لا شك أن الاعتقاد بعدالة كافة الصحابة هو قول كافة علماء أهل السنة والجماعة وعليه سلف الأمة وجماهير الخلف من أمثال الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وكافة المحدثين كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن معين وابن المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من السلف والخلف.
وخالف الأمة الإِسلامية طوائف من المعتزلة والخوارج وأهل الرفض.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الرسول - ﷺ -: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق
[ ١ / ٨٩ ]
مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه".
فالصحابة جميعًا عدول بتعديل الله ورسوله لهم. وقد حاول المؤلف في شرحه هذا للجامع أن يحكم على بعض الصحابة بأحكام خالفت منهج السلف الصالح فزعم أن معاوية بن أبي سفيان في النار.
ولا يسلم له ذلك؛ لأن أهل السنة والجماعة لا يشهدون لأحد بجنة ولا بنار إلا بنص قطعي من الكتاب والسنة.
يقول القاضى أبو بكر بن العربي، مبينًا ما اجتمع في معاوية من خصال الخير إجمالًا قال: "معاوية اجتمعت فيه خصال: وهي أن عمر جمع له الشامات (١) كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته، وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخَلْق. وقد جاءت نصوص صحيحة صريحة تطلق عليه وصف الصحبة وتصفه بالفقه والفهم، فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن أبي مليكه قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه؛ فإنه صحب رسول الله - ﷺ -. وفي رواية أخرى قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه (٢).
يقول ابن العربي: "وشهد بخلافته في حديث أم حرام -﵂- فيما رواه أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نام عند أم حرام القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك؛ فقد رأى في منامه ناسًا من أمته غزاة في سبيل الله يركبون ثبج
_________________
(١) الشامات: قال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي (٥٧٥٢): كأنه جمع على إرادة البلاد الشامية.
(٢) أخرجه البخاري (بشرح فتح البارى) كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر معاوية الله (٧/ ١٣٠) رقمى (٣٧٦٤، ٣٧٦٥)، وانظر: كتاب مروان بن الحكم إلى معاوية بن أبي سفيان يستفتيه في مجنون قتل رجلًا. أخرجه مالك في الموطأ كتاب العقول، باب ما جاء في دية العمد إذا قبلت وجناية المجنون ٢/ ٦٤٨ رقم ٣، وانظر: أسد الغابة (٥/ ٢٠٢ رقم ٤٩٨٤).
[ ١ / ٩٠ ]
البحر -أي وسطه ومعظمه- ملوكًا على الأسرة. ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى فقالت له أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال، أنت من الأولين"، فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية فصرعت عن في دابتها حين خرجت من البحر. فهلكت (١).
قال الحافظ ابن كثير: يعني بالأول جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها سنة ٢٧ أيام عثمان ابن عفان، بقيادة معاوية، عقب إنشائه الأسطول الإِسلامي الأول في التاريخ، وكانت معهم أم حرام في صحبة زوجها عبادة بن الصامت. ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهما. واستشهدت أم حرام موقوصة وقبرها بقبرص إلى اليوم.
قال ابن كثير: ثم كان أمير الجيش الثاني يزيد بن معاوية في غزوة القسطنطينية. قال: وهذا من أعظم دلائل النبوة (٢) في الشهادة لسيدنا معاوية، وابنه يزيد بالفضل، والمغفرة والجنة كما جاء في حديث أم حرام مرفوعًا: "أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا (٣). وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم". فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: "لا" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (بشرح البارى) كتاب الجهاد السير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء (٦/ ١٣ رقم ٢٧٨٨، ٢٧٨٩)، ومسلم (بشرح النووي) كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر (٧/ ٦٥ رقم ١٩١٢).
(٢) البداية والنهاية (٨/ ٢٢٩)، وانظر: النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٧)، وفتح البارى (٦/ ٢٣، ١٢٠ بأرقام ٢٧٩٩، ٢٨٠٠، ٢٩٢٤).
(٣) "قد أوجبوا" قال ابن حجر: أي فعلوا فعلًا وجبت لهم به الجنة، قال المهلب وفي الحديث: منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبه لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر. انظر: فتح البارى (٦/ ١٢٠ - ١٢١ رقم ٢٩٢٤).
(٤) أخرجه البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في قتال الروم (٦/ ١٢٠ رقم ٢٩٢٤).
[ ١ / ٩١ ]
يقول الإِمام ابن تيمية: "لم يكن من ملوك المسلمين ملك خيرًا من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرًا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبى بكر وعمر ظهر التفاضل.
وقد روى أبو بكر بن الأثرم - ورواه ابن بطة من طريقه عن قتادة قال: "لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي". وروى ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي ومن فضله (١).
وروى الأثرم عن أبي هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش، فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله (٢). وعن أبي إسحاق السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدي (٣).
وهذه الشهادة من هؤلاء الأئمة الأعلام لأمير المؤمنين معاوية تحقق مدى استجابة الله ﷿ دعاء نبيه - ﷺ - لهذا الخليفة الصالح يوم قال - ﷺ -: "اللهم اجعله هاديًا، مهديًا، واهد به" (٤).
وقبل أن ننهى الكلام على شهادات الصحابة، والتابعين، وآراء العلماء، في معاوية، ننقل رأيًا طريفًا للمؤرخ العلامة ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين قال: "إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغى أن تلحق بدول
_________________
(١) رواه الخلال في السنة (٢/ ٤٣٨) والبغوي في المعجم (٥/ ٣٦٨) وابن بطة: منهاج السنة (٦/ ٢٣٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٧٢).
