نقل الصنعاني (٢) عن العلماء لعن يزيد أكثر من مرة.
فقد سئل حجة الإِسلام أبو حامد الغزالي عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية، هل يحكم بفسقه أم لا؟ وهل كان راضيا بقتل الحسين بن علي أم لا؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم لا؟ فلينعم بالجواب مثابًا.
فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال رسول الله - ﷺ -: "المسلم ليس بلعان" (٣).
فإذا كان لعن البهائم منهيًا عنه فهل يجوز لعن المسلم؟ فقد جاء عنه - ﷺ - فيما رواه عمران بن حصين قال: بَيْنَمَا رَسُولُ الله - ﷺ - في بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: "خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإنَّهَا مَلْعُونَةٌ". قَالَ عِمْرَانُ فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي في النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٢٩) وانظر: فتح الباري (٣/ ٢٦٠).
(٢) كما سيأتي.
(٣) المسند (١/ ٤٠٥) والصحيحة (١/ ٦٣٤) وصحيح سنن الترمذي (٢/ ١٨٩).
(٤) أخرجه مسلم برقم (٦٧٦٩)، وأبو داود (٢٥٦١) والدارمي (٢/ ٢٨٨) والبيهقي (٥/ ٢٥٤) =
[ ١ / ٩٥ ]
وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بالنص فقد ورد أن عبد الله بن عمر ﵄ نظر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك (١). وهو حديث حسن (٢).
وقد صح إسلام يزيد بن معاوية وما صح قتله الحسين ولا أمر به ولا رضيه ولا كان حاضرا حين قُتِل، ولا يصح ذلك منه ولا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام وقد قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات/ ١٢].
ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية الحمق، فإن من كان من الأكابر والوزراء، والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان الذي قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد، وزمن قديم قد انقضى، فكيف نعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد، وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا الأمر لا تعلم حقيقته أصلًا، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به.
ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر، بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة والكافر لو تاب من كفره لم تجز لعنته فكيف بمؤمن تاب عن قتل .. ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
_________________
(١) = وأحمد (٤/ ٤٢٩ و٤٣١) من طريق أبي المهلب عنه. وانظر: جمع الفوائد (٣/ ٣٥٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٩٧، رقم ٣٩٣٢).
(٣) انظر: غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام للشيخ الألباني (ص ١٩٧).
[ ١ / ٩٦ ]
عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].
فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين بعينه لم يرد به النص، ومن لعنه كان فاسقًا عاصيًا لله تعالى. ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيًا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره مع جواز اللعن عليه لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس؟ ويقال للاعن: لم لعنت ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون، والملعون هو المبعد من الله تعالى وذلك من علوم الغيب، وأما الترحم عليه فجائز، بل مستحب، بل هو داخل في قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمنا والله أعلم بالصواب أ. هـ (١).
وقد سئل ابن الصلاح عن يزيد فقال: لم يصح عندنا أنه أمر بقتل الحسين - ﵁ - والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله إنما هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك، وأما سب يزيد ولعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين، وإن صح أنه قتله أو أمر بقتله، وقد ورد في الحديث المحفوظ: "إن لعن المؤمن كقتاله" (٢)، وقاتل الحسين لا يكفر بذلك، وإنما ارتكب إثما، وإنما يكفر بالقتل قاتل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والناس في يزيد على ثلاث فرق، فرقة تحبه وتتولاه، وفرقة تسبه وتلعنه وفرقة متوسطة في ذلك، لا تتولاه ولا تلعنه وتسلك به سبيل سائر ملوك الإِسلام وخلفائهم غير الراشدين في ذلك وشبهه، وهذه هي التي أصابت الحق مذهبها هو اللائق لمن يعرف سِيَرَ الماضين ويعلم قواعد الشريعة الظاهرة (٣).
وسئل شيخ الإِسلام عن يزيد أيضًا فقال: افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق طرفان ووسط، فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافرا منافقا،
_________________
(١) قيد الشريد من أخبار يزيد (ص ٥٧ - ٥٩).
(٢) البخاري مع الفتح (١٠/ ٤٧٩).
(٣) قيد الشريد (ص ٥٩ - ٦٠).
[ ١ / ٩٧ ]
وإنه سعى في قتل سبط رسول الله تشفيا من رسول الله - ﷺ - وانتقاما منه وأخذا بثأر جده عتبة وأخي جده شيبة وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي - ﷺ - بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا تلك أحقاد بدرية وآثار جاهلية. وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان، فتكفير يزيد أسهل بكثير.
والطرف الثاني يظنون أنه كان رجلًا صالحًا صالحًا وإمامَ عَدْلٍ وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي - ﷺ - وحمله بيده وبرك عليه وربما فضله بعضهم على أبي بكر وعمر، وربما جعله بعضهم نبيًّا .. وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال.
والقول الثالث: أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا في خلافة عثمان ولم يكن كافرا ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صحابيا ولا من أولياء الله الصالحين وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة. ثم افترقوا ثلاث فرق، فرقة لعنته وفرقة أحبته وفرقة لا تسبه ولا تحبه وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين (١).