١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ". قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ. [انظر: ٤٠١ - مسلم: ٥٧٢ - فتح: ٣/ ٩٣]
ذكر فيه حديث علقمة عن عبد الله أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ.
هذا الحديث تقدم في باب: ما جاء في القبلة (^١)، وهذا الحديث دال لمذهب مالك وأبي حنيفة، وقد تقدم من أدلة من رجح أنه قبل السلام حديث أبي سعيد، وأن عطاء أرسله (^٢).
وحديث ابن مسعود لا مزيد على إسناده في الجودة، وكذا ما في معناه، والخبر السالف اضطرب في وصله وإرساله.
وحاصل المذاهب سبعة:
كله بعد السلام، قاله أبو حنيفة.
كله قبله، قاله الشافعي.
الزيادة بعد والنقص قبل.
وكذا إذا اجتمعا، قاله مالك.
المتيقن أنه نقص والسهو المشكوك فيه قبله، والمتيقن أنه زيادة بعد، قاله ابن لبابة (^٣)، وذكر الداودي نحوه عن مالك.
_________________
(١) برقم (٤٠٤) كتاب: الصلاة.
(٢) سبق تخريجه في حديث (١٢٢٥).
(٣) "المنتقى" ١/ ١٧٧.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
الكل سواء، قاله مالك في "المجموعة".
يسجد للنقص فقط دون زيادة، قاله علقمة والأسود.
إذا اجتمع سهو نقص وزيادة سجدهما، قاله الأوزاعي وعبد العزيز (^١).
واختلف العلماء فيمن قام إلى خامسة، فقالت طائفة بظاهر هذا الحديث: إن ذكر وهو في الخامسة قبل كمالها رجع وجلس وتشهد وسلم، وإن لم يذكر إلا بعد فراغه من الخامسة؛ فإنه يسلم ويسجد للسهو وصلاته مجزية عنه، هذا قول عطاء والحسن والنخعي والزهري (^٢)، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (^٣).
وقال أبو حنيفة: إذا صلى الظهر خمسًا ساهيًا نظر؛ فإن لم يقعد في الرابعة قدر التشهد فإن صلاة الفرض قد بطلت، ويضيف إلى الخامسة سادسة، وتكون نافلة، ويعيد الفرض، وإن جلس في الرابعة مقدار التشهد فصلاته مجزئة ويضيف إلى الخامسة سادسة، وتكون الخامسة والسادسة نفلًا، وإن ذكر وهو في الخامسة قبل أن يسجد فيها ولم يكن جلس في الرابعة رجع إليها فأتمها كما يقول، وسجد للسهو بعد السلام (^٤).
_________________
(١) هو ابن أبي سلمة كما في "الأوسط" ٣/ ٣١٨، "النوادر والزيادات" ١/ ٣٦٣.
(٢) ذكرها ابن المنذر في "الأوسط" ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
(٣) انظر: "المدونة" ١/ ١٢٦، "الأوسط" ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤، "المجموع" ٤/ ٧٤، "المغني" ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٤) انظر: "الهداية" ١/ ٨١.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
ولا ينفك أصحاب أبي حنيفة في هذا الحديث عن أحد وجهين: إما أن يكون - ﷺ - قعد في الرابعة قدر التشهد، فإذا سجد ولم يزد على الخامسة سادسة أولم يقعد فإنه لم يعد الصلاة، وهم يقولون قد بطلت صلاته، ولوكانت باطلة لم يسجد - ﷺ - للسهو، ولأعاد الصلاة.
وعبارة شيخنا قطب الدين في تحرير مذهب أبي حنيفة: ذهب أصحابه إلى أنه إن سها عن القعدة حَتَّى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة، وذلك لأنه لم يستحكم خروجه من الفرض وألغى الخامسة؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة بدليل النهي، ويسجد للسهو لتأخير الواجب، وإذا قيد الخامسة بسجدة استحكم دخوله في ركعة كاملة في النفل فخرج به عن الفرض قبل تمامه فبطلت صلاته، وإن كان قعد في الرابعة مقدار التشهد ثم سها وقام إلى الخامسة وقيدها بسجدة ضم إليها ركعة أخرى، وتمت صلاته، وكانت الركعتان له نافلة ويسجد للسهو.
قالوا: وحديث ابن مسعود محمول عندهم على ما إذا قعد في الرابعة مقدار التشهد، وذلك لأن الراوي قَالَ: صلى خمسًا. ولا ظهر بدون ركنه وهو القعدة الأخيرة.
قَالَ السرخسي منهم:
وإنما قام إلى الخامسة على ظن أن هذِه القعدة الأولى، والصحيح أنهما لا ينوبان عن سنة الظهر؛ لأن شروعه فيهما لم يكن عن قصد، وفي صلاة العصر لا يضم إلى الخامسة ركعة أخرى بل يقطع التنفل بعد الفرض (^١).
_________________
(١) "المبسوط" ١/ ٢٢٨.
[ ٩ / ٣٤٧ ]
وروى هشام عن محمد أنه يضيف إليها ركعة أخرى، وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة (^١)، وهو الصحيح؛ لأن الكراهة إنما تقع إذا كان التنفل بعده عن قصد.
وفي "قاضي خان": إذا قام قدر التشهد، روى البلخي عن أصحابنا أنه لا يتابعه القوم؛ لأنه أخطأ بيقين، ولكن ينتظرونه قعودًا حَتَّى يعود، ويسلموا معه، فإن قيد الخامسة بالسجدة سلم القوم.
ثم الحديث دال لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور أن من زاد في صلاته ركعة ناسيًا لا تبطل صلاته، بل إن علم بعد صلاته فقد مضت صلاته صحيحة، ويسجد للسهو إن ذكر بعد السلام بقريب، وإن طال فالأصح عندنا أنه لا يسجد، وان ذكر قبل السلام عاد إلى القعود، سواء كان في قيام أو ركوع أو سجود أو غيرها، ويتشهد ويسجد للسهو ويسلم.
