حديثٌ مُوَفِّي ثمانينَ حديثًا لنافع مُرسلٌ، يتَّصِلُ من وُجُوهٍ
مالكٌ (^١)، عن نافع: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ.
هكذا رواهُ يحيى، عن مالكٍ، عن نافع مُرسلًا. وتابَعهُ أكثرُ رُواةِ "المُوطَّأ".
ووَصَلهُ عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، مرفُوعًا، جماعةٌ (^٢)، منهُم: محمدُ بن المُباركِ الصُّورِيُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ (^٣)، (^٤) وابنُ المبارَكِ (^٥)، ومحمدُ بن الحسنِ الشَّيبانيُّ (^٦)، ويحيى بن صالح الوحاظيُّ، وعُثمانُ بن عُمرَ (^٧)، وإبراهيمُ بن حمّادٍ (^٨).
ومن أصحابِ "الموطَّأ": مَعْنُ بن عيسى، وإسحاقُ بن سُليمانَ الرّازِيُّ (^٩)،
_________________
(١) الموطأ ١/ ٥٧٦ (١٢٩١).
(٢) ذكره الدارقطني في علله ١٢/ ٣٢٩ (٢٧٢٦) ونبه على ذلك.
(٣) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٤) من هنا إلى قوله: "وإسحاق بن سليمان الرازي" سقط من الأصل ومن النسخ التي نقلت عنه، ومن م.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٣٦٨ (٤٧٤٦) من طريق ابن المبارك، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٧١٨ - ٧١٩ (٨١٢٩).
(٦) انظر: الموطأ بروايته (٨٦٨).
(٧) أخرجه ابن ماجة (٢٨٤١) من طريق عثمان بن عمر، به.
(٨) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٩) أخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٣٣١ (٥٤٥٨) من طريق إسحاق بن سليمان، به.
[ ١٠ / ١٧٤ ]
والولِيدُ بن مُسلِم (^١)، وعتِيقُ بن يعقُوبَ الزُّبيرِيُّ (^٢)، وعبدُ الله بن يُوسُف التِّنِّيسِيُّ (^٣)، وابنُ بُكيرٍ، وأبو مُصعبٍ الزُّهرِيُّ (^٤) (^٥).
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخَضِرِ، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ المدنِيُّ القاسمُ بن عبدِ الله بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قتلِ النِّساءِ والوِلدانِ (^٦).
وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن الخضِرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- مرَّ بامرأةٍ مَقْتُولةٍ. فذكر الحديثَ (^٧).
وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمّادٍ المدنِيُّ الضَّرِيرُ، سنةَ ستٍّ وعِشرِينَ ومئَتينِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ (^٨).
_________________
(١) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
(٢) انظر: علل الدارقطني ١٢/ ٣٢٩ (٢٧٢٦).
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤١/ ٢٨١، من طريق عبد الله بن يوسف، به.
(٤) هو في الموطأ بروايته ١/ ٣٥٨ (٩٢٠) مرسلا كرواية يحيى.
(٥) بعد هذا في الأصل، م: "وإبراهيم بن حماد، وعثمان بن عمر"، وقد تقدم ذكر هؤلاء، وذكرهما هنا مع رواة الموطأ خطأ، لأنهما لم يذكرا فيمن روى الموطأ. وينظر: ترتيب المدارك ٢/ ٨٦ - ٨٩.
(٦) أخرجه ابن حبان ١/ ٣٤٤، و١١/ ١٠٧ (١٣٥، ٤٧٨٥)، وأبو القاسم الجوهري في مسند الموطأ (٦٧٦)، والبغوي في شرح السنة (٢٦٩٤) من طريق أبي مصعب، به.
(٧) انظر: علل الدارقطني ١٢/ ٣٢٩ (٢٧٢٦).
(٨) انظر: المصدر السابق.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال حدَّثنا مالكُ بن عيسى. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ الحُسَينيُّ، قال حدَّثنا الطَّحاوِيُّ (^١). قالا: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصبيانِ.
وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ.
وكذلك رواهُ جماعةُ أصحابِ نافع، عن نافع (^٢)، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٣): حدَّثنا يزِيدُ بن خالدِ بن مَوْهَبٍ وقُتيبةُ بن سعِيدٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُوسى بن داود الضَّبِّيُّ، قالوا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ امرأةً وُجِدَتْ في بعضِ مَغازِي رسُولِ الله -ﷺ- مَقْتُولةً، فأنكَرَ رسُولُ الله -ﷺ- قتلَ النِّساءِ والوِلْدانِ.
_________________
(١) أخرجه في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٢١. وعنه أخرجه ابن المظفر في غرائب مالك (١٦٥). وأخرجه أبو عوانة (٦٥٨٦) من طريق محمد بن عبد الله بن ميمون، به.
(٢) قوله: "عن نافع" سقط من د ٤.
(٣) أخرجه في سننه (٢٦٦٨). وأخرجه مسلم (١٧٤٤) (٢٤)، والترمذي (١٥٦٩)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٤ (٨٥٦٤) عن قتيبة بن سعيد، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٤٧٢، و١٠/ ٢٢٨، ٢٣٩ (٥٦٥٨، ٦٠٣٧، ٦٠٥٥)، والبخاري (٣٠١٤)، وأبو عوانة (٦٥٨٤)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٧٧، من طريق الليث، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٧١٨ - ٧١٩ (٨١٢٩).
[ ١٠ / ١٧٦ ]
وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ امرأةً وُجِدَتْ في بعضِ مَغازِي رسُولِ الله -ﷺ- مَقْتُولةً، فكرِهَ ذلك، ونَهى عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (^١).
قال أبو عُمر: رُوِي عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّهُ نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصبيانِ في دارِ الحَرْبِ من وُجُوهٍ:
منها حديثُ ابنِ عُمرَ هذا.
وحديثُ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ (^٢).
وحديثُ ابنِ عبّاسٍ (^٣).
وحديثُ عائشةَ.
وحديثُ الأسْوَدِ بن سَرِيع.
وأجمعَ العُلماءُ على القولِ بجُملةِ هذا الحديثِ، ولا يجُوزُ عندَهُم قَتْلُ نِساءِ الحَرْبِيِّينَ، ولا أطفالِهِم؛ لأنَّهُم ليَسُوا مِمَّن يُقاتِلُ في الأغْلَبِ، والله ﷿ يقولُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي في فوائده (٣)، وابن عدي في الكامل ٣/ ٩٥٤، من طريق موسى بن عقبة، به.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٢١، والطبراني في الأوسط ٤/ ٢٩٠ (٤٢٢٧)، والخطيب في موضحٍ أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦، من طريق عطية، عن أبي سعيد، به.
(٣) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه، وكذا ما بعده.
(٤) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٧/ ٤٢٩ (ط. دار ابن حزم)، والأم للشافعي ٤/ ٢٥٢، والمدونة لسحنون ١/ ٤٩٩، ومسائل أحمد وإسحاق للكوسج ٨/ ٣٩٠٣ (٢٧٨٣)، والإشراف لابن المنذر ٤/ ٢١، والإقناع له ٢/ ٤٦٣، وشرح مختصر الطحاوي للجصاص ٧/ ٢٩. وفيها ما بعده.
[ ١٠ / ١٧٧ ]
واختَلَفُوا في النِّساءِ والصِّبيانِ إذا قاتَلُوا.
فجُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّهُم إذا قاتَلُوا، قُتِلُوا.
ومِمَّن رأى ذلك: الثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشّافعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وكلُّ هؤُلاءِ وغيرُهُم ينهونَ عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ إذا لم يُقاتِلُوا، اتِّباعًا للحديثِ، والله أعلمُ.
