وصفه الإمام السبكي في "الطبقات الكبرى" (^١) قال: كان البخاري ضعيف البنيان ومن وصفوه كانوا يقولون:" إنه كان نحيفًا ليس بالطويل ولا بالقصير". وكان قليل الأكل جدًا، يتزهد فيه ويتقشف مكتفيًا بالخبز، معرضًا عن الإدام حتى مرض من كثرة تقشفه وقد روى صاحب "هدي الساري" (^٢) قول البخاري: "لم أئتدم منذ أربعين سنة".
وكان عزيز النفس عفيف اليد، يتجمل ويتحمل، ولا يريق ماء وجهه، حتى في أشد حالات العسر (^٣). وكان مرهف الحس، نبيل الشعور، عفيف اللسان، قال: "ما اغتبتُ أحد قط منذ علمت أن الغيبة حرام". وكان كريم الطبع كريم اليد محسنًا قال: "كنت أستغل في كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقها في الطلب وما عند الله خير وأبقى".
كما كان متعبدًا زاهدًا قانتًا، يملأ نهاره بالدرس والتعليم، وليله بالعبادة والتهجد، حتى كان ورده القرآن.
وقد ورث الإمام البخاري ثروةً كبيرة من أبيه، فكان يُعطي المال مضاربةً ليتفرغ لخدمة السُّنَّة النبوية، فكان في معاملاته سمحًا رحيمًا،
_________________
(١) "طبقات الشافعية" ٢/ ٤.
(٢) "هدي الساري" ص ٤٨٢.
(٣) التعريف بالبخاري: كتاب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- مصر- ص ٢٧.
[ ١ / ٦٠ ]
فذات مرة قطع له أحد الغرماء خمسةً وعشرين ألفًا، فحاول أصحابه أنْ يُلاحق غريمه ويستنجد على ذلك بالسلطان، ولكنه أبى وقال: "إن أخذتُ منهم كتابًا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي ".
وكان البخاري يهدف من تجارته أن ينفع خلقِ الله، فكان يُساعد طلبة العلم والشيوخ والمحدثين، وكان يُنفِقُ من دخله خمسمائة درهم على الفقراءِ والمساكين وطلبةِ العِلم وأصحاب الحديث كل شهر، ولم يكُن يعرف الترف والبذخ في حياته في المأكل والمشرب.
وكان ﵀ يعود نفسه على الإيثار والبعد عن حب المال، وكان ورعا تقيا، وكان شديد التمسك بالسُّنَّة، بعيدًا عن مخالطة الأمراء ومجالستهم، وبنى رِباطا خارج مدينة بخارى، فكان يشارك العمال في بناءه، فينقل اللبن يحمله على رأسه ويرفعه ويقدمه للبنائين، فقيل له: يا أبا عبد الله إنَّك تُكفى ذلك! فيقول: "هذا الذي ينفعني".
وكان صاحب فراسة وبصيرة نافذة، واستحضار وذكاء، كان الإمام قتيبة بن سعيد يقول: "جالستُ الفقهاء والزهاد والعبَّاد، فما رأيتُ منذ عقلتُ مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة".
قال الذهبي عنه: "كان رأسًا في الذكاء، رأسا في العلم، ورأسًا في الورع والعبادة".
[ ١ / ٦١ ]