نقده لكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري:
ذكر الصنعاني ذلك في شرح حديث (١٧٤١) وقال: قال بعض المحققين: "ليته ما ألفه؛ فإنه خاص في فن المتكلمين، وما هو شأن أئمة الحديث، فإنها طريقة مبتدعة مذمومة، لم يكن عليها سلف الأمة ولا خاضوا فيها". ولقد حارب الصنعاني علم الكلام وبيَّن فساد منهج المتكلمين في غير موطن، وقد قال عنهم في كتابه "إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة": "فإذا نظرت مبادئ كلامهم في علم الكلام وكتب الحكمة في الزمان والمكان، رأيت محارات يُظلم منها القلب الحي، ولا يقف منها على شيء، ولكنهم خَفوا عند رؤية كلام الفلاسفة وجعلوه عنوانًا لأصول الدين".
وكان يمتاز بتقديم النقل على العقل واتباع النصوص في مسائل العقائد وغيرها. يقول في ذلك -﵀-: "اعلم أن المختار عندي، والذي أذهب إليه، وأدين به في هذه الأبحاث ونحوها، هو ما درج عليه سلف الأمة ولزموه من اتباع السنة، والبعد عن الابتداع، والخوض فيها، إلا لردها على لزوم مناهج
_________________
(١) انظر: حادي الأرواح (ص: ٥٩١. ط. بتحقيق/ محمَّد الزغلي)، وشفاء العليل (ص: ٢٥٧ - ٢٦٠).
(٢) انظر: الكشاف (١/ ٥٦٤).
[ ١ / ٥٨ ]
الأنبياء، وكيف ترد الأقوى إلى الأضعف".
وأعلن الصنعاني مخالفته للمعتزلة والأشاعرة، وإن تأثر بالمعتزلة في خلق أفعال العباد، إلا أنه انتقد المعتزلة كثيرًا، وكذلك الأشاعرة ووصفهم بالابتداع، ومن أقواله في ذلك: "إنما قدمت هذا لئلا يظن الناظر أني أذهب إلى قول فريق من الفريقين المعتزلة والأشاعرة، فإن الكل قد ابتدعوا في هذا الفن الذي خاضوا فيه".
قلت: إن كتاب "خلق أفعال العباد" يتركز موضوعه على ثلاث مسائل مهمة هي:
١ - الكلام على أن القرآن -كلام الله- منزّل غير مخلوق والرد على الجهمية القائلين بأن القرآن مخلوق.
٢ - الكلام حول أفعال العباد وأنها مخلوقة.
٣ - بيان القول الفصل في تلفظ العبد وتلاوته للقرآن الكريم هل هي مخلوقة أو لا؟ وقد قرَّر البخاري - ﵀- أن التلفظ والتلاوة -إن قُصِدَ- بها عمل العبد وأداؤه، فهو مخلوق، وإن قُصِدَ بها المتلو الذي هو القرآن فإنه غير مخلوق.