(٢) رواه الأثرم في منهاج السنة (٦/ ٢٣٣) ومن طريقه الخلال في السنة (٢/ ٤٣٧).
(٣) رواه الخلال في السنة (٢/ ٤٣٩).
(٤) أخرجه الترمذي في سننه كتاب المناقب، باب مناقب لمعاوية بن أبي سفيان ﵄ (٥/ ٦٤٥ رقم ٣٨٤٢) من حديث عبد الرحمن بن عميرة - ﵁ -، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وانظر: منهاج السنة (٣/ ١٨٥)، والبداية والنهاية (٨/ ١٢٤ - ١٢٥).
[ ١ / ٩٢ ]
الخلفاء الراشدين وأخيارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة" (١).
وبالنسبة لموقف الصنعاني من معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - وولده يزيد، فقد ورد عنه في أكثر من موضع بأن معاوية بن أبي سفيان من الظلمة البغاة (٢)، وقد ورد عنه في بضع مواضع من التنوير لعن معاوية ويزيد ابنه (غفر الله له). فقال تحت حديث رقم (٢٢٩١): "إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى في بني إسرائيل".
قال الصنعاني: وهم اثنا عشر نقيبًا كما حكاه الله في القرآن، والمراد من الخلفاء الذين هذا عددهم هم أئمة الهدى والحق والعدل، والتنصيص على أعيانهم، لا مجال للعقل فيه إلا أن يأتي فيه توقيف عنه - ﷺ - وقد تخيلت الإمامية التنصيص على جماعة من أعيان آل محمَّد - ﷺ - بلا هدى ولا كتاب منير ثم بنوا على ذلك عصمتهم وأنهم حجة الله على عباده وبَنَوا على هذا من الخيالات ما يصدق عليه قول من قال:
وللخيالات أحكام مسلطة على العقول التي ضلت عن الفكر
نعم ربما يدعي أن منهم الخلفاء الأربعة، وأما حديث: "الخلافة ثلاثون ثم تكون ملكًا عضوضًا" (٣) ونحوه بألفاظ عدة فالمراد: الخلافة التي تكون عقب النبوة بلا فصل، وإلا فقد تأتي خلافة حق تكون بعد الملك العضوض كما وقع لخلافة عمر بن عبد العزيز بعد الملوك الجورة الخونة.
ونقل كلام بعض العلماء في جواز لعن يزيد بن معاوية على رضاه بقتل الحسين وإهانته أهل بيته، وذلك تحت حديث رقم (٢٧٩٦): "أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا الجنة".
_________________
(١) تاريخ ابن خلدون (٢/ ٤٥٨).
(٢) انظر: سبل السلام (٣/ ٥٢٤ - ٥٢٥).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٠)، وابن حبان (٦٦٥٧)، والطبراني في الكبير (١/ ٥٥) رقم (١٣) بدون "عضوضًا"، وانظر: السلسلة الصحيحة (٤٥٩).
[ ١ / ٩٣ ]
وقال كذلك تحت حديث رقم (٩٦٢٠): "ويح الفراخ فراخ آل محمَّد من خليفة مستخلف مترف" قال الصنعاني: قيل: أريد به يزيد بن معاوية. ثم قال: بل يتعين أنه هو فإنه صادق عليه ما ذكروا أنه الذي قتل الحسين وقال ذريته أسارى وفعل الأفاعيل التي تقشعر منها الجلود، فيوجب له النار ذات الخلود والغضب من الرب المعبود.
وأما كون معاوية من البغاة فاستند الصنعاني فيه إلى حديث أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال لعمار - ﵁ -: "تقتلك الفئة الباغية" (١) وهو حديث ثابت، رواه مسلم، وقد أشار ابن الأمير نفسه إلى جملة طرقه في "توضيح الأفكار" (٢)، وشرحه في كتابه "سبل السلام" (٣)، وتكلم عن مسألة قتال البغاة وأنه إجماع لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي﴾. وإذا كان كلامه (﵀) من باب الكلام في قتال البغاة، كما قال تحت حديث رقم (٤٦٥٤): "ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم " قال: قال القسطلاني: المراد الاختلاف الواقع بين أهل الإِسلام بسبب اجترائهم على الإِمام ولا يكون الحق فيها معلوما بخلاف زمان علي ﵇ ومعاوية، انتهى. قال الصنعاني: يريد فإن الحق فيها معلوم للإجماع من الطوائف كلها أن معاوية باغي لحديث عمار وغيره.
فهذا قد يقال فيه: إنه من باب الاجتهاد، ومن باب وقوع الاختلاف في المسألة، أما تعيينه بأن رأس البغاة ورأس النواصب معاوية ومعه ابنه يزيد، فهذا مما كان ينبغي له عدم الخوض فيه، وكان الأولى به (غفر الله له) القول بقول الله
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩١٥)، قال النووي في شرحه لمسلم (١٨/ ٥٦): قال العلماء: هذا الحديث ظاهره في أن عليًا - ﵁ - كان محقًا مصيبًا، والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك.
(٢) انظر: توضيح الأفكار (٢/ ٤٤٨ - ٤٥٣).
(٣) انظر: سبل السلام (٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤).
[ ١ / ٩٤ ]
تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وقد قيل:
وأوِّل التشاجر الذي ورد إن خصت فيه واجتنب داء الحسد
والعمل بما قرره هو نفسه في مواضع من تحريم سب الأموات أو لعنهم أو النيل منهم حيث قال في الحديث رقم (٩٧٦٣) الذي روته عائشة ﵂: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (١). قال: ظاهره العموم للمسلم والكافر.