واختلفُوا في طَوائفَ مِمَّن لا يُقاتِلُ، فجُملةُ مذهبِ مالكٍ، وأبي حنِيفةَ، وأصحابِهِما: أَنهُ لا يُقتلُ الأعْمَى، والمعتُوهُ، ولا المُقعدُ، ولا أصحابُ الصَّوامِع، الذين طيَّنُوا البابَ عليهم، ولا يُخالِطُونَ النّاس.
قال مالكٌ: وأرَىَ أن يُترَكَ لهم من أموالِهِم ما يعِيشُونَ به، ومن خِيفَ منهُ شيءٌ، قُتِل.
وقال الثَّورِيُّ: لا يُقتلُ الشَّيخُ، ولا المرأةُ، ولا المُقعَدُ، ولا الطِّفلُ.
وقال الأوزاعِيُّ: لا يُقتلُ الحُرّاثُ، والزُّرّاعُ، ولا الشَّيخُ الكبِيرُ، ولا المجنُونُ، ولا راهِبٌ، ولا امرأةٌ.
وقال اللَّيثُ: لا يُقتَلُ الرّاهِبُ في صَوْمعتِهِ، ويُترَكُ لهُ من مالِهِ القُوتُ.
وعن الشّافعيِّ قولانِ، أحدُهُما: أَنهُ يُقتَلُ الشَّيخُ، والرّاهِبُ. وهُو عندَهُ أولى القولينِ.
وقال الطَّبرِيُّ: يُقتَلُ الأعْمَى، وذُو الزَّمانةِ، والمُقعَدُ، والشَّيخُ الفانِي، والرّاعِي، والحرّاثُ، والسّائحُ، والرّاهِبُ، وكلُّ مُشْرِكٍ، حاشى ما اسْتَثناهُ اللهُ ﷿، على لسانِ رسُولِهِ -ﷺ- من النِّساءِ، والوِلدانِ، وأصحابِ الصَّوامِع.
قال: والمغلُوبُ على عَقلِهِ في حُكم الطِّفلِ.
قال: وإنْ قاتَلَ الشَّيخُ، والمرأةُ، والصبِيُّ، قُتِلُوا.
[ ١٠ / ١٧٨ ]
واحتجَّ بما رواهُ الحجّاجُ، عنِ الحَكَم، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأى رسُولُ الله -ﷺ- امرأةً مقتُولةً، فقال: "من قتلَ هذه؟ ". فقال رجُلٌ: أنا يا رسُولَ الله، نازَعَتْني قائمَ سيفي (^١). فسكتَ (^٢).
وذكَرَ قولَ الضَّحّاكِ بن مُزاحِم، قال: نَهَى رسُولُ الله -ﷺ- عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ، إلّا من سَعَى بالسَّيفِ (^٣).
وذهَبَ قومٌ من أصحابِ مالكٍ مذهَبَ الطَّبرِيِّ في هذا البابِ، وبه قال سُحنُونٌ.
قال أبو عُمر: أحادِيثُ هذا البابِ التي منها نَزَعَ العُلماءُ بما نَزَعُوا، من أقاوِيلِهِمُ التي ذكَرْناها عنهُم.
منها ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (^٤). وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (^٥). قالا: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن المُرقِّع بن صيفِيِّ بن رَباح (^٦)، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّهِ
_________________
(١) قائم السيف: مقبضه. انظر: المعجم الوسيط، ص ٧٦٨.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ٣٨٨ (١٢٠٨٢) من طريق الحجاج، به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٩٣٨٤)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٦٢٦).
(٤) أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير، السفر الثاني ١/ ٢٣٠.
