حديثٌ ثالث ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- دخَلَ الكَعْبةَ هُو وأُسامةُ بن زيدٍ وعُثمانُ بن طَلْحةَ الحَجَبيُّ وبِلالٌ، فأغْلَقَها عليه، ومكَثَ فيها. قال عبدُ الله بن عُمرَ: فسألتُ بلالًا حينَ خرجَ: ماذا صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ-؟ فقال: جعَلَ عمُودًا عن يَمينِهِ، وعَمُودينِ عن يَساره، وثلاثةَ أعْمِدَةٍ وَراءَهُ، وكان البيتُ يَومَئذٍ على سِتَّةِ أعْمِدةٍ، ثُمَّ صلَّى.
هكذا رَواهُ جماعةٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، قالوا فيه: عمُودًا عن يَمينِهِ، وعمُودَيْنِ عن يَسارِهِ. منهُم: يحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ (^٢)، وبِشرُ بن عُمر الزَّهرانيُّ (^٣)، وكذلك رواهُ الرَّبيعُ، عن الشّافِعيِّ (^٤)، عن مالكٍ.
ورواهُ عُثمانُ بن عُمرَ، عن مالكٍ، فقال فيه: جعلَ عَمُودينِ عن يَمينِهِ، وعمُودَيْن عن يَسارِه (^٥).
ورَوَى أبو قِلابةَ، عن بِشْرِ بن عُمرَ، عن مالك (^٦): عَمُودًا عن يَمينِهِ، وعمُودًا عن يَسارِه (^٧).
وكذلك رواهُ إسحاقُ بن الطَّباع، عن مالك (^٨).
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ١/ ٥٣٣ (١١٨٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٢٩) (٣٨٨).
(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٥٧٩.
(٤) أخرجه في مسنده ص ٢١، ٣٦٨.
(٥) أخرجه الروياني في مسنده (٧٤٩) من طريق عثمان بن عمر، به. ولفظه: "عمودين عن يمينه، وعمودا عن يساره".
(٦) من هنا، إلى قوله: "بن الطباع، عن مالك" سقط من د ٤، ف ٣.
(٧) انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر ١/ ٥٧٩.
(٨) أخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ١٥٤ (٥٩٢٧) من طريق إسحاق، به. ولفظه: "عمودين عن يمينه، وعمُودًا عن يساره".
[ ١٠ / ٢١ ]
وقد رُوي ذلك عن ابن مهديٍّ، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: وجعَلَ عمُودينِ عن يَمييهِ، وعمُودًا عن يَسارِه (^١)؛ وكذلك رواهُ بُندارٌ عنهُ. وكذلكَ رواهُ الزَّعفرانيُّ، عن الشّافِعيِّ، عن مالكٍ. وكذلك رواه القَعْنبيُّ (^٢)، وأبو مُصعب (^٣)، وابنُ بُكَير (^٤)، وابنُ القاسم (^٥)، ومحمدُ بن الحسن الفقيهُ (^٦) عن مالك.
ورَوَتْ طائفةٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ هذا الحديث، وانتهى حديثُهُم (^٧) إلى: ثُمَّ صلَّى.
وزادَ ابنُ القاسم في هذا الحديثِ عن مالكٍ بإسنابٍ هذا: وجعلَ بينَهُ وبينَ الجِدارِ نحوَ ثلاثةِ أذرُع.
ورواهُ ابنُ عُفَير (^٨) وابنُ وَهْب (^٩) وابنُ مهديٍّ، عن مالكٍ، كما رواهُ ابنُ القاسم، إلّا أنَّهُم قالوا: ثلاثةَ أذرُع. ولم يقولُوا: نحوَ.
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١٠): حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن إسحاق الأذرميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن
_________________
(١) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٢٣)، والشاشي في مسنده (٩٤٦)، والطبراني في الكبير ١/ ٣٤٥ (١٠٤١) من طريق القعنبي، به.
