وهذا ثابت عن الصنعاني في مواضع من كتابه هذا، فقد قاله في شرح حديث برقم (١٦٨٧): "إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي".
وقالها تحت حديث برقم (٥٦٤٧) "العباس وصيي": كأنه أمر خاص وإلا فقد ثبت أن عليًا كرم الله وجهه وصيه كما حققناه في الروضة الندية. (مع أن الحديث المذكور موضوع).
وتحت حديث رقم (٩٣٦٦) "نهى عن المراثي": والمراد به النهي عن النياحة وأما المراثي في العرف وهي التحزن على الميت بالأشعار فهذا قد فعله حسَّانُ والبتولُ ﵄ وغيرهما من السلف في زمانه - ﷺ - وما زال الناس عليه وفعله الوصي.
وكذلك تحت حديث رقم (٨٩٤٧) "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" قال الصنعاني: كما هو رأي الوصي.
وقال تحت حديث رقم (٨٩٨١) "من كنت مولاه فعلي مولاه": وما فيه من
[ ١ / ١٠٦ ]
شرف الوصي وفضله
وقال تحت حديث رقم (٤١٣٢) "الخوارج كلاب النار": سئل الوصي كرم الله وجهه عنهم هل هم كفار؟. وغيرها من مواضع.
وفي مواضع من مؤلفاته الأخرى.
وهذا اللفظ من إطلاقات الرافضة، حيث يزعمون أن النبي - ﷺ - وصَّى بالخلافة لعلي بن أبي طالب - ﵁ -، يُفهم من هذه الإطلاقات أنه يذهب مذهب الشيعة الإمامية والزيدية في إثبات وصية النبي - ﷺ - (بالخلافة) لعلي - ﵁ - وقد وضع الشيعة أحاديث في هذا الأمر، وقد أشار الشوكاني أن أحاديث وصايا علي بن أبي طالب كلها موضوعة. وهذا الغلو في علي بن أبي طالب - ﵁ - يعد مصداقًا لما جاء في كتاب السنة لابن أبي عاصم حيث أخرج من طريق علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: "ليحبني قوم حتى يدخلوا النار فيّ، وليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي". قال الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني ﵀: وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
إن إطلاق لقب (وصي) على من يخلف رسول الله ﵌ في تصريف شؤون المسلمين لم يعرف عند المسلمين، فمن المعلوم أن أبا بكر الصديق - ﵁ - هو الذي تولى أمور المسلمين بعد رسول الله ﵌، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أطلق عليه لقب (وصي رسول الله) حتى من الذين قالوا بالنص على خلافته، ثم أتى بعده عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقد كان أوصى إليه أبو بكر بالخلافة قبل وفاته، ومع هذا لم يطلق عليه لقب (وصي) بل كان يطلق عليه (خليفة خليفة رسول الله) ثم أطلق عليه فيما بعد لقب (أمير المؤمنين) وذلك للاختصار، ثم أطلق هذا اللقب على عثمان - ﵁ - ولم يوجد أحد من المسلمين أطلق لقب (وصي) على أحد من الخلفاء الثلاثة، إلا ما كان من ابن سبأ وممن غرر بهم من عوام الناس، عندما أحدث القول بالوصية، وزعم أن عليا وصي رسول الله ﵌. وكان ذلك في زمن عثمان بن
[ ١ / ١٠٧ ]
عفان - ﵁ - فبهذا يتضح أن أصل لقب (وصي) يهودي صرف، انتقل إلى الشيعة عن طريق ابن سبأ.
فالشيعة أحدثوا "عقيدة الوصي" وحشدوا لها عشرات الأدلة التي لا تنص عليها مباشرة ولا يُفهم منها ما يريدون إلا بتكلف وهم قد قرروا أنَّ الإمامة ثبتت بالنص فلمَّا لم يجدوا نصًّا صريحًا اتهموا سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه لأنَّه لم يحقق مطلبهم وليس مطلب الله.
