١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ [بْنُ عُمَيْرٍ]، عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ - ﵁ - أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً ح. [انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧،٤١٥ - فتح: ٣/ ٦٣]
١١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - وَمَسْجِدِ الأَقْصَى". [مسلم: ١٣٩٧ - فتح: ٣/ ٦٣]
١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ". [مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٦٣]
_________________
(١) ليس في الأصل، والمثبت من الصحيح.
[ ٩ / ٢١٧ ]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
حديث قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخدري أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَكَانَ قد غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَى عَشْرَةَ غَزْوَةً.
ثانيها: حديث سعيد عن أبي هريرة: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَي ثَلًاثةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ -، وَمَسْجِدِ الآقصَى".
ثالثها: حديث أبي عبد الله الأغر -واسمه سلمان- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أيضًا: "صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا المَسْجِدَ الحَرَامَ".
الشرح:
حديث أبي سعيد أتى به في الباب بعده مطولًا، وفي آخره: "ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" كما سيأتي في الحج والصوم أيضًا (^١)، ولم يخرجه غيره مجموعًا بتمامه من طريق قزعة عن أبي سعيد.
وفي بعض نسخ البخاري إيراده آخر الباب، وكذا ذكره أبونعيم، وأخرجه مسلم مقطعًا، قطعة في الحج: "لا تسافر المرأة" إلى آخره، ومثلها من حديث أبي صالح عنه (^٢)، وقطعة في الصيام، وهي النهي عن صوم العيدين (^٣)، وأخرجاه من حديث يحيى بن عمارة عن أبي
_________________
(١) برقم (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة، باب: مسجد بيت المقدس، وبرقم (١٨٦٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء، وبرقم (١٩٩٥) كتاب: الصوم، باب: الصوم يوم النحر.
(٢) "صحيح مسلم" برقم (٨٢٧/ ٤١٥) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، وبرقم (١٣٤٠/ ٤٢٣) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع …
(٣) "صحيح مسلم" برقم (٨٢٧/ ١٤٠) كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
[ ٩ / ٢١٨ ]
سعيد (^١) وقطعة في: "لا صلاة بعد الصبح" من حديث عطاء بن يزيد بن أبي سعيد (^٢)، وأخرجه البخاري أيضًا كذلك (^٣)، وابن ماجه من حديث قزعة عنه (^٤)، وقطعة الباب "لا تشد" أخرجها هنا مختصرًا بدونها.
قَالَ الحميدي: أهمل، ولم يبين تمامه (^٥). وأخرجها مسلم من حديث قزعة أيضًا في الحج، وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (^٦).
وذكر الدارقطني أنه اختلف فيه على قزعة، فذكره، ثم قَالَ: والصحيح قول من قَالَ: قزعة عن أبي سعيد (^٧).
وقال الداودي: ذكر حديث أبي سعيد ولم يذكر ما فيه، ثم أتى بحديث أبي هريرة بعد. يعني أنهما جميعًا حدثا بالحديث. وقد ذكره بعد في باب: مسجد بيت المقدس، وذكر الأربع وأنهن أعجبنه.
_________________
(١) سيأتي برقم (١٩٩١) كتاب: الصوم، باب: صوم يوم الفطر، ومسلم برقم (٨٢٧/ ١٤١) كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
(٢) "صحيح مسلم" (٨٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٣) سلف برقم (٥٨٦) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس.
(٤) "سنن ابن ماجه" (١٢٤٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر.
(٥) "الجمع بين الصحيحين" ٢/ ٤٣٥.
(٦) "صحيح مسلم" (٨٢٧/ ٤١٥) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، و"سنن الترمذي" (٣٢٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في أي المساجد أفضل، و"سنن ابن ماجه" (١٤١٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس.
(٧) "علل الدارقطني" ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٧.
[ ٩ / ٢١٩ ]
قَالَ ابن التين: وأضاف إليهن ابن مسلمة رابعًا، وهو مسجد قباء.
وحديث أبي هريرة الأول أخرجه مسلم أيضًا (^١) (^٢)، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث سلمان الأغر، عن أبي هريرة بلفظ: "إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء" (^٣).
وشيخ البخاري فيه علي هو ابن المديني، وشيخه سفيان هو ابن عيينة. قَالَ الدارقطني: تفرد الزهري واختلف عنه فذكره، ثم قَالَ: وكلها محفوظة عنه (^٤).
وحديثه الثاني أخرجه مسلم أيضًا (^٥)، وقد رواه عن أبي هريرة غير الأغر، رواه عنه سعيد بن المسيب وأبو صالح، والوليد بن رباح، (م) وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وأبو سلمة، وعطاء (^٦).
