١٢٤١، ١٢٤٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ - ﷺوَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ- فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا.
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - خَرَجَ وَعُمَرُ - ﵁ - يُكَلِّمُ النَّاسَ. فَقَالَ: اجْلِسْ. فَأَبَى. فَقَالَ اجْلِسْ. فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَإِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وَاللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ [الآيَة] حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلاَّ يَتْلُوهَا.
الحديث ١٢٤١ [٣٦٦٧، ٣٦٦٩، ٤٤٥٢، ٤٤٥٥، ٤٤٥٦، ٥٧٠٩، ٥٧١٠ - فتح: ٣/ ١١٣].
الحديث ١٢٤٢ [٤٤٥٤، ٤٤٥٧، ٥٧١١ - فتح: ٣/ ١١٣].
١٢٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ -امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً، فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:
[ ٩ / ٣٩٧ ]
"وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ قَدْ كرَمَهُ؟ ". فَقُلْتُ: بِأبي أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ فَمَنْ يُكرِمُهُ اللهُ؟ فَقال: "أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، والله إِنِّي لأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، والله مَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللهِ- مَا يُفْعَلُ بِي". قالتْ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ مِثْلَهُ. وَقال نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلٍ: "مَا يُفْعَلُ بِهِ" وَتَابَعَهُ شعَيْبٌ وَعَمرُو بن دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ. [٢٦٨٧، ٣٩٢٩، ٧٠٠٣، ٧٠٠٤، ٧٠١٨ - فتح ٣/ ١١٤]
١٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ". تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرًا - ﵁ -. [١٢٩٣، ٢٨١٦، ٤٠٨٠ - مسلم: ٢٤٧١ - فتح: ٣/ ١١٤]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث الزهري عن سلمة عن عائشة: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى دَخَلَ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ .. الحديث.
ثانيها: حديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظغون: فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، .. الحديث.
الشرح:
أما حديث عائشة فيأتي في المغازي أيضًا (^١) وذكره الحميدي وغيره من حديث هشام عن أبيه عنها (^٢)، وكذا ابن أبي أحد عشر في "جمعه"،
_________________
(١) سيأتي برقم (٤٤٥٢ - ٤٤٥٣) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ووفاته.
(٢) ذكره الحميدي في "جمعه" ١/ ٩٤ - ٩٥ (١٤) في مسند الصديق، في أفراد =
[ ٩ / ٣٩٨ ]
لكن خرجه في فضل الصديق بطوله.
وحديث أم العلاء يأتي في الهجرة (^١) والتعبير (^٢).
وقال يحيى بن بكير: قال الليث: قوله - ﵇ - هذا قبل أن تنزل عليه سورة الفتح، وذلك أن عثمان توفي قبل مقدمهم المدينة (^٣).
وزعم الطبراني أن أم العلاء هذِه زوج زيد بن ثابت (^٤).
وزعم ابن الأثير أن المرأة المقول لها: "وما يدريك" هي أم السائب زوجة عثمان.
وقيل: أم العلاء الأنصارية. وقيل: أم خارجة بن زيد. قال: وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس: لما مات عثمان قالت له زوجته: هنيئًا لك الجنة، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - الحديث (^٥). فيحتمل أن يكون كل منهما قالت ذلك.
_________________
(١) = البخاري من حديثه فقال: في ذكر وفاة النبي - ﷺ - عن عائشة، وعن ابن عباس من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنهما. وساقه.
(٢) برقم (٣٩٢٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة.
(٣) برقم (٧٠٠٣ - ٧٠٠٤، ٧٠١٨).
(٤) هذا القول فيه نظر؛ ففي الحديث التصريح بأن عثمان بن مظعون هاجر إلى المدينة، ثم توفي بها. وكذا كل من ترجم لعثمان جزم بأنه هاجر إلى المدينة وتوفي بها، وذكروا أنه حضر بدرًا ومات سنة اثنتين من الهجرة. انظر ترجمته في: "معجم الصحابة" للبغوي ٤/ ٣٣٨، و"معجم الصحابة" لابن قانع ٢/ ٢٥٨ (٧٧٤)، و"معرفة الصحابة" ٤/ ١٩٥٤ (٢٠١٥)، و"الاستيعاب" ٣/ ١٦٥ (١٧٩٨)، و"أسد الغابة" ٤/ ٥٩٨ (٣٥٨٨)، و"الإصابة" ٢/ ٤٦٤ (٥٤٥٣).
