حديثٌ حادي ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، أنَّها فالت لرسُولِ الله -ﷺ-: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، وأنتَ لم تَحِلَّ من عُمْرتِكَ (^٢)؟ فقال: "إنِّي لبَّدتُ رأسي، وقلَّدتُ هَدْي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ".
قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، وأنت لم تحِلَّ من عُمرتِكَ؟ وتابَعهُ جماعةٌ من الرُّواةِ، منهُم: عتيقٌ الزُّبيريُّ، وعبدُ الله بن يوسُف التِّنِّيَسيُّ (^٣)، والقَعْنبيُّ (^٤)، وابنُ بُكَير (^٥)، وأبو مُصعب (^٦).
وقال ابنُ القاسم (^٧)، وابنُ وَهْب (^٨)، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا بعُمرةٍ، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ والمعنى واحدٌ عندَ أهل العِلم.
ولم يختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في قولِهِ: ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ وزعَمَ بعضُ النّاس: أنَّهُ لم يقُل أحدٌ في هذا الحديثِ عن نافع: ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ إلّا مالكٌ وحدَهُ، وجعلَ هذا القولَ جوابًا لسائلِهِ عن معنى هذا الحديثِ.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٥٢٧ - ٥٢٨ (١١٦٨).
(٢) قوله: "من عمرتك" سقط من الأصل، وهو ثابت في بقية النسخ والموطأ، وسيأتي ذكره عنده بعد قليل.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٦٦، ١٧٢٥) من طريق التنيسي، به. ولفظه: "حلوا بعمرة". كلفظ ابن ابقاسم وابن وهب، الذي نبه عليه المصنف.
(٤) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٥) أخرجه أبو نعيم في المستخرج (٢٨٥٣) من طريق ابن بكير، به.
(٦) أخرجه في الموطأ بروايته ١/ ٥٤٠ (١٤٠٢).
(٧) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ١٧٢، وفي الكبرى ٤/ ٦٦ (٣٧٤٧) من طريق القاسم، به.
(٨) أخرجه الطحاوي قي شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٤، من طريق ابن وهب، به.
[ ١٠ / ٧ ]
قال أبو عُمر: فلا أدري مِمَّن أتَعجَّبُ من المسؤُولِ الذي اسْتَحيا أن يقول: لا أدري. أو من السّائلِ، الذي قنعَ بمِثلِ هذا الجوابِ، والله المُستعانُ.
وهذه اللَّفظةُ قد قالها عن نافع جماعةٌ، منهُم: مالكٌ، وعُبيدُ الله بن عُمرَ (^١)، وأيُّوبُ السَّختيانيُّ، وهؤُلاءِ هم (^٢) الحُفّاظُ أصحابُ نافع، والحُجَّةُ فيه على من خالَفهُم.
ورواهُ ابنُ جُرَيج، عن نافع، فلم يَقُل: من عُمرتِكَ.
أخبرنا عبدُ الرَّحمن بن مروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن يحيى القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زَيْدِ بن هارونَ (^٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن سُليمانَ وعبدُ المجيدِ، عن ابن جُرَيج، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: حدَّثتني حَفْصةُ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أمَرَ أزواجَهُ أن يَحْللْنَ عامَ حجَّةِ الوداع. قالت حَفْصةُ: فقلتُ: ما يمنعُكَ أن تحِلَّ؟ قال: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ هَدْيي" (^٤).
قال أبو عُمر: قد علِمَ كلُّ ذي عِلم بالحديثِ، أنَّ مالكًا في نافع وغيرِهِ، زيادتُهُ مقبُولةٌ، لموضِعِهِ من الحِفظِ والإتقانِ والتَّثبُّتِ، ولو زادَ هذه اللَّفظةَ مالكٌ وحدَهُ، لكانت زيادةً مقبُولةً، لفِقهِهِ وفَهمِهِ وحِفظِهِ وإتقانِهِ، وكذلك كلُّ عدلٍ حافِظٍ، فكيفَ وقد تابَعهُ من ذكَرْنا؟
_________________
(١) سيأتي بإسناده، وانظر تخريجه في موضعه.