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٣٩٧) كتاب: الحج، باب: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
(٢) رمز الناسخ فوقها (د. س. ق) وانظر [أبو داود (٢٠٣٣)، النسائي ٢/ ٣٧، ابن ماجه (١٤٠٩)].
(٣) "صحيح مسلم" (١٣٩٧) ٥١٣.
(٤) "علل الدارقطني" ٩/ ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٥) "صحيح مسلم" (١٣٩٤) كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة ورمز الناسخ فوق مسلم (د. س. ق)، وانظر: ["سنن النسائي" ٢/ ٣٥ كتاب: المساجد، باب: فضل مسجد النبي - ﷺ - والصلاة فيه، و"سنن ابن ماجه" (١٤٠٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام].
(٦) رمز في الأصل فوق الرواة إشارة إلى مخرجي رواياتهم. فرمز فوق سعيد بن المسيب (م. ق) [قلت انظر مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٥) وابن ماجه (١٤٠٤)]، ورمز فوق أبي صالح (م) [مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٨) وفيه قال: أخبرني عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه سمع أبا هريرة … فذكره]، ورمز فوق الوليد بن رباح (ت) لترمذي (٣٩١٦)]، ورمز فوق عبد الله بن إبراهيم بن قارظ (م) [مسلم =
[ ٩ / ٢٢٠ ]
قَالَ أبو عمر: لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث في "الموطأ" عن زيد بن رباح وعبيد الله بن عبد الله الأغر، عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة.
ورواه محمد بن مسلمة المخزومي عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس، وهو غلط فاحش وإسناده مقلوب، ولا يصح فيه عن مالك إلا حديثه في "الموطأ" عن زيد (^١). كما سلف.
وروي عن أبي هريرة من طرق متواترة كلها صحاح ثابتة، وطرقه الدارقطني فأبلغ (^٢)، ورواه ابن عمر وميمونة، وطرقه الدارقطني، وجابر وابن الزبير (^٣) وإسناده حسن أخرجه أحمد، وأبو ذر أخرجه الطحاوي (^٤).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليها من أوجه:
_________________
(١) = (١٣٩٤/ ٥٠٧ - ٥٠٨)] ورمز فوق أبي سلمة (م) [مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٧)]، ورمز فوق عطاء (قط) [ولم أقف عليه في "سنن الدارقطني" وأشار إلى روايته في "العلل" فقال: ورواه عطاء بن أبي رباح، واختلف عنه، فرواه ابن المبارك عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وعائشة، وكذلك قال أبو مريم عن عطاء. ورواه الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير عن النبي - ﷺ -. اهـ "العلل" ٩/ ٣٩٧. قلت: انظر "المسند" ٢/ ٢٧٧، ٢٧٨].
(٢) "التمهيد" ٦/ ١٦.
(٣) "علل الدارقطني" ٩/ ٤٨ - ٤٩ (١٦٣٤) و٩/ ٣٩٥ - ٤٠٠ (١٨١٦).
(٤) رمز في الأصل فوق ابن عمر (ق) [ابن ماجه (١٤٠٥) قلت: هو في مسلم (١٣٩٥) ورمز فوق ميمونة (خ. م. س) [البخاري لم أقف عليه فيه، ومسلم (١٣٩٦)، والنسائي ٢/ ٣٣]، ورمز فوق جابر (ق) [ابن ماجه (١٤٠٦)]، ورمز فوق ابن الزبير (قط) [ولم أقف عليه في "سننه" وذكره في تطريقه؛ لحديث أبي هريرة في "العلل" ٩/ ٣٩٨ وهو في "المسند" ٤/ ٥ كما عزاه إليه المصنف وسيأتي تخريجه].
(٥) رواه في "شرح مشاكل الآثار" ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٦٠٨).
[ ٩ / ٢٢١ ]
أحدها:
قوله: ("مسجد الأقصى") هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، وقد أجازه الكوفيون، وتأوله البصريون على الحذف. أي: مسجد المكان الأقصى، وسمي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام.
ثانيها:
فيه فضيلة هذِه المساجد الثلاثة وميزتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء ﵈، وتفضيل الصلاة فيها، وشد الرحال -أي: سروج الجمال- إلى هذِه المساجد الثلاثة، وإعمال المطي إليها مشروع قطعًا.
واختلفوا في الشد والإعمال إلى غيرها كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها. وهو الذي أشار القاضي حسين إلى اختياره (^١)، والصحيح عند أصحابنا، وهو مختار الإمام والمحققين: أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد: أن الفضيلة الثابتة إنما هي في شد الرحال إلى هذِه الثلاثة خاصة.