(٥) قال في "المعجم الكبير" ٢٥/ ١٣٩: أم العلاء الأنصارية امرأة زيد بن ثابت ثم أسند لها هذا الحديث من ثلاث طرق، وأسند لها حديثًا آخر.
(٦) انتهى كلام ابن الأثير من "أسد الغابة" ٣/ ٦٠٠. =
[ ٩ / ٣٩٩ ]
وبخط الدمياطي: أم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن حارثة، وعمتها كبشة بنت ثابت (^١).
من المتابعات: قال البخاري: وَقال نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلِ، تَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ.
قول نافع رواه الإسماعيلي من حديث عبد الله بن يحيى المعافري، ثنا نافع به (^٢).
ومتابعة شعيب ذكرها البخاري مسندة في الشهادات (^٣).
ومتابعة معمر ذكرها مسندة أيضًا في التعبير (^٤)، ومتابعة عمرو بن
_________________
(١) = وحديث يوسف بن مهران رواه ابن سعد ٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وأحمد ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ١٠٥، والطبراني ٩/ ٣٧ (٨٣١٧)، والحاكم ٣/ ١٩٠. وسكت عنه، فقال الذهبي: سنده صالح. وقال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١٧: فيه علي بن زيد، وفيه كلام وهو موثق. وقال الحافظ في "الفتح" ١٢/ ٤١١: علي بن زيد فيه ضعف. وذكره الهيثمي أخرى في ٩/ ٣٠٢ وقال: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٢١٢٧).
(٢) انظر ترجمة أم العلاء في: "الاستيعاب" ٤/ ٥٠٢ (٣٦٢٣)، و"أسد الغابة" ٧/ ٣٦٩ (٧٥٣٩)، و"الإصابة" ٤/ ٤٧٨ (١٤٢٢). وترجمها المزي في "تهذيب الكمال" ٣٥/ ٣٧٥ (٧٩٩٦)، و"تحفة الأشراف" ١٣/ ٩٣ فقال: أم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن خارجة [بدل: حارثة وهو ما نقله المصنف بخط الدمياطي] بن ثعلبة بن الجلاس بن أمية بن حذارة [وفي "التحفة": جدارة] بن عوف بن الحارث بن الخزرج
(٣) رواه الإسماعيلي في "المستخرج" كما في "التغليق" ٣/ ٤٥٦، وكما في "عمدة القاري" ٦/ ٣٧١: حدثنا القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، به.
(٤) ستأتي برقم (٢٦٨٧) باب: القرعة في المشكلات.
(٥) ستأتي برقم (٧٠١٨) كتاب: التعبير، باب: العين الجارية في المنام.
[ ٩ / ٤٠٠ ]
دينار (^١). وحديث جابر أخرجه مسلم لكنه جعل بدل محمد بن المنكدر الراوي عن جابر محمد بن علي بن حسين (^٢).
قال البخاري: تابعه ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر، سمع جابرًا يعني: تابع ابن جريج شعبة (^٣).
إذا تقرر ذلك؛ فأما حديث عائشة فالسُنُح -بسين مهملة مضمومة ثم نون مثلها ثم حاء مهملة-: منازل بني الحارث من الخزرج بينها وبين منزل رسول الله - ﷺ - ميل. وزعم صاحب "المطالع" (^٤) أن أبا ذر كان يقوله بإسكان النون، واقتصر عليه (^٥). ومعنى مسجى: مغطى وحِبرة -بكسر الحاء-: موشى من اليمن.
وقال الداودي: أخضر، وتبعه ابن التين فقال: هو ثوب أخذر
_________________
(١) هكذا ذكرها المصنف -﵀- وعلقها أيضًا، فلم يذكر من وصلها! بل قد يخيل للقارئ أنها أخرجها مسلم؛ لما بعدها من سياق الكلام، وليس كذلك. والمتابعة وصلها الحافظ في "التغليق" ٢/ ٤٥٦. وقال العيني في "العمدة" ٦/ ٣٧١: متابعة عمرو بن دينار وصلها ابن أبي عمر في "مسنده" عن ابن عيينة عنه.