(٥) في سننه (٢٦٦٩). ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٩/ ٨٢. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٣١٤، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٦، ٢٧ (٨٥٧١) من طريق أبي الوليد الطيالسي، به. وأخرجه عبد الرزاق (١٠٢٤٢)، وأحمد في مسنده ٢٥/ ٣٧٠ - ٣٧١ (١٥٩٩٢)، وابن ماجة (٢٨٤٢)، والنسائي في الكبر ى ٨/ ٢٧ (٨٥٧٢)، وأبو يعلى (١٥٤٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٢١، وابن حبان ١١/ ١١٠ (٤٧٨٩) من طريق المرقع بن صيفي، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٤١١ (٣٧١٥).
(٦) في الأصل، م: "بن رياح"، مُصَحَّف، وهو عمر بن المرقع بن صيفي بن رباح بن الربيع التميمي الكوفي. انظر: تهذيب الكمال ٢١/ ٥٠٧.
[ ١٠ / ١٧٩ ]
رباحِ بن (^١) الرَّبِيع، قال: كُنّا مع رسُولِ الله -ﷺ- في غَزْوةٍ، فرأى النّاسَ مجُتمِعِينَ على شيءٍ، فبعَثَ رجُلًا، فقال: "انظُر علامَ اجتمَعَ هؤُلاءِ". فجاءَ فقال: امرأةٌ قتيلٌ، فقال: "ما كانت هذه لتُقاتِلَ". قال: وعلى المُقدِّمةِ خالدُ بن الولِيدِ، فبعَثَ رجُلًا فقال: "قُلْ لخالدٍ: لا تَقتُلُوا (^٢) امرأة ولا عَسِيفًا (^٣) ". ولفظُ الحديثِ وسِياقُهُ لأبي داود، وقال أحمدُ بن زُهَيرٍ في حديثهِ: "الحَقْ خالذا، فقُل لهُ: لا تقتلوا ذرِّيّةً، ولا عسِيفًا".
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (^٤): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهدِيّ، عن
_________________
(١) في د ٤: "عن"، وهو خطأ ظاهر.
(٢) في د ٤: "تقتل".
(٣) العسيف: الأجير المستهان به. انظر: لسان العرب ٩/ ٢٤٦.
(٤) أخرجه في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ٢٩ (٣٦٩٦). وأخرجه أبو عبيد في الأموال (٩٥)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٧ (٨٥٧٣)، وابن حبان ١١/ ١١٢ (٤٧٩١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٩٣٨٢)، وأحمد في مسنده ٢٩/ ١٥١ (١٧٦١٠)، وابن ماجة (٢٨٤٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٢٢، وفي شرح مشكل الآثار ٥/ ٤٣٨ (٦١٣٦)، والطبراني في الكبير ٤/ ١٠ (٣٤٨٩) من طريق سفيان الثوري، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٢٤١ (٣٤٩٣). قال بشار: هذا الحديث مما أخطأ فيه سفيان، فقد قال البخاري: "وقال الثوري عن أبي الزناد، عن مرقّع، عن حنظلة الكاتب، وهذا وهم" (التاريخ الكبير ٣/ ٣١٤). وقال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن المُرقِّع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، قال: كنا مع النبي -ﷺ- في غزاة، فمر بامرأة مقتولة الحديث. قال أبو عيسى: حديث سفيان هذا خطأ إنما هو: عن المُرقّع، عن رباح بن الربيع، أخي حنظلة الكاتب. هكذا رواه غير واحد عن أبي الزناد. وسألت محمدًا (يعني البخاري) عن هذا الحديث؟ فقال: رباح بن الربيع، ومن قال: رياح بن الربيع هو وهم. =
[ ١٠ / ١٨٠ ]
سُفيانَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ المُرقِّع بن صيفيِّ، عن حَنْظلةَ الكاتِبِ، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله -ﷺ- في غَزاةٍ، فمَرْرنا بامرأةٍ مَقْتُولةٍ والنّاسُ مجُتمِعُونَ عليها، ففَرَجُوا لهُ، فقال: "ما كانت هذه تُقاتِلُ، الْحَق خالدًا فقُل لهُ: لا تَقتُل ذرِّيّةً، ولا عَسِيفًا".
