* التعريف بالمصنف:
هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين أبو حفص، الأنصاري، الأندلسي الأصل. الوادي آشي ثم التكروري، المصري، الشافعي، ابن النحوي، المعروف بـ "ابن الملقن".
* أما كنيته:
ذكرت المصادر كلها أنه أبو حفص إلا أن ابن فهد (^١) ذكر أن كنيته: أبو علي، ولعل ابن فهد ذكر ذلك باعتبار اسم ابنه علي، إلا أن المشهور الأول.
والأنصاري: نسبة إلى أنصار المدينة، بني الأوس والخزرج، ذلك أنه لما تم الفتح الإسلامي لغرناطة، نزلت بها بعض القبائل العربية، فكان منهم جماعة من الأنصار. (^٢)
أما الوادي آشي (^٣): نسبةً إلى مدينة "وادي آش"
_________________
(١) "لحظ الألحاظ" (ص ١٩٧).
(٢) يقول الأستاذ/ جمال السيد: فالرجل -أي ابن الملقن- فيما يبدو- عربي تنحدر أصوله من الأنصار، - ﵃ -. اهـ. وانظر: "اللمحة البدرية في الدولة النصرية" (ص ١٦).
(٣) قال يا قوت الحموي (١/ ٢٣٤ رقم ٦٧٨): أش: بالفتح، والشين مخففة، وربما مدت همزته: مدينة الأشات بالأندلس من كورة البيرة وتعرف بوادي أش، والغالب على شجرها الشاهبلُّوط، وتنحدر إليها أنهار من جبال الثلج، بينها وبين =
[ ١ / ١٩٥ ]
التكروري (^١) ينسب إلى التكرور؛ لأن أباه رحل من الأندلس إلى بلاد التكرور، ومكث فيها مدة، فأقرأ أهلها القرآن، وحصل له من أهلها مال كثير، وأُنعم عليه بدنيا طائلة.
المصري (^٢): نسبة إلى مصر، حيث إن أباه ارتحل من التكرور إلى مصر، ونزل "بالقاهرة"، وهناك تأهل، وولد له ابنه "عمر" صاحب هذِه الترجمة.
الشافعي (^٣): نسبة إلى المذهب الشافعي، وله مؤلفات عديدة في فقه المذهب ورجاله.
أما ابن النحوي: فلكون أبيه كان عالمًا بالنحو (^٤).
أما شهرته: ابن الملقن (^٥): عرف الشيخ بـ "ابن الملقن"، وذلك لأن أباه -قبل وفاته- أوصى به إلى صديقه الشيخ عيسى المغربي، وكان يلقن القرآن بجامع ابن طولون -فتزوّج بأم المصنف، فصار ينسب إليه، وبه عرف، والظاهر أن المصنف كان يكره هذِه الكنية.
_________________
(١) = غرناطة أربعون ميلًا، وهي بين غرناطة وبجانة. اهـ. قلتُ: واشتهر منها محمد بن جابر الوادي آشي صاحب "البرنامج".
(٢) نسبة إلى تكرور، قال عنها ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (٢/ ٤٤): بلاد تنسب إلى قبيلة من السودان في أقصى جنوب المغرب، وأهلها أشبه الناس بالزنوج. اهـ انظر: "إنباء الغمر" (٢/ ٢١٦)، و"لحظ الألحاظ" (ص ١٩٧).
(٣) وانظر: "إنباء الغمر": (٢/ ٢١٦).
(٤) انظر: "طبقات الشافعية".
(٥) "الضوء اللامع" (٦/ ١٠٠).
(٦) قال السخاوي في "الضوء اللامع" (٦/ ١٠٠): وكان -فيما بلغني- يغضب منها بحيث لم يكتبها بخطه، إنما كان يكتب غالبًا: ابن النحوي، وبها اشتهر في بلاد اليمن. اهـ.
[ ١ / ١٩٦ ]
* مولده:
قال السخاوي (^١): ولد في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين في ثاني عشريه كما قرأته بخطه، وقيل: في يوم السبت رابع عشريه -والأول أصح- بالقاهرة.
* أسرته:
نشأ ابن الملقن في بيت علم مما هيأ له طلب العلم مبكرا.