فقد تأثرت الشيعة بدعوة عبد الله بن سبأ اليهودي وأصبح عندهم من أصول دينهم إثبات الإمامة والوصية والولاية لعلي بن أبي طالب بعد النبي ﵌ والتبرءُ من أصحاب النبي ﵌ وتكفيرهم والحكم بضلالهم لما فعلوه في علي بن أبي طالب وأخذهم الخلافة منه كما يزعمون.
ومن بعض الأحاديث التي يستدل بها الرافضة على الوصي من كتب أهل السنة منها:
حديث بريدة بن الحُصَيب الأسلمي (١).
عن محمَّد بن حميد، نا: علي بن مجاهد، نا: محمَّد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لكل نبيٍ وصيٌّ، وإنّ عليًا وصيي ووارثي".
قلت: هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًا فيه:
١ - علي بن مجاهد الرازي، قال الحافظ ابن حجر: (متروك وليس في شيوخ أحمد أضعف منه).
_________________
(١) أخرجه أبو القاسم البغوي في: معجم الصحابة (٤/ ٣٦٣)، والحافظ الجورقاني في الأباطيل والمناكير (٢/ ١٥٠)، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب (رقم ٧٤)، والحافظ ابن عساكر (٤٢/ ٣٩٢) وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٨١) من طريق البغوي وعنه الذهبي: في تلخيص كتاب الموضوعات (ص ١٢٥).
[ ١ / ١٠٨ ]
٢ - محمَّد بن حميد الرازي، واهي الحديث وقد تُكُلّم فيه بشدة، وكذَّبه بعضهم، وأمَّا ما جاء من ثناء الإِمام أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبي زرعة، وغيرهم عليه، فذاك قبل أن ينكشف أمره، ويتبين حاله.
قال الحافظ الذهبي في أحاديث مختارة ص: ٦٥ علي بن مجاهد كذاب كذبه جماعة وابن حميد قال خ: فيه نظر.
وقال في تلخيص كتاب الموضوعات ص ١٢٥: ويروى من وجه آخر عن سلمة الأبرش، عن محمَّد بن إسحاق مثله، وهو منكر من القول).
وقد توبع علي بن مجاهد.
قلت: أخرجه ابن عدي (٤/ ١٤)، وابن المغازلي في: (مناقب علي)، عن محمَّد بن حميد، ثنا: سلمة، حدثني: محمَّد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "لكل نبي وصي، ووارث، وإنَّ عليًا وصيي ووارثي".
قلت: ضعيف جدًا وفي إسناده آفات:
١ - محمَّد بن حميد الرازي، متروك ويتلقن.
٢ - وسلمة بن الفضل، ضعيف الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: (صدوق كثير الخطأ).
قال الحافظ ابن حجر في: فتح الباري (٨/ ١٥٠).
ومن طريق أبي ربيعة الإيادي عن ابن بريدة عن أبيه رفعه لكل نبي وصي وإن عليا وصيي وولي ومن طريق عبد الله بن السائب عن أبي ذر رفعه أنا خاتم النبيين وعلي خاتم الأوصياء وهذه الأحاديث أوردها وغيرها ابن الجوزي في الموضوعات. وتوبع ابن حُمَيد عليه إلا أنها متابعة كالعدم.
فروى ابن الجوزي في: (الموضوعات)، قال: أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر البيهقي، قال: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، قال: أنبأنا
[ ١ / ١٠٩ ]
محمود بن محمَّد أبو محمَّد المطوّعي، قال: حدثنا أبو جعفر محمَّد بن أحمد بن راذبه، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن عبد الله الفِرْيانَانِي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمَّد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ لكل نبيٍّ وصيًا، ووارثًا، فإنَّ وصيي ووارثي علي بن أبي طالب".
قلت: أحمد بن عبد الله بن حكيم أبو عبد الرحمن الفِرْيانَانِي، كان متروك الحديث، ليس بثقة، وقال أبو نعيم: (كان وضاعًا، مشهورًا بالوضع) فهذه متابعة لا تثبت.