(٢) سقط الضمير من م.
(٣) في م: "بن مروان". وهو إسناد دائر.
(٤) أخرجه مسلم (١٢٢٩) (١٧٩) عن ابن أبي عمر، به. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ١١٩ - ١٢٠ (١٥٨٦٠).
[ ١٠ / ٨ ]
ولكِنَّ المسؤُولَ لمّا رأى حديثَ حَفْصةَ هذا يُوجِبُ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان مُتمتِّعًا في حَجَّتِهِ، أو قارِنًا، ولا بُدَّ من إحدَى هاتين الحالتَيْنِ، على حديثِ حَفْصةَ هذا، وعرفَ أنَّ مالكًا كان يَذْهبُ إلى أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- كان مُفرِدًا في حَجَّتِهِ تلكَ- لحديثهِ عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ (^١)، ولحديثهِ عن أبي الأسودِ وابن شِهاب، جميعًا عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أفردَ الحجَّ (^٢) - دَفعَ حديثَ حَفْصةَ بما لا وجهَ لهُ، وزعمَ أنَّ مالكًا انفردَ بقولِهِ: "ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ ".
قال أبو عُمر: فلم ينفرِد بها مالكٌ، ولوِ انفردَ بها، ما نسَبَ أحدٌ إليه الوهمَ فيها؛ لأنَّها لَفْظةٌ لا يدفعُها أصلٌ، ولا نَظَر من أصلٍ، ولو جُوِّزَ لهُ أن يدفَعَ حديث حَفْصةَ هذا، بمِثلِ ذلك من خَطَلِ القولِ، كيفَ كان يصنعُ في أحاديثِ التَّمتُّع كلِّها، التي رُوي فيها: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- كان في حجَّتِهِ مُتمتِّعًا. وفي أحاديثِ القِرانِ، التي صرَّحت (^٣) أو دَلَّتْ على أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- كان يومئذٍ قارِنًا. وهي كلُّها آثارٌ صِحاحٌ ثابتةٌ، قد خرَّجها (^٤) البُخاريُّ، ومُسلِمٌ، وأبو داود، وغيرُهُم.
قال أبو عُمر: الذي عليه أهلُ العِلم فيما اختَلَف من الآثارِ، المصيرُ إلى أقوى ما رَوَوهُ، وكان أثبتَ عندَهُم من جِهَةِ النَّقلِ والمعنى، وأشبَهَ بالأُصُولِ المُجتَمع عليها.
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٥١ (٩٤٣).
(٢) أخرجه في الموطأ أيضًا ١/ ٤٥١ (٩٤٤).
(٣) في د ٤: "خرجت".
(٤) في م: "أخرجها".
[ ١٠ / ٩ ]
هذا (^١) إذا تعارَضَتِ الآثارُ في مَحظُورٍ ومُباح، ولم يَقُم دليلٌ على نَسْخ شيءٍ منها، ولم يُمكِن ترتيبُ بَعضِها على بعضٍ، فكيفَ والأحاديثُ في القِرانِ والإفْرادِ، والتَّمتُّع، لم تَخْتَلِف إلّا في وُجُوهٍ مُباحةٍ كلُّها، لا يختلِفُ العُلماءُ في ذلك، ولا أحدٌ من الأُمَّةِ، بأنَّ الإفرادَ والتَّمتُّعَ والقِرانَ، كلَّ ذلك مُباحٌ، بالسُّنَّةِ الثّابِتةِ المُتواتِرةِ النَّقل، وبإجماع العُلماءِ.
وإنَّما اختَلَفتِ الآثارُ، واختَلَف العُلماءُ، فيما كان به رسُولُ الله -ﷺ- مُحُرِمًا في خاصَّةِ نَفسِهِ، وهذا لا يضُرُّ جهلُهُ، لِما وَصَفنا.
