِ والهارِبِ، وما أعلمُ أحدًا قال بما جاءَ عن شُرَحبيل بن حَسَنةَ في هذا الحديثِ، إلّا الأوزاعيَّ وحدَهُ والله أعلمُ.
والصَّحيحُ ما قالَهُ الحسنُ، وجماعَةُ الفُقهاءِ؛ لأنَّ الطَّلبَ تَطوُّعٌ، والصَّلاةَ المكتُوبةَ فَرْضُها أن تُصلَّى بالأرْضِ حَيْثُ ما أمكنَ ذلك، ولا يُصلِّيها راكِبًا إلّا خائفٌ شديدٌ خوفُهُ، وليسَ كذلك حالُ الطّالِبِ، واللهُ أعلمُ، وهو الموفِّقُ للصواب، لا شَريكَ له (^٢) (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٥٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٦/ ٣٨٠ - ٣٨١، من طريق مكحول، عن شرحبيل، به.
(٢) قوله: "وهو الموفق للصواب لا شريك له" لم يرد في الأصل.
(٣) جاء في حاشية الأصل: "بلغت المقابلة بحمد الله وحسن عونه".
[ ٩ / ٥٣٧ ]