إن كتب شروح الأحاديث كثيرة إلا أن غالب مَنْ يتكلم على الأحاديث، إنما يتكلم عليها من حيث إعرابها والمفهوم من ظاهرها، وليس في ذلك كل الفائدة، إنما الشأن في معرفة مقصوده - ﷺ - وبيان ما تضمنه كلامه من الحكم والأسرار بيانًا تعضده أصول الشريعة، هذا ما فعله الصنعاني في شرحه هذا، كما أنه لم يكثر من نقل الأقاويل والاختلافات، إنما بيّن المراد بعبارة وجيزة مختصرة، وفيما يلي بعض محاسنه:
١ - اغترَّ كثير من العلماء برموز السيوطي في الجامع الصغير (ص) للصحيح (ح) للحسن (ض) للضعيف، وهذه الرموز لا يُوثق بها ولا يُعتمد عليها، وذلك للأسباب التالية:
أ- قد طرأ عليها التحريف والتغيير من النساخ.
ب- سقطت بعض رموز أحاديث الكتاب من الناسخ؛ فلم تُذكر -خلافًا- لنسخة المؤلف وبعض أحاديثه إذ وقع الرمز لها مختلفًا عما في الأصل، وذلك لقرب تشابه الحروف.
وسواء كان هذا أو ذاك، فهو مما يضعف الوثوق بهذه الرموز ويوقع المستفيد في اللبس. ولهذا وأمثاله -مما فيه فائدة- جاء الصنعاني - ﵀ - فخدم الكتاب خدمة مميزة واعتمد على عدة نسخ من الجامع الصغير منها نسخة السيوطي نفسه، فقد صرّح في مواضع كثيرة عن ذلك، إذ قال الصنعاني: "ومن غرائب الشارح أنه شرح على أصل فيه عن "فاطمة" بسقوط لفظ "أبي" فقال: الزهراء، وهو غلط صريح فاعجب".
وقال في موضع آخر: "هب عن أنس": هكذا في نسخ الجامع الصحيحة وهو شرح على أصل غير معتمد لذا فإنه ذكر أنه رمز المصنف بكذا وكذا أشياء ما رأيناها.
[ ١ / ١٣٣ ]
وقال أيضًا: فالله أعلم، كيف شرح على أُمّ كثيرة الغلط. وقال: وهذا من ضعف أصله الذي شرح عليه.
وقال: "وهو مما نبهناك أنه شرح على أصل غير صحيح "، وقال في موضع آخر: "رمز المصنف لضعفه فيما رأيناه مقابلًا على خطه"، وقال الشارح (المناوي): "رمز لصحته؛ لأننا تتبعنا ما ينقله الشارح من ذلك، فوجدناه غير مطابق لما قوبل، فقد رأينا اختلافًا كثيرًا في النسخ في ذلك".
فيمكن الاعتماد على الرموز التي أثبتها الصنعاني؛ لأنه اعتمد على نسخة المؤلف، ونسخ أخرى مقابلة على نسخة المؤلف، فهذه ميزة عظيمة لهذا الكتاب.
٢ - يتميز الصنعاني بعقيدة صحيحة صافية، عقيدة أهل السنة والجماعة، وبخاصة في الأسماء والصفات، فلا يُرى التأويل والتفويض وقد رد كثيرًا على المؤولين والمفوضين.
٣ - وقد اعتنى الصنعاني -كثيرًا- بكشف علل الأحاديث، حيث تكلم على علل الأحاديث كثيرًا، ومنها: الاختلاف على الراوي، والاختلاف بين الرواة في الضبط والحفظ، والاختلاف في الرفع والوقف، وغيرها من أنواع العلل.
٤ - حكم الصنعاني -غالبًا- على الأحاديث، أو نقل عن المناوي أو عن غيره الأحاديث التي لم يرمز لها السيوطي تصحيحًا أو تحسينًا أو تضعيفًا.
٥ - نقد الصنعاني صاحب الجامع الصغير كثيرًا، فالأحاديث التي رمز لها السيوطي بالصحة أو الحسن أو الضعف وهي في نقد الصنعاني معلة أو فيها ضعف، فقد بيّن ذلك، فأجاد وأفاد.
٦ - تكلم على الرواة بذكر ما لهم وما عليهم، وضبط أسماءهم -إن كانت تحتاج إلى ضبط- وذكر مَنْ عدَّلهم أو جرحهم، وكشف حال من احتاج إلى ذلك، ثم بعد ذلك حكم على الحديث بما يليق به.
[ ١ / ١٣٤ ]
٧ - اعتنى بشرح الألفاظ الغريبة الواردة في الأحاديث التي تحتاج إلى شرح، وضبطها.
٨ - يذكر -غالبًا- الأحكام الفقهية والعقدية المستنبطة من هذا الحديث، ويذكر -أيضًا- فوائد مهمة وتنبيهات جديدة، على التحقيق والتدقيق، وبيان الراجح.
٩ - يبيّن الأوهام التي وقع فيها من سبقه، سواء كانت في الشرح أم الضبط أم الإبدال أم الخطأ في عزو الأحاديث.
١٠ - أطال في شرح بعض الأحاديث وأجاد، وأتى في شرحه بنوادر ودرر.
١١ - هو -فيما- أرى أفضل شرح من الشروح المعروفة للجامع الصغير، من حيث غزارة مادته، وسهولة ترتيبه، واشتماله على أحاديث في كل باب، هذه الميزات كلها قد جعلته كتابًا قيمًا يحتاج إليه المتخصص وغيره.