نافعٌ، عنِ القاسم بن محمدٍ حديثٌ واحِدٌ، وهُو ثالثُ سبعين لنافع
وهُو القاسمُ (^١) بن محمدِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ.
ذكرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانِيُّ، قال: حدَّثنا أشهلُ، عنِ ابنِ عونٍ (^٢)، قال: قال محمدُ بن سِيرِينَ: ماتَ القاسمُ بن محمدٍ، ولم يَكُن أحدٌ أرْضَى عندَ النّاسِ منهُ. قال: وحدَّثنا القَعْنبِيُّ، قال: سمعتُ مالكًا، قال (^٣): ذكَرَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ القاسم بن محمدٍ، فقال: إنَّهُ لها. يعني: الخِلافةَ.
وذكَرَ ابنُ البرقِيِّ: أنَّ القاسمَ بن محمدٍ، تُوُفِّي سنةَ ثمانٍ ومئةٍ، وهُو قولُ الواقِدِيِّ، ويُكْنَى أبا محمدٍ، وكان قد ذهَبَ بصرُهُ.
قال ابنُ عونٍ: رأيتُ ثلاثةً لم أرَ مِثلهُم: ابن سِيرِينَ بالعِراقِ، والقاسم بن محمدٍ بالحِجازِ، ورجاءَ بن حَيْوةَ بالشّام.
وقال ضمرةُ، عن رجاء بن أبي سلمةَ: مات القاسمُ بن محمدٍ فيما بين مكّةَ والمدِينةِ، حاجًّا أو مُعتمِرًا. وقال لابنِهِ: سُنَّ التُّرابَ عليَّ سنًّا، وسوِّ عليَّ قَبْرِي، والحَقْ بأهلِكَ، وإيّاك أن يغُرَّك: كان وكان. قال ضَمْرةُ: وتُوُفِّي القاسمُ بن محمدٍ (^٤) في سنةِ إحْدَى أوِ اثنتينِ ومئةٍ، في خِلافةِ يزِيد بن عبدِ الملكِ.
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٢٧ والتعليق عليه.
(٢) في د ٤: "سهل بن عون"، وهو تحريف، فأشهل هو: ابن حاتم الجمحي، مولاهم البصري، وشيخه هو عبد الله بن عون. انظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٣٦.
(٣) قوله: "قال: سمعت مالكًا" سقط من الأصل، م، وهو ثابت في د ٤ وغيرها، وهو الصواب.
(٤) قوله: "القاسم بن محمد" لم يرد في د ٤.
[ ١٠ / ٨٦ ]
مالكٌ (^١)، عن نافع، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّها أخبرتهُ: أنَّها اشْترَتْ نُمرُقةً فيها تصاوِيرُ، فلمّا رآها رسُولُ الله -ﷺ- قامَ على الباب، فلَمْ يدخُلْ، فعرَفَتْ في وجهِهِ الكَراهِيةَ، وقالت: يا رسُولَ الله، أتُوبُ إلى الله (^٢)، ماذا أذْنَبتُ؟ فقال رسُولُ اللهﷺ-: "ما بالُ هذه النُّمرُقةِ؟ ". قالتِ: اشْتَريتُها، لتَقْعُد عليها وتَوسَّدَها، فقال رسُولُ الله -ﷺ-: "إنَّ أصحابَ هذه الصُّورِ يومَ القِيامةِ يُعذَّبُون، يُقالُ لهم: أحْيُوا ما خَلَقْتُم". وقالﷺ-: "إنَّ البيتَ الذي فيه الصُّورُ، لا تدخُلُهُ الملائكةُ".
قال أبو عُمر: النُّمرُقةُ: الوِسادةُ.
وقال الخليلُ (^٣): والنُّمرُوقُ: الوِسادةُ أيضًا.
