لعل البواعث الداعية إلى تأليف البخاري جامعه الصحيح كثيرة، ذكرها وأشار إليها هو نفسه، منها:
الحاجة إلى إفراد الحديث الصحيح بكتاب يختص به وينفرد دون بقية أنواع الحديث، لا سيما وأن الكتب المؤلفة في الحديث آنذاك، كانت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين"كالموطأ" وغيرها (^١).
ومنها دعوة رجل له وهو عند أستاذه وشيخه إسحاق بن راهويه، إلى جمع السنة الصحيحة كما روى إبراهيم بن معقل أنه سمع البخاري يقول: (كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال رجل لو جمعتم كتابًا مختصرًا للسنن، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب) وذلك لما رأى فيه من الأهلية والحفظ والإلمام بعلوم الحديث، وتوفقه في معرفة العلل والأسانيد) (^٢).
ومنها رؤيا رأى فيها النبي - ﷺ - وهو يذب عنه بمروحة في يده. يقول البخاري (رأيت النبي - ﷺ - في المنام وأنا بين يديه أذب عنه بمروحة في يدي، فسألت بعض المعبرين في ذلك فقال لي: أنت تذب الكذب عن النبي - ﷺ -) (^٣).
_________________
(١) "طبقات الشافعية" ٢/ ٧.
(٢) "تهذيب الأسماء"١/ ٦١.
(٣) "هدي الساري" ص ٥، "طبقات الشافعية" ٢/ ٧.
[ ١ / ٧٦ ]
كيف ألف البخاري جامعه الصحيح؟
إن سعة اطلاع البخاري على علوم الحديث وفنونه، ومعرفته الواسعة بأحوال الرجال، وكثرة رحلاته طلبًا للحديث، وأخذًا عن الشيوخ، وقوة حافظته الخارقة، كل ذلك هيأه لإخراج الجامع الصحيح، وأعانه على تأليفه، كما أنه لم يكن متعجلًا متسرعًا في إخراجه وجمعه، بل اتخذ في تأليفه وتصنيفه أسلوبًا علميًا صحيحًا، ومنهجًا دقيقًا فريدًا، ويظهر ذلك كله في طريقة جمعه، ومدة تأليفه، وفي اختياره المكان المنالسب لتبييضه، وعدد المرات التي أعاد كتابته قبل أن يخرجه للناس، وفي الاستعداد الخاص عند الكتابة والتصنيف، روى السبكي في "الطبقات" قال (^١):
قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ: أروي من وجهين ثابتين عن البخاري أنه قال:
(أخرجت هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، وما أدخلت في الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لأجل الطول). فهو لم يخرج من الجامع كل ما روى وحفظ من الحديث، بل ما صح منه على شروطه.
واشتغل في تأليفه وتصنيفه وجمعه وترتيبه وتبييضه وتنقيحه، مدة بلغت ستة عشر عامًا، وهي تستغرق مدة رحلاته العلمية إلى الأقاليم والأقطار الإسلامية، بمعنى أنه كان يرحل لطلب الحديث، ثم يعود
_________________
(١) "طبقات الشافعيه" ٢/ ٧، وانظر: "تاريخ بغداد" ٢/ ٨، ٩، "مقدمة شرح البخاري" للنووي ص ٧.
[ ١ / ٧٧ ]
لإكمال ما بدأ من التصنيف، من محصول ما روي وما سمع، مما صح لديه وتجمع عنده من الحديث الصحيح، واتبع طريقة نموذجية في الإستعداد لتأليفه وجمعه، فكان يتهيأ لذلك بكيفية خاصة، حيث يغتسل ويصلي ويستخير الله قبل البدء في الكتابة.
روى ابن حجر عن البخاري قوله: ما كتبت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (^١). وقد صنفه في المسجد الحرام، وجمع تراجمه بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره (^٢).
وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى جمع الروايات المختلفة حول مكان تأليفه، إلى القول بأن البخاري ابتدأ تصنيفه، ووضع تخطيطه العام في المسجد الحرام، ثم أكمله وبيضه في بخاري، بدليل طول مدة تأليفه، وهو ما لم يجاوزه البخاري بمكة (^٣).
وقد بلغ من حرص البخاري وعنايته بتصنيف "الجامع الصحيح"، أنه أعاد النظر فيه مرات، لكثرة ما تعهده بالتهذيب والتنقيح، قبل أن يخرجه للناس، ولذلك صنفه ثلاث مرات (^٤).
وهذا يؤكد حرص البخاري ودقته وتثبته في إخراج الجامع الذي هو أول كتاب في الصحيح، حتى يكون نموذجًا خالدًا لكتب الحديث، ومثالًا يحتذي به المحدثون من بعده، حتى اعتبر أمير المؤمنين في الحديث، ولم يكد يتم تصنيفه وتأليفه حتى عرضه على شيوخه وأساتذته ليعرف رأيهم فيه، منهم علي بن المديني، ويحيى بن معين،
_________________
(١) "هدي الساري" ص ٥، "الوفيات" لابن خلكان ١/ ٦٥٠.
(٢) "هدي الساري" ص ٤٩٠.
(٣) "طبقات الشافعية" ٢/ ٧ المصدر السابق ص ٤٨٨.
(٤) "طبقات الشافعية" ٧/ ٢ "هدي الساري"، ص ٤٩١، "الإمام البخاري محدثًا وفقيها".
[ ١ / ٧٨ ]
وأحمد بن حنبل، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث قال العقيلي: "القول فيها قول البخاري" (^١).
ولقد كانت عناية الإمام البخاري بمصنفاته كلها كبيرة، وروي عنه أنه قال: صنفت جميع كتبي ثلاث مرات (^٢)، أي أنه ما زال ينقحها ويراجعها أكثر من مرة.
_________________
(١) "السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي" ص ٥٠٦.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٤٠٣، "هدي الساري" ٤٨٧.
[ ١ / ٧٩ ]