أما بالنسبة لتصحيحات السيوطي ورموزه في الجامع الصغير، فإن من اطلع على النسخ خطية للجامع الصغير، وجد اختلافًا كبيرًا بين النسخ الخطية مع بعضها بعضًا، وبين النسخ الخطية والمطبوع، ولو قارنت بين النسخ المحققة والمطبوعة؛ لوجدت اختلافًا أيضًا في رموز التصحيح والتضعيف، مما يدلك على أن هذه الرموز إما أن تكون من غير السيوطي إلا بعضها فمن وضع السيوطي وهذا فيما اتفقت عليه النسخ، أو جزم المناوي في شرحه أنها من رمز السيوطي -أو أن يكون النساخ للجامع الصغير قد تصرفوا في الرموز، فسبق نظرهم إلى حديث، فوضعوا رمزه لحديث آخر و.. و.. الخ.
ثم إن المقصد من الجامع الصغير أن ينفع الخطباء والوعاظ والفقهاء، ومعلوم عند المحدثين أن الاستدلال بالحديث الضعيف -في فضائل الأعمال-
[ ١ / ١٢٨ ]
جائز، ووجود بعض الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة جدًا لا ينزل من مقام الكتاب ولا صاحبه شيئًا، إذ أنها قليلة مقابل عدد الأحاديث الموجودة في الجامع الصغير ولا تشكل -نسبيًا- شيئًا، فقد استدرك ابن الجوزي على مسند الإِمام أحمد - ﵀- أحاديث رآها موضوعة، وتتبعه ابن حجر والسيوطي، ولم يضر ذلك المسند شيئًا؛ لأن الأحاديث المستدركة عليه قليلة جدًا -والله أعلم-.
قال المناوي في تعقباته على السيوطي في شرحه للجامع الصغير (١/ ٤٠): " وقد أكثر المؤلّف في هذا (الجامع الصغير) من الأحاديث الضعيفة".
وقال: "على أنه كان ينبغي له -أي المؤلف- أن يعقب كل حديث بالإشارة بحاله بلفظ صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث، فلو فعل ذلك؛ كان أنفع وأصنع، ولم يزد الكتاب بها إلا وريقات لا يطول بها".
وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس صاد وحاء وضاد، فلا ينبغي الوثوق به لغلبة تحريف النسَّاخ على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض -كما رأيته بخطه- فكان المتعين ذكر كتابة صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث. قال الحافظ العلائي على من ذكر حديثًا اشتمل سنده على من فيه ضعف أن يوضح حاله خروجًا عن عهدته، وبراءة من ضعفه. انتهى.
وقال الغماري في المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير عن السيوطي: "ومنها أحاديث لم يَظن هو أنها موضوعة؛ لأنه متساهلٌ في ذلك غاية التساهل، فلا يكاد يحكم على حديثٍ بالوضع إلا إذا دعته الضرورة إلى ذلك وما عدا ذلك فإنه يتساهل في إيراد الحديث الموضوع، بل وفي الاحتجاج به أيضًا".
وقال الألوسي رحمه الله تعالى في كتابه "غاية الأماني" (١/ ٥١) ناقلًا عن الشيخ بدر الدين الحلبي في كتابه "الإرشاد والتعليم":
[ ١ / ١٢٩ ]
وفي تنوير الحوالك لجلال الدين السيوطي، الذي رد به على منكري رؤيته - ﷺ - بعد وفاته في اليقظة طرف من ذلك [أي من القصص التي فيها التقاء بعض الناس بالنبي - ﷺ - بعد موته]، وكل ما أتى به لا دليل فيه، وأطال الكلام في ذلك ثم قال: وقد ذكر عن السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه في النوم، فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين، فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التي منها فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص، انتهى المراد منه.
وليت شعري لم كان عثمان يطلب شاهديْن من كل مَنْ أتاه بآية يشهدان على أنها من القرآن، وهلا رأى النبي - ﷺ - يقظة وسأله عن تلك الآية، وهو -وسائر الصحابة- أحق ممن ذكر بهذه الفضيلة.
وقد وقع بينهم من الاختلاف ما لم يره أحد منهم ويدفع إشكاله!
والسيوطي ﵀ كان فيما ألفه من الكتب حاطب ليل، في كل كتاب له مذهب ومشرب، وما أتى به في كتابه هذا لا يعول عليه، كما سيرد عليك مردودا وذكر الشيخ الألباني في كتابه "تمام المنة" ص: ٢٩.
أن السيوطي معروف بتساهله في التصحيح والتضعيف، فالأحاديث التي صححها أو حسنها، وفيها قسم كبير قد ردها عليه الشارح المناوي، وهي تبلغ المئات، إن لم نقل أكثر من ذلك، وكذلك وقع فيه أحاديث كثيرة موضوعة، مع أنه قال في مقدمته: وصنته عما تفرد به وضاع أو كذَّاب، وقد تتبعتها بصورة سريعة، وهي تبلغ الألف -تزيد قليلًا أو تنقص كذلك- وأرجو أن أوفق لإعادة النظر فيها وإجراء قلم التحقيق عليها، وإخراجها للناس. ومن الغريب أن قسمًا غير قليل فيها شهد السيوطي نفسه بوضعها في غير هذا الكتاب، فهذا كله يجعل الثقة به ضيقة، نسأل الله العصمة، ثم يسر الله -﵎- فجعلت "الجامع الصغير وزياداته" المسمى بـ "الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير"
[ ١ / ١٣٠ ]
قسمين: "صحيح الجامع " و"ضعيف الجامع " وعدد أحاديث "صحيح الجامع" (٦٤٦٩) حديث والموضوع منها (٩٨٠) حديث على وجه التقريب وهو مطبوع -كالصحيح والحمد لله تعالى-.