ولمّا لم يكُن لأحَدٍ من العُلماءِ سبيلٌ إلى الأخَذِ بكلِّ ما تعارَضَ وتدافَعَ من الآثارِ في هذا البابِ، ولم يكُن بُدٌّ من المصيرِ إلى وجهٍ واحدٍ (^٢) منها، صارَ كلُّ واحدٍ منهُم إلى الأصحِّ عندَهُ، بمبلغ اجتِهادِهِ.
فصارَ مالكٌ إلى تَفْضيلِ الإفْرادِ على التَّمتُّع، وعلى القِرانَ، لوُجُوهٍ:
منها: أنَّهُ روَى ذلك أيضًا (^٣) عن عائشةَ من وُجُوه (^٤). فكانت تِلك الوُجُوهُ أولَى عندَهُ من حديثِ حَفْصةَ هذا.
ومنها (^٥): أنَّهُ الثّابِتُ في حَديثِ جابرٍ، عن النَّبيِّ -ﷺ- (^٦).
ومنها: أنَّهُ اختيارُ أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ.
_________________
(١) من هنا إلى قوله: "ولما لم يكن لأحد من العلماء " لم يرد في د ٤.
(٢) قوله: "واحد" سقط من د ٤.
(٣) في د ٤: "نصًّا".
(٤) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٥١ (٩٤٣، ٩٤٤).
(٥) هذا السطر لم يرد في د ٤.
(٦) أخرجه في الموطأ ١/ ٤٨٩ (١٠٥٧). وهو حديث جابر بخبر حجته -ﷺ-، واقتصر على طرف منه.
[ ١٠ / ١٠ ]
ومنها: أنَّ ذلك أتمُّ، ولذلكَ لم يُحتَجْ فيه إلى جَبْرِ شيءٍ بدَم.
ومنها، من جِهةِ النَّظرِ، حُجَجٌ مخالفةٌ مُعارضَها بمِثلِها من جِهةِ النَّظرِ أيضًا، ليسَ بنا حاجةٌ هاهُنا إلى ذِكرِ شيءٍ منها.
وذهَبَ غيرُهُ إلى أنَّ التَّمتُّعَ أفْضَلُ، لآثارٍ رَوَوها، عن النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّهُ تمتَّعَ. وكان ابنُ عُمرَ يذهبُ إلى التَّمتُّع، ويزعُمُ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- تمتَّع في حَجَّتِهِ. وكان ابنُ عُمرَ من أعلم الصَّحابةِ بالحجِّ.
وذهَبَ آخرُونَ إلى أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قرَنَ بينَ الحجِّ والعُمرةِ في حَجَّتِهِ، لآثارٍ رَوَوها صِحاح عندَهُم أيضًا بذلك.
والآثارُ في التَّمتُّع والقِرانِ كثيرةٌ جِدًّا، وقد ذكَرْنا منها في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا ما فيه كِفايةٌ. وفي بابِ نافع أيضًا ما فيه شِفاءٌ.
وما أعلمُ أحدًا قي قَديم الدَّهرِ، ولا حَديثهِ، ردَّ حديثَ حَفْصةَ هذا، بأن قال: إنَّ مالكًا انفردَ منهُ بقولِهِ: "ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ". إلّا هذا الرَّجُل، واللهُ يغفِرُ لنا، ولهُ برحمتِهِ.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (^١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. قالا: حدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ زوج النَّبيِّ -ﷺ-، أنَّها قالت لرسُولِ الله -ﷺ-: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ قال: "إنِّي لبَّدتُ رأسي، وقلَّدتُ هَدْيي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ".
_________________
(١) في سننه (١٨٠٦).
[ ١٠ / ١١ ]
وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني: ابنَ سَعيدٍ القطّان، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، قالت: قلتُ للنَّبيِّ -ﷺ-: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ من عُمرتِكَ؟ قال: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أحِلَّ (^١) من الحَجِّ" (^٢).
فهذا عُبيدُ الله بن عُمرَ، وهُو من أثْبَتِ النّاسِ في نافع، قد قال كما قال مالكٌ سَواءً.