والزيادة على وجه السهو لا تبطل الصلاة، سواء قلت أو كثرت إذا كانت من جنس الصلاة، فلو زاد ركوعًا أو سجودًا أو ركعة أو ركعات كثيرة ساهيًا فصلاته صحيحة في كل ذلك، ويسجد للسهو استحبابًا لا إيجابًا.
وحكى القاضي عياض عن مذهب مالك أنه إن زاد نصف الصلاة لم تبطل صلاته بل هي صحيحة ويسجد للسهو، وإن زاد النصف فأكثر فمن أصحابه من أبطلها، وهو قول مطرف وابن القاسم، ومنهم من قَالَ: إن زاد ركعتين بطلت، وإن زاد ركعة فلا، وهو قول عبد الملك وغيره (^٢).
_________________
(١) انظر: "المحيط البرهاني" ٢/ ٣٢٠.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠.
[ ٩ / ٣٤٨ ]
وقال ابن قدامة: متى قام إلى خامسة في الرباعية أو إلى رابعة في المغرب أو إلى ثالثة في الصبح لزمه الرجوع متى ما ذكر فيجلس، فإن كان قد تشهد عقب الركعة التي تمت بها صلاته سجد للسهو وسلم، وإن كان ما تشهد تشهد وسجد للسهو ثم سلم، وذكر قول أبي حنيفة، وقال: ونحوه قَالَ حماد بن أبي سليمان، قَالَ: وقال قتادة والأوزاعي فيمن صلى المغرب أربعًا: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان تطوعًا؛ لقوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد: "ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" (^١)، "وإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان"، أخرجه مسلم (^٢)، وفي أبي داود وابن ماجه: "كانت الركعة له نافلة وسجدتان" (^٣)، ولنا حديث ابن مسعود، يعني هذا. ثم قَالَ: والظاهر أنه - ﷺ - لم يجلس عقب الأربعة؛ لأنه لم ينفل، ولأنه قام إلى خامسة معتقدًا أنه قام عن ثالثة، ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى، وحديث أبي سعيد حجة عليهم أيضًا، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعانها ولم يضم إليها ركعة أخرى (^٤).
ثم في بعض طرق هذا الحديث فقال: أزيد في الصلاة شيء؟ فقال: "إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، فإذا نسي
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) "صحيح مسلم" (٥٧١) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة.
(٣) "سنن أبي داود" برقم (١٠٢٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا شك في الثنتين والثلاث …، "سنن ابن ماجه" برقم (١٢١٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن شك في صلاته.
(٤) "المغني" ٢/ ٤٢٨ - ٤٣٠ بتصرف.
[ ٩ / ٣٤٩ ]
أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس". ثم تحول رسول الله - ﷺ - فسجد (^١).
وهو مما يستشكل ظاهره؛ لأن ظاهره أنه - ﷺ - قَالَ لهم هذا الكلام بعد أن ذكر أنه زاد أو نقص قبل أن يسجد للسهو، ثم بعد أن قاله سجد للسهو، ومتى ذكر كذلك فالحكم أنه يسجد ولا يتكلم، ولا يأتي بمناف للصلاة، والجواب عنه من أوجه:
أحدها: أن (ثُمَّ) هنا ليست لحقيقة الترتيب، وإنما هي لعطف جملة على جملة، وليس معناه أن التحويل والسجود كان بعد الكلام، بل إنما كانا قبله.
ويؤيده أنه جاء في حديث ابن مسعود هذا: فزاد أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قَالَ: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر" الحديث (^٢).
وهي صريحة أن التحول والسجود كان قبل الكلام فتحمل الثانية عليها جمعًا بين الروايتين، وحمل الثانية على الأولى أولى من عكسه؛ لأن الأولى على وفق القواعد.
ثانيها: أن يكون هذا قبل تحريم الكلام.
ثالثها: أنه وإن كان عامدًا بعد السلام لا يضره، وهو أحد وجهي أصحابنا، أنه إذا سجد لا يصير عائدًا إلى الصلاة حَتَّى لو أحدث فيه لا تبطل صلاته، والأصح: نعم.
_________________
(١) رواه مسلم (٥٧٢/ ٩٤).
(٢) سلف برقم (٤٠١).
[ ٩ / ٣٥٠ ]
وقولهم: أزيد في الصلاة؟ سؤال من جوز النسخ على ما ثبت من العبادة، ويدل على هذا أنهم كانوا يتوقعونه.
وقوله: "وما ذاك؟ " سؤال من لم يَشْعر ما وقع منه، ولا يقين عنده ولا غلبة ظن.
وقال ابن حبان: إخبار ذي اليدين أن الشارع تكلم على أن الصلاة قد تمت، وذو اليدين توهم أن الصلاة ردت إلى الفريضة الأولى فتكلم على أنه في غير صلاة، وأن صلاته قد تمت، فلما استثبت - ﷺ - أصحابه، كان من استثباته على يقين أنه قد أتمها، وجواب الصحابة له؛ لأنه كان من الواجب الإجابة عليهم، وإن كانوا في الصلاة، فأما اليوم فالوحي قد انقطع وأقرت الفرائض، فإن تكلم الإمام، وعنده أن الصلاة قد تمت بعد السلام لم تبطل، وإن سأل المأمومين فأجأبوه بطلت، وإن سأل بعض المأمومين الإمام عن ذلك بطلت صلاته، والعلة في سهو الشارع التعلم (^١).
والله الهادي إلى الصواب.
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧ كتاب: الصلاة، باب: سجود السهو.
[ ٩ / ٣٥١ ]