وهذا الحديثُ يَقْتضِي تحرِيمَ استِعمالِ ما فيه التَّصاوِيرُ من الثِّيابِ، وامتهانَها (^٤)، والاستِمتاع بها، في ثوبٍ كانت أو غيرِ ثَوْبٍ، كان الثَّوبُ مِمّا يُوطَأُ أو لم يكُن؛ لأنَّ النُّمرُقةَ مِمّا يُوطَأُ ويُمتَهَنُ، وقد وردَ فيها ما رأيتَ في هذا الحديثَ (^٥)، ولم يخُصَّ بيتًا فيه نوعُ تصاويرَ من نَوْع ما، ولا في مَوْضِع ما، ولا خَصَّ ثوبًا من ثَوْبٍ، وحُكمُ كلِّ ثوبٍ، حُكمُ النُّمرُقةِ.
وليسَ في شيءٍ من أحادِيثِ هذا البابِ، أحسنُ إسنادًا من هذا الحديثِ.
وقد رَواهُ الزُّهرِيُّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، مِثله (^٦) سواءً. إلّا أنَّهُ
_________________
(١) الموطأ ٢/ ٥٥٨ (٢٧٧٣).
(٢) في الموطأ: "وإلى رسوله".
(٣) العين ٥/ ٢٦٥.
(٤) في م: "وأمثالها".
(٥) في م: "الباب".
(٦) قوله: "مثله" لم يرد في د ٤.
[ ١٠ / ٨٧ ]
جعلَ في موضِع النُّمرُقةِ: قِرامًا. والقِرامُ: جمعُ قُرامةَ. قال الخليلُ (^١): القُرامةُ: ثوبُ صُوفٍ مُلوَّنٌ.
والمعنَى في ذلك كلِّهِ واحِدٌ؛ لأنَّها كلَّها ثِيابٌ تمُتهنُ، ولم يُرخَّص في شيءٍ منها في هذا الحديثِ، وإن كانتِ الرُّخْصةُ قد ورَدَتْ في غيرِهِ في هذا المعنَى، فإنَّ ذلك مُتعارِضٌ.
وحديثُ عائشةَ هذا من أصحِّ ما يُروَى في هذا البابِ، إلّا أنَّ عُبيدَ الله بن عُمرَ رَوَى هذا الحديث، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، فخالَفَ في معناهُ، وذكَرَ فيه الرُّخصةَ، فيما يُرتَفقُ ويُتَوسَّدُ.
وقد مَضَى في الصورِ وكَراهِيتها في الثِّيابِ وغَيْرِها ذِكرٌ، في بابِ إسحاقَ بن أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، وسيأتي القولُ في هذا البابِ، وما للعُلماءِ فيه من الوُجُوهِ والمذاهِبِ، في بابِ أبي النَّضرِ، من كِتابِنا هذا مُمهَّدًا مُوعَبًا، إن شاءَ الله.
حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا بَحْرُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا بِشرُ بن بكرٍ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّانٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ بن حبِيبٍ. قالا: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، عنِ ابنِ شِهاب، قال: أخبرني القاسمُ بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: دخَلَ عليَّ النَّبيُّ -ﷺ- وأنا مُسْتتِرةٌ لا بقِرام فيه صُوَرٌ، فهَتَكهُ، وقال: "إنَّ أشدَّ النّاسِ عذابًا يومَ القِيامةِ، الذينَ يُشبِّهُونَ بخلقِ الله" (^٢).
_________________
(١) العين ٥/ ١٥٩.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٤١/ ١١١ (٢٤٥٦٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ١١ (٧)، والبيهقي في الكبر ى ٧/ ٢٦٧، من طريق الأوزاعي، به. وانظر: المسند الجامع ٢٠/ ١٠٦ (١٦٨٩٦).
[ ١٠ / ٨٨ ]
وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى وأحمدُ بن فتْح، قالا: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن سعِيدِ بن عُثمانَ بن عبدِ السَّلام السَّرّاجُ، قال: حدَّثنا أبو صالح عبدُ الله (^١) بن صالح، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن سعدٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله -ﷺ- وأنا مُسْتتِرةٌ بقِرام فيه صُوَرٌ، فتَلَوَّنَ وجهُهُ، وتناوَلَ السِّتر فهَتَكهُ، ثُمَّ قال: "إنَّ من أشَدِّ النّاسِ عذابًا يومَ القِيامةِ الذين يُشبِّهُون بخلقِ الله" (^٢).