* والده:
أما والده أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري الوادي آشي فقد كان عالمًا بالنحو.
قال ابن العماد (^٢): قال في "المنهل": رحل أبوه نور الدين من الأندلس إلى بلاد الترك، وأقرأ أهلها هناك القرآن الكريم، فنال منهم مالًا جزيلًا، فقدم به إلى القاهرة واستوطنها، فولد له بها سراج الدين هذا في يوم السبت رابع عشري ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.
قال ابن حجر (^٣): كان أبوه أبو الحسن عالمًا بالنحو، أخذ عنه الشيخ جمال الدين الإسنائي وغيره، فلهذا كان شيخنا يكتب بخطه: عمر بن أبي الحسن النحويِّ، وبهذا اشتهر في بلاد اليمن لكثرة ما رواها بخطه في تصانيفه. اهـ.
_________________
(١) "الضوء اللامع" (١/ ١٠٠).
(٢) "شذرات الذهب" (٧/ ٤٤).
(٣) "المجمع المؤسس" (٢/ ٣١١). ذكر المقريزي في "السلوك" (٣/ ١/ ٧٩) في ترجمة ابن المعزى أنه أخذ النحو بالقاهرة عن أبي الحسن، والد الشيخ سراج الدين بن الملقن.
[ ١ / ١٩٧ ]
وذكره السيوطي في "بغية الوعاة" (^١).
وقد أخذ عنه النحو عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي (ت ٧٧٢ هـ) (^٢) ومحمد بن علي ابن يوسف الأسنوي كمال الدين ت ٧٨٤ هـ (^٣) وأحمد بن لؤلؤ الرومي شهاب الدين بن النقيب (ت ٧٦٩ هـ) (^٤) وصلاح الدين عبد الله بن محمد بن كثير التاجر النحوي (ت ٧٦٣ هـ) (^٥) وغيرهم.
* أبناؤه:
خلف ابن الملقن ابنا وحيدًا هو علي ويلقب بنور الدين، ترجم له السخاوي (^٦)؛ فقال: ولد في سابع شوال سنة ثمان وستين وسبعمائة، ونشأ في كنف أبيه، فحفظ القرآن وكتبًا، وعرض على جماعة، وأجاز له جماعة، بل رحل مع أبيه إلى دمشق وحماة، وأسمعه هناك علي بن أميلة وغيره من أصحاب الفخر وغيره، وكذا سمع بالقاهرة على العز أبي اليمن بن الكويك، وتفقه قليلًا بأبيه وغيره، ودرس في جهات أبيه بعد موته، وناب في القضاء بالقاهرة والشرقية وغيرها، وتمول بآخره، وكثرت معاملاته، وكان ساكنًا حييًّا، زاحم الكبار … ومات- فيما أرخه به العيني- في أوائل رمضان سنة سبع بمدينة بلبيس، وحمل إلى القاهرة فدفن بها -يعني في تربة سعيد السعداء عند أبيه- قال: ولم يكن مثل أبيه ولا قريبًا منه. وأرخه غيره في يوم
_________________
(١) "بغية الوعاة" (٢/ ١٤٤).
(٢) "الدرر الكامنة" (٢/ ٣٥٤).
(٣) "الدرر الكامنة" (٤/ ٩٩).
(٤) "الدرر الكامنة" (١/ ٢٣٩).
(٥) "السلوك للمقريزي" (٣/ ١/ ٧٩).
(٦) "الضوء اللامع" (٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
[ ١ / ١٩٨ ]
الاثنين سلخ شعبان منها وهو أشبه، ولكن أرخه المقريزي في "عقوده" بأول رمضان وقال: إنه كثر ماله وتزايدت حشمته، وكانت بيني وبينه صداقة، ﵀ وإيانا. وقد رأيته أختصر "المبهمات" لابن بشكوال مع زيادات له فيها. وقال عنه المقريزي (^١): برع في الفقه، ودرس بعد أبيه في عدة مواضع، وناب في الحكم عدة أعوام حتى فخم ذكره، وتعين لقضاء القضاة الشافعية، وكثر ماله.