(٢) ورد بهامش الأصل: ما ذكره المصنف عن مسلم وقع في رواية ابن ماهان وأما غيره فعن جابر في الطرق كلها محمد بن المنكدر. اهـ. قلت: ما ورد بالهامش هذا هو الصواب؛ فرواه مسلم (٢٤٧١/ ١٢٩ - ١٣٠) من طريق سفيان بن عيينة وشعبة وابن جريج ومعمر وعبد الكريم بن مالك، خمستهم عن محمد بن المنكدر، عن جابر.
(٣) هذِه المتابعة وصلها مسلم في "صحيحه" (٢٤٧١) -كما تقدم- ومن طريقه وصلها الحافظ في "التغليق" ٢/ ٤٥٧.
(٤) ورد بهامش الأصل: كذا قيده أبو عبيد البكري في معجمه بضم النون، وأما صاحب المطالع فلم يذكر غير ما ذكر عن أبي ذر.
(٥) انظر: "معجم ما استعجم" ٣/ ٧٦٠، و"معجم البلدان" ٣/ ٢٦٤.
[ ٩ / ٤٠١ ]
يستحب للموتى أن يسجوا به، وربما كفنوا فيه.
وفيه: جواز كشف الثوب عن الميت إذا لم يبدُ منه أذى، وجواز تقبيل الميت عند وداعه، والتأسي، فإن الصديق تأسى برسول الله - ﷺ - حيث قبل عثمان بن مظعون كما صححه الترمذي (^١). وروي أن أبا بكر أغمضه.
وفيه: جواز البكاء على الميت من غير نوح. وكذا في قوله - ﵇ -: "تبكين أو لا تبكين" إباحة البكاء أيضًا، وسيأتي موضحًا في موضعه.
وقول الصديق: لا يجمع الله عليك موتتين. إنما قاله هو، وغيره قال: إن رسول الله - ﷺ - لم يمت، وسيبعث ويقطع أيدي رجال وأرجلهم كما سيأتي في فضائل الصديق (^٢). فأراد أن يجمع الله عليه
_________________
(١) "سنن الترمذي" (٩٨٩). ورواه أيضًا في "الشمائل المحمدية" (٣٢٧)، وأبو داود (٢١٦٣)، وابن ماجه (١٤٥٦)، وأحمد ٦/ ٤٣، ٥٥، ٢٠٦، وعبد بن حميد في "المنتخب" ٣/ ٩٣٩ - ٢٤٠ (١٥٢٤)، والحاكم ١/ ٣٦١، ٣/ ١٩٠، والبيهقي ٣/ ٤٠٧ من طريق سفيان الثوري عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد، عن عائشة، به. قال الحاكم ١/ ٣٦١: هذا حديث متداول بين الأئمة، إلا أن الشيخين لم يحتجا بعاصم بن عبيد الله. وقال في ٣/ ١٩٠: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال المنذري في "مختصر السنن" ٤/ ٣٠٨: عاصم بن عبيد الله، تكلم فيه غير واحد من الأئمة؛ لذا ضعفه الألباني في "الإرواء" (٦٩٣)، بالرغم من أنه صححه في "مختصر الشمائل" (٢٨٠)، و"صحيح ابن ماجه" (١١٩١)! والحديث صح من وجه آخر، فرواه ابن عبد البر في "التمهيد" ٢١/ ٢٢٤ من طريق يحيى بن سعيد عن القاسم، به. فقال في "الاستذكار" ٨/ ٤١٢: وجه صحيح حسن. وروي من طريق آخر، لكنه ضعيف، انظر: "الضعيفة" (٦٠١٠).
(٢) قائل ذلك هو عمر الفاروق ﵁، كما سيأتي في حديث عائشة (٣٦٦٧).
[ ٩ / ٤٠٢ ]
موتتين في الدنيا بأن يميته هذِه ثم يحيى ثم يميته أخرى. قاله ابن بطال (^١).
