ولنافع، عن أبي هريرةَ في "المُوطَّأ" حَدِيثانِ موقُوفانِ يستنِدانِ من غير ما وَجْهٍ أحدُهُما، وهُو حديثٌ تاسِع ستِّين
مالكٌ (^١)، عن نافع، أنَّ أبا هريرةَ، قال: أسْرِعُوا بجَنائزِكُم، فإنَّما هُو خَيْرٌ تُقدِّمُونَهُ (^٢) إليه، أو شَرٌّ تطرحونَهُ عن رِقابِكُم.
هكذا رَوَى هذا الحديث جُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" موقُوفًا على أبي هريرةَ.
ورواهُ الولِيدُ بن مُسلِم، عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-. ولم (^٣) يُتابَعْ على ذلك عن مالكٍ.
ولكِنَّهُ مرفُوعٌ من غيرِ رِوايةِ مالكٍ، من حديثِ نافع، عن أبي هريرةَ، من طُرُقٍ ثابتةٍ.
وهُو محفُوظٌ أيضًا من حَدِيثِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، مرفُوعًا.
فأمّا حديثُ نافع: فحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ ويعِيشُ بن سعِيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد القاضِي البِرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع مولى ابنِ عُمرَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "أسِرعُوا بجَنائزِكُم، فإن يَكُن خيرًا، عَجَّلتُمُوهُ إليه، وإن يكُن غير ذلك، قَذَفتُمُوهُ (^٤) عن أعناقِكُم (^٥).
_________________
(١) الموطأ ١/ ٣٣٢ (٦٥١).
(٢) في الموطأ: "تقدمونهم".
(٣) في م: "لم".
(٤) في ف ٣: "قدمتموه". وفي مصدر التخريج: "ألقيتموه".
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ١٦/ ٢٢١ (١٠٣٣٢) عن ابن عُلية، عن أيوب، به. وانظر: المسند الجامع ١٧/ ٣٠ (١٣٢٥٠). =
[ ١٠ / ٦٩ ]
ورُوي عن الأوزاعِيِّ، عن نافع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﵇ مرفُوعًا، ولا يصِحُّ سماعُ (^١) الأوزاعِيِّ (^٢) من نافع، كذلك قال أبو زُرْعةَ، وقال (^٣): حدَّثنا إسحاقُ بن خالد الخُتَّليُّ (^٤)، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي سلمةَ، قال: قلتُ للأوزاعِيِّ: يا أبا عَمرٍو، نافع أو (^٥) رجُل عن نافع؟ قال: رجُلٌ عن نافع. قلتُ: فعَمرُو بن شُعَيب، أو رجُلٌ عن عَمرِو بن شُعيبٍ؟ قال: عَمرُو بن شُعيبٍ، قلتُ: فالحسنُ، أو رَجُل عنِ الحَسَنِ؟ قال: رجُلٌ عنِ الحَسَنِ.
وأمّا حَدِيثُ الزُّهرِيِّ: فحدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^٦): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ عن أبي هريرةَ،
_________________
(١) = قال بشار: هكذا رواه ابن عبد البر من طريق عبد الوارث، وهو ابن سعيد التنوري البصري، ولم نقف عليه من هذا الوجه عند غير المؤلف، ولعله خطأ، فالمحفوظ أن عبد الوارث رواه موقوفًا، قال الإمام الدارقطني في العلل (٢١٨٩): "يرويه أيوب السختياني واختلف عنه: فرواه عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن نافع عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-. وقال ابن علية: عن أيوب، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: فنحا به نحو الرفع. ووقفه حماد بن زيد وعبد الوارث، عن أيوب، عن أبي هريرة". قال بشار: فلعل الصواب: "عبد الوهاب" بدلًا من "عبد الوارث"، والله أعلم.
(٢) هذه اللفظة سقطت من د ٤.
(٣) في م: "ولا سماع للأوزاعي" بدل: "ولا يصح سماع الأوزاعي".