لم يُخرِّج أبو داودَ هذا الإسنادَ، وخرَّج الأوَّلَ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسماعيلَ بن أبي حبِيبةَ الأشهلي (^١)، عن داودَ بن الحُصينِ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان إذا بعَثَ جُيُوشَهُ قال: "اخرُجُوا باسْم الله، تُقاتِلُونَ في سبِيلِ الله، لا تَغدِرُوا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا الوِلدانَ، ولا أصحابَ الصَّوامِع" (^٢).
_________________
(١) = قال أبو عيسى: رباح بن الربيع أصح. وقد روى بعض ولد رباح غير هذا عن جده، وقال رياح بن الربيع. وهكذا قال علي ابن المديني رياح. ترتيب علل الترمذي الكبير (٤٧١ و٤٧٢). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه سفيان الثوري، عن أبي الزِّناد، عن المُرقِّع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، قال: لما خرج رسول الله -ﷺ- في بعض مغازيه، نظر إلى امرأة مقتولة، فقال: ما كانت هذه تقاتل، فنهى عن قتل النساء والولدان. قال أبي وأبو زرعة: هذا خطأ، يقال: إن هذا من وهم الثوري، إنما هو المُرقع بن صيفي، عن جدِّه رباح بن الربيع، أخي حنظلة، عن النبي -ﷺ-، كذا يرويه مغيرة بن عبد الرحمن، وزياد بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي الزِّناد. قال أبي: والصحيح هذا. علل الحديث (٩١٤).
(٢) في الأصل، وبعض النسخ: "الأسلمي"، محرّف، وهو إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي، أبو إسماعيل المدني. انظر: الأنساب للسمعاني ١/ ١٨٠، وتهذيب الكمال ٢/ ٤٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١٦١ (٢٧٢٨)، والبزار ١١/ ٩٣ (٤٨٠٦)، وأبو يعلى (٢٥٤٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٢٠، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٩٠ من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، به. وانظر: المسند الجامع ٩/ ٤٨٥ - ٤٨٦ (٦٩٢١). وهذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة.
[ ١٠ / ١٨١ ]
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سلمةَ (^٢). وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ (^٣)، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن الزُّبيرِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: لم يُقتَل من نِسائهِم، يعني نِساءَ بني قُرَيظةَ، إلّا امرأةٌ واحِدةٌ، قالت عائشةُ: والله إنَّها لعِندِي تحدَّثُ مَعِي، وتضحكُ ظهرًا وبطنًا ورسُولُ الله -ﷺ- يَقتُلُ رِجالَهُم بالسُّوق (^٤) إذ هتَفَ هاتِفٌ باسْمِها: أينَ فُلانةُ؟ قالت: أنا والله. قلتُ: ويلَكِ، ما لكِ، وما شانُكِ؟ قالت: أُقتلُ. قلتُ: ولِمَ؟ قالت: حدث أحدَثتُهُ. فانطُلِقَ بها، فضُرِبت عُنُقُها. فكانت عائشةُ تقولُ: ما أنَسَى عَجَبِي من طِيبِ نَفسِها، وكَثْرةِ ضَحِكِها، وقد عَرفَتْ أنَّها تُقتَلُ.
ولفظُ الحديثِ لحديثِ إبراهيم بن سعدٍ، والمعنى واحِدٌ سواءٌ.
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،
_________________
(١) في سننه (٢٦٧١). وأخرجه أحمد في مسنده ٤٣/ ٣٨٣ (٢٦٣٦٤) من طريق إبراهيم بن سعد، به. وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٢٤٨ - ٢٤٩، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٥ - ٣٦، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٨٢، من طريق ابن إسحاق، به. وإسناده حسن، ابن إسحاق صَرّح بالتحديث. وانظر: المسند الجامع ٢٠/ ٢٦٨ - ٢٦٩ (١٧١٢٢).
(٢) في د ٤: "مسلمة"، وهو خطأ.
