٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ
[ ١ / ٢٢٥ ]
نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ "، وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ».
(باب: أداء الخمس): بضم الخاء، أي: خمس الغنيمة، وقيل: إنه روي بالفتح، أي: قواعد الإسلام الخمس. قال ابن حجر: وفيه بعد.
(عن أبي جمرة): بالجيم والراء.
(من القوم أو من الوفد): شك من أحد الرواة، إما أبو جمرة أو من دونه.
قال ابن حجر: وأظن من شعبة، فإنه في رواية برة وغيره بغير شك، وأغرب من قال: إنه من ابن عباس.
قال النووي: الوفد: الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء، وأحدهم: "وافد".
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهم الأشج واسمه: المنذر بن عائذ، وسمي منهم صاحب "التحرير" غير الأشج منقذ بن حبان، ومزيدة بن مالك، وعمرو بن مرحوم، والحارث بن شعيب، وعبيدة بن همام، والحارث بن جندب، وصحار بن العباس بصاد مضمومة وحاء مهملتين.
زاد ابن حجر: وعقبة بن جروة، وقيس بن النعمان، والجهم بن قثم، والرستم، وجويرية، والزارع، فهؤلاء أربعة عشر.
وقد روى الدولابي عن أبي خيرة الصباحي قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله - ﷺ - من عبد القيس وكنا أربعين رجلًا.
قال ابن حجر: فلعل الأربعة عشر، هم رؤوس الوفد، وممن سمي منهم غير من سبق مطر أخو الزارع وابن أخته ولم يسم، ومشمرج، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد عمرو، وهمام بن ربيعة، وجارية بالجيم بن جابر، ونوح بن مخلد، فهؤلاء بضعة وعشرون.
(مرحبًا): نصب بمضمر، أي: صادفت رحبًا، بضم الراء، أي: سعه.
قال العسكري: أول من قال: مرحبًا: "سيف بن ذي يزن".
(غير) بالنصب، قال: وروى بالكسر صفة، والمعروف الأول، وفي "الأدب": "مرحبا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا"- جمع خزيان، وهو الذي أصابه خزي.
(ندامى): جمع ندمان من الندم، كنادم، حكاه الجوهري وغيره، وقيل: ندمان خاص بالمنادمة ونادم بالندم، وجمعه: نادمون، فعدل عنه
[ ١ / ٢٢٧ ]
للاتباع كالعشايا والغدايا، وفي النسائي: "مرحبا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين"، قال ابن أبي جمرة بشرهم بالخير عاجلًا وآجلًا، لأن الندامة إنما تكون في العاقبة.
(إلا في الشهر الحرام)، للأصيلي وكريمة: "في شهر الحرام"، وهي رواية مسلم من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع ونساء المؤمنات، أي: "شهر الوقت الحرام"، واللام في الأولى للجنس، ففي "المغازي": "أشهر الحرام"، وفي "المناقب": "إلا في كل شهر حرام".
وقيل: للعهد، أي: رجب، وصرح به عند البيهقي، لأن مضر كانت تبالغ في تعظيمه، ولهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة، حيث قال: رجب مقتربًا من التنوين لا بالإضافة.
(فصل): فاصل، أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بين واضح يخبر بالرفع صفة، والجزم جوابًا من بالفتح لا غير، وتدخل بالوجهين، وروى بإسقاط الواو، فليس إلا الجزم جوابًا، ورفع "نخبر".
(فأمرهم بأربع)، قيل: أول الأربع: إقام الصلاة، وذكر الشهادتين للتبرك، وتقديم ما هو الأصل، فإنهم إنما سألوا عن الإيمان، فتقدم إيمانهم، فأنتم من أقدم الناس إسلامًا، فوقع الأمر بالأعمال، ولهذا سقط ذكر الشهادتين في طريق أخرى، وقيل: الأربع ما عدا أداء الخمس كأنه أعلمهم أولًا باقواعد الإسلام وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد ولم يقصد إلى ذكرها بعينها، لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، ولذلك لم يذكر الحج، لأنه لم يكن فرض، وقيل: عد أولًا بأربع، فلما دنا زاد، ولا ضير في ذلك، وقيل: عد الصلاة والزكاة واحدة، لأنها قرينتها في القرآن، وقيل: أداء الخمس داخل في إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال، ووقع في "سنن البيهقي" و"مسند أحمد" زيادة: "وتحجوا البيت الحرام".
[ ١ / ٢٢٨ ]
(عن الحنتم): فيه حذف، أي: شرب ما ينتبذ فيها، وصرح به في رواية النسائي، وهي بفتح المهملة وسكون النون وفتح الفوقية: الجرار الخضر، الواحدة: "حنتمة".
(والدباء): بضم المهملة وتشديد الوحدة والمد، وحكى قصره: القرع، والمراد: اليابس منه.
(والنقير): بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر، فيتخذ منه وعاء.
(والمزفت): بالزاي والفاء: ما طلي بالزفت.
(وربما قال المقير) أي: بدل "المزفت" وهو بالقاف والتحتية: ما طلى بالقار وهو نبت يحرق إذا يبس ويطلى به كما يطلى بالزفت.
وفي "مسند الطيالسي" بسند حسن عن أبي بكرة قال: أما الدباء: فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت، وأما المقير: فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت.
وأما "الحنتم": فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما "الزفت" فهذه الأوعية التي فيها الزفت، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها: أنه يسرع إليها الإسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم نسخ، وثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب مسكر.
(من وراءكم): بالفتح موصولة.