حديثٌ سابعٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ
مالكٌ (^١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ-، قال: "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما".
وهذا الحديثُ رواهُ جماعةٌ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، كما رواهُ يحيى (^٢).
(^٣) حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا سعيدُ (^٤) بن كثيرِ بن عُفيرٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ-، قال: "أيُّما رَجُلٍ قال لأخيهِ: كافِرٌ، باءَ بها أحدُهُما".
وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن محمدِ بن القاسم ومحمدُ بن أحمدَ بن كامِلٍ ومحمدُ بن أحمدَ بن المِسورِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بن سَهْلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن يُوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ-، قال: "أيُّما رجُلٍ قال لأخيهِ: كافِرٌ، فقد باءَ بها أحدُهُما".
_________________
(١) الموطأ ٢/ ٥٧٩ (٢٨١٤).
(٢) رواه عن مالك: أبو مصعب الزهري (٢٠٦٩) ومن طريقه ابن حبان (٢٤٩) والبغوي (٣٥٥١)، وإسحاق بن عيسى الطباع عند أحمد ١٠/ ١٥٨ (٥٩٣٣)، وإسماعيل ابن أبي أويس عند البخاري (٦١٠٤) وفي الأدب المفرد (٤٣٩)، وسعد بن كثير بن عفير كما سيأتي، وسويد بن سعيد (٧٦٠)، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي عند الطحاوي في شرح المشكل (٨٥٦) والجوهري (٤٨٤)، وعبد اللَّه بن وهب عند الطحاوي في شرح المشكل (٨٥٦) والبيهقي ١٠/ ٢٠٨، وعبد اللَّه بن يوسف التنيسي كما سيأتي في هذا الكتاب، وقتيبة بن سعيد عند الترمذي (٢٦٣٧)، ومحمد بن الحسن الشيباني (٩١٩).
(٣) هذه الفقرة والتي تليها لم تردا في ي ١.
(٤) في م: "سعد"، خطأ. وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود، أبو عثمان المصري. انظر: تهذيب الكمال ١١/ ٣٦.
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
ورواهُ جماعةٌ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ.
(^١) حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن عطيّةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن المُغلِّسِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- أنَّهُ قال: "إذا قال الرَّجُلُ لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" (^٢).
وكذلك رواهُ ابنُ أبي (^٣) زَنْبَرٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ-، قال: "إذا سَمَّى الرَّجُلُ الآخرَ كافِرًا، فقد كفَرَ أحدُهُما، إن كان الذي قيلَ لهُ كافِرٌ، فقد صدَقَ صاحِبُهُ كما قال لهُ، وإن لم يَكُن كما قال، فقد باءَ الذي قال بالكُفرِ" (^٤).
وكذلك رواهُ يحيى بن بُكَيرٍ، عنِ ابنِ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﵇، مِثلهُ سَواءً (^٥).
والحديثُ لمالكٍ عنهُما جميعًا، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- صحيحٌ.
والمعنى فيه عندَ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، النَّهيُ عن أن يُكَّفِرَ المُسلِمُ أخاهُ المُسلِم بذَنْبٍ، أو بتأويلٍ (^٦)، لا يُخرِجُهُ من الإسلام عندَ الجميع،
_________________
(١) هذه الفقرة واللتان تليانها أيضًا، جميعًا لم ترد في ي ١.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٣٨٠ - ٣٨١ (٦٢٨٠)، ومسلم (٦٠)، والبزار في مسنده ١٢/ ١٠٣ (٥٦٥٤)، وأبو بكر الخلال في السنة (١٥٠٤)، وابن منده في الإيمان (٥٢٠) من طريق نافع، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٠ (٧١٨٠).
(٣) قوله: "أبي" سقط من الأصل، م. انظر: مصدر التخريج، وهو سعيد بن داود بن سعيد بن أبي زنبر الزنبري. انظر: تهذيب الكمال ١٠/ ٤١٧.
(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤٤٠) من طريق سعيد بن داود بن أبي زَنْبر، به.
(٥) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢/ ٣٢١ (٨٥٨، ٨٥٩) من طريق ابن وهب، به.
(٦) في ف ٣: "تأويل".
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
فوَردَ النَّهيُ عن تَكفيرِ المُسلِم في هذا الحديثِ، وغيرِهِ بلفظِ الخَبرِ، دُونَ لَفظِ النَّهي، وهذا (^١) موجُودٌ في القُرآنِ والسُّنّةِ، ومعرُوفٌ في لسانِ العربِ.