دعوى النص على إمامة علي - ﵁ - وأنه الوصي بعهد من رسول الله - ﷺ - دعوى تزعمهم جميع الشيعة الإمامية بما في ذلك المذهب الزيدي، وإن كان الإِمام زيد على خلاف ذلك، كما يفيد قوله الذي جاء في مجموع الإِمام زيد بن علي عن أبي خالد الواسطي، ما لفظه: "قال سألت زيد بن علي ﵇ عن الإمامة؟ فقال: هي من جميع قريش، ولا تنعقد الإمامة إلا ببيعة المسلمين، فإذا بايع المسلمون، وكان الإِمام برًا تقيًا عالمًا بالحلال والحرام فقد وجبت طاعته على المسلمين (١).
الخلاف بين الزيدية والاثنى عشرية إنما هو في وضوح النص وخفائه، فالزيدية قالت: بأن النص خفي، والرافضة قالت: بأن النص جلي، وأن الصحابة قد تواطؤ على كتمانه وإنكاره.
قال الحسن بن بدر الدين أحد أئمة الزيدية (ت: ٦٧٠ هـ): "اختلف الناس في الإِمام بعد رسول الله - ﷺ - فذهب الزيدية الجارودية والإمامية إلى أن الإِمام بعده بلا فصل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -، وأن طريق إمامته النص، ثم اختلف هؤلاء:
_________________
(١) تتمة الروض النضير (ص ١١) للسيد العباس بن أحمد بن إبراهيم.
[ ١ / ١١٠ ]
فقالت الإمامية: إن النبي - ﷺ - نص عليه نصًا جليًا، يعلم كل واحد ممن سمعه قصد النبي - ﷺ - فيه ضرورة.
ومالت الزيدية الجارودية بأن النص على إمامة علي - ﵁ - مما يحتاج في معرفة المراد إلى تأمل ونظر (١).
وقال الأمير الحسين، صنو الحسن بن بدر الدين في كتابه (شفاء الأوام المميز بين الحلال والحرام) ما لفظه: "الذي نختاره إن النص الوارد في علي - ﵁ - وقع على وجه يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمل، ولا نكفر من دافعه، ولا نفسقه وتخطئة من تقدمه يحتمل أن تكون صغيرة؛ لأن لمن تقدم عليه من المشايخ -يعني أبا بكر وعمر وعثمان- أعمالًا حسنة، وأفعالًا زكية صالحة، وقد قال علي - ﵁ -: لأن أخطئ في العفو أحب إليّ من أن أخطىء في العقوبة، ونقول كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْألونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤١] (٢).
وقال الديلمي في كتاب "عقائد آل محمَّد" ما لفظه: "اعلم أن مذهب سادات الزيدية من العترة الزكية بل مذهب جميع الطهرة من الذرية وأتباعهم وأشياعهم دون من تسمى باسمهم، وليس منهم التوقف في أمر الشيخين لوجوه ذكروها في كتبهم، خصوصًا ما ذكره المؤيد بالله والإمام المنصور بالله، وما ذكره الشيخ أحمد الكنّي، والقاضي جعفر وغيرهم من العلماء " ثم قال: "قال: من طعن فيهم ممن سبهم، وتسمى باسم الزيدية فقد أخطأ الخطأ العظيم، وجاوز في أمره الصراط المستقيم، ولعل ذلك منه لما سمع من خرافات الرافضة من الإمامية وغيرهم من الإسماعيلية، ولا يغتر مسلم عاقل بذلك؛ لأنه طعن في أصل
_________________
(١) انظر: الإيضاح لما خفا من الاتفاق على تعظيم صحابة المصطفى لعلامة اليمن يحيى بن الحسين (ص: ٢١٢ - ٢١٣).
(٢) انظر: شفاء الأوام (٣/ ٤٩٥ - ٤٩٧) نقلًا عن: الإيضاح لما خفا (ص: ٢١٤).