وهُو أمرٌ مُجتمَع عليه في القارِنِ: أنَّهُ لا يحِلُّ حتّى يحِلَّ منهُما جميعًا، بآخِرِ عَملِ الحجِّ.
وزعَمَ بعضُ أصحابِنا: أنَّ حديثَ حَفْصةَ هذا ليسَ فيه ما يدُلُّ على أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- كان يومئذٍ مُتمتِّعًا، ولا قارِنًا. وقال: في جوابِهِ لها، ما يدُلُّ على أنَّهُ كان مُفرِدًا، لقولِهِ: "لبَّدتُ رأسي، وقلَّدتُ هَدْيي". ولم يعرِف أنَّ هَدْي المُفرِدِ تَطَوُّعٌ لا يمنعُ من إحلالٍ لمن أُمِرَ بفَسْخ حجِّهِ في عُمرةٍ، كما أمَرَ رسُولُ الله -ﷺ- يَومئذٍ أصحابَهُ. وسنُبيِّنُ هذا المعنى فيما بعدُ من هذا البابِ إن شاءَ الله، وإنَّما حَمَلهُ على ذلك، واللهُ أعلمُ، تَقْصيرُ (^٣) البُخاريِّ عنهُ، في رِوايةِ عُبيدِ الله.
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن سعيدٍ وأحمدُ بن قاسم، قالوا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ. قالا جميعًا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ،
_________________
(١) قوله: "حتى أحل" سقط من الأصل، م.
(٢) انظر تخريجه في لاحقيه.
(٣) في د ٤: "تفسير"، خطأ.
[ ١٠ / ١٢ ]
قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ حَفْصةَ زوجَ النَّبيِّ -ﷺ- قالت: قلتُ: يا رسُولَ الله، ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ قال: "إنِّي لبَّدتُ رأسي، وقَلَّدتُ هَدْيي، فلا أحِلُّ حتّى أحِلَّ من الحَجِّ" (^١).
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ وعبدُ الرَّحمن بن عبدِ الله، قالا (^٢): حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (^٣): حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، قالت: قلتُ: يا رسُولَ الله، ما شأنُ النّاسِ حَلُّوا ولم تحِلَّ من عُمرتِكَ؟ فذكَرَهُ حرفًا بحرفٍ إلى آخِرِهِ.
قال أبو عُمر؟ معلُومٌ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أمَرَ أصحابهُ في حَجَّتِهِ: أنَّهُ من لم يَكُن منهُم معَهُ هديٌ، أن يفسخَ حَجَّهُ في عُمرةٍ.
وهذا ما لم يُختَلفْ في نقلِهِ، وإنَّما اختُلِف في خُصُوصِهِ، وعِلَّتِهِ، وعلى هذا خرَجَ سُؤالُ حفصةَ، وقولهُا: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِك؟ فجاوبها بما جَرَى ذِكرُهُ.
ولم يُختَلَفْ عنهُ -ﷺ- أنَّهُ لمّا قدِمَ مكَّةَ، أمرَ أصحابهُ أن يحِلُّوا، إلّا من كان قد ساق هديًا، وثبتَ هُو على إحرامِهِ، فلم يحِلَّ منهُ، إلّا وقتَ ما يحِلُّ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢٢٩) (١٧٨)، وابن ماجة (٣٠٤٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، به.
(٢) في د ٤: "حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بهذا الإسناد، قال"، والمثبت من بقية النسخ.
(٣) أخرجه في المسند ٤٤/ ٢٤ (٢٦٤٢٤). وأخرجه البخاري (١٦٩٧)، ومسلم (١٢٢٩) (١٧٧)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٣٦، وفي الكبرى ٤/ ٢٩ (٣٦٤٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١١/ ٨٩ (٤٣١٠)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٢، ١٣، من طريق يحيى القطان، به. وأخرجه والبزار في مسنده ١٢/ ١٠٢ (٥٦٠٠)، وأبو يعلى (٧٠٥٠) من طريق عبيد الله، به. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ١١٩ - ١٢٠ (١٥٨٦٠).