وذكر أيضًا أنه عين في إفتاء دار العدل مضافًا لمن كان بها في المحرم من سنة ٨٠٢ هـ (^٢) وذكر السخاوي من تلاميذه عبد العزيز بن محمد بن عبد الله الأنصاري (ت ٨٥٨ هـ) (^٣).
وترجم له ابن تغري بردي في "الدليل الشافي" (١/ ٤٦٥) ووصفه بالعلامة، ولا ريب أنه قد ترجم له في "المنهل".
وقد ذكر له صاحب "الرسالة المستطرفة" (^٤) من الكتب اختصاره للغوامض والمبهمات لابن بشكوال مع حذف أسانيده، ويقول المقريزي: إن له زيادات عليه.
* أحفاد ابن الملقن:
خلف علي ثلاثة من الولد هم الجلال عبد الرحمن وأختاه خديجة وصالحة.
فأما عبد الرحمن فقد ولد بالقاهرة ودرس على عدد من المشايخ منهم الشمس السعودي الذي حفظ عليه القرآن، وحفظ "العمدة"
_________________
(١) "السلوك" (٣/ ٣/ ١١٦٨).
(٢) "السلوك" (٣/ ٣/ ٩٧٩).
(٣) "الضوء اللامع" (٤/ ٢٢٨).
(٤) "الرسالة المستطرفة" (ص ٩١).
[ ١ / ١٩٩ ]
و"المنهاج" وغيرهما، وعرض على جده السراج ابن الملقن والزين العراقي والصدر المناوي والكمال الدميرى وآخرين وأجازوا له، وكذلك سمع على جده والتنوخي والعراقي وابن أبي المجد والهيثمي والحلاوي وغيرهم، وباشر في وظائف والده علي، وناب في القضاء.
وكان إنسانًا حسنا ذا سكينة ووقار، وسمت حسن، وخط حسن، مع التواضع والديانة والفقه، والانجماع عن الناس وحسن السيرة، ومزيد العقل والتودد، وتقدمه في الشهرة، وعدم التبسط في معيشته، والدخول فيما لا يعنيه، والتصدق سرًّا ومداومته على حفظ "المنهاج" إلى آخر وقت، ومداومته على تدريس الحديث، وحج سنة (٨٠٩ هـ) وتوفي سنة (٨٧٠) صبيحة الجمعة ثامن شوال، وكانت جنازته حافلة ﵀ (^١).
وقد تتلمذ عليه كثيرون ممن لا نطيل بذكرهم ذكرهم السخاوي أثناء كتابه (^٢).
خديجة: ولدت خديجة سنة (٧٨٨ هـ)، وأحضرت في سابع شهر يوم الثلاثاء سابع عشري صفر بقراءة أبيها على العز أبي اليمن الكويك الختم من "الموطأ" رواية يحيى بن يحيى عن مالك، وحدثت به غير مرة، سمعه منها الفضلاء، قال السخاوي: أخذته عنها، وكانت قد قرأت في صغرها بعض القرآن وتعلمت شيئًا قليلًا، وكانت تعلم النساء الخط وأحكام الحيض ونحوه، مع مداومة المطالعة والبراعة في استخلاص الخطوط المتنوعة، وكانت غاية في الخير
_________________
(١) "الضوء اللامع" (١٠/ ١٠١).
(٢) انظر: "الضوء اللامع" (٣/ ٢٦٥، ٤/ ١٢٢، ٢٨٠، ٣١٠، ٦/ ٢٦٩، ٧/ ٣٥، ١٥١، ٢٥٤، ٩/ ٦٤، ١٦٢، ١٧٣، ٢٢٥، ١٠/ ٧٢، ١١/ ٩٣).
[ ١ / ٢٠٠ ]
والديانة والمحافظة على الصلوات والقيام، ولم تزل ممتعة بسمعها وبصرها وسائر حواسها حتى ماتت في شوال سنة (٨٧٣ هـ) رحمها الله (^١).
تزوجها أحمد بن عثمان بن محمد المناوي السلمي القاهري (٨٢٥ هـ) (^٢).
وذكر السخاوي أنها أجازت محمد بن إبراهيم بن علي أبا السعود عالم الحجاز (^٣).