(٣) في م: "بن سعيد"، محرّف. وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، أبو إسحاق المدني. انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٨٨.
(٤) المطبوع من سنن أبي داود: "بالسيوف"، ولكن الصحيح فيه كما أثبتنا على ما جاء في النسخة الهندية من السنن.
[ ١٠ / ١٨٢ ]
قال (^١): حدَّثنا سعِيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عنِ الحَسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-: "اقتُلُوا شُيُوخَ المُشرِكِينَ، واسْتَحيُوا شَرْخَهُم".
قال أبو عُمر: "شرخَهُم"، يعني: غِلْمانَهُم وشُبّانَهُمُ الذين لم يبلُغُوا الحُلُم، ولم يُنبِتُوا.
وأجمعُوا أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قتَلَ دُريدَ بن الصَّمّةِ يوم حُنينٍ (^٢)؛ لأنَّهُ كان ذا رأيٍ ومَكِيدةٍ في الحرب.
فمن كان هكذا من الشُّيُوخ، قُتِلَ عندَ الجميع، ومن لم يكُن كذلك، فمُختلفٌ في قَتلِهِ من الشُّيُوخ.
واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في رَمْيِ الحِصنِ بالمنجنِيقِ إذا كان فيه أطفالُ المُشرِكِينَ، أو أُسارَى مسلِمِينَ (^٣).
فقال مالكٌ: لا يُرمَى الحِصنُ، ولا تُحرَقُ سَفِينةُ (^٤) الكُفّارِ، إذا كان فيها (^٥)
_________________
(١) في سننه (٢٦٧٠). ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٩/ ٩٢. وأخرجه أحمد في مسنده ٣٣/ ٣٧٩ (٢٠٢٣٠)، والروياني (٨٠٢)، والطبراني في الكبير ٧/ ٢٦٢ (٦٩٠٠) من طريق هشيم، به. وأخرجه أحمد في مسنده أيضًا ٣٣/ ٣٢١ (٢٠١٤٥)، والبزار في مسنده ١٠/ ٤٢٣ (٤٥٧٤)، والطبراني في الكبير ٧/ ٢٦٢ (٦٩٠١)، والبغوي في شرح السنة (٢٦٩٥) من طريق حجاج، به. وأخرجه الترمذي (١٥٨٣)، والطبراني في الكبير ٧/ ٢٦٢ (٦٩٠٢) من طريق قتادة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وانظر: المسند الجامع ٧/ ٢١٠ - ٢١١ (٥٠٢٠).
(٢) انظر: صحيح البخاري (٤٣٢٣)، ومسلم (٢٤٩٨)، وابن حبان ١٦/ ١٦٣ (٧١٩١)، وسنن البيهقي الكبرى ٩/ ٩٢ من حديث أبي موسى.
(٣) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٧/ ٤٥٥ (ط. دار ابن حزم)، والأم للشافعي ٤/ ٣٠٦، والمدونة لسحنون ١/ ٥١٢، ومسائل أحمد وإسحاق ٨/ ٣٨٦٤ (٢٧٦١)، والإشراف لابن المنذر ٤/ ٢٥، ومختصر اختلاف العلماء ٣/ ٤٣٤. وفيها ما بعده.
(٤) في ف ٣: "سقيفة".
(٥) في ف ٣: "فيهم".
[ ١٠ / ١٨٣ ]
أُسارَى المُسلِمِينَ، لقولِ الله ﷿: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح: ٢٥]. قال: وإنَّما صُرِفَ النَّبيُّ -ﷺ- عنهُم، لما كان فيهم من المُسلِمِينَ، لو تزيَّلَ الكُفّارُ من المُسلِمِينَ، لعذَّبَ الكُفّار.