وفي سَماع أشهَبَ: سُئلَ مالكٌ، عن قولِ رسُولِ اللَّه -ﷺ-: "من قال لرجُلٍ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما"، قال: أرَى ذلك في الحَرُوريّةِ. فقلتُ لهُ: أفتراهُم بذلك كُفّارًا؟ فقال: ما أدْرِي ما هذا (^٢).
ومِثلُ قَولِهِ -ﷺ-: "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" قولُهُ -ﷺ-: "سِبابُ المُسلِم فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفرٌ" (^٣)، وقولُهُ -ﷺ-: "لا تَرجِعُوا بعدي كُفّارًا يَضرِبُ بعضُكُم رِقابَ بعضٍ" (^٤)، وقولُهُ: "لا تَرْغبُوا عن آبائكُم، فإنَّهُ كُفرٌ بكُم أن تَرْغبُوا عن آبائكُم" (^٥).
_________________
(١) في ي ١: "وهو".
(٢) من قوله: "وفي سماعِ أشهب" إلى هنا، لم يرد في ي ١.
(٣) أخرجه الطيالسي (٢٥٦)، وأحمد في مسنده ٦/ ١٥٧، و٧/ ٢٩٦، ٣٦٣ (٣٦٤٧، ٤٢٦٢، ٤٣٤٥)، والبخاري (٤٨، ٦٠٤٤، ٧٠٧٦)، ومسلم (٦٤)، وابن ماجة (٦٩، ٣٩٣٩)، والترمذي (١٩٨٣، ٢٦٣٥)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٢٢، والبزار في مسنده ٥/ ٨٦، ١٩٦ (١٦٦٥، ١٧٩٦)، وفي الكبرى ٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠ (٣٥٥٨، ٣٥٦٠)، وأبو يعلى (٤٩٩١، ٥١١٩، ٥٢٧٦)، وابن حبان ١٣/ ٢٦٦ (٥٩٣٩) من حديث عبد اللَّه بن مسعود، به. وانظر: المسند الجامع ١١/ ٤٨٢ - ٤٨٥ (٨٩٦٩، ٨٩٧٠، ٨٩٧١).
(٤) أخرجه الطيالسي (٦٩٩)، وأحمد في مسنده ٣١/ ٥٠٤، ٥٤٨، ٥٧٣ (١٩١٦٧، ١٩٢١٧، ١٩٢٥٩)، والبخاري (١٢١، ٤٤٠٥، ٧٠٨٠)، ومسلم (٦٥)، وابن ماجة (٣٩٤٢)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٢٧، وفي الكبرى ٣/ ٤٦٧ (٣٥٨٣، ٣٥٨٤)، وأبو عوانة (٦١، ٦٢)، وابن حبان ١٣/ ٢٦٨ (٥٩٤٠)، والطبراني في الكبير ٢/ ٣٣٦ (٢٤٠٢) من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي. وانظر: المسند الجامع ٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧ (٣١٣٢). وروي عن عدة من الصحابة غير جرير.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ١٦/ ٤٧٥ - ٤٧٦ (١٠٨١٣)، والبخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢)، وأبو عوانة (٥٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢/ ٣١٨ (٨٥٣)، وابن حبان ٤/ ٣٢٨ (١٤٦٦)، وابن مندة في الإيمان (٥٩٠، ٥٩١، ٥٩٢) من حديث أبي هريرة، به. وانظر: المسند الجامع ١٧/ ٥١٤ (١٤٠٣٢).
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
ومِثلُ هذا كثيرٌ من الآثارِ التي وردَتْ بلفظِ التَّغليظِ، وليسَتْ على ظاهِرِها عندَ أهلِ الحقِّ والعِلم، لأُصُولٍ تَدْفعُها أقْوَى منها، من الكِتابِ والسُّنّةِ المُجتمَع عليها، والآثارِ الثّابِتةِ أيضًا من جِهةِ الإسنادِ، وهذا (^١) بابٌ يتَّسِعُ القولُ فيه ويَكثُرُ، فنَذكُرُ منهُ هاهُنا ما فيه كِفايةٌ إن شاءَ اللَّه (^٢).
وقد ضلَّت جماعةٌ من أهلِ البِدَع من الخَوارِج والمُعتزِلةِ في هذا البابِ، فاحتجُّوا بهذه الآثارِ ومِثلِها في تَكفيرِ المُذنِبينَ، واحتجُّوا من كِتاب اللَّه بآياتٍ ليسَتْ على ظاهِرِها، مِثل قولِهِ ﷿: ﴿وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقولِهِ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، وقولِهِ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقولِهِ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وقولِهِ: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، ونَحوِ هذا.
ورُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ في قولِ اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: ليسَ بكُفرٍ ينقُلُ عنِ المِلّةِ، ولكِنَّهُ كفرٌ دُونَ كُفرٍ (^٣).
وقد أوضَحْنا معنَى الكُفرِ في اللُّغةِ، في مواضِعَ من هذا الكِتابِ، والحُجّةُ (^٤) عليهم قولُ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
_________________
(١) في ي ١: "الآحاد وهو" بدل: "الإسناد وهذا".
(٢) من قوله: "فنذكر منه" إلى هنا، جاء مكانه في ي ١: "وله موضع غير هذا نبسطه فيه ونوضحه إن شاء اللَّه تعالى، ونذكر هاهنا منه نكتًا كافية، ولمعًا دالة بعون اللَّه لا شريك له".
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠/ ٣٥٥ - ٣٥٦ (١٢٠٥٣، ١٢٠٥٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣١٣، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٠.
(٤) من قوله: "وروي عن ابن عباس" إلى هنا لم يرد في ي ١.
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
[النساء: ٤٨]. ومعلُومٌ أنَّ هذا بعد الموتِ لمن لم يَتُب (^١)، لأنَّ الشِّركَ من (^٢) تابَ منهُ قبلَ الموتِ، وانتَهَى عنهُ، غُفِرَ لهُ، كما تُغفرُ الذُّنُوبُ كلُّها بالتَّوبةِ جميعًا، قال اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقد وردَتْ آياتٌ في القُرآنِ مُحكماتٌ تدُلُّ أَنَّهُ لا يُكفَّرُ أحدٌ إلّا بعدَ العِلم والعِنادِ، منها: قولُ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]، وقولُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وقولُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء: ١٥٣]، وقولُهُ: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٣].
ثُمَّ قال على إثرِ ذلك: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥]. ثُمَّ قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].
ثُمَّ ذكر الأُممَ فقال: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر: ٥].
ثُمَّ ذكر الأُممَ فقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
_________________
(١) من قوله: "ومعلوم" إلى هنا لم يرد في ف ٣.
(٢) في م: "ممن".
[ ١٠ / ٣٩١ ]
ولذلك قال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ﴾ [التوبة: ٦٩]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]، وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيةَ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]، وقال: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢]، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، إلى آياتٍ كثيرةٍ في معنى ما ذكَرْنا، كلُّها تدُلُّ على مُعانَدةِ الكُفّارِ، وأنَّهُم إنَّما كَفرُوا بالمُعاندةِ والاسْتِكبارِ.
وقال ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقولُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].
وقوله -ﷺ-: "من مات لا يُشرِكُ باللَّه شيئًا دخلَ الجنّةَ، ومن ماتَ وهُو يُشرِكُ باللَّه شيئًا، فهُو في النّارِ" (^١).
وجعلَ اللَّهُ ﷿ في بعضِ الكبائرِ حُدُودًا، جَعلَها طُهرةً، وفرضَ كفارّاتٍ في كِتابِهِ للذُّنُوبِ، من التَّقرُّبِ إليه بما يُرضيهِ، فجعَلَ على القاذِفِ جَلْدَ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٩٧٠٨)، وأحمد في مسنده ٢٢/ ٣٧٢، و٢٣/ ٥٩، ٢٦١، ٣٧٥ (١٤٤٨٨، ١٤٧١١، ١٥٠١٦، ١٥٢٠٠)، وعبد بن حميد (١٠٦٣) ومسلم (٩٣)، وابن خزيمة في التوحيد ٢/ ٨٥٢، وأبو يعلى (٢٢٧٨)، وأبو عوانة (٣١، ٣٢)، وابن مندة في الإيمان (٧٤، ٧٥) من حديث جابر بن عبد اللَّه. وانظر: المسند الجامع ٣/ ٤٠٥ - ٤٠٧ (٢١٤٩، ٢١٥٠ و٢١٥١).
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
ثمانينَ إن لم يأتِ بأرْبَعةِ شُهداءَ، ولم يجعلهُ بقَذفِهِ كافِرًا، وجعَلَ على الزّاني مئةً، وذلك طُهْرةً لهُ، كما قال -ﷺ- في التي رَجَمها: "لقد خَرَجَتْ من ذُنوبِها كيومَ ولَدَتها أُمُّها" (^١).