(٣) أخرجه في الموطأ بروايته ١/ ٥١٥ (١٣٢٨).
(٤) أخرجه البيهقي في الكبرى ١/ ٣٢٧، من طريق يحيى بن بكير، به.
(٥) أخرجه النسائي في المجتبى ٢/ ٦٣، وفي الكبرى ١/ ٤٠٧ (٨٢٧) من طريق ابن القاسم، به.
(٦) أخرجه في الموطأ بروايته (٤٨٠).
(٧) لفظة "حديثهم" لم يرد في د ٤.
(٨) في ف ٣: "ابن عمر"، محرف، وهو: سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاري، أبو عثمان المصري. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٨٣، وتهذيب الكمال ١١/ ٣٦.
(٩) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٨٩، من طريق ابن وهب، به.
(١٠) في سننه (٢٠٢٤). وأخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ١٥٤، ٣٥٤ (٥٩٢٧، ٦٢٣١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، به.
[ ١٠ / ٢٢ ]
مهديٍّ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمر، بهذا الحديثِ، لم يذكُرِ السَّواري. قال: ثُمَّ صلَّى وبينَهُ وبينَ القِبلَةِ ثلاثةُ أذْرُع.
وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بن الحَسَن بن علّانَ (^١) الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن عيسَى بن رزينٍ العَطّارُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الجرّاح، قال: حدَّثنا شَبابَةُ بن سَوّارٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: صلَّى رسُولُ الله -ﷺ- في الكَعْبةِ، وبَيْنَهُ وبينَ الحائطِ ثلاثةُ أذْرُع.
ورَوَى هُشيمٌ هذا الخبرَ، عن ابن عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، فزادَ فيه: الفضلَ بنَ عبّاسٍ؛ حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٢): حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: دخلَ رسُولُ الله -ﷺ- البيتَ ومعَهُ الفَضلُ بن عبّاسٍ، وأُسامةُ بن زيدٍ، وعُثمانُ بن طَلْحةَ، وبِلالٌ، فأجافُوا (^٣) عليهمُ الباب، فمكَثَ فيه ما شاءَ الله، ثُمَّ خرجَ. قال ابنُ عُمرَ: فكان أوَّلَ من لقيتُ بلالٌ، فقلتُ: أينَ صلَّى رسُولُ الله -ﷺ-؟ فقال: بينَ الأُسْطُوانتينِ.
ورواهُ خالدُ بن الحارِثِ، عن ابن عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، مثلَهُ بمعناه، ولم يذكُرِ (^٤) الفضلَ بن عبّاسٍ. وقال فيه: فقلتُ: أين صلَّى رسُولُ الله -ﷺ-؟ فقالوا: هاهُنا. ونسيتُ أن أسألَهُ كم صلَّى (^٥).
_________________
(١) في م: "بن علال"، محرّف، وهو: علي بن الحسن ابن علان، أبو الحسن الحراني. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٠.
(٢) في الكبرى ٤/ ١١٢ (٣٨٧٥)، وهو في المجتبى ٥/ ٢١٧. وأخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٣٥ (٤٤٦٤) عن هشيم، به. وانظر: المسند الجامع ٣/ ٢٧٩ - ٢٨١ (١٩٧٢).
(٣) أجاف الباب: أي ردَّه عليه. انظر: لسان العرب ١٥/ ١٤٨.
(٤) في د ٤: "يزد".
(٥) أخرجه مسلم (١٣٢٩) (٣٩٢)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢١٦، وفي الكبرى ٤/ ١١٢ (٣٨٧٤) من طريق خالد بن الحارث، به.
[ ١٠ / ٢٣ ]
ورَوَى هذا الخبرَ ابنُ أبي مُلَيكةَ، عن ابن عُمرَ، قال فيه: فسألتُ بلالًا: هل صلَّى رسُولُ الله -ﷺ- في الكعبةِ؟ فقال: نعم، رَكْعتينِ بينَ السّاريتينِ. ففي هذا الحديثِ أنَّهُ صلَّى فيها رَكْعتينِ، وهذا خِلافُ ما تَقدَّمَ.