صالحة: ولدت سنة (٧٩٥ هـ) وأحضرت في الثالثة في شوال سنة (٧٩٧) وبعدها على جدها، بل سمعت عليه المسلسل وغيره، وحدثت عنه، سمع منها الفضلاء، وحمل عنها السخاوي وقال: كانت كاسمها. وماتت في رمضان سنة (٨٧٦ هـ) رحمها الله (^٤).
تزوجها خليل بن أبي بكر الأندلسي القاهري الشافعي (٣٨٣ هـ)، وأنجبها ابنه محمدًا (^٥).
ويذكر السخاوي أنها أجازت محمد بن إبراهيم أبا السعود عالم الحجاز، ومحمد بن بركات بن حسن بن عجلان الحسيني مالك الحجاز (^٦).
_________________
(١) "الضوء اللامع" (١٢/ ٢٩).
(٢) "الضوء اللامع" (١/ ٣٨٠).
(٣) "الضوء اللامع" (٦/ ٢٦٩).
(٤) "الضوء اللامع" (١٢/ ٧٠).
(٥) "الضوء اللامع" (٣/ ١٩٤).
(٦) "الضوء اللامع" (٧/ ١٥١).
[ ١ / ٢٠١ ]
* نشأته:
مات والده وهو صغير وقبل وفاته أوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي يحدثنا عن ذلك ابن فهد (^١) فيقول: مات أبوه عنه وهو ابن سنة، فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي، وكان خيّرًا صالحًا يلقِّن القرآن العظيم بجامع ابن طولون، فتزوج بأمّه، وتربى في حجره فنُسب إليه، حتى صار يعرف بابن الملقن، وصار علمًا عليه إلى أن مات، فحصل له من جهته خير كثير.
* اهتمام الشيخ عيسى المغربي بابن الملقن:
بعد أن توفي والد ابن الملقن اهتم به وصيه الشيخ عيسى المغربي، فنشأ في كفالته، وكان رجلًا صالحًا يلقن الناس القرآن بجامع ابن طولون، فتزوج بأمه وعاش السراج في رعايته حتى صار بمنزلة ابنه، ولذا دعي بابن الملقن، ولقد كان الشيخ عيسى له نعم الوالد حقًّا بعد أبيه، فقد أحسن تربيته والقيام على تعليمه وتأديبه حتى بلغ هذِه المنزلة العظيمة في ميدان العلم.
فقد ابتدأ الشيخ عيسى بتحفيظه القرآن فحفظه، ثم حفظ بعده "عمدة الأحكام"، وأراد أن يقرئه في مذهب مالك فأشار عليه ابن جماعة صديق والده بأن يقرئه في المذهب الشافعي فدرس "المنهاج" للنووي وحفظه، ثم أسمعه على الحافظين أبي الفتح بن سيد الناس والقطب الحلبي.
ومن أجل تأمين حياة طيبة لابن الملقن، وكفايته مؤنة السعي على طلب الرزق (فإن وصيه أنشا له ربعًا (^٢)، أنفق عليه قريبًا من ستين ألف
_________________
(١) "لحظ الألحاظ" (ص ١٩٧).
(٢) الربع: الدار بعينها حيث كانت، والجمع رباع، وربوع، وأرباع، وأربع. والربع أيضًا: المحلة. "مختار الصحاح" (ص ٢٢٩).
[ ١ / ٢٠٢ ]
درهم، فكان يغل عليه جملة صالحة) (^١) وكان (يكتفي بأجرته، ويوفر بقية ماله للكتب) (^٢).
* اهتمامه بالعلم منذ صغره:
مرَّ بنا أن وصيه اتجه به نحو العلم منذ صغره حيث أسمعه الحديث على ابن سيد الناس، والقطب الحلبي، ثم سعى لتحصيل الإجازة له من علماء مصر والشام منهم الحافظ المزي (^٣).
قال ابن حجر (^٤): عني في صغره بالتحصيل.
وقال ابن فهد (^٥): وطلب الحديث في صغره بنفسه، فأقبل عليه، وعني به لتوفر الدواعي وتفرغه.