وقال -ﷺ-: "من أُقِيمَ عليه الحدُّ، فهُو لهُ كفّارةٌ، ومن لم يُقَم عليه حدُّهُ، فأمرُهُ إلى اللَّه، إن شاءَ غفَرَ لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ" (^٢).
وما لم يجعل فيه حدًّا، فرَضَ فيه التَّوبةَ منهُ، والخُرُوجَ عنهُ إن كان ظُلمًا لعِبادِهِ.
وليسَ في شيءٍ من السُّننِ المُجتمَع عليها، ما يدُلُّ على تَكفيرِ أحَدٍ بذنبٍ.
وقد أحاطَ العِلمُ بأنَّ العُقُوباتِ على الذُّنُوبِ كفّاراتٌ، وجاءَت بذلك السُّننُ الثّابِتةُ عن رسُولِ اللَّه -ﷺ-، كما جاءَت بكفّارةِ الأيمانِ، والظِّهارِ، والفِطْرِ في رمضانَ.
وأجمعَ عُلماءُ المُسلِمينَ أنَّ الكافِرَ لا يرِثُ المُسلِم، وأجمعُوا أنَّ المُذنِبَ، وإن ماتَ مُصِرًّا، يرِثُهُ ورَثتُهُ، ويُصلَّى عليه، ويُدفَنُ في مَقابِرِ المُسلِمين.
وقال -ﷺ-: "من صلَّى صَلاتَنا، واسْتَقبلَ قِبلتَنا، ونسَكَ نُسُكنا، فهُو المُسلِمُ، لهُ ما للمُسلِم، وعليه ما على المُسلِم" (^٣).
وقال -ﷺ-: "النَّدَمُ توبةٌ". رواهُ عبدُ اللَّه بن مَسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) سيأتي بإسناده في شرح حديث أبي عرفة يعفوب بن زيد، وهو في الموطأ ٢/ ٣٨٢ (٢٣٧٨)، وانظر تخريجه في هناك.
(٢) سلف بإسناده في شرح الحديث الثاني لابن شهاب، عن سالم، وهو في الموطأ ٢/ ٤٩١ (٢٦٣٥)، وانظر تخريجه في هناك.
(٣) سلف في شرح الحديث التاسع عشر لزيد بن أسلم، وهو في الموطأ ١/ ١٩٣ (٣٤٩)، وانظر تخريجه في هناك.
(٤) سلف في شرح الحديث التاسع لزيد بن أسلم، وهو في الموطأ ١/ ٦٧ (٦٦)، وانظر تخريجه في هناك.
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
وقال -ﷺ-: "ليسَ أحدٌ من خَلْقِ اللَّه إلّا وقد أخَطَأ، أو هَمَّ بخطيئةٍ، إلّا يحيى بن زكريّا" (^١).
وقال -ﷺ-: "لولا أنَّكُم تُذنِبُونَ وتستغفِرُونَ (^٢)، لذهَبَ اللَّهُ بكُم، وجاءَ بقوم يُذنِبُونَ ويستغفِرُونَ، فيَغفِرُ لهم، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أن يغفِرَ لعِبادِهِ" (^٣).
ومِن هذا قولُ الأوَّلِ (^٤):
إنْ تغفِرِ اللَّهُمَّ تغفِرْ جمّا
وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألمّا
فهذه الأُصُولُ كلُّها تَشْهدُ على أنَّ الذُّنُوبَ لا يُكفَّرُ بها أحدٌ.
وهذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ قولَهُ -ﷺ-: "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما"، أنَّهُ ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ المعنَى فيه النَّهيُ عن أن يقول أحَدٌ (^٥) لأخيهِ: كافِرٌ، أو: يا كافِرُ.
(^٦) قيلَ لجابرِ بن عبدِ اللَّه: يا أبا محمدٍ، هل كنتُم تُسمُّونَ شيئًا من الذُّنُوبِ كُفرًا، أو شِركًا، أو نِفاقًا؟ قال: مَعاذَ اللَّه، ولكُنّا نقولُ: مُؤمِنينَ مُذنِبينَ (^٧).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١٤٤ (٢٢٩٤)، وعبد بن حميد (٦٦٥) والبزار في مسنده ١١/ ٧٨ (٤٧٨٤)، وأبو يعلى (٢٥٤٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٩١. من حديث ابن عباس.
(٢) في ي ١: "لو لم تذنبوا ثم" بدل: "لولا أنكم تذنبون وتستغفِرُون".