قَالَ ابن بطال: هذا الحديث في النهي عن إعمال المطي، إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة.
_________________
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: الذي قاله الشيخ محمى الدين في "شرح مسلم" أن القاضي عياضًا أشار إلى اختياره، والظاهر أن في نسخة شيخنا من "شرح مسلم" نقل ذلك عن القاضي وسقط منها (عياض) فالشافعية المتأخرون من الخراسانين إذا أطلقوا: القاضي. يريدون حُسينًا، فوضحه شيخنا فوهم (…). وعبارة شيخنا هي عبارة النووي في "شرح مسلم" فلهذا غلب على ظني أنه القاضي عياض.
[ ٩ / ٢٢٢ ]
قَالَ مالك: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة فإنه يصلي في بلده إلا أن ينذر ذلك في المساجد الثلاثة، فعليه السير إليها، وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك، فمباح له قصدها بإعمال المطي وغيره، ولا يتوجه إليه النهي في الحديث.
وقال الخطابي: اللفظ لفظ خبر ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك فيها، يريد أنه لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذِه المساجد (^١).
_________________
(١) "أعلام الحديث" ١/ ٦٤٧. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن موجودًا في الإسلام في زمن مالك، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم. فأما هذِه القرون التي أثنى عليها رسول الله - ﷺ - فلم يكن هذا ظاهرًا فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك، ولهذا لما سأل سائل لمالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي - ﷺ -. فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد". وكذلك من يزور قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم، أو يطلب منهم الدعاء، أو يقصد الدعاء عندهم لكونه أقرب إجابة في ظنه، فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك، لا عند قبر النبي - ﷺ - ولا غيره، "مجموع الفتاوى" ٢٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥. وقال أيضًا ردًا على من قال: إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين قربة، وإنه إن نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفي بهذا النذر. فقال: هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإن أطلقوا القول بأن السفر إلى زيارة قبر النبي - ﷺ -، قربه، أو قالوا هو قربة مجمع عليها: فهذا حق إذا عرف مرادهم بذلك، كما ذكر ذلك القاضي عياض، وابن بطال وغيرهما: فمرادهم السفر المشروع إلى مسجده، وما يفعل فيه من العبادة المشروعة التي تسمى زيارة لقبره، ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره. فهذا الإجماع على هذا المعنى صحيح لا ريب فيه. =
[ ٩ / ٢٢٣ ]
وقال ابن الجوزي: اختلف العلماء فيما إذا نذر أن يصلي في هذِه المساجد الثلاثة، فمذهب أحمد أنه يلزمه، وقال أبو حنيفة لا يلزمه بل يصلي حيث شاء. وعن الشافعي كالمذهبين. انتهى.
ولا يعترض بأن أبا هريرة أعمل المطي إلى الطور، فلما انصرف لقيه بصرة بن أبي بصرة، فأنكر عليه خروجه وقال له: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، سمعت النبي - ﷺ - يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" (^١) فدل أن مذهب بصرة حمل الحديث على العموم في
_________________
(١) = ولكن ليس هذا إجماعًا على ما صرحوا بالنهي عنه، أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة. والسفر لغير المساجد الثلاثة قد صرح مالك وغيره: كالقاضي إسماعيل، والقاضي عياض، وغيرهما: أنه منهي عنه، لا يفعله لا ناذر ولا متطوع، وصرحوا بأن السفر إلى المدينة وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين هو من السفر المنهي عنه ليس له أن يفعله، وإن نذره، سواء سافر لزيارة أي نبي من الأنبياء، أو قبر من قبورهم، أو قبور غيرهم. أو مسجد غير الثلاثة: فهذا كله عندهم من السفر المنهي عنه، فكيف يقولون: إنه قربة، ولكن الإجماع على تحريم اتخاذه قربة لا يناقض النزاع في الفعل المجرد، وهذا الإجماع المحكي عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض المتأخرين إن وجد، ولكن إن وجد أن أحد من الصلحاء المعروفين من السلف قال: إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين كان هذا قادحًا في هذا الإجماع، ويكون في المسألة ثلاثة أقوال. ولكن الذي يحكي الإجماع لم يطلع على هذا القول، كما يوجد ذلك كثيرًا لكثير من العلماء، ومع هذا فهذا القول يرد إلى الكتاب والسنة، لا يجوز إلزام الناس به بلا حجة، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين. "مجموع الفتاوى" ٢٧/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) رواه النسائي ٣/ ١١٣: ١١٥ كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة، ومالك ١/ ١٧٨ (٤٦٣) كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة، وعبد الرزاق ١/ ١٧٨ (٤٦٣) كتاب: المناسك، باب: ما تشد إليه الرحال، وأحمد ٦/ ٧، وابن حبان في "صحيحه" ٧/ ٧ (٢٧٧٢) كتاب: الصلاة، بابك صلاة الجمعة،
[ ٩ / ٢٢٤ ]
النهي عن إعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة على كل حال، فدخل فيه الناذر والمتطوع؛ لأن بصرة إنما أنكر على أبي هريرة خروجه إلى الطور؛ لأن أبا هريرة كان من أهل المدينة التي فيها أحد المساجد الثلاثة التي أمر بإعمال المطي إليها، ومن كان كذلك فمسجده أولى بالإتيان.
