يمكن استيعاب منهج الإمام البخاري في الحديث الصحيح وشروطه فيه، من أمرين:
١ - من الاسم الذي سمى به الجامع الصحيح.
٢ - ومن الاستقراء من تصرفه.
فهو قد سماه "كتاب الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه" وهو "الجامع" بمعنى: أنه لم يختص بصنف دون صنف ولذلك أورد فيه الأحكام والقضايا والأخبار المحضة والآداب والرقاق، كما أن من جُملة أغراضه بيان عقيدة السلف والرد على ما كان سائدًا في عصره من البدع.
وهو "الصحيح" أي: أنه ليس فيه شيء ضعيف عنده لقوله: "ما أدخلت في الجامع إلا ما صح".
وهو "المسند" أي: أنه خرج فيه الأحاديث المتصلة الإسناد ببعض الصحابة عن النبي - ﷺ - سواء من قوله أو فعله أو تقريره.
وهكذا يمكن حصر شروط البخاري في صحة الحديث فيما يلي:
أن يكون الحديث متصلًا، وأن يكون رواته عدولًا، وأن يخلو الحديث من العلة، أي: ليس فيه علة قادحة، ولا شاذًا بأن يخالف راويه الثقة من هو أوثق منه، أو أكثر عددًا منه وأشد ضبطًا، وقد
[ ١ / ٨٣ ]
أوضح البخاري منهجه في الاتصال بدقة متناهية لا نجدها عند غيره، إذ اشترط في المعنعن شرطين: وهما اللقاء والمعاصرة وفي ذلك يقول: "الاتصال عندهم أن يعبر كل من الرواة في روايته عن شيخه، بصيغة صريحة في السماع منه، كسمعت وحدثني وأخبرني، أو ظاهرة كعن وأن فلانًا قال"، أي أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من حدث عنه ولو مرة واحدة، مع اشتراط أن يكون ثقة، فإذا ثبت عنه ذلك حملت عنه عنعنته على السماع، وعلة ذلك أنه لم يثبت لقاؤه له، وإنما كان معاصرًا له، احتمل أن تكون روايته عن طريق الإرسال، وأما إذا حدث عن شيخه بما لم يسمعه منه كان مدلسًا، وبذلك كان شرط البخاري في الاتصال أقوى وأتقن عنده من غيره، وخاصة مسلم وابن حنبل وغيرهما الذين اكتفوا بالمعاصرة دون اللقاء.
إن طريق ثبوت اللقاء عند البخاري، تدور على التصريح بالسماع في الإسناد، فإذا ثبت السماع عنده في موضع يحكم به سائر المواضع، ومن أجل ذلك كان البخاري يتثبت في الرجال الذين يخرج عنهم ينتقي أكثرهم صحبة لشيخه، وأعرفهم بحديثه، وإن فعل فإنما يخرج في المتابعات بشرط أن تقوم قرينة، وأن يكون ذلك مما ضبطه الراوي (^١).
أما ابن الملقن فقال: يشترط [يعني لاتصال الإسناد] ثبوت اللقاء وحده، وهو قول البخاري والمحققين (^٢).
وإضافةً لما سبق، فقد خلص بعض الباحثين أنه بالرغم من شيوع
_________________
(١) انظر: "هدي الساري" ص ٧.
(٢) انظر: "التوضيح" ج ٢ الوجه الحادي عشر في شرح أول حديث.
[ ١ / ٨٤ ]
شرط اللقاء والمعاصرة عن البخاري فإنه لا يوجد ما يدل دلالة قاطعة على هذا الأمر (^١).
قال"ابن خلدون" في مقدمة تاريخه في علوم الحديث، عن منهج البخاري: "وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره، وخرج أحاديث السنة على أبوابها في مسنده الصحيح، بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، كما روى عن أهل الري وواسط وخراسان ومرو وبلخ وهراة ونيسابور وبخارى وغيرها، بخلاف غيره الذين لم يرحلوا إلى تلك البلاد".
وفي الجرح والتعديل كان للبخاري منهج دقيق وأسلوب فريد، كان فيه كثير من التحري والتثبت، فإذا أنكر السماع من راو كان يقول:"لم يثبت سماع فلان من فلان".
ولا يقول ورعًا "إن فلانًا لم يسمع من فلان" كما أكد ذلك صاحب "فيض الباري" نقلًا عن ابن حزم (^٢) كما كان أكثر ما يقول في الرجل المتروك أو الساقط "سكتوا عنه" أو "فيه نظر" أو "اتركوه".
وقل أن يقول كذاب أو وضاع بل يقول:
"كذبه فلان" أو "رماه فلان" يعني بالكذب.
وكان أبلغ تضعيفه للمجروح قوله: "مُنكر الحديث" (^٣).
_________________
(١) انظر "منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها" رسالة من إعداد أبي بكر الكافي، بإشراف د. حمزة المليباري، نشر دار ابن حزم ص ١٨٧، ٣٦٥.
(٢) "هدي الساري" ص ٤٨٨، "طبقات الشافعية" ٢/ ٧، "التعريف بالبخاري" ص ١٢٠.
(٣) "طبقات الشافعية" ٢/ ٩.
[ ١ / ٨٥ ]
هذا ولم تقف ريادة البخاري ومنهجيته عند هذا الحد، بل تجلت في مواضع كثيرة من صحيحه: في تراجمه، وتقطيعه للحديث، واختصاره، وإعادته، ومكرراته، وتجريد الصحيح، مما ميزه عن غيره، وسجل له الأفضلية والأسبقية.
[ ١ / ٨٦ ]