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٢٠٢٧١)، وأحمد في مسنده ١٣/ ٤٤٥ (٨٠٨٢)، ومسلم (٢٧٤٩)، والطبراني في الدعاء (١٨٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧١٠٢)، والبغوي في شرح السنة (١٢٩٤) من حديث أبي هريرة. وانظر: المسند الجامع ١٧/ ٧٦٢ - ٧٦٣ (١٤٤٣٤).
(٤) هو أمية بن أبي الصلت، وانظر: ديوانه، ص ٥٨.
(٥) هذه الكلمة لم ترد في ي ١.
(٦) الثلاث فقرات، هذه واللتان بعدها، لم ترد جميعًا في ي ١.
(٧) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٥/ ١٧٦، والبيهقي في شعب الإيمان ١/ ٢٩٥ (٣٢٥ م).
[ ١٠ / ٣٩٤ ]
رُوي ذلك عن جابرٍ من وُجُوهٍ.
ومِن حديثِ الأعمشِ، عن أبي سُفيانَ قال: قلتُ لجابرٍ: أكنتُم تقولُونَ لأحَدٍ من أهلِ القِبْلةِ: كافِرٌ؟ قال: لا. قلتُ: فمُشرِكٌ؟ قال: مَعاذَ اللَّه. وفَزِعَ (^١).
وقد قال جَماعةٌ من أهلِ العِلم، في قولِ اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، هُو قولُ الرَّجُلِ لأخيهِ: يا كافِرُ، يا فاسِقُ.
وهذا مُوافِقٌ لهذا الحديثِ، فالقُرآنُ والسُّنّةُ (^٢) يَنْهيانِ عن تَفْسيقِ المُسلِم وتكفير، إلّا (^٣) ببيانٍ لا إشكالَ فيه.
ومِن جِهةِ النَّظرِ الصَّحيح، الذي لا مَدْفَعَ لهُ: أنَّ كلَّ من ثبتَ لهُ عَقْدُ الإسلام في وَقْتٍ بإجماع من المُسلِمينَ، ثُمَّ أذنَبَ ذنبًا، أو تأوَّلَ تأويلًا، فاختلَفُوا بعدُ في خُرُوجِهِ من الإسلام، لم يكُن لاختِلافِهِم بعدَ إجماعِهِم معنًى يُوجِبُ حُجّةً، ولا يُخرَجُ من الإسلام المُتَّفقِ عليه، إلّا باتِّفاقٍ آخرَ، أو سُنّةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها (^٤).
وقدِ اتَّفقَ أهلُ السُّنّةِ والجَماعةِ، وهُم أهلُ الفِقهِ والأثَرِ، على أنَّ أحدًا لا يُخرِجُهُ ذنبُهُ، وإن عَظُمَ، من الإسلام. وخالَفهُم أهلُ البِدَع، فالواجِبُ في النَّظرِ، أن لا يُكفَّر إلّا منِ اتَّفقَ الجميعُ على تَكفيرِهِ، أو قامَ على تَكفيرِهِ دليلٌ لا مَدْفعَ لهُ، من كِتابٍ أو سُنّةٍ.
وأمّا قولُهُ -ﷺ-: "فقد باءَ بها"، أي: قدِ احتمَلَ الذَّنبَ في ذلك القولِ أحَدُهُما.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٣١٧)، والطبراني في الأوسط (٧٣٥٤) من طريق الأعمش به.
(٢) في ي ١: "والحديث".
(٣) هذا الحرف سقط من الأصل، م.
(٤) من قوله: "أو سنة" إلى هنا لم يرد في ي ١.
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
قال الخليلُ بن أحمد (^١) ﵀: باءَ بذنبِهِ، أي: احتَملهُ. ومثلُهُ قولُهُ ﷿: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقولُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢].
والمعنى في قولِهِ: "فقد باءَ بها أحدُهُما"، يُريدُ أنَّ المقولَ لهُ: يا كافِرُ، إن كان كذلك، فقدِ احتَملَ ذَنْبَهُ، ولا شيءَ على القائلِ لهُ ذلك، لصِدقِهِ في قولِهِ.
فإن لم يَكُن كذلك (^٢)، فقد باءَ القائلُ بذَنْبٍ كبيرٍ، وإثم عظيم، واحتَمَلهُ بقولِهِ ذلك.
وهذا غايةٌ في التَّحذيرِ من هذا القولِ، والنَّهيِ عن أن يُقال لأحَدٍ من أهلِ القِبلةِ: يا كافِرُ.