ورواهُ يحيى القطّانُ، عن السّائبِ بن عُمرَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ (^١).
وفي هذا الحديثِ أيضًا: رِوايةُ الصاحِبِ، عن الصّاحِبِ.
ورَوَى عبدُ الله بن عبّاس، عن أُسامةَ بن زَيْدٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله -ﷺ- الكعبةَ، فسبَّحَ، أو كبَّر في نَواحيها، ولم يُصلِّ فيها، ثُمَّ خرَج فصلَّى خلفَ المَقام قِبَلَ الكعبةِ رَكْعتينِ، ثُمَّ قال: "هذه القِبْلةُ" (^٢).
قال أبو عُمر: رِوايةُ ابن عُمرَ، عن بلال، عن النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّهُ صلَّى في الكعْبةِ، أولى من رِوايةِ ابن عبّاسٍ، عن أُسامةَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- لم يُصلِّ فيها؟ لأنَّها زيادةٌ مَقبُولةٌ، وليسَ قولُ من قال: لم يَفْعل بشهادةٍ، وهذا أصلٌ من أُصُولِ الفِقهِ في الشَّهادَةِ، إذا تعارَضَتْ في نحوِ هذا، فأثبتَ قومٌ شيئًا، ونفاهُ آخرُونَ، كان القولُ قول المُثبِتِ، دُونَ النّافي؛ لأنَّ النّافي ليسَ بشاهِدٍ. هذا إذا اسْتَويا في العَدالةِ والإتقانِ، والقولُ في قبُولِ زيادةِ الزّائدِ في الأخبارِ، على نحوِ هذا، لأنَّ الزِّيادةَ، كشَهادَةٍ مُسْتأنفةٍ.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣٩/ ٣١٩ (٢٣٨٨٥)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢١٧، وفي الكبرى ٤/ ١١٣ (٣٨٧٦)، والروياني في مسنده (٧٤١) من طريق يحيى القطان، به.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٣٦/ ٨٧، ١٣٨ (٢١٧٥٤، ٢١٨٠٩)، ومسلم (١٣٣٠)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢٢٠، وفي الكبرى ٤/ ١١٧ (٣٨٨٦)، وابن خزيمة (٤٣٢، ٣٠٠٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٨٩، وابن حبان ٧/ ٤٨٢ (٣٢٠٨)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٧٩، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٨، ٣٢٨، من طريق ابن عباس، به. وانظر: المسند الجامع ١/ ١١٤ - ١١٥ (١٢٦).
[ ١٠ / ٢٤ ]
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ (^١) بن محمدٍ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (^٢): أخبرنا أحمدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم (^٣)، قال: حدَّثنا سيفُ بن سُليمانَ، قال: سمِعتُ مجُاهِدًا يقولُ: أُذِنَ (^٤) ابنُ عُمرَ في مَنْزِلِهِ، فقيلَ: هذا رسُولُ الله -ﷺ- قد دخَلَ الكعبةَ. قال: فأقبلتُ، فأجِدُ رسُولَ الله -ﷺ- قد خرَجَ، وأجِدُ بلالًا على البابِ قائمًا، فقلتُ: يا بلالُ، أصلَّى (^٥) رسُولُ الله -ﷺ- في الكَعْبةِ؟ قال: نعم. قلتُ: أينَ؟ قال: ما بينَ هاتين الأُسْطُوانَتَينِ رَكْعتينِ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى رَكْعتينِ في وَجْهِ الكَعبةِ.
وعندَ مجُاهِدٍ في هذا حديثٌ آخرُ: حدَّثناهُ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكير، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٦): حدَّثنا زُهَيرُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن يزيد بن أبي زياب، عن مجُاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ (^٧) بن صَفْوانَ،
_________________
(١) في د ٤: "أحمد"، محرّف، وهو: حمزة بن محمد بن علي بن العباس، أبو القاسم الكناني المصري، أحد رواة المجتبى المعتبرين عن النسائي. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٧٩.
