حديثٌ سابعٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (^١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان فيما أُنزِلَ من القُرآنِ: "عَشْرُ رَضَعاتٍ معلُوماتٍ [يُحرِّمنَ] (^٢) ". ثُمَّ نُسِخنَ بخَمسٍ معلُوماتٍ، فتُوُفِّي رسُولُ اللَّه -ﷺ- وهُو مِمّا يُقرَأُ من القُرآنِ.
هذا أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديثِ عن عائشةَ (^٣).
وإلى القَول بهذا الحديثِ، في مِقدارِ الرَّضاع المُحرِّم، ذهَبَ الشّافِعيُّ (^٤) وجماعةٌ، وهُو مذهبُ عائشةَ.
وقد ذكَرْنا من جاءَ معهُم من العُلماءِ على ذلك، ومن خالَفهُم فيه، ودليلَ كلِّ واحِدٍ منهُم، فيما ذهَبَ إليه من ذلك، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ.
وقد تقدَّم القولُ في معنى ناسخ القُرآنِ ومَنسُوخِهِ، وما في ذلك من الوُجُوهِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ.
ومَضَى القولُ في مِقدارِ ما يُحرِّمُ من الرَّضاع، وما للعُلماءِ في ذلك من التَّنازُع، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ أيضًا.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن الحارِثِ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن صالح أبي الخليلِ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ،
_________________
(١) الموطأ ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ (١٧٨٠).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة متعينة من الموطأ.
(٣) هذه الفقرة لم ترد في ي ١.
(٤) انظر: الأم ٥/ ٢٨ و٧/ ٢٣٦.
[ ١١ / ٥٧ ]
عن مُسَيكةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ، ولا الرَّضْعَتانِ، ولا يُحرِّمُ من الرِّضاع أقلُّ من سبع رَضَعاتٍ (^١).
قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: خالَفهُ هشامٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمر، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن أبي الخليلِ صالح بن أبي مريمَ، عن يُوسُف بن ماهَك، عن عبدِ اللَّه بن الزُّبَيرِ، عن عائشةَ، قالت: إنَّما يُحرِّمُ من الرِّضاع سَبْعُ رَضَعاتٍ (^٢).
قال: وحدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن أبي الخليلِ صالح بن أبي مريمَ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن أُمِّ الفَضْلِ: أنَّ رجُلًا من بني عامرٍ، قال: يا رسُولَ اللَّه، هل تُحرِّمُ الرَّضعةُ الواحِدةُ؟ قال: "لا" (^٣).
قال أبو عُمر: اختُلِف على قَتادةَ في هذا الحديثِ، فيما ذكرَ أحمدُ بن زُهَيرٍ، وغيرُهُ، وهي عِندي أحاديثُ جَمَعها صالحُ بن أبي مريمَ، ليسَ فيها اختِلافٌ،
_________________
(١) ذكره النسائي في السنن الكبرى بإثر رقم (٥٤٢٩) عن خالد بن الحارث، به. وذكره ابن التركماني في الجوهر النقي على سنن البيهقي ٧/ ٤٥٥، نقلًا عن الطبري، من طريق سعيد بن أبي عروبة، به.
(٢) أخرجه ابن حزم في المحلى ١١/ ١٨٣، من طريق قاسم بن أصبغ، به. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٥٤٢٩) من طريق معاذ بن هشام، به.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٥١) (١٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٥٤٣١)، وأبو عوانة (٤٤١٧) من طريق معاذ بن هشام، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٣٩٢٦)، وأحمد في مسنده ٤٤/ ٤٤٣ (٢٦٨٧٣)، والدارمي (٢٢٥٢)، وأبو عوانة (٤٤١٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١١/ ٤٨٨ - ٤٨٩ (٤٥٦٣، ٤٥٦٤، ٤٥٦٥)، وابن حبان (٤٢٢٩)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٥٥، من طريق أبي الخليل، به. وانظر: المسند الجامع ٢٠/ ٥٠٧ - ٥٠٨ (١٧٤٢٧).
[ ١١ / ٥٨ ]
والأحاديثُ عن عائشةَ في هذا مُضْطرِبةٌ، ويستحيلُ أن تكونَ السَّبعُ مَنسُوخةً عندَها بخمسٍ، ثُمَّ تُفتي بالسَّبع، ولا تقُومُ بما نُقِلَ عن عائشةَ في هذا الحديثِ حُجّةٌ.
وقد مَضَى القولُ في ذلك بما يكفي، في بابِ ابنِ شِهاب، والحمدُ للَّه.
وأمّا من جِهةِ الإسنادِ، فحديثُ مالكٍ أثبتُ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ، من حديثِ صالح أبي الخَليلِ؛ لأنَّ نَقَلتهُ كلَّهُم أئمّةٌ عُلماءُ جِلّةٌ، وإن كان قد قيلَ: إنَّ مالكًا انفرَدَ بهذا الحديثِ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، وإنَّ عبدَ اللَّه بن أبي بكرٍ انفرَدَ به عن عَمرةَ، وإنَّهُ لا يُعرَفُ إلّا بهذا الإسنادِ، ولكِنَّهُم عُدُولٌ، يجِبُ العَملُ بما رَوَوهُ، وباللَّه التَّوفيقُ (^١).
_________________
(١) قال بشار: هذا الحديث أورده ابن المظفر في كتابه: "غرائب مالك" (٥٨)، وقال محققه: "أما وجه الغرابة في هذا الحديث فلم تتبين لي إلى حد الآن، واللَّه الموفق". هكذا تعجل فقال هذه القالة، مع أن ابن عبد البر قد بيّن الغرابة في "التمهيد" فقال: "قد قيل: إن مالكًا انفرد بهذا الحديث عن عبد اللَّه بن أبي بكر، وأن عبد اللَّه بن أبي بكر انفرد به عن عمرة، وأنه لا يُعرف إلا بهذا الإسناد" (١٧/ ٢١٧). قلت: وإنما يريد التفرد باللفظ الذي رواه به، فالتفرد في حقيقته يكمن بتفرد مالك بروايته عن عبد اللَّه بن أبي بكر بالجملة الأخيرة منه، فقد رواه يحيى بن سعيد الأنصاري والقاسم بن محمد كلاهما، عن عمرة، عن عائشة، ولم يذكرا الشطر الأخير المشار إليه منه، وروايتهما أصح إن شاء اللَّه، وليس كما زعم ابن عبد البر، وإن كانت رواية عبد اللَّه بن أبي بكر عند مسلم. وأيضًا فإن الشراح والمتفقهة حملوا ذلك على النسخ في أواخر عهد النبي -ﷺ-، كما قال النووي وابن حجر وغيرهما، لكنه تأويل بعيد في رأينا، والأحسن ترجيح رواية يحيى بن سعيد والقاسم على هذه الرواية، واللَّه الموفق للصواب.
[ ١١ / ٥٩ ]