"الجامع الصحيح" هو أصح كتاب بعد كتاب الله، وهو الوصف الذي أطلقته الأمة الإسلامية على كتاب البخاري ونعتته به منذ أُلِّفَ إلى الآن. وصدق من قال (^١):
صحيح البُخاري لو أَنْصفوه … لَمَا خُطَّ إلا بماءِ الذهبْ
هو الفَرْقُ بَيْنَ الهُدى والعَمَى … هو السُّدُّ بين الفتى والعَطَبْ
أسانيدُ مِثْلُ نُجوم السَّماء … أمامَ مُتُون كمثلِ الشُّهُب
بِهِ قام ميزانُ دينِ الرَّسُول … ودانَ بِهِ العُجْم بعدَ العَرَبْ
حجابٌ من النَّارِ لا شكَّ فيه … تَمَيَّزَ بَيْنَ الرِّضَى والغَضَبْ
وسِتْرٌ رقيقٌ إلى المُصْطفى … ونَصٌ مبينٌ لكَشْفِ الرِّيبْ
فيا عالِمًا أجمعَ العالِمُون … عَلَى فَضْلِ رُتْبَتِه في الرِّيَبْ
سَبَقْتَ الإئمةَ فيما جَمَعْتَ … وفُزْتَ عَلَى رَغْمهم بالقَصَبْ
نَفَيْتَ الضَّعِيفَ مِنَ النَّاقِلِينَ … ومَنْ كانَ مُتَّهَمًا بالكَذِبْ
وأَبْرَزْتَ في حُسْنِ تَرْتِيبه … وتَبْوِيبِهِ عَجَبًا لِلعَجَبْ
_________________
(١) أسنده ابن عساكر في ترجمته للبخاري من "تاريخ دمشق" ٥٢/ ٧٤ لأبي عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني الأديب، وأورده الذهبي "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٤٧١ - باختلاف يسير- دون نسبة. ونقلناه من "السير" عدا البيت الأخير فليس فيه.
[ ١ / ٧٣ ]
فأَعْطَاكَ مَوْلاكَ ما تَشْتَهيه … وأَجْزَلَ حظَّكَ فِيْمَا وَهَبْ
وخَصَّكَ في عُرصاتِ الجِنان … بنِعَمٍ تدومُ ولا تَنْقَضِبْ
وهو الأثر الباقي الخالِد للإمام البُّخارى الذي جَمَعَ فيه مِنَ السُّنَّةِ الصحيحة وخلَّدَها، بعد أن نقَّاها وصفَّاها مما علق بها من اخْتِلاق، فخلَّدَ به اسمه في العالمين، وقد سمَّى البُّخارى كتابَهُ:
(الجامِع الصَّحيح المُسْند مِنْ حديثِ رسُولِ الله - ﷺ - وسُننه وأيامِهِ).
هكذا روى اسمه الحافظ ابن حجر في كتابه "هدي الساري" (^١) وذكر الإمام العيني في "عمدة القاري" (^٢) أن اسمه: "الجامِع المُسند الصحيح المختصر من أمورِ رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه" فالفرق بين الروايتين هو زيادة كلمة "المختصر" عند العيني.
ونظرا لطول هذا الاسم، وصعوبة الإستدلال به، والإشارة إليه عند الحاجة، والاستشهاد به كثيرًا، فقد دأب ذكره موجزًا مختصرًا على لسان الإمام البخاري نفسه وفي أقواله، فسماه مرة "الجامع الصحيح" كما ورد ذلك في حديثه عن الباعث على تأليفه قال:
كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: (لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله - ﷺ - قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح) (^٣)، وسماه أيضًا (الجامع) كما جاء في قوله: (ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول) (^٤) وسماه
_________________
(١) "هدي الساري" ص ٦.
(٢) "عمدة القاري" ١/ ٥، وهو كذلك عند النووي في "التلخيص" ١/ ٢١٣.
(٣) "هدي الساري" ص ٥.
(٤) المصدر السابق ص ٥، "طبقات الشافعية" ٢/ ٧.
[ ١ / ٧٤ ]
أيضًا صحيح البخاري كما روى ذلك عنه أبو علي الغساني.
وسماه "الصحيح" وفي ذلك يقول البخاري: ما وضعت في "الصحيح" حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (^١) وهناك تسمية أخرى للكتاب حيث جعله شريكًا له في الشهرة باسمه بين الناس، حيث سماه "البخاري" وقد ورد ذلك على لسان البخاري في قوله، روى محمد بن أبي حاتم الورَّاق عن البخاري قال: (لو نشر بعض أستاري هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت البخاري ولا عرفوه) (^٢).
_________________
(١) "هدي الساري" ٦ ص ٤٩٠، "طبقات الشافعية" ٢/ ٧.
(٢) "هدي الساري" ص (٤٨٨).
[ ١ / ٧٥ ]