ويذكر السخاوي (^٦) أنه لازم جلة شيوخ عصره كالشيخ علاء الدين مغلطاي والشيخ زين الدين الرحبي، حتى تخرج بهما، وقرأ البخاري على ثانيهما وقرأ "صحيح مسلم" على الزين ابن عبد الهادي.
وقد اهتم ابن الملقن بفنون العلم الأخرى كالفقه والقراءات والعربية يظهر ذلك جليًا عند ذكر مشايخه، فمنهم من كان عالمًا بالفقه، ومنهم من كان عالمًا بالقراءات، ومنهم من كان عالمًا بالعربية.
* رحلاته:
رحل ابن الملقن -كما هي عادة المحدثين- طلبًا للعلم والتحصيل، وقد قام بعدة رحلات خارج مصر وهي:
_________________
(١) "لحظ الألحاظ" (ص ١٩٧، ١٩٨).
(٢) "الضوء اللامع" (٦/ ١٠٠).
(٣) انظر "لحظ الألحاظ" لابن فهد (ص ١٩٧).
(٤) "إنباء الغمر" (٢/ ٢١٧).
(٥) "لحظ الألحاظ" ص ١٩٧.
(٦) "الضوء اللامع" (٦/ ١٠٠ - ١٠١).
[ ١ / ٢٠٣ ]
١ - رحلته إلى القدس الشريف، والتي التقى فيها بالحافظ العلائي، وقرأ عليه، وأخذ عنه. وقد أشار إلى هذِه الرحلة في كتابه "البدر المنير" في أثناء ترجمته للإمام الرافعي، فقال -عند سياقه جملة من أحاديث الرافعي-: "ومن حديثه: ما أخبرنا بقية الحفاظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، بالقدس الشريف، بقراءتي عليه، قال: .. " (^١).
وقال أيضًا في "البدر المنير" عند الكلام على حديث: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب": وعزاه غير واحد إلى صحيح الإمام أبي بكر ابن خزيمة .. وهو كما قالوا فقد رأيته كذلك فيه بالقدس الشريف في رحلتي إليها.
وقال أيضًا في "البدر" -عند الكلام على حديث أنه ﵊ تيمم بتراب المدينة وأرضها سبخة-: قال ابن خزيمة .. وفي هذا ما بان وثبت أن التيمم بالسباخ جائز هذا لفظه ومن "صحيحه" في رحلتي إلى القدس نقلته.
وقد قرأ في هذِه الرحلة كتاب "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" على مؤلفه الحافظ العلائي، وأشار إلى هذا السخاوي (^٢).
وأثبت العلائي ذلك في طبقة السماع، ووصفه بالشيخ، الفقيه، الإمام، العالم، المحدث، الحافظ، المتقين، شرف الفقهاء والمحدثين ..، وأجاز له جميع ما يجوز عنه روايته، وهو ثابت بخطه على نسخة "جامع التحصيل" (^٣).
_________________
(١) انظر مقدمة المؤلف للبدر المنير.
(٢) "الضوء اللامع" (٦/ ١٠١).
(٣) انظر "مقدمة جامع التحصيل" (ص ٦، ٧) صورة الورقة الأولى من مخطوطة الكتاب.
[ ١ / ٢٠٤ ]
٢ - رحلته إلى دمشق سنة (٧٧٠ هـ)، وأشار إلى هذِه الرحلة أكثر الذين ترجموا لابن الملقن (^١).
قال الشهاب ابن حجي: "ورد علينا دمشق في سنة سبعين طالبًا لسماع الحديث" (^٢). وفي هذِه الرحلة "اجتمع بالسبكي، ونوه به، بل كتب له تقريظًا على تخريج الرافعي له … ولزم العماد بن كثير فكتب له أيضًا" (^٣).
وذكره ابن الملقن نفسه في "التوضيح" عند شرح حديث (٢٩٢٤):
"حمص من الشام، رأيتها في رحلتين إليها".
٣ - رحلته إلى مكة لأداء الحج، والتي أشار إليها السخاوي فقال: "قرأت بخطه إجازة كتبها وهو بمكة سنة إحدى وستين وسبعمائة (٧٦١ هـ) تجاه الكعبة قال فيها: إن مروياته: الكتب الستة، ومسند الشافعي، وأحمد، والدارمي .. " (^٤)، وذكر فيها مشا يخه، ومؤلفاته.