[ ١٠ / ١٣ ]
الحاجُّ من حجِّهِ، وقال: "لوِ اسْتَقبلتُ من أمْرِي ما اسْتَدبرتُ، ما سُقتُ الهَدْي، ولَجعلْتُها عُمرةً، فمن كان ليسَ معَهُ هديٌ، فليحِلَّ، ولْيَجعلْها عُمْرةً" (^١).
وهذا عندَنا خُصُوصٌ، واللهُ أعلمُ، لأنَّهُ -ﷺ- علِمَ أنَّهُ لا يحُجُّ بعدَها، وكان قد عرفَ من أمْرِ جاهِليَّتهِم أنَّهُم لا يرونَ العُمرةَ في أشْهُرِ الحجِّ إلّا فُجُورًا، ونسَخَ اللهُ ذلك من أمرِهِم، فأرادَ -ﷺ- أن يُريَهُم أنَّ العُمرةَ في أشْهُرِ الحجِّ ليسَ بها بأسٌ، فأمَرَ أصحابَهُ أن يحِلُّوا بعُمْرةٍ يتمتَّعُونَ بها.
ومِمّا استدلَّ به من فضَّلَ القِرانَ والتَّمتُّع على الإفْرادِ، أنْ قال في (^٢) حديثِ حَفْصةَ هذا عن النَّبيِّ -ﷺ-، قولَهُ: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ الهَدْي"، يدُلُّ أنَّهُ كان قارِنًا -ﷺ-، بقولِهِ (^٣): "حتّى أحِلَّ من الحجِّ"؛ كذلك رواهُ الحُفّاظُ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ. وقال أحمدُ بن حَنْبل: عُبيدُ الله بن عُمرَ أقْعَدُ بنافع من أيُّوب، ومالكٍ (^٤)، وكلُّهُم ثَبْتٌ. لأنَّهُ لو كان مُفرِدًا لحجِّهِ، لكان هَدْيُهُ تطوُّعًا، والهديُ التَّطوُّعُ لا يَمْنعُ من الإحلالِ الذي يحِلُّهُ الرَّجُلُ، إذا لم يكُن معَهُ هديٌ، ولو كان هَدْيُهُ تطوّعًا، لكان حُكْمُهُ كحُكْمِ من لم يَسُق هديًا، ولَجعلَها عُمْرةً على حِرْصِه على ذلك، بدليل قولِهِ: "لوِ اسْتَقبلتُ من أمْرِي ما اسْتَدبرتُ، ما سُقتُ الهَدْي". والهديُ الذي يَمْنعُ من ذلك، هديُ قِرانٍ، أو هَدْيُ مُتعةٍ، هذا ما لا شكَّ فيه عندَ أهلِ العِلم.
_________________
(١) هذا طرف من حديث جابر المطول بخبر حجته -ﷺ-، وقد ذكر مالك في الموطأ ١/ ٤٨٩ (١٠٥٧) طرفًا منه، ولم يسقه بتمامه، وهو بتمامه عند مسلم (١٢١٨) وغيره.
(٢) في الأصل: "إن"، خطأ بيّن.
(٣) في الأصل: "وقوله"، وهو خطأ، والمثبت من بقية النسخ.
(٤) في د ٤: "وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبيد الله بن عمر الحديثان عن أيوب ومالك"، وهو تحريف ظاهر.
[ ١٠ / ١٤ ]
ألا (^١) تَرَى لو أنَّ رجُلًا خرجَ يُريدُ التَّمتُّع، وأحرمَ بعُمرةٍ: أنَّهُ إذا طافَ لها وسَعَى، وحلقَ، حلَّ منها بإجماع، إلّا أن يكونَ معَهُ هديٌ لمُتعتِهِ، فإن كان ساقَ هديًا لمُتعتِهِ، لم يحِلَّ حتّى يوم النَّحرِ، ولو ساقَ هديًا تطوُّعًا، حلَّ قبلَ يوم النَّحرِ، بعدَ فَراغِهِ من العُمرةِ.