وليس في الحديث أن أبا هريرة نذر السير إلى الطور، وإنما ظاهره أنه خرج متطوعًا إليه، وكان مسجده بالمدينة أولى بالفضل من الطور؛ لأن مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس أفضل من الطور.
وقد اختلف العلماء فيمن كان بالمدينة فنذر المشي إلى بيت المقدس، فقال مالك: يمشي ويركب. زاد الأوزاعي: ويتصدق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلي في مسجد المدينة أو مكة؛ لأنهما أفضل منه. وقال سعيد بن المسيب: يقومان مقام مسجد بيت المقدس.
وقال الشافعي: يمشي إلى مسجد المدينة والأقصى إذا نذر ذلك، ولا يتبين لي وجوبه؛ لأن البر بإتيان بيت الله فرض، والبر بإتيان هذين نافلة (^١).
وقال ابن المنذر: من نذر المشي إلى المسجد الحرام والأقصى وجب عليه ذلك؛ لأن الوفاء به طاعة، وإن نذر الأقصى إن شاء مشى إليه، وإن شاء مشى إلى المسجد الحرام؛ لحديث جابر أن رجلًا قَالَ للنبي - ﷺ -: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.
_________________
(١) والطبراني ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (٢١٥٧ - ٢١٥٩)، وابن الأثير في "أسد الغابة" ١/ ٢٣٧، وصححه الألباني في "صحيح النسائي".
(٢) انظر: "مغني المحتاج" ٤/ ٣٦٣.
[ ٩ / ٢٢٥ ]
قَالَ: "صل ها هنا" ثلاثًا (^١).
وقال أبو يوسف: لا يقوم الأقصى مقام المسجد الحرام. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة ومحمد: أن من جعل لله عليه أن يصلي في مكان فصلى في غيره أجزأه. واحتج لهم الطحاوي بأن معنى حديث "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (^٢) أن المراد به الفريضة لا النافلة؛ لقوله - ﷺ -: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (^٣).
وقال ابن التين: هذا الحديث دليل لنا على الشافعي، فإنه أعمل المطي إليهما، والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم بالنذر كالمسجد الحرام، وانفصل بعضهم بأن قَالَ: قد تشد الرحال إلى المسجد الحرام فرضًا للحج أو العمرة، وفي مسجد المدينة للهجرة في حياته، وكانت واجبة على الكفاية في قول بعض العلماء، فأما إلى بيت المقدس فهي فضيلة.
وقد يتأول الحديث على أنه لا يعتكف إلا في هذِه المساجد الثلاثة فيرحل إليها، وهو قول بعض السلف.
فرع:
إذا لزم المضي إليهما، فهل يلزمه المشي؟
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد ٣/ ٣٦٣، والحاكم ٤/ ٣٠٤ وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٢) "شرح معاني الآثار" ٣/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) سيأتي برقم (٦١١٣) كتاب: الأدب، باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله. حديث زيد بن ثابت.
[ ٩ / ٢٢٦ ]
في "المدونة": يأتيهما راكبًا. وقال ابن وهب: ماشيًا وإن بعد.
وقيل: إن كان قريبًا بالأميال مشى. وقيل: لا يمشي وإن كان ميلًا، وأما المسجد الحرام فإنه يأتيه ماشيًا.
ثالثها:
اختلف العلماء في تأويل قوله - ﷺ -: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام" ومعناه كما قَالَ أبو عمر، فتأوله قومٌ، منهم ابن نافع صاحب مالك على أن الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف درجة، وأفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، وقال به جماعة من المالكيين، ورواه بعضهم عن مالك.
وذكر أبو يحيى الساجي قَالَ: اختلف العلماء في تفضيل مكة على المدينة، فقال الشافعي: مكة أفضل البقاع كلها، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين. وقال مالك والمدنيون: المدينة أفضل من مكة (^١).
واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك، فطائفة يقولون: مكة، وطائفة يقولون المدينة. وعامة أهل الأثر والفقه (يقولون) (^٢): إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - بمائة صلاة.
وقال القرطبي: اختلف في استثناء المسجد الحرام: هل ذلك أن المسجد الحرام أفضل من مسجده - ﷺ -، أو هو؛ لأن المسجد الحرام أفضل من غير مسجده؟ فإنه أفضل المساجد كلها والجوامع.
_________________
(١) انظر: "الذخيرة" ٤/ ٨٤.
(٢) من (ج).
[ ٩ / ٢٢٧ ]
وهذا الخلاف في أي البلدين أفضل؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة على سائر المساجد، إلا المسجد الحرام فبأقل من الألف، واحتجوا بما قَالَ عمر: صلاة في المسجد الإكرام غير من مائة صلاة فيما سواه (^١).
ولا يقول عمر هذا من تلقاء نفسه، ولا من اجتهاده، فعلى هذا تكون فضيلة مسجده على المسجد الحرام بتسعمائة وعلى غيره بألف.
وذهب الكوفيون والمكيون وابن وهب وابن حبيب من أصحابنا إلى تفضيل مكة، واحتجوا بما زاد قاسم بن أصبغ وغيره في هذا الحديث من رواية عبد الله بن الزبير بعد قوله: "إلا المسجد الحرام" قَالَ: "وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة" (^٢).
قَالَ: وهذا الحديث رواه عبد بن حميد وقال فيه: "بمائة ألف صلاة" (^٣) وهذِه الروايات منكرة لم تشتهر عند الحفاظ، ولا خرّجها أصحاب الصحيح، ولا شك أن المسجد الحرام مستثنى من قوله: "من المساجد" وهي بالاتفاق مفضولة، والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه، فالمسجد الحرام مفضول، لكنه (يقال) (^٤): مفضول بألف؛ لأنه قد استثناه منها، فلابد أن يكون له مزية على غيره من المساجد ولم يعينها الشرع، فيوقف فيها، أو يعتمد على قول عمر.
_________________
(١) رواه الحميدي في "مسنده" ٢/ ١٧٩ - ١٨٠ (٩٧٠).
(٢) رواه أحمد ٤/ ٥، والبيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٤٨٥ (٤١٤٢) كتاب: المناسك، باب: إتيان المدينة وزيارة.
(٣) "المنتخب" ١/ ٤٦٥ (٥٢٠).
(٤) كذا بالأصل، ولعلها: لا يقال.
[ ٩ / ٢٢٨ ]
قَالَ: ويدل على صحة ما قلناه زيادة عبد الله بن قارظ بعد قوله: "إلا المسجد الحرام": "فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد" (^١) فربطُ الكلام بفاء التعليل مشعر بأن مسجده إنما فضل على المساجد كلها؛ لأنه متأخر عنها، ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء في الزمان، فتدبره (^٢).
وقال عياض: أجمعوا على أن موضع قبره - ﷺ - أفضل بقاع الأرض (^٣).
ومن دلائل تفضيل مكة: حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول -وهو واقف على راحلته بمكة-: "والله إنك لخير بلاد الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". رواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح (^٤).
وعن عبد الله بن الزبير قَالَ رسول الله - ﷺ -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي" حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، والبيهقي وغيرهما بإسناد حسن (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم (١٣٩٤) ٥٠٧ كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة وأبو نعيم في "المستخرج" ٤/ ٥٥ - ٥٦ (٣٢١٨) كتاب: حرمة مكة والمدينة، باب: في فضل الصلاة في مسجد المدينة.
(٢) "المفهم" ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦.
(٣) "إكمال المعلم" ٤/ ٥١١.
(٤) "سنن الترمذي" (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: في فضل مكة. و"السنن الكبرى" للنسائي ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (٤٢٥٢ - ٤٢٥٣) كتاب: الحج، باب: فضائل مكة والمدينة. وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".
(٥) رواه أحمد ٤/ ٥، وعبد بن حميد في "المنتخب" ١/ ٤٦٥ (٥٢٠)، والبزار كمال في "كشف الأستار" ١/ ٢١٤ (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في المساجد =
[ ٩ / ٢٢٩ ]
قَالَ أبو عمر (^١): وأما تأويل ابن نافع فبعيد عند أهل المعرفة باللسان ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة ضعف،، وتسعة وتسعين ضعفًا.
وإذا كان هكذا، لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع.
ثم ساق بإسناده إلى ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن عتيق، سمعت ابن الزبير، سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه -يعني من المساجد- إلا مسجد رسول الله.