(٢) في الكبرى ٤/ ١١٣ (٣٨٧٧)، وهو في المجتبى ٥/ ٢١٧ - ٢١٨. وأخرجه البخاري (١١٦٧)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٣٢٨، من طريق أبي نعيم، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٣٩/ ٣٣٣ (٢٣٩٠٧)، والبخاري (٣٩٧)، وابن خزيمة (٣٠١٦) من طريق سيف بن سليمان، به.
(٣) قوله: "قال: حدثنا أبو نعيم" سقط من د ٤، فاختلّ الإسناد، وهو الفضل بن دكين.
(٤) في الأصل، د ٤، م: "أوذن"، والمثبت يعضده ما في السنن الكبرى التي ينقل منها المصنف.
(٥) في م: "صلى".
(٦) في سننه (٢٠٢٦). ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٢/ ٣٢٨. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٤/ ٣٢٠ (١٥٥٥٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٩١، من طريق جرير بن عبد الحميد، به. وانظر: المسند الجامع ١٢/ ٣٢١ (٩٥٣٣).
(٧) في الأصل: "عبد الله"، محرّف، وهو: عبد الرحمن بن صفوان بن قدامة الجمحي. انظر: تهذيب الكمال ١٧/ ١٨٦.
[ ١٠ / ٢٥ ]
قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: كيفَ صنَعَ رسُولُ الله -ﷺ- حينَ دخَلَ الكعبةَ؟ قال: صلَّى رَكْعتينِ.
فهذه آثارٌ تَشْهدُ لصِحَّةِ قولِ ابن عُمرَ، عن بلال: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- صلَّى فيها. الصَّلاةَ المعهُودةَ، لا الدُّعاءَ.
واختلَفَ الفُقهاءُ في الصَّلاةِ في الكَعْبةِ، الفَرِيضةِ والنّافِلةِ.
فقال مالكٌ (^١): لا يُصلَّى فيها الفَرْض، ولا الوِتْرُ، ولا رَكْعتا الفَجْرِ، ولا رَكْعتا الطَّوافِ، ويُصلَّى فيها التَّطوُّعُ.
وذكر ابنُ خُويزِمَنْداد، عن مالكٍ وأصحابِهِ، فيمَنْ صلَّى في الكعبةِ الفَريضةَ، أو صلَّى على ظَهْرِها، أعادَ ما دامَ في الوقتِ، في المسألتينِ جميعًا.
وقال الشّافِعيُّ (^٢)، وأبو حنيفةَ (^٣)، والثَّوريُّ: يُصَلَّى في الكَعْبةِ الفرضُ والنَّوافِلُ كلُّها (^٤).
وقال الشّافِعيُّ (^٥): إن صلَّى في جَوْفِها مُستقبِلًا حائطًا من حِيطانِها، فصلاتُه جائزةٌ، وإن صلَّى نحوَ البابِ، والبابُ مفتُوحٌ، فصلاتُه باطِلٌ؛ لأنَّهُ لم يَسْتقبِلَ منها شيئًا.
قال: ومَن صَلّى على ظهرِها، فصلاتُه باطِلٌ؛ لأنه لم يستقبلْ منها شيئًا.
_________________
(١) المدونة ١/ ١٨٣.
(٢) في الأم ١/ ١١٩.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي ٢/ ٧٩.
(٤) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٣٣.
(٥) الأم ١/ ١١٩.
[ ١٠ / ٢٦ ]
وقال مالكٌ: من صلَّى على ظَهرِ الكَعْبةِ مَكْتُوبةً، أعادَ في الوَقْت (^١). وقد رُوي عن بعضِ أصحابِ مالكٍ: يُعيدُ أبدًا (^٢).