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغَويُّ، قال (^٣): حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: أخبَرَنا شُعبةُ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، قال: "إذا قال الرَّجُلُ لأخِيهِ: يا كافِرُ، أو: أنتَ كافِرٌ، فقد باءَ بها أحدُهُما، فإن كان كما قال، وإلّا رَجَعَتْ إلى الأوَّلِ".
وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ القاضي البِرْتيُّ ببغدادَ، قال: أخبَرنا أبو مَعْمرٍ عبد اللَّه بن
_________________
(١) العين ٨/ ٤١٣.
(٢) من قوله: "احتمل ذنبه" إلى هنا لم يرد في ي ١.
(٣) أخرجه في الجعديات (١٦١٣). ومن طريقه أخرجه الحسين بن مسعود البغوي في شرح السنة (٣٥٥٠). وأخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٧٣، ٩٨ (٥٠٣٥، ٥٠٧٧)، وابن مندة في الإيمان (٥٩٤) من طريق شعبة، به، وهو حديث صحيح. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ١٩ - ٢٠ (٧١٧٩).
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
عَمرو (^١)، قال أخبَرنا (^٢) عبدُ الوارثِ بن سعيدٍ، عنِ الحُسينِ المُعلِّم، عنِ ابنِ بُرَيدةَ، قال: حدَّثني يحيى بن يَعْمُر، أنَّ أبا الأسودِ الدّيليَّ حدَّثهُ، عن أبي ذرٍّ، أنَّهُ سمِعَ النَّبيَّ ﵇ يقولُ: "لا يَرْمي رجُلٌ رجُلًا بالفِسْقِ، أو بالكُفرِ، إلّا رُدَّتْ عليه، إن لم يَكُن صاحِبُهُ كذلك" (^٣).
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا (^٤) ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ الأنباريُّ وموسى بن مُعاويةَ، قالا: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المُباركِ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن ثابتِ بن الضَّحّاكِ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "من رَمَى مُؤمِنًا بكُفرٍ، فهُو كقتلِهِ" (^٥).
_________________
(١) في ف ٣: "بن عُمر"، خطأ. وهو عبد اللَّه بن عمرو بن أبي الحجاج، أبو معمر المُقعد البصري. انظر: تهذيب الكمال ١٥/ ٣٥٣.
(٢) من قوله: "أبو معمر" إلى هنا لم يرد في م.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٥٠٨، ٦٠٤٥)، وفي الأدب المفرد (٤٣٢، ٤٣٣)، وأبو عوانة (٥٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢/ ٣٢٢ (٨٦٣)، وابن مندة في الإيمان (٥٩٣)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٠٣ والبغوي في شرح السنة (٣٥٥٢) من طريق أبي معمر، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٣٥/ ٣٦٩، ٤٥٠ (٢١٤٦٥، ٢١٥٧١)، ومسلم (٦١)، وابن ماجة (٢٣١٩)، والبزار في مسنده ٩/ ٢٥٤ (٣٩١٩)، وأبو عوانة (٥٥) من طريق عبد الوارث، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٨٩ (١٢٢٤٥).
(٤) من قوله: "أحمد بن محمد القاضي البرتي" إلى هنا لم يرد في ي ١.
(٥) أخرجه البخاري (٦٠٤٧)، والطبراني في الكبير ٢/ ٧٤ - ٧٥ (١٣٣٧)، وابن مندة في الإيمان (٦٣٤) من طريق علي بن المبارك، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٦/ ٣١٢ (١٦٣٨٥)، ومسلم (١١٠)، والترمذي (٢٦٣٦)، وأبو عوانة (١٢٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٣٥١، من طريق يحيى بن أبي كثير، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٩٧١٠)، وأحمد أيضًا ٢٦/ ٣١٦ (١٦٣٩١)، والبخاري (٦١٠٥)، والطبراني في الكبير ٢/ ٧٢ (١٣٢٤، ١٣٢٦)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٣، من طريق أبي قلابة، به وانظر: المسند الجامع ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣ (٢٠٠٣).
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (^١): حدَّثنا أبو عَمرٍو (^٢) عُبيدُ بن عَقيلٍ، قال: سمِعتُ جَرير بن حازِم يُحدِّثُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن جابرِ بن سَمُرةَ، عن عُمرَ بن الخطّابِ قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "من سرَّتهُ حَسَنتُهُ، وساءَتهُ سَيِّئَتُهُ، فهُو مُؤمِنٌ".