قالوا: فثبتَ بذلك أنَّ هَدْيَ النَّبيِّ -ﷺ- لمّا كان قد مَنعهُ من الإحلالِ، وأوجَبَ ثُبُوتَهُ على الإحرام إلى يوم النَّحرِ، لم يكُن هَدْيَ تطوُّع، وإنَّما كان هديًا لسَببِ عُمْرةٍ، يُرادُ بها قِرانٌ أو تمتُّعٌ.
هذا كلُّهُ قولُ من نَفَى أن يكونَ النَّبيُّ -ﷺ- يومئذٍ مُفْرِدًا، وعوَّل على حديثِ حَفْصةَ هذا، وما كان في معناهُ.
قالوا: ونَظَرنا في حديثِ حَفْصةَ هذا، فإذا حديثُها قد دلَّنا على أنَّ ذلك القولَ من رسُولِ الله -ﷺ- كان بمَكَّةَ؛ لأنَّه (^٢) كان منهُ بعدَما حلَّ النّاسُ، ألا ترَى إلى قولىِ حَفْصةَ: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ ولا يخلُو النَّبيُّ -ﷺ- حينَ قال لحَفْصةَ مُجاوِبًا لها عن قولِها: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ الهَدْي" من أن يكونَ قال ذلك قبلَ أن يطُوفَ، أو بعدَ الطَّوافِ، فإن كان قد طافَ قبلَ ذلك، ثُمَّ أحرمَ بالحجِّ من بعدُ، فإنَّما (^٣) كان
_________________
(١) جاء قبل هذا في بعض النسخ: "قال أبو عمر: قولُهُ: هذا ما لا شَكَّ فيه عندَ أحَدٍ من أهلِ العلم، فإنَّهُ إن أرادَ هَدْي القِرانِ، فهو المانع من الإحْلالِ عندَ الجميع، وأمّا هَدْيُ التَّمَتُّع، فإنَّهُ لا يمنعُ من الإحلالِ عندَ أكثرِ أهلِ الحِجازِ، وإنَّما يمنَعُ منهُ عندَ فُقهاء الكُوفيِّينَ، وعلى مذهبهم تكلَّمَ هذا القائل، وهو أبو جعفَرٍ الطَّحاويُّ. ثم نرجعُ إلى قوله، قال" ولم يرد في الأصل ولا معنى له هنا.
(٢) قوله: "كان بمكة لأنه" لم يرد في الأصل، م.
(٣) في م: "فإما".
[ ١٠ / ١٥ ]
يكونُ (^١) مُتمتِّعًا، ولم يكُن قارِنًا، إذ أحرمَ بالحجِّ بعدَ فَراغِهِ من الطَّوافِ للعُمرةِ، وإن كان قد أحرمَ بالحجِّ قبلَ طَوافِهِ للعُمرةِ، فإنَّما كان قارِنًا، وهذا أشْبَهُ إن شاءَ الله (^٢).
وعلى أيِّ الوَجْهينِ كان، فإنَّ حديثَ حَفْصةَ هذا يَنْفي أن يكونَ النَّبيُّ -ﷺ- كان مُفرِدًا بحَجَّةٍ لم تتَقدَّمها عُمرةٌ، ولم يكُن معَها عُمرةٌ.
وإذا كان ذلك كذلكَ، فحُكمُ حَديثِ حَفْصةَ هذا، كحُكم سائرِ الأحاديثِ المأثُورةِ عنهُ -ﷺ-: أنَّهُ قرنَ. أو كحُكم الأحاديثِ عنهُ: أنَّهُ تمتَّعَ (^٣).
ومالكٌ ﵀ لا يُنكِرُها، ولكِنَّهُ قال: إنَّ المصيرَ إلى رِوايةِ من رَوَى أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أفردَ الحجَّ أولى؛ لأنَّهُ قد صَحَّ عنهُ ذلك من طريقِ النَّقلِ، كما صحَّت تلكَ الوُجُوهُ.