وقال أبو حَنِيفةَ: من صلَّى على ظهرِ الكَعْبةِ، فلا شيءَ عليه (^٣).
واختلَفَ أهلُ الظّاهِرِ فيمَنْ صلَّى في الكعبةِ، فقال بعضُهُم: صَلاتُهُ جائزةٌ. وقال بعضُهُم: لا صلاةَ لهُ في نافِلةٍ، ولا في فَرِيضةٍ؛ لأنَّهُ قدِ استدبَرَ بعضَ الكعبةِ (^٤). واحتجَّ قائلُ هذه المَقالةِ بقولِ ابن عبّاسٍ: أُمِرَ النّاسُ أن يُصلُّوا إلى الكَعْبةِ، ولم يُؤمرُوا أن يُصلُّوا فيها (^٥).
قال أبو عُمر: لا يصِح في هذه المسألةِ إلّا أحَدُ قولينِ: إمّا أن يكونَ من صلَّى في الكَعْبةِ فصلاتُه تامَّةٌ، فَرِيضةً كانت أو نافِلةً؛ لأنَّهُ قدِ استقبلَ بعضَها، وليسَ عليه إلّا ذلك، أو تكونُ صلاتُهُ فاسِدةً، فريضةً كانت أو نافِلةً، من أجلِ أنَّهُ لم يحصُل لهُ استِقبالُ بَعضِها، إذا صلَّى داخِلها، إلّا باسْتِدبارِ بعضِها.
ولا يجُوزُ ذلك عندَ من ذهَبَ إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ، نهي عن جميع أضْدادِهِ، في كلِّ بابٍ.
والصَّوابُ من القولِ في هذا البابِ عِندي، قولُ من أجازَ الصَّلاةَ كلَّها في الكعبةِ، إذا استقبلَ شيئًا منها؛ لأنَّهُ قد فعَلَ ما أُمِر به، ولم يأتِ ما نُهِيَ عنهُ، لأنَّ
_________________
(١) انظر: التفريع في فقه الإمام مالك، لابن الجلاب ١/ ١١٧، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ١/ ١٩٨.
(٢) انظر: اختلاف أقوال مالك وأصحابه، ص ١٠١.
(٣) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ١/ ٤٥٥.
(٤) انظر: مسائل الإمام أحمد هاسحاق بن راهوية ٥/ ٢٢٦٢ (١٥٤٧)، والمحلى لابن حزم مسألة (٤٣٥).
(٥) علقه الطحاوي عن ابن عباس كما في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٣٤.
[ ١٠ / ٢٧ ]
اسْتِدبارَها هاهُنا، ليس بضِدِّ استِقبالِها، لأنَّهُ ثابت معَهُ في بعضِها، والضِّدُّ لا يثبُتُ مع ضِدِّهِ، ومعلُومٌ أنَّ المأمُورَ باستِقبالِ الكَعْبةِ، لم يُؤمر باسْتِقبالِ جَميعها، وإنَّما تَوجَّه الخِطابُ إليه، باسْتِقبالِ بَعضِها، والمُصلِّي في جَوْفِها قدِ استقبلَ جِهةً منها، وقِطْعةً، وناحيةً (^١)، فهُو مُستقبِلٌ لها بذلك.
وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّهُ صلَّى فيها رَكْعتينِ، وهُو المُبيِّنُ عن الله مُرادَهُ.
وكلُّ مَوْضِع تجُوزُ فيه صلاةُ النّافِلةِ، جازت فيه صلاةُ الفَريضةِ، قياسًا ونظرًا، إلّا أن يمنعَ من ذلك ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ، على أنَّهُ لا يجِبُ لأحَدٍ أن يتعمَّدَ صلاةَ الفَرِيضةِ فيها.
ولو صلَّى فيها رَكْعتين نافِلةً، لم يكُن بذلك بأسٌ، فإن صلَّى أحَدٌ فيها فَريضةً، فلا حرجّ، ولا إعادةَ.