(٤) أبو زرعة الدمشقي في تاريخه ١/ ٢٦٥، و٢/ ٧٢٣.
(٥) في م: "الخطمي".
(٦) زاد هنا في م: "عن".
(٧) أخرجه في المصنَّف (١١٣٧٨). وعنه أخرجه مسلم (٩٤٤) (٥٠)، وابن ماجة (١٤٧٧). وأخرجه أحمد في مسنده ١٢/ ٢٠٨ (٧٢٦٧)، والبخاري (١٣١٥)، وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤١ - ٤٢، وفي الكبرى ٢/ ٤١٦ (٢٠٤٨)، وابن الجارود في المنتقى (٥٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٨، وابن حبان ٧/ ٣١٥ (٣٠٤٢)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢١، والبغوي في شرح السنة (١٤٨١) من طريق سفيان بن عيينة، به. وانظر: المسند الجامع ١٧/ ٢٨ - ٢٩ (١٣٢٤٨).
[ ١٠ / ٧٠ ]
عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قال: "أسْرِعُوا بالجِنارةِ، فإن تَكُن صالحةً، فخَيرٌ تُقدِّمُونها إليه، وإن تكُن غيرَ ذلك، فشَرٌّ تَضَعُونهُ عن رِقابِكُم".
قال أبو عُمر: تأوَّل قومٌ في هذا الحديثِ تَعجِيلَ الدَّفْنِ، لا المشيِ، وليسَ كما ظنُّوا، وفي قولِهِ: "شرٌّ تَضَعُونهُ عن رِقابِكُم" ما يَرُدُّ قولهُم، مع أنَّهُ قد رُوِيَ عن أبي هريرةَ، وهُو راوِيةُ (^١) الحديثِ، ما يُغْني عن قَولِ كلِّ قائل.
رَوَى شُعبةُ، عن عُيينةُ (^٢) بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي بَكْرةَ، أَنَّهُ أسرَعَ المَشْيَ في جِنازةِ عُثمانَ بن أبي العاصِ، وأمَرَهُم بذلك، وقال: لقد رأيتُنا معَ النَّبيِّ -ﷺ- نرمُلُ رَمَلًا (^٣).
وروى أبو ماجِدٍ (^٤)، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قال: سألْنا نبِيَّنا -ﷺ- عن المَشْيِ معَ الجِنازةِ، فقال: "دُونَ الخَبَبِ، إن يكُن خيرًا يُعجَّل إليه، وإن يكُن غيرَ ذلك، فبُعدًا لأهلِ النّارِ". وذكر الحديثَ (^٥).
وحديثُ أبي هريرةَ أثبتُ من جِهةِ الإسنادِ، ومعناهُما مُتقارِبٌ.
_________________
(١) في م: "رواية".
(٢) في د ٤: "عتيبة"، مصحف، وفي الأصل، ف ٣، م: "وعيينة" بدل: "عن عيينة"، وهو خطأ.
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٧، والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٤٦، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٢ من طريق شعبة، به. وأخرجه الطيالسي (٩٢٤)، وأحمد في مسنده ٣٤/ ١٠، ٢٩ (٢٠٣٧٥، ٢٠٣٨٨)، والبزار في مسنده ٩/ ١٢٩، ١٣٨ (٣٦٨٠، ٣٦٩٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٢ - ٤٣، وفي الكبرى ٢/ ٤١٦ - ٤١٧ (٢٠٥٠، ٢٠٥١)، وابن حبان ٧/ ٣١٧ - ٣١٦ (٣٠٤٣، ٣٠٤٤)، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٥، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٢، من طريق عيينة، به. وانظر: المسند الجامع ١٥/ ٥٦٣ - ٥٦٤ (١١٩٣٧).
(٤) في د ٤، ف ٣: "أبو ماجدة". وكلاهما يقال في اسمه. انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٥٧٩.
(٥) سلف تخريجه في الحديث التاسع من مراسيل ابن شهاب، وهو في الموطأ ١/ ٣٠٩ (٦٠٠).