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، والثَّورِيُّ: لا بألسَ برميِ حُصونِ المُشرِكِينَ، وإن كان فيهم أُسارَى من المُسلِمِينَ وأطفالٌ من المُسلِمِينَ، أوِ المُشرِكِينَ، ولا بأسَ أن يُحرقَ الحِصنُ، ويُقصَدَ به المُشرِكُونَ، فإن أصابُوا واحِدًا من المُسلِمِينَ، فلا دِيةَ ولا كفّارةَ.
وقال الثَّورِيُّ: إن أصابُوهُ، ففيه الكفّارةُ، ولا دِيةَ (^١).
وقال الأوزاعِيُّ: إذا تترَّلسَ الكُفّارُ بأطفالِ المُسلِمِينَ، لم يُرمَوْا، لقولِ الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]. قال: ولا يُحرَقُ المركبُ فيه أُسارَى من المُسلِمِين.
قال: ويُرمَى الحِصْنُ بالمَنْجنِيقِ، وإن كان فيه أُسارَى مُسلِمُونَ، فإن أصابَ أحدًا من المُسلِمِينَ، فهُو خطأٌ، فإن جاؤُوا مُتترِّسِينَ بهم رُمُوا، وقُصِدَ بالرَّميِ العدو. وهُو قولُ اللَّيثِ.
وقال الشّافعيُّ: لا بأسَ برَمْيِ الحِصْنِ وفيه أُسارَى وأطفالٌ، ومن أُصيبَ، فلا شيءَ فيه. وإن تترَّسُوا، ففيه قولانِ، أحدُهُما: يُرْمَونَ، والآخرُ: لا يُرْمَونَ. إلّا أن يكونَ يَقْصدُ المُشْركَ، وُيتوخَّى جُهدَهُ، فإن أصابَ في هذه الحالِ مُسلِمًا، وعلِمَ أنَّهُ مُسلِمٌ، فالدِيةَ (^٢) مع الرَّقبةِ، وإن لم يعلمهُ مُسلِمًا، فالرَّقبةُ وحدَها.
_________________
(١) في د ٤: "والدية"، والمثبت هو الصواب، ويعضده ما نقله عنه الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٤٣٤ (١٥٨٢).
(٢) في م: "فلا دية".
[ ١٠ / ١٨٤ ]
قال أبو عُمر: من سُنّةِ رسُولِ الله -ﷺ- الغارةُ على المُشرِكِينَ صباحًا وليلًا، وبه عمِلَ الخُلفاءُ الرّاشِدُونَ.
ورَوَى جُندُبُ بن مَكيثٍ الجُهَنِىُّ، قال: بعثَ رسُولُ الله -ﷺ- غالِبَ بن عبدِ الله اللَّيثيَّ، ثُمَّ أحدَ بني خالدِ بن عَوْفٍ في سرِيّةٍ كنتُ فيهم، وأمرَهُ أن يشنَّ (^١) الغارةَ على بني المُلوَّح لالكديد. قال: فشَننّا عليهمُ الغارةَ ليلًا (^٢).
ومعلُومٌ أنَّ الغارةَ يَتلَفُ فيها من دَنا أجلُهُ، مُسلِمًا كان أو مُشرِكًا، وطِفلًا وامرأةً، ولم يَمْنع رسُولَ الله -ﷺ- قولُ الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ الآيةَ ونهيُهُ عن قتلِ النِّساءِ والوِلدانِ، من الغارةِ.
وهذا عِندِي محمُولٌ على أنَّ الغارةَ إنَّما كانت، واللهُ أعلمُ، في حِصْنٍ وبَلَدٍ لا مُسلِمَ فيه في الأغلَبِ.
وأمّا الأطفالُ من المُشرِكِينَ في الغار، فقد جاءَ فيهم حديثُ الصعبِ بن جَثّامةَ، وهُو حديث ثابت صحِيحٌ:
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٣): حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ الصَّعبِ بن جثّامةَ، أَنَّهُ سألَ رسُولَ الله -ﷺ-
_________________
(١) في م: "وأمرهم أن تشن".