ورَجَّحنا اختيارنا الإفرادَ، بأنَّهُ عَملُ أبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، وحسبُكَ بقولِ عُمر: افصِلُوا بين حَجِّكُم وعُمْرتِكُم (^٤). وكان لا يزيدُ على الإفرادِ. ومُحالٌ أن يجهلَ هؤُلاءِ الخُلفاءُ الأفضَلَ والأصحَّ، مِمّا رُوي في ذلك، مع مَوْضِعِهِم من العِلم والجَلالة (^٥)، والفَهْم (^٦).
_________________
(١) هذه الكلمة سقطت من د ٤، م.
(٢) جاء بعد هذا في ف ٣: "قال أبو عُمر: سياقُ الهَدْي للمُتَمتِّع، لا يَمْنعهُ عندَ مالكٍ والشّافعيِّ من الإحلالِ إذا طافَ وسَعَى، ما لم يَكُن قارنًا. ويَمْنعُه من ذلك عندَ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ. وقد ذكَرْنا ذلك واضحًا في باب ابن شهابٍ، عن محمدِ بن عبدِ الله بن الحارثِ بن نَوْفلٍ، والحمدُ لله" ولم يرد في الأصل، د ٤، فكأن المصنف كتبها أولًا ثم حذفها بعدُ.
(٣) قوله: "أنه قرن، أو كحكم الأحاديث عنه أنه" سقط من د ٤.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦ (٩٨٩).
(٥) في د ٤: "والخلافة".
(٦) انظر: الاستذكار ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
[ ١٠ / ١٦ ]
وقد صحَّ عن عائشةَ، من (^١) وُجُوهٍ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- أفردَ الحجَّ (^٢).
وصَحَّ مِثلُ ذلك عن جابرٍ. وجابرٌ ساقَ الحديثَ في الحجِّ سِياقَةَ مَن حَفِظهُ من أوَّلِ الإهلالِ به، إلى آخِرِهِ، عنهُ -ﷺ- (^٣).
ورَوَى الأوزاعيُّ، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: حدَّثني جابرُ بن عبدِ الله، قال: أهْلَلنا معَ رسُولِ الله -ﷺ- بالحجِّ خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيءٌ (^٤).
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٥): حدَّثنا قتيبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: أقْبَلْنا مُهِلِّينَ مع رسُولِ الله -ﷺ- بالحجِّ مُفْرَدًا، وأقْبَلت عائشةُ مُهِلَّةً بعُمْرةٍ. وذكر الحديثَ.
والآثارُ في الإفرادِ كثيرةٌ أيضًا، وكلُّ ذلك مُجتَمَعٌ على جَوازِهِ، وبالله العونُ والتَّوفيقُ والتَّسديدُ، لا شريكَ لهُ.
_________________
(١) في م: "عن".
(٢) انظر: الموطأ ١/ ٤٥١ (٩٤٣، ٩٤٤).
(٣) هو حديث مطول بخبر حجته -ﷺ-، وقد ذكر مالك في الموطأ ١/ ٤٨٩ (١٠٥٧) طرفا منه، ولم يسقه بتمامه، وهو بتمامه عند مسلم (١٢١٨) وغيره. وقد سلف التنبيه عليه مرارًا.
(٤) أخرجه أبو داود (١٧٨٧) من طريق الأوزاعي، به. وأخرجه أبو عوانة (٣٣٢٨)، والبيهقي في الكبرى ٦/ ٧٨، من طريق ابن جريج، به.
(٥) في سننه (١٧٨٥). وأخرجه مسلم (١٢١٣) (١٣٦)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٦٤، وفي الكبرى ٤/ ٥٨ (٣٧٢٩) عن قتيبة، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٣/ ٣٩٩ (١٥٢٤٤)، وابن خزيمة (٣٠٢٥، ٣٠٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٠، ٢٠١، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٨٠، والبغوي في شرح السنة (١٨٨٨) من طريق الليث، به. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٥١ - ٥٢ (٢٤٢٦).
[ ١٠ / ١٧ ]