فإن قيل: إنَّ النّافِلةَ قد تجُوزُ على الدّابَّةِ للمُسافِرِ إلى غَيرِ القِبْلةِ، ولا تجُوزُ كذلكَ الفريضةُ، فلِمَ قِسْتَ النّافِلةَ على الفَرِيضةِ؟
قيل لهُ: ذلك مَوْضِعُ خُصُوصٍ بالسُّنَّةِ لضرُورةِ السَّفرِ، كما تجُوزُ صَلاةُ الفَريضةِ للخائفِ المطلُوبِ، راكِبًا مُستقبِلَ القِبلةِ وغيرَ مُستقبِلِها، لضرُورةِ الخوفِ، وليس ذلك بمُبيح لهُ الصلاةَ المفرُوضةَ على الدّابَّةِ في حالِ الأمنِ من غيرِ ضرُورة، ولا بمُبيح ذلك لهُ تَرْكَ استِقبالِ القِبلةِ من غيرِ ضرُورة، وكذلكَ الصَّلاةُ على الدّابَّةِ للمُتطوِّع المُسافِرِ، ليسَ ذلك بمُبيح لهُ الصَّلاةَ النّافِلةَ، ولا الفَرِيضةَ على الأرضِ إلى غيرِ القِبلةِ في الحَضَرِ، لأنَّها في السَّفرِ حالُ ضرُورةٍ، خُصت بالسُّنَّةِ والإجماع.
_________________
(١) في د ٤: "واجبة".
[ ١٠ / ٢٨ ]
وأمّا غيرُ ذلك مِمّا تنازع فيه العُلماءُ من هذا البابِ، فالواجِبُ أن لا يُفرِّقَ فيه بين صلاةِ النّافِلةِ والفريضةِ، كما أنَّها لا تَفْترِقُ في الطَّهارةِ، واستِقبالِ القِبلَةِ، وقِراءةِ القُرآنِ، والسَّهوِ، وسائرِ الأحكام، وبالله التَّوفيقُ.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوَرْديُّ، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كُنتُ أُحِبُّ أن أدخُلَ البيت وأُصَلِّي فيه، فأخذَ رسُولُ الله -ﷺ- بيَدِي فأدْخَلَني في الحِجْرِ، فقال: "فصلِّي في الحِجْرِ (^٢) إذا أرَدْتِ دُخُول البيتِ، فإنَّما هُو قِطعة من البيتِ، فإنَّ قومَكِ اقْتَصرُوا حينَ بنوُا الكعبةَ فأخْرَجُوهُ من البيتِ".
قال أبو عُمر: لو مِلْتُ إلى قولِ أُسامةَ وابن عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- حينَ دخلَ الكعبةَ دَعا فيها، ولم يُصلِّ، لم أُجِزْ فيها نافِلةً ولا فَرِيضةً، من جِهَةِ اسْتِدبارِ بَعضِها، ولكِنَّ القول بالزِّيادةِ المُفسِّرةِ لمعنَى الصَّلاةِ أولى، ورِوايةُ من أثبتَ، أولَى من رِوايةِ من نَفَى، واللهُ (^٣) أعلمُ، وبه التَّوفيقُ لا شريكَ لهُ.
_________________
(١) في سننه (٢٠٢٨). وأخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده (١١٣٦)، وأحمد في مسنده ٤١/ ١٦٤ (٢٤٦١٦)، والترمذي (٨٧٦) والنسائي في المجتبى ٥/ ٢١٩، وفي الكبرى ٤/ ١١٥ (٣٨٨١)، وأبو يعلى (٤٦١٥) من طريق عبد العزيز، به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ٦٥٣ (١٦٥٢٨).
(٢) قوله: "فقال: فصَلِّي في الحجر" سقط من د ٤.
(٣) من هنا إلى آخر الفقرة لم يرد في د ٤.
[ ١٠ / ٢٩ ]