فليتَ شِعْري من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، وهُو مِمَّن تسُرُّهُ حَسَنتُهُ، وتسُوءُهُ سيِّئتُهُ، لأيِّ شيءٍ تكونُ الشَّهادةُ عليه بالكُفرِ، أولى من الشَّهادةِ لهُ بالإيمانِ؟
ورَوى الأعمشُ، عنِ المعرُورِ بن سُويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: [يقولُ اللَّهُ ﷿] (^٣): من عَمِلَ مِثلَ قُرابِ الأرضِ (^٤) خَطيئةً، ثُمَّ لقيني لا يُشرِكُ بي شيئًا، جَعَلتُ لهُ مِثلها مَغْفِرةً" (^٥).
_________________
(١) أخرجه في مسنده (٦٠٦، بغية). وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ٨/ ٢٨٣، ٢٨٤ (٩١٧٥، ٩١٧٦)، وأبو يعلى (١٤١، ١٤٢)، وابن حبان ١٠/ ٤٣٦، و١٥/ ١٢٢ (٤٥٧٦، ٦٧٢٨)، والطبراني في الأوسط ٢/ ١٨٤ (١٦٥٩) من طريق جرير بن حازم، به. وهو حديث اضطرب فيه عبد الملك بن عمير وسيأتي في ١٢/ ٤٣٤.
(٢) زاد هنا في ف ٣: "بن"، خطأ. وهو عبيد بن عقيل بن صبيح الهلالي، أبو عمرو البصري المقرئ الضرير. انظر: تهذيب الكمال ١٩/ ٢٢١.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة متعينة من صحيح مسلم ومصادر التخريج الأخرى أخلت بها النسخ ولا يصح الحديث إلا بها، لأنه حديث قدسي.
(٤) قراب الأرض. أي: ما يُقارب ملأها. وقراب الشيء، وقرابه، وقرابته: ما قارب قدره. انظر: لسان العرب ١/ ٩٩٤.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ٣٥/ ٢٨٩، ٣١٥، ٣٨٦ (٢١٣٦٠، ٢١٣٩٧، ٢١٤٨٨)، ومسلم (٢٦٨٧)، وابن ماجة (٣٨٢١)، والبزار في مسنده ٩/ ٣٩٨ (٣٩٨٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٥/ ٥٦، والبغوي في شرح السنة (١٢٥٣) من طريق الأعمش، به. وأخرجه أحمد أيضًا ٣٥/ ٢٤٠ (٢١٣١١)، وابن حبان ١/ ٢٦٤ (٢٢٦)، والطبراني في الأوسط ٣/ ٢٥٢ (٣٠٦٠) من طريق المعرور، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ١٩٦ - ١٩٧ (١٢٣٧٣).
[ ١٠ / ٣٩٨ ]
ورواهُ شُعبةُ، عن واصِلٍ، عنِ المعرُورِ بن سُويدٍ، قال: سمِعتُ أبا ذرٍّ قوله (^١) (^٢).
وعن ابنِ عُمرَ، قال: كُنّا نشهدُ على أهلِ المُوجِبَتَينِ بالكُفرِ، حتّى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦].
وأخبَرنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (^٣): حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيادٍ، عن عبدِ اللَّه بن راشِدٍ مولى عُثمان بن عفّان، قال: سمِعتُ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ بين يَدَيِ الرَّحمنِ لَلَوْحًا فيه ثلاثُ مئةٍ وخمسَ عشْرةَ شريعةً، يقولُ الرَّحمنُ: وعِزَّتي لا يأتيني (^٤) عبدٌ من عِبادي بواحِدةٍ منهُنَّ، وهُو لا يُشرِكُ بي شيئًا، إلّا أدخلتُهُ الجنّةَ".
وأخبَرنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (^٥): حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ،
_________________
(١) في م: "يقوله"، والمثبت من الأصل، وهو الصواب، يعني: موقوفًا.
(٢) أخرجه الطيالسي (٤٦٦)، والبزار في مسنده ٩/ ٤٠٣ (٣٩٩٩) من طريق شعبة، به.
(٣) أخرجه في مسنده (٨، بغية). وأخرجه عبد بن حميد (٩٦٨)، وأبو يعلى (١٣١٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٥١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٠٨) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، به. وانظر: المسند الجامع ٦/ ١٥٨ - ١٥٩ (٤١٧٣). قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، ابن راشد، وابن أنعم، ضعيفان. وابن أنعم، هو عبد الرحمن بن زياد.
(٤) هذه الكلمة لم ترد في ي ١.