وقال أبو الحسنات، محمَّد عبد الحيّ اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ) (١): "أما السيوطي: فهو الحافظ المطلع الجمّاع المنقطع النظير، وهو أوسع العلماء الأجلّة الذين ذكرتهم، تساهلًا في إيراد الحديث الضعيف، والتالف، والموضوع وشبهه في كتبه ورسائله. وإن كان قد عزم - رحمه الله تعالى- أن يصون كتابه الخيِّر: "الجامع الصغير من حديث البشير النذير" عن الحديث الموضوع حيث قال في فاتحته: " وصنته عما تفرد به وضّاع أو كذّاب". فإن هذا العزم لم يتم له الوفاء به، فقد وقع منه في: "الجامع الصغير" نفسه -وفي غيره من كتبه أيضًا- أحاديث كثيرة هي من الحديث الموضوع، كما نبّه عليها شراحه، كالشيخ المناوي في شرحه: "فيض القدير شرح الجامع الصغير".
وأضاف اللكنوي: "والأحاديث الموضوعة التي وقعت للحافظ السيوطي -﵀- في "الجامع الصغير" كثيرة غير قليلة -كما سيأتي بيان عددها- وبعضها قد حكم السيوطي نفسه بوضعه في كتابه: "ذيل اللآلئ". ونبّه اللكنوي إلى عيب قائل في مؤلف: "الجامع الصغير" بقوله (ص ١٢٧): "وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى "الصحيح"، و"الحسن"، و"الضعيف"، بصورة رأس: (ص)، و(ح)، و(ض): فلا ينبغي الوثوق به، لغلبة تحريف النُّسّاخ! ".
وقد عدّ الغماري عدد الأحاديث الموضوعة المتبادرة الوضع؛ فبلغت عنده ٤٥٦ رواية، بدون تقصٍّ. قال المعلق: "وهي أكثر من ذلك بكثير لمن رام
_________________
(١) في كتابه: "الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة" (ص ١٢٦ ط). أولى: (١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٤م)، بعناية عبد الفتاح أبي غدّة نشر مكتب المطبوعات الإِسلامية حلب، سوريا.
[ ١ / ١٣١ ]
الاستقصاء بشروط النقد الموضوعي الصارم المتعددة التخصصات، على ما دأبنا على انتهاجه في غير ما مؤلف من مؤلفاتنا في مثل هذه الموضوعات" (١).
لذلك يجب عدم الاعتماد على الرموز التي يوردها السيوطي في كتابه "الجامع الصغير" أو أقواله -عامة- في الموضوع للعوار الذي يعتريها من هذين الجانبين: جانب الحكم على الأخبار، وجانب تصحيفات النساخ وتحريفاتهم. وإيرادنا لها إنما هو استئناس لنحكم عليها -نحن- بما تستحقه فعلًا.
فالسيوطي إذن: له منهج يستقل به مخالف لمنهج الأئمة المتقدمين المعتدلين، فحينما يرى حديثًا فيه ضعف شديد -وهو الذي فيه راوٍ متروك، وما إلى ذلك- يقول: يمكن أن يرتفع ضعفه بتعدد طرقه، وهذا منهج السيوطي وقد صرح به في ألفيته وفي "التدريب".
لهذا تداولته أيدي العلماء والطلاب في كل زمان ومكان، على اختلاف درجاتهم، وتباين مشاربهم، وتباعد اختصاصاتهم، فلا يكاد يستغني عنه المحدّث، فضلا عن الفقيه والخطيب والأديب.
إلا أن المؤلف ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل الموضوعة والباطلة، فلذلك كان لا بد لأهل العلم أن يتداركوا إشاعة تلك الأحاديث على الناس، ولهذا كان كتاب "الجامع الصغير" بحاجة إلى العناية ببيان درجات الأحاديث؛ لأن ثقة الجماهير وتداولهم للكتاب جعلهم يعتمدون على رمز السيوطي في آخر الحديث بما يستحقه من صحة أو حسن أو ضعف؛ لأن الرموز المشار إليها لا يجوز الاعتماد عليها؛ لأنها قد طرأ عليها التحريف والتغيير من النساخ أو الطباع، وقد ترك المؤلف كتيرًا من الأحاديث بدون رموز (٢).
_________________
(١) وانظر للمزيد "الأجوبة الفاضلة "، ص ١٢٨ - ١٢٩).
(٢) استفدت في هذا الموضوع من موقع: ملتقى أهل الحديث، حيث كتب بعض الإخوة حول هذا الموضوع، فجزاهم الله خيرًا.
[ ١ / ١٣٢ ]