ورواهُ ابنُ عُيَينةَ، عنِ ابنِ شِهاب، بإسنادهِ مِثلهُ (^٣).
ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ القِرامَ سِترٌ.
ويحتَمِلُ أنَّهُ إذ هتكَهُ وخَرَّقهُ، قد أبطَلَ الانتِفاعَ به، ويحتَمِلُ أن يكونَ أباحَ الانتِفاعَ منهُ، بما كان يُوطأُ ويُمتَهنُ، وكرِهَ ما يُنصَبُ نصبًا، كالسِّترِ وشِبْهِهِ، ولهِذا، واللهُ أعلمُ، قال من قال من العُلماءِ: ما قُطِعَ رأسُهُ، فليسَ بصُورةٍ، وما لم يُنْصَب وبُسِطَ، فليسَ به بأسٌ.
ويدُلُّ حديثُ عُبيدِ الله بن عُمرَ، على نحوِ ما ذكَرْنا من الاحتِمالِ.
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ (^٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَوِيُّ، قال (^٥): حدَّثنا بِشْرُ بن الوَلِيدِ،
_________________
(١) في د ٤: "عبيد الله" محرّف، وهو كاتب الليث.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٠٩)، ومسلم (٢١٠٧) (٩١)، وأبو يعلى (٤٤٠٩)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٢٦٧، من طريق إبراهيم بن سعد، به.
(٣) أخرجه الحميدي في مسنده (٢٥١)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٥٧١٨)، وأحمد في مسنده ٤٠/ ٩٧ - ٩٨ (٢٤٠٩١)، ومسلم (٢١٠٧) (٩١ م ٢) من طريق ابن عيينة، به.
(٤) في د ٤: "عبد الله بن محمد بن جنابة"، وهو تحريف وتصحيف، وصوابه ما أثبتنا، وقد مضى التنبيه عليه.
(٥) في الجعديات (٢٩٤٥).
[ ١٠ / ٨٩ ]
قال: حدَّثنا عبدُ العَزِيزِ بن عبدِ الله (^١) بن أبي سَلَمةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله -ﷺ- وفي البَيْتِ سِترٌ مَنْصُوبٌ، عليه تصاوِيرُ، فعرَفْتُ (^٢) الغضَبُ في وَجهِهِ. قالت: فهَتكتُهُ، وأخذتُهُ فجَعَلتُهُ مِرْفَقتينِ، فكانَ يَرْتفِقُ بهما في بيتهِ -ﷺ-.
فرِوايةُ عُبيدِ الله بن عُمرَ هذه، عنِ القاسم، مُخالِفةٌ لرِوايةِ الزُّهرِيِّ، ونافع، عنِ القاسم. وعُبيدُ الله ثِقةٌ حافِظٌ، وسَماعُهُ من القاسم ومن سالم صحِيحٌ، والزَّهرِيُّ ونافعٌ أجلُّ منهُ، والله أعلمُ بالصَّحِيح من ذلك.
ومِن جِهةِ النَّظرِ، لا يجِبُ أن يقَعَ المنعُ والحَظْرُ إلّا بدليلٍ لا مُنازع لهُ، وحديثُ سَهْلِ بن حُنَيفٍ، مع أبي طَلْحةَ الأنصارِيِّ (^٣)، يَعْضُدُ ما رَواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ في ذلك، وسيأتي ذِكرُ حديثِ سَهْلِ بن حُنيفٍ وأبي طَلْحةَ، في بابِ أبي النَّضرِ، من كِتابِنا هذا في حرفِ السِّينِ.
وقد مَضَى ما للفُقهاءِ، في هذا البابِ من المذاهِبِ، في بابِ إسحاق بن أبي طلحةَ، ويأتي في بابِ أبي النَّضرِ سالم، ما فيه أيضًا عنِ التّابِعِينَ، إن شاءَ اللهُ ﷿.
_________________
(١) لفظ الجلالة سقط من م. وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون. انظر: تهذيب الكمال ١٨/ ١٥٢.
(٢) في الأصل، ف ٣، م: "فعُرف".
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٥٥ (٢٧٧٢).
[ ١٠ / ٩٠ ]