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢٥/ ١٦٩ - ١٧١ (١٥٨٤٤)، وأبو داود (٢٦٧٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٩١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٠٨، والطبراني في الكبير ٢/ ١٧٩ - ١٧٨ (١٧٢٦)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٢٤، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٨٨ - ٨٩. عن جُندب بن مَكيث مطولًا. وإسناده ضعيف، فإنه من رواية مسلم بن عبد الله بن خبيب، وهو مجهول. وانظر: المسند الجامع ٥/ ١٩ - ٢٠ (٣٢١١).
(٣) في سننه (٢٦٧٢). والحديث سلف تخريجه في شرح الحديث السادس لابن شهاب، وهو في الموطأ ١/ ٤٧٥ (١٠١٥).
[ ١٠ / ١٨٥ ]
عنِ الدّارِ من المُشرِكِينَ، يُبيّتُونَ، فيُصابُ من ذَرارِيهِم ونِسائهِم، فقال رسُولُ الله -ﷺ-: "هُم منهُم". قال: وكان عَمرُو بن دِينارٍ يقولُ: هُم من آبائهِم. قال الزُّهرِيُّ: نَهى رسُولُ الله -ﷺ- بعدَ ذلك عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ.
قال أبو عُمر: جعلَ الزُّهرِيُّ حديثَ الصَّعبِ بن جثّامةَ منسُوخًا، بنهيِ رسُولِ الله -ﷺ- عن قَتلِ النِّساءِ والوِلدانِ. وغيرُهُ يجعلُهُ محُكمًا غير منسُوخ، ولكِنَّهُ محصُوصٌ بالغار، وتركِ القَصدِ إلى قَتْلِهِم، فيكونُ النَّهيُ حِينئذٍ يتَوجَّهُ إلى من قصدَ قتلهُم، وأمّا من قصدَ قتلَ آبائهِم، على ما أُمِرَ به من ذلك، فأصابَهُم وهو لا (^١) يُرِيدُهُم، فليسَ مِمَّن تُوجَّهُ إليه الخطابُ (^٢) بالنَّهيِ عن قتلِهِم، على مِثلِ تِلك الحالِ.
ومِن جِهةِ النَّظرِ، لا يجِبُ أن يتَوجَّه النَّهيُ إلّا إلى القاصِدِ؛ لأنَّ الفاعِلَ لا يستحِقُّ اسمَ الفعل حقِيقةً دُونَ مجازٍ، إلّا بالقَصدِ والنّيةِ والإرادةِ، ألا تَرى أنَّهُ لو وجَبَ عليه فِعلُ شيءٍ ففَعلهُ، وهُو لا يُرِيدُهُ، ولا يَنْوِيهِ، ولا يقصدُهُ، ولا يَذكُرُهُ، هل كان ذلك يُجزِئُ عنهُ من فِعلِهِ، أو يُسمَّى فاعِلًا لهُ؟
وهذا أصلٌ جسِيمٌ في الفِقهِ، فافهمهُ.
وأمّا قولُهُ -ﷺ-: "من آبائهِم". فمعناهُ: حُكمُهُم حُكمُ آبائهِم، لا دِيةَ فيهم ولا كفّارةَ، ولا إثمَ فيهم أيضًا، لمن لم (^٣) يَقْصِد إلى قَتلِهِم.
وأمّا أحكامُ أطفالِ المُشرِكِينَ في الآخِرةِ، فليسَ من هذا البابِ في شيءٍ.
وقدِ اختلفَ العُلماءُ في حُكم أطفالِ المُشرِكِين في الآخِرةِ، وقد ذكَرْنا اختِلافَهُم، واختِلافَ الآثارِ في ذلك، في بابِ أبي الزِّنادِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
_________________
(١) في م: "وهؤلاء" بدل: "وهو لا".
(٢) في م: "الخطايا".
(٣) سقط حرف الجزم من د ٤.
[ ١٠ / ١٨٦ ]