(٥) في المصنَّف (٢٩٨٩٣). وأخرجه أبو داود (١٥٢٩)، والنسائي في السنن الكبرى ٩/ ٧ (٩٧٤٨)، وابن حبان ٣/ ١٤٤ (٨٦٣)، والحاكم في المستدرك ١/ ٥١٨، من طريق زيد بن الحباب، به. وانظر: المسند الجامع ٦/ ٤٢١ (٤٥٥٦). أبو هانئ اسمه حميد بن هانئ وهو لا بأس، به، وأبو علي الجنبي اسمه عمرو بن مالك، وهو ثقة، فإسناد الحديث حسن.
[ ١٠ / ٣٩٩ ]
قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن شُرَيح، قال: حدَّثني أبو هانئٍ، عن أبي عليٍّ الجَنْبيِّ، قال: سمِعتُ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "من قال: رَضِيتُ باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسُولًا، وجبَتْ لهُ الجنّةُ".
وقال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "الجنّةُ لا يدخُلُها إلّا نفسٌ مُؤمِنةٌ (^١) " (^٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيان، قال: حدَّثني أبو إسحاقَ، عن فرْوةَ بن مالكٍ الأشجعيِّ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ-، قال لظِئرٍ (^٣) لهُ، أو لرجُلٍ من أهلِهِ: "اقرأ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عندَ مَنامِكَ، فإنَّها بَراءةٌ من الشِّركِ" (^٤).
وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (^٥): أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: كُنّا عندَ النَّبيِّ -ﷺ- في مجلِسٍ،
_________________
(١) هذا الحديث لم يرد في ي ١.
(٢) سيأتي بإسناده في شرح الحديث الخامس عشر لأبي النضر مولى عمر بن عبيد اللَّه، وهو في الموطأ ١/ ٥٠٤ (١١٠١)، وانظر تخريجه في هناك.
(٣) الظئر: المرضعة لغير ولدها، ويطلق على زوجها أيضًا. وجمعه أظؤر، وأظآر، وظئور. انظر: المعجم الوسيط، ص ٥٧٥.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٣٩/ ٤٨٩ (٢٤٠٠٩/ ٥١)، والنسائي في السنن الكبرى ٩/ ٢٩٥ - ٢٩٦ (١٠٥٧١، ١٠٥٧٢) من طريق سفيان، به، وهذا حديث حسن. وانظر: المسند الجامع ١٥/ ٦١٨ - ٦١٩ (١٢٠٠١).
(٥) في الكبرى ٦/ ٤٧٦، و٧/ ١٩٤ (٧٢٥٢، ٧٧٨٧)، وهو في المجتبى ٧/ ١٦١، و٨/ ١٠٨. والحديث قد سلف في شرح الحديث الثاني لمحمد بن المنكدر، وهو في الموطأ ٢/ ٥٧٨ (٢٨١٢)، وانظر: تتمة تخريجه هناك.
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
فقال: "تُبايِعُوني على أن لا تُشرِكُوا باللَّه شيئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تزنُوا". قَرأ عليهمُ الآيةَ (^١) "فمن وَفَى منكُم فأجرُهُ على اللَّه، ومن أصابَ من ذلك شيئًا، فسَتَرهُ اللَّهُ ﷿، فهُو إلى اللَّه، إن شاءَ عذَّبهُ، وإن شاءَ غفرَ لهُ".
قال أبو عُمر: هذا من أصحِّ حديثٍ يُروَى عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، وعليه أهلُ السُّنّةِ والجماعةِ، وهُو يُضاهي قولَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ جِدًّا، لا يُمكِنُ أن يُحيطَ بها كِتابٌ، فالأحاديثُ اللَّيِّنةُ تُرجَى، والشَّديدةُ تُخشَى، والمُؤمِنُ موقُوفٌ بين الخَوْفِ والرَّجاءِ، والمُذنِبُ إن لم يَتُب، في مَشيئةِ اللَّه.
رَوَينا عن عليِّ بن أبي طالِبٍ ﵁، أنَّهُ قال: ما في القُرآنِ آيةٌ أحَبُّ إليَّ من هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).
ومن شرحَ اللَّهُ صدَرَهُ، فالقليلُ يكفيه.
_________________
(١) يعني آية الممتحنة (١٢): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية. كما في تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٦٥٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠٣٧). وعنه ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ٢٤٦. وذكره غيره أيضًا، وإسناده ضعيف، فإنه من رواية ثوير بن أبي فاختة، وهو ضعيف، عن أبيه، عن علي.
[ ١٠ / ٤٠١ ]