فقال تحت حديث رقم (٥٦٤٠): "العالم سلطان الله في الأرض، فمن وقع فيه فقد هلك": فمن وقع فيه بذم وإهانة وأذية، فقد هلك لأن الله ناصره وخاذل من عاداه وذمه، كما قيل: لحوم أهل العلم مسمومة، ومن يعاديهم سريع الهلاك، وقال: وفيه الأمر بطاعة العلماء والتحذير من الوقيعة فيهم.
وبعد: فها هي نماذج من الأصول والقواعد وغيرها التي التزمها الصنعاني ودعا إليها وسار عليها من خلال ما سطره في أكثر كتبه، فأين نضع الرجل بعد ذلك؟ لا يمكن أن يكون إلا من أهل السنة والجماعة الذين كانوا على عقيدة السلف وساروا عليها، وجاهدوا فيها، وحوربوا من أجل التمسك بها في عصر لا يعرف إلا الجهل والخرافة.
وقد يقول قائل: للصنعاني بعض المخالفات للسلف كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الصفات وكمسألة خلق أفعال العباد.
أقول: الصنعاني حاول جاهدًا تحرير هذه المسألة، ولكنه لم يتمكن وهو
[ ١ / ٨٧ ]
وسط هذا الجو الخانق من معرفة الحق فيها، ومع هذا فهو رجح ما ترجح عنده دون متابعة لفرقة معينة أو مذهب معين، وقد سبق بيان عدم متابعته للمعتزلة والأشاعرة، وأحيانًا تقوم بالعالم شبهات لا يتمكن من التخلص منها، لعدم الموجه الصادق أثناء الطلب، ولعدم توفر كتب السلف والعاملين بها كما في بيئة الصنعاني.
وانطلق الصنعاني ﵀ في علومه ومؤلفاته يأخذ ما يؤيده الدليل ويترك ما سواه، ويناقش ويرجح ويجمع ما أمكن بين الأدلة كعالم مجتهد له مكانته ومنزلته، وإن كتابه "سبل السلام" وكتابنا هذا "التنوير" لخير شاهد على ما قلناه.