وعند شرحه لحديث (٥١٨٨) في "التوضيح" كتب تلميذه سبط في الحاشية: ذكر لي شيخنا المؤلف أنه ابن أبي جبرة بالباء، وأنه رآه كذلك بمكة" ..
* مكتبته:
يشير ابن العماد (^٥) إلى أن ابن الملقن كان جمَّاعة للكتب.
_________________
(١) انظر مثلًا: "إنباء الغمر" (٢/ ٢١٨) و"الضوء اللامع" (٦/ ١٠١).
(٢) "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة (٤/ ٥٦).
(٣) "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة (٤/ ٥٦).
(٤) "الضوء اللامع" (٦/ ١٠١).
(٥) "الشذرات" (٧/ ٤٥).
[ ١ / ٢٠٥ ]
ويشير ابن الملقن نفسه -﵀- إلى ذلك فيقول في خطبة "البدر المنير": "ويسر الله -تعالى-لنا-سبحانه وله الحمد والمنة- من الكتب التي يحتاج إليها طالب هذا الفن زيادة على مائة تأليف .. ".
وذكر في خاتمة "التوضيح" ما يدل على أنه رجع إلى مئات الكتب خلال تأليفه للكتاب، وذكر منها الكثير، ثم اختصر الكلام على بعضها بقوله: وأما الأجزاء فلا تنحصر، وكذا كتب الفقه.
وقد كان من أهم الأسباب التي هيأت لابن الملقن تكوين هذِه المكتبة: يسر حاله، وقلة عياله، ذلك أنه كان له مال ثابت، يتحصل عليه من الربع الذي أنشأه له وصيه، "فكان يكتفي بأجرته، وتوفر له بقية ماله، فكان يقتني الكتب" (^١).
وقال المقريزي في "عقوده": "كان يتحصل له من ريع "الربع" كل يوم مثقال ذهب، مع رخاء الأسعار، وعدم العيال" (^٢).
ويصور لنا ابن حجر (^٣) مدى إقبال ابن الملقن على شراء الكتب فيقول: كان يقتني الكتب، بلغني أنه حضر في الطاعون العام بيع كتب شخص من المحدثين، فكان وصيه لا يبيع إلا بالنقد الحاضر، قال: فتوجهت إلى منزلي فأخذت كيسًا من الدراهم ودخلت الحلقة فصببته فصرت لا أزيد في الكتاب شيئًا إلا قال: بع له، فكان فيما اشتريت "مسند الإمام أحمد" بثلاثين درهمًا، ويذكر ابن حجر أن مكتبة ابن الملقن كانت تحتوي بعض الكتب التي لا يمتلكها فيقول:
_________________
(١) "إنباء الغمر" (٢/ ٢١٧).
(٢) "الضوء اللامع" (٦/ ١٠٠).
(٣) "إنباء الغمر" (٥/ ٤٢).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وعنده من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر منها ما هو ملكه ومنها ما هو من أوقاف المدارس لا سيما الفاضلية (^١).
احتراق مكتبته:
تذكر لنا المصادر أن مكتبته احترقت، ويحدثنا عن ذلك الحافظ ابن حجر فيقول (^٢) بعد ذكر مؤلفاته:
ولكن لم يوجد ذلك بعده؛ لأن كتبه أحرقت قبل موته بقليل وراح منها من الكتب النفيسة الموقوفة وغير الموقوفة شيء كثير جدًّا، وقلت في ذلك أخاطبه بعد أحتراق كتبه:
لا يزعجنك يا سراج الدين إن … لعبت بكتبك ألسن النيران
لله قد قربتها فتقبلت … والنار مسرعة إلى القربان
وقلت في ذلك أيضًا:
ألا يا سراج الدين لا تأس إن غنَّت … بكتبك نار ما لمعرورها عار
لربك قد قربتها فتقبلت … كذلكم القربان تأكله النار
_________________
(١) "إنباء الغمر" (٥/ ٤٥).
(٢) "ذيل الدرر الكامنة" (ص ١٢٢).
[ ١ / ٢٠٧ ]