[ ١ / ١١١ ]
الإِسلام، وتحصل بسببه قدح في سنة الرسول - ﷺ -، وإذا انتهى الأمر إلى الحد الذي تذكره الإمامية وغيرهم، وصححنا قولهم لم يبق من أخبار الصحابة ورواياتهم شيء بخروجهم عن الإِسلام، ويلزم إبطال الشريعة بالكلية؛ لأنها مروية عن جميعهم، منقولة من سندهم، وكيف وقد لعن النبي - ﷺ - من سب أصحابه؟!!
وأما الهادي فإنه جلد من سب أبا بكر وعمر". انتهى ما ذكره (١).
فالخلاف بين الفرقتين كبير لا يمكن إنكاره بعد أن وصل إلى تكفير كل جانب للآخر، فالرافضة روت أخبار كثيرة في كتبهم عن أئمة البيت في تكفير الزيدية حتى قال إمامهم المجلسي: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم من الفطحية والواقفة" (٢).
هذه خلاصة لمذهب الشيعة في الوصاية لعلي - ﵁ -، والحقيقة أنه لا نص لوصاية علي - ﵁ - لا خفي ولا جلي وإنما هي أوهام ودعاوي!!
بل جاء عن الحسن بن الحسن بن علي - ﵁ - إنكاره للنص.
" وَسَألَهُ رَجُلٌ: أَلمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كنْتُ مَوْلاهُ فَإِنَّ عَلِيًّا مَوْلَاهُ"، قَالَ: بَلَى، أَمَا وَاللهِ لَوْ يَعْنِي بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الإِمَارَةَ وَالسُّلْطَانَ لأَفْصَحَ لَهُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَنْصَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا وَلِيُّ أَمْرِكُمْ، وَالْقَائِمُ لَكُمْ مِنْ بَعْدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، واللهِ مَا كَانَ وَرَاءَ هَذَا شَيْءٌ، وَاللهِ إِنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ اخْتَارَا عَلِيًّا لِهَذَا الأَمْرِ وَالْقِيَامِ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ تَرَكَ عَلِيٌّ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ وَرَسُولُهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يُعْذَرَ فِيهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ أَعْظَمَ ذَنْبًا وَلَا خَطِيَّةً مِنْ عَلِيٍّ إِذْ تَرَكَ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ وَرَسُولُهُ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ" (٣).
_________________
(١) انظر: الإيضاح لما خفا (ص: ٢١٥ - ٢١٦).
(٢) بحار الأنوار (٣٧/ ٣٤).
(٣) أخرجه الخلال في السنة برقم ٤٦٥، والبيهقي في الاعتقاد (ص: ٣٥٥ - ٣٥٦)، واللالكائي في شرح=
[ ١ / ١١٢ ]
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "والواجب علينا الإيمان بأنه -أي عليا﵇ وصي رسول الله - ﷺ - ولا يلزمنا التعرض للتفاصيل الموصى بها، فقد ثبت -أنه أمره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين وعين له علاماتهم وأودعه جملًا من العلوم وأمره بأمور خاصة كما سلف، فجعل الموصى بها فردًا منها ليس من دأب المنصفين".
فالشوكاني رحمه الله تعالى، يثبت أن عليًا - ﵁ - وصي للرسول - ﷺ -، ولكنه يرى أن هذه الوصية يجب ألا تخصص في شيء من الأشياء، فهي تشمل كل ما أوصى به - ﷺ -، لعلي بن أبي طالب. مع أنه رحمه الله تعالى أورد في رسالته من وصايا الرسول - ﷺ -، لعلي بن أبي طالب قوله: "هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا" وأيضًا: "ألا أرضيك يا علي؟ أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي" فعلي - ﵁ - على رأي الإِمام الشوكاني أنه منجز الوعد، وقاضي الدين، ووارثه، ووزيره، وخليفته في الصحابة من بعده - ﷺ - (١).