لقد ذكر الإمام البخاري في وصيته الرباعية أمورًا يبتلي بها العلماء والمحدثون، ولا بد لهم من الصبر عليها، وهي شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء. ولعله كان يتحدث عن نفسه، وعما يلاقيه من معاصريه، الكائدين له، والمؤتمرين به.
فلم يكد يقصد نيسابور للإقامة فيها والاستقرار بها إلا وضاق به الحساد والمغرضون من علماء نيسابور ومحدثيها، بسبب ظهوره وتألقه، والتفاف الناس من حوله، فسعوا بالوشاية بينه وبين أميرها، واختلقوا لذلك أقاويل وأكاذيب يتنزه البخاري عن مثلها، بسبب فتنة خلق القرآن التي كانت رائجة آنذاك، فأكثر القيل والقال من حوله، وكثر لغط العامة واختلافهم بسبب وجوده، مما أشاعه خصومه عنه، فوجد عليه أمير نيسابور، مما اضطر معه البخاري إلى مغادرتها والخروج منها، عائدًا إلى بلاده بخارى.
وقد أحسن أهل بخارى استقباله، وبالغوا في الحفاوة به وفي ذلك يروي الحافظ ابن حجر، عن أحمد بن محمد بن منصور الشيرازي يقول: "لما رجع أبو عبد الله البخاري إلى بخارى، نصبت له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور، ونثرت عليه الدراهم والدنانير، فبقي مدة ثم وقع الخلاف بينه وبين
[ ١ / ٦٩ ]
الأمير فأمره بالخروج من بخارى، فخرج إلى بيكند" (^١).
وكذلك لم يكد يستقر به المقام حتى وقعت بينه وبين أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي جفوة عكرت صفو البخاري، وكانت سبب خروجه منها مرغمًا، إلى أن مات بعيدًا عنها. ذلك أن الأمير الذهلي بعث إلى محمد بن إسماعيل "أن أحمل إلي كتاب الجامع والتاريخ لأسمع".
فقال البخاري لرسول الأمير: قل له إنني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم" (^٢).
وقد كان هذا الجواب الحق وحده ثقيلًا وكفيلًا بإثارة أمير بخارى وإصابته في كبريائه التي لم تألف مثل هذا الكلام، فاغتاظ من البخاري وكان سبب الوحشة بينهما، فأغرى به جماعة فهيجوا الفتنة عليه وتكلموا في مذهبه وأوغروا صدور بعض العلماء عليه، وأثاروا الناس من حوله، فأمر الأمير بنفيه عن بلده، فخرج من بخارى إلى خرتنك.
ولعل قرار الأمير الذهلي بنفي البخاري عن بلده، كان بداية النهاية لحياة هذا الإمام العظيم، ولعل البخاري لم يتألم في حياته، ولم يتأثر تأثره وتألمه لهذا القرار الخطير.
فقد خرج فيما قبل من بخارى إلى نيسابور، وكله أمل في أن يجد الراحة فيها والاستقرار، بعد الكيد والمضايقة والشغب، إلا أن المقام
_________________
(١) "هدى الساري" ٤٩٤.
(٢) "طبقات الشافعية" ٢/ ١٤.
[ ١ / ٧٠ ]
لم يستقر به فيها، حتى ظهرت رؤوس الفتنة من كل جانب وحامت حوله الأقاويل والدسائس، مما اضطره إلى العودة إلى بخاري، غير أن حظه فيها لم يكن أحسن منه بنيسابور، حيث وقعت الجفوة بينه وبين أميرها، بسبب طلبه أن يحمل إليه الصحيح والتاريخ، وجواب البخاري الذي اعتبر طلب الأمير إذلالا للعلم والعلماء، مما يؤكد اعتزازه الشديد بنفسه، واحترامه لعلمه وشخصيته.
روى ابن عدي قال: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار يقول: خرج البخاري إلى "خَرْتَنْك" وكان له بها أقرباء فنزل عندهم. ولعل البخاري قصد قرية بيكند أولًا، ثم انتهى به المطاف إلى خَرْتَنْك، وهي قرية كانت على فرسخين من سمرقند.
يقول عبد القدوس بن عبد الجبار: سمعت البخاري ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه:"اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك" قال: "فما تم الشهر حتى قبضه الله".
ويروي وراق البخاري يقول: سمعت غالبًا بن جبريل وهو الذي نزل عليه البخاري بخرتنك يقول: "إنه أقام أيامًا فمرض، حتى وجه إليه رسول من أهل سمرقند، يلتمسون منه الخروج إليهم، فأجاب وتهيأ للركوب ولبس خفيه، ولما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها وأنا آخذ بعضده قال: "أرسلوني فقد ضعفت" (^١).
فأرسلناه فدعى بدعوات، ثم اضطجع فقضى، ثم سأل منه عرق كثير، وكان قد قال لنا: كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. قال: ففعلنا فلما أدرجناه في أكفانه وصلينا عليه،
_________________
(١) "هدي الساري" ص ٤٩٤.
[ ١ / ٧١ ]
ووضعناه في قبره، فاحت من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك دامت أيامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه إلى أن جعلنا عليه خشبًا مشبكًا (^١).
وكانت وفاة البخاري يوم السبت في ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة (٢٥٦ هـ).
ولا عجب أن يختم الله حياة هذا الإمام العظيم، هذِه الخاتمة التي فيها ابتلاء وامتحان واختبار، شأنه في ذلك شأن الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، فرحمه الله وأجزل له العطاء، وبوأه مقام الصديقين.
_________________
(١) "تغليق التعليق" ٥/ ٤٤١.
[ ١ / ٧٢ ]