حَدِيثٌ سَادِسٌ لِحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمْرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ كَسْبَ الْحَجَّامِ طَيِّبٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُوكِلُ إِلَّا مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَا يَجْعَلُ ثَمَنًا وَلَا عِوَضًا وَلَا جُعْلًا بِشَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ قَوْمٌ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ إِعْطَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ نَاسِخٌ لِمَا حَرَّمَهُ مِنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَنَاسِخٌ لِمَا كَرِهَهُ مِنْ أَكْلِ إِجَارَةِ الْحَجَّامِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ الْمُقْرِئُ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اشْتَرَى غُلَامًا حَجَّامًا فَكَسَرَ مَحَاجِمَهُ أَوْ أَمَرَ بِهَا فَكُسِرَتْ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَظَاهِرُهُ عِنْدِي عَلَى غَيْرِ مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ بِدَلِيلِ مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا لِأَنَّ نَهْيَهُ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ كَنَهْيِهِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَثَمَنِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِ
[ ٢ / ٢٢٤ ]
ذَلِكَ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ نَهْيُهُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ تَحْرِيمًا لِصَيْدِهِ كَذَلِكَ لَيْسَ تَحْرِيمُ ثَمَنِ الدَّمِ تَحْرِيمًا لِأُجْرَةِ الْحَجَّامِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ أُجْرَةَ تَعَبِهِ وَعَمَلِهِ وَكُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَجَائِرٌ بَيْعُهُ وَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ ﷺ مِنَ السُّنَّةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَقَالَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى وَأَمَرَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ فِي الْحَجِّ فَكَيْفَ تَحْرُمُ الْإِجَارَةُ فِيمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَوْلًا وَعَمَلًا فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَسْلِيمِ مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ لِأَنَّ الْأُصُولَ الصِّحَاحَ تَرُدُّهُ فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ كَانَ مَنْسُوخًا بِمَا ذَكَرْنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا وَقَالَ آخرون كسب الحجام كسب فيه دناءة وليس بحرام وسلم وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أم يُرَخِّصْ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْلِفَهُ نواضجه وَيُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ وَكَذَلِكَ رَوَى رِفَاعَةُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن كسب الْحَجَّامِ وَأَمَرَنَا أَنْ نُطْعِمَهُ نَوَاضِحَنَا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَزَّهَهُمْ عَنْ أَكْلِهِ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُطْعِمُوهُ رَقِيقَهُمْ لِأَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ فِيهِمْ كَمَا تَعَبَّدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَأَظُنُّ الْكَرَاهَةَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ يَخْرُجُ مَخْرَجَ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَمَلٌ يُعْطَى عَلَيْهِ عَامِلُهُ مَا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ مَعْمُولٍ لَهُ وَرُبَّمَا لَمَّ تَطِبْ نَفْسُ الْعَامِلِ بِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ نُسِخَ بِسُنَّةِ الْإِجَارَةِ وَالْبُيُوعِ وَالْجُعْلِ الْمُقَدَّرِ الْمَعْلُومِ وَهَكَذَا دُخُولُ الْحَمَّامِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ طائفة من الشافعين كَرِهُوا دُخُولَ الْحَمَّامِ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ وَإِنَاءٍ معلوم وشيء
[ ٢ / ٢٢٥ ]
مَحْدُودٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ تَنَاوُلِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا شَدِيدٌ جِدًّا وَفِي تَوَاتُرِ الْعَمَلِ بِالْأَمْصَارِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ مَا يَرُدُّ قَوْلَهُمْ وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا شَاهَدٌ عَلَى تَجْوِيزِ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ بِغَيْرِ سَوْمٍ وَلَا شَيْءٍ مَعْلُومٍ قبل العلم لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِيهِ وَلَوْ ذُكِرَ لَنُقِلَ وَحَسْبُكَ بِهَذَا حُجَّةً وَإِذَا صَحَّ هَذَا كَانَ أَصْلًا فِي نَفْسِهِ وَفِيمَا كَانَ مِثْلَهُ وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ رَدُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَيِّدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ السَّبْتِيَّ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كسب الْحَجَّامِ لِتَحْرِيمٍ إِنَّمَا كَانَ عَلَى التَّنَزُّهِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَكْرَهُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كَسْبِ غِلْمَانَهَا فِي الْحِجَامَةِ وَكَانَ الرَّجُلُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ أَخِيهِ وَلِحْيَتِهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبَانٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا منه كسب الْحَجَّامُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ذَلِكَ أَوْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ التَّنَزُّهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَيْسَ فِي عَطْفِ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ عَلَيْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي تَحْرِيمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى الشَّيْءِ وَحَكْمُهُ مُخْتَلِفٌ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمان بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَوْ كَانَ بِهِ بَأْسٌ لَمْ يُعْطِهِ هَكَذَا قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْحِجَامَةِ وَفِي مَعْنَاهَا إِبَاحَةُ التَّدَاوِي كُلِّهِ بِمَا يُؤْلِمُ وَبِمَا لَا يُؤْلِمُ إِذَا كَانَ يُرْجَى نَفْعُهُ وَقَدْ بَيَّنَّا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي إِبَاحَةِ التَّدَاوِي وَالرُّقَى مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[ ٢ / ٢٢٧ ]