فهذا عمر، وابن الزبير، ولا مخالف لهما من الصحابة يقول: تفضل الصلاة في المسجد الحرام على مسجد المدينة.
وتأول بعضهم هذا الحديث أيضًا عن عمر على أن الصلاة في مسجد المدينة خير من تسعمائة صلاة في المسجد الحرام، وهذا تأويل لا يعضده أصل.
وزعم بعض المتأخرين أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة، ومن غيره بألف صلاة،
_________________
(١) = الثلاث وقال: اختلف على عطاء ولا نعلم أحدًا قال: فإنه يزيد على مائة، إلا ابن الزبير، ورواه عبد المالك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة أو عائشة، ورواه ابن أبي ليلى عن عطاء، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وابن حبان في "صحيحه" ٤/ ٤٩٩ (١٦٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المساجد. والبيهقي ٥/ ٢٤٦ كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ -. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ٥٠٤. وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير"، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح. وقال الذهبي في "المهذب" ٤/ ٢٠٠٧ (٨٥٠٨): سنده صالح.
(٢) "التمهيد" ٦/ ١٨ - ٣٤ وسيطيل النفل عنه.
[ ٩ / ٢٣٠ ]
واحتج بحديث ابن الزبير عن عمر المذكور. قَالَ: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه مختلف في إسناده وفي لفظه، وقد خالفه فيه من هو أثبت منه.
واستدلوا بحديث سليمان بن عتيق، عن ابن الزبير، سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد رسول الله - ﷺ -، فإنها فضيلة عليه بمائة صلاة. فهذا حديث سليمان فيه من نقل الثقات نصًّا خلاف ما تأولوه.
وذكر حديث ابن عمر الذي فيه أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجده - ﷺ -. قَالَ: وروي عن أبي الدرداء وجابر مثل ذلك بزيادة: "وفي بيت المقدس بخمسمائة" (^١).
وقال عبد الله بن مسعود: ما للمرأة أفضل من صلاة بيتها إلا المسجد الحرام (^٢).
وهذا تفضيل منه للصلاة فيه على الصلاة في مسجد الرسول؛ وقد قَالَ لأصحابه: "صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة" (^٣).
وقد اتفق مالك، وسائر العلماء على أن صلاة (الفرض) (^٤) يبرز لها في كل بلد إلا مكة فإنها تصلى في المسجد الحرام. فهذا عمر، وعلي،
_________________
(١) حديث أبي الدرداء، رواه البيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥ (٤١٤٠) في فضل الحج والعمرة. وانظر: "ضعيف الترغيب والترهيب" ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩. وحديث جابر، فرواه أيضًا البيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٤٨٦ (٤١٤٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٢/ ١٥٨ (٧٦١٣)، والبيهقي ٣/ ١٣١.
(٣) سلف برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل بمعناه.
(٤) كذا في الأصل، وفي "التمهيد" ٦/ ٣١ - وهوالمصدر الذي ينقل منه المصنف هنا-: العيدين، وهو أصوب.
[ ٩ / ٢٣١ ]
وابن مسعود، وأبو الدرداء، وجابر يفضلون مكة ومسجدها، وهم أولى بالتقليد ممن تقدمهم (^١).
واستدل بعض أصحاب مالك على تفضيل المدينة بقوله - ﷺ -: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" أو "ما بين بيتي ومنبري روضة" الحديث (^٢).
وركبوا عليه قوله: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (^٣) ولا دلالة فيه كما قَالَ أبو عمر (^٤)؛ لأن قوله هذا إنما أراد ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها، وأراد بذكر السوط على التقليل، بل موضع نصف سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية. قَالَ: وإني لأعجب ممن ترك قول رسول الله - ﷺ - إذ وقف بمكة على الحزورة، وقيل: على الحجون، فقال: "والله إني لأعلم أنك خير أرض الله، وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت" وهذا حديث صحيح. وقد سلف (^٥).
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي "التمهيد" ٦/ ٣٤: بعدهم. وهوالصواب وها هنا انتهى كلام ابن عبد البر ٦/ ١٨ - ٣٤ بتصرف.
(٢) سيأتي برقم (١١٩٦) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل ما بين القبر والمنبر. مقتصرًا على الجزء الثاني منه. ورواه مسلم كاملًا برقم (١٣٩١) كتاب: الحج، باب: ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة. ولم يأت في رواية صحيحة (قبري) بل: (بيتي) فليعلم.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٥٠) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٤) "التمهيد" ٢/ ٢٨٧ - ٢٩٠.