[ ١٠ / ٧١ ]
والذي عليه جماعةُ العُلَماءِ في ذلك (^١)، تَرْكُ التَّراخِي، وكراهةُ المُطَيْطاء (^٢)، والعَجَلةُ أحبُّ إليهم من الإبطاءِ، ويُكرَهُ الإسراعُ الذي يَشُقّ على ضَعَفةِ من يَتبَعُها، وقد قال إبراهيمُ النَّخعِيُّ: بطِّئُوا بها قليلًا، ولا تدُبُّوا (^٣) دبِيبَ اليهُودِ والنَّصارَى (^٤).
ورُوِي (^٥) عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وأبي هريرةَ، وجَماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم أمَرُوا أن يُسرَعَ بهم (^٦)، وهذا على ما اسْتَحبَّهُ الفُقهاءُ، وهُو أمرٌ خَفِيفٌ إن شاءَ الله.
وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ -ﷺ- ما يُفسِّرُ الإسراعَ من حديثِ أبي مُوسى، ويُوافِقُ حديث ابنِ مسعُودٍ، وقولَ إبراهيم.
حدَّثنا يعِيشُ بن سعيدٍ (^٧) وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا لَيْثٌ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أبصَرَ جِنازةً يُسْرَعُ بها وهِي تُمْخَضُ (^٨) كما يُمخَضُ الزِّقُّ، فقال: "عليكُم بالقَصْدِ في جَنائزِكُم إذا مَشَيتُم" (^٩).
_________________
(١) شبه الجملة "في ذلك" لم يرد في د ٤.
(٢) المُطَيْطاء: مشية التبختر. انظر: لسان العرب ٧/ ٤٠٤.
(٣) دبَّ: مشى على هينته. انظر: لسان العرب ١/ ٣٦٩.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٦٢٤٩)، وابن أبي شيبة (١١٣٨٨).
(٥) هذه الفقرة بتمامها لم ترد في د ٤.
(٦) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (١١٣٧٨) و(١١٣٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٨.
(٧) في الأصل، م: "بن عبد الله"، خطأ. وهو يعيش بن سعيد بن محمد أبو عثمان الوراق. انظر: تاريخ الإسلام ٨/ ٨٣٧.
(٨) تُمخضُ: أي تُحرَّك تحريكًا سريعًا. انظر: النهاية لابن الأثير ٤/ ٣٠٧.
(٩) أخرجه الطيالسي (٥٢٤)، وأحمد في مسنده ٣٢/ ٤١١ (١٩٦٤٠)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٢ من طريق ليث، به، وإسناده ضعيف لضعف ليث، وهو ابن أبي سليم. وانظر: المسند الجامع ١١/ ٣٥٢ (٨٨١٩).
[ ١٠ / ٧٢ ]
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، عن ليثٍ، بإسنادِهِ ومعناهُ (^١).
وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنِيُّ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِس (^٢)، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن ليثِ بن أبي سُلَيم، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى: أنَّهُم كانوا مع النَّبيِّ -ﷺ- في جِنازةٍ، فكأنَّهُم أسْرَعُوا في السَّيرِ، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "عليكُم السَّكِينةَ" (^٣).
وهذه الآثارُ تُوضِّحُ لكَ معنى الإسْراع، وأنَّهُ على حَسَبِ ما يُطاقُ، وما لا يضُرُّ بالمُتَّبِعِ الماشِي معَها، وبالله التَّوفيقُ.
_________________
(١) في د ٤: "عبد الواحد بن زياد، عن ابن عمر، بإسناده ومعناه"، وهو خطأ بيّن.
(٢) في د: "قابوس"، وهو وهم ظاهر.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٣٢/ ٣٨٩ (١٩٦١٢)، وابن ماجة (١٤٧٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٨، من طريق شعبة، به، وإسناده ضعيف، لضعف ليث.
[ ١٠ / ٧٣ ]