(٥) رواه الترمذي برقم (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: فضل مكة قال أبو عيسى، حسن غريب صحيح. والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٧٩، برقم (٤٢٥٢) كتاب: الحج =
[ ٩ / ٢٣٢ ]
وذكره من طريق عبد الله بن عدي بن الحمراء، ومن طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قَالَ: وقد روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها.
لكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة. وكان مالك يقول: مِنْ فضل المدينة على مكة أني لا اعلم بقعة فيها قبر نبي معروف غيرها. كأنه يريد ما لا يُشك فيه (^١).
وعن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: اختلفوا في دفن رسول الله - ﷺ - فقال أبو بكر: سمعته يقول: "لا يقبض نبى إلا في أحب الأمكنة إليه" فقال: ادفنوه حيث قُبض. وفي لفظ: حيث قبضه الله؛ فإنه لم تقبض روحه إلا في مكان طيب (^٢).
وروى ابن عبد البر في أواخر "تمهيده" عن عطاء الخرساني أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية [طه: ٥٥] (^٣) واختلف هل يراد بالصلاة هنا الفرض أو
_________________
(١) = باب: فضائل مكة والمدينة. وابن ماجه (٣١٠٨)، كتاب: المناسك، باب: فضل مكة. وأحمد في "المسند" ٤/ ٣٠٥، برقم (١٨٧١٥). والفسوي في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٢٤٤. والحاكم: ٣/ ٧، كتاب: الهجرة وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. والمزي في "التهذيب" ١٥/ ٢٩٢. وفي "أسد الغابة" ٣/ ٣٣٦ برقم (٣٠٦٨). وصححه الألباني في "صحيحى الترمذي وابن ماجه".
(٢) انتهى كلام ابن عبد البر.
(٣) رواه الترمذي (١٠١٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة. وقال: حديث غريب. والبزار في "البحر الزخار" ١/ ١٣٠ (٦٠ - ٦١). وأبو يعلى في "مسنده" ١/ ٤٦ (٤٥). وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".
(٤) "التمهيد" ٢٤/ ٤٠٠.
[ ٩ / ٢٣٣ ]
أعم منه؟ وإلى الأول ذهب الطحاوي (^١)، وإلى الثاني ذهب مطرف من أصحاب مالك. ومذهبنا أنه أعم.
فتقرر أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف هذا ما نعتقده، وفي مسجد المدينة بألف. وقد أسلفنا عن الأقصى أنها بخمسمائة، وفي حديث أبي ذر بمائتين وخمسين صلاة (^٢).
وفي حديث ميمونة بألف (^٣)، وهو من باب الترقي والفضل، كما نبه عليه الطحاوي.
ثم النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد الثلاثة، ثم هذا فيما يرجع إلى الثواب، ولا يتعدى إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في المسجد الحرام صلاة لم تجزئه عنهما بالاتفاق. ثم الفضيلة في الصلاة في مسجده خاص بنفس مسجده
_________________
(١) "شرح معاني الآثار" ٣/ ١٢٨.
(٢) رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" كما في "تحفة الأخيار" ١/ ٤٤٤ - ٤٤٦ (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: بيان مشكل ما روي عنه - ﵇ - في المساجد لا تشد الرحال إلا إليها ..، والطبراني في "الأوسط" ٨/ ١٤٨ (٨٢٣٠). والبيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٤٨٦ (٤١٤٥) باب: في المناسك، فضل الحج والعمرة. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا الحجاج، وسعيد بن بشير، تفرد به عن الحجاج: إبراهيم بن طهمان، وتفرد به عن سعيد: محمد بن سليمان بن أبي داود. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ٧ كتاب: الحج، باب: الصلاة في المسجد الحرام. وقال: الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه النسائي ٢/ ٣٣ كتاب: المساجد، باب: فضل الصلاة في المسجد الحرام. وأحمد ٦/ ٣٣٣. والبخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٣٠٢ ترجمة (٩٥٨). وأبو يعلى ١٣/ ٣٠ - ٣١ (٧١١٣). والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ١٢٦. والبيهقي ١٠/ ٨٣ كتاب: النذور، باب: من لم ير وجوبه بالنذر.
[ ٩ / ٢٣٤ ]
الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده (^١)، فيحرص المصلي على ذلك.
وقال ابن بطال: كلا الطائفتين في تفضيل مكة والمدينة يرغب لحديث أبي هريرة: "صلاة في مسجدي هذا" إلى آخره. ولا دلالة فيه أو أحد منهما، وإنما يفهم منه أن صلاة في مسجده - ﷺ - خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد.
ثم استثنى المسجد الحرام. وحكم الاستثناء عند أهل اللسان إخراج الشيء بما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما، وإدخاله فيما خرج منه هو وغيره بلفظ شامل لهما.
وقد مثل بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في الحديث بمثال بيَّن معناه.
فإن قلتَ: اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق، جاز أن يكون العراق مساويًا لليمن، وجاز أن يكون فاضلًا، وأن يكون مفضولًا. فإن كان مساويًا فقد علم فضله، وإن كان فاضلًا أو مفضولًا لم يقدر مقدار المفاضلة بينهما إلا بدليل على عدة درجات، إما زائدة على ذلك، أو ناقصة عنها، فيحتاج إلى ذكرها (^٢).
واحتج من فضل مكة من طريق النظر أن الرب ﷻ فرض على عباده قصد بيته الحرام مرة في العمر، ولم يفرض عليهم قصد مسجد المدينة.
قالوا: ومن قول مالك: أن من نذر الصلاة في مسجد المدينة
_________________
(١) ورد بهامش الأصل: كذا قاله النووي، وخالفه المحب الطبري وذكر لما قاله حديثًا من عند ابن النجار صاحب "تاريخ المدينة" البغدادي، وأثرًا عن عمر﵁ - وكذا ذكره في "مناسكه" كما ذكره في "أحكامه".
(٢) "شرح ابن بطال" ٣/ ١٨٠ - ١٨١.
[ ٩ / ٢٣٥ ]
والمشي إليه، أنه لا يلزمه المشي إليه، وعليه أن يأتيه راكبًا، ومن نذر المشي إلى مكة، فإنه يمشي إليها ولا يركب، فدل هذا من قوله أن مكة أفضل؛ لأنه لم يوجب المشي إليها إلا لعظيم حرمتها، وكبير فضلها. والمراد بقوله: "خير من ألف صلاة" أنها أكثر ثوابًا. قَالَ ابن حبيب: وذلك إذا كان عدد الرجال المصلين فيه دون ذلك، وأما إن كانوا أكثر من ذلك فالثواب على عدد تضعيفهم. وكذلك قَالَ في تضعيف صلاة الجماعة بخمسة وعشرين جزءًا في مسجد أو غيره على صلاة الفذ.
قَالَ: وفي صلاة المسجد الحرام بمائة ألف فيما سواه، وهذا سلف، وفي مسجد إيلياء بخمسمائة على ما سواه، وفي الجامع حيث المنبر والخطبة بخمس وسبعين على ما سواه من المساجد. قَالَ في ذلك كله: إن كانوا أكثر مما في الموضع من التضعيف كان التضعيف على العدد، وإن كانوا أقل أو مثل ذلك فعلى ما جاء فيه. قَالَ: وبذلك جاءت الروايات.
فائدة: في "الأوسط" للطبراني من حديث أبي هريرة "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الخيف، ومسجد الحرام، ومسجدي هذا" ثم قَالَ: لم يروه عن كلثوم إلا حماد بن سلمة (^١). ولم يذكر مسجد الخيف في شد الرحال إلا في هذا الحديث.
وقال البخاري: لا يتابع خُثيم في ذكر مسجد الخيف، ولا يعرف له سماع من أبي هريرة (^٢).
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٢١١ (٥١١٠).
(٢) "التاريخ الكبير" ٣/ ٢١٠ (٧١٨) ترجمة: خثيم بن مروان.
[ ٩ / ٢٣٦ ]
ومن الموضوعات من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إلحاق مسجد الجَنَد بالثلاثة (^١). وقد أسلفنا عن ابن التين أن ابن مسلمة أضاف إليهن رابعًا، وهو: مسجد قباء.
فائدة:
فضلت مكة المدينة من وجوه:
وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان.
ووجوب الإحرام لهما.
إقامته بمكة ثلاث عشرة أو خمس عشرة بخلاف المدينة فإنه عشر سنين.
أنها أكثر طارقًا من المدينة سيما من الأنبياء والمرسلين، آدم فمن دونه الذين حجوها.
التقبيل والاستلام.
وجوب استقبال كعبتها حيثما كنا.
حرمة استدبارها واستقبالها عند قضاء الحاجة.
أن حرمتها يوم خلق الله السماوات والأرض.
بوأها الله تعالى لإبراهيم، وابنه إسماعيل. ومولدًا لسيد الأمة. حرمًا آمنًا في الجاهلية والإسلام.
قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] عبر بالمسجد الحرام عن الحرم كله.
الاغتسال لها، وكذا المدينة.
_________________
(١) ذكره في "التمهيد" ٣٨/ ٢٣. وقال: حديث منكر لا أصل له.
[ ٩ / ٢٣٧ ]