وقال الداودي: لم يجمع عليك كرب بعد هذا الموت، قد عصمك الله من عذابه ومن أهوال يوم القيامة. وقال أيضًا: معناه: لا يموت موتة أخرى في قبره كما يحيى غيره في القبر فيُسأل ثم يقبض.
وأبعد من قال: أراد موتك وموت شريعتك. ويرده قوله: من كان يعبد محمدًا فإنه قد مات. وليس هذا بمعارض لقوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]؛ لأن:
الأولى: الخلقة من التراب ومن نطفة؛ لأنهما موات، والموات كله لم يمت نفسه إنما الرب أماته.
والثانية: التي تُمَوْتُ الخلق والحياة المراد بها في الدنيا وبعد الموت في الآخرة. هذا قول ابن مسعود، وآخرين (^٢). فقوله: لا يجمع الله عليك موتتين لقوله تعالى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وحكي في الآية قول آخر عن الضحاك أن الأولى: ميتة، والثانية: موتة في القبر بعد الفتنة والمساءلة، واحتج بأنه لا يجوز أن يقال للنطفة والتراب ميت، وإنما الميت من تقدمت له حياة. وهو غلط، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣] ولم تتقدم لها حياة قط، وإنما خلقها الله تعالى جمادًا ومواتًا. وهذا من سعة كلام العرب.
_________________
(١) "شرج ابن بطال" ٣/ ٢٤٠.
(٢) روى الطبري في "تفسيره" ١١/ ٤٤ (٣٠٢٩٣) عن ابن مسعود في قوله في هذِه الآية، قال: هي كالتي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. ورواه بنحوه الطبراني ٩/ ٢١٤ (٩٠٤٤ - ٩٠٤٥)، والحاكم ٢/ ٤٣٧ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
وفيه: أن الصديق أعلم من عمر، وهذِه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، ورجاحة رأيه، وبارع فهمه، وحسن انتزاعه بالقرآن، وثبات نفسه، ولذلك مكانته عند الأمة لا يكون فيها أحد، ألا ترى أنه حين تشهد وبدأ بالكلام مال الناس إليه وتركوا عمر، ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته في نفوسهم على عمر وسمو محله عندهم، أخذوا ذلك رواية عن نبيهم. وقد أقر بذلك عمر حين مات الصديق فقال: والله ما أحب أن ألقى الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل أبي بكر، ولوددت أني شعرة في صدره (^١).
وذكر الطبري عن ابن عباس قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وبيده الدرة، وهو يحدث نفسه ويضرب قدمه بدرته ما معه غيري إذ قال: يا ابن عباس، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين مات رسول الله - ﷺ -؟ قلت: لا أدري والله يا أمير المؤمنين. قال: فإنه ما حملني على ذلك إلا قوله -﷿-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إلى قوله: ﴿شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٤٣] فوالله إن كنتُ لأظن أنَّ رسول الله - ﷺ - سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها (^٢).
وفي تأويل عمر الحجة لمالك في قوله: في الصحابة مخطئ ومصيب في التأويل (^٣).
_________________
(١) روى الشطر الأخير منه معاذ بن المثنى في زيادات مسدد كما في "المطالب العالية" ١٥/ ٧١٨ (٣٨٧٦)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (٨٦)، من طريق سفيان عن مالك بن مغول قال: قال عمر. ورواه ابن أبي الدنيا (٨٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٠/ ٣٤٣ من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبي عمران الجوني قال: قال عمر.
(٢) "تاريخ الطبري" ٢/ ٢٣٨.
(٣) انظر: "شرح ابن بطال" ٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢.
[ ٩ / ٤٠٤ ]
ثم اعلم أن ذكر عائشة هذا الخديث قال على اهتمامها بأمر الشريعة وأنها لم يشغلها ذلك عن حفظ ما كان من أمر الناس في ذلك اليوم.
وفيه: غيبة الصديق عن وفاته - ﵇ -؛ لأنه أصبح ذلك اليوم صالح الحال فخرج إلى أرضه.
وفيه: أنهم كانت لهم أموال يبتغون بها الكفاف ويصونون بها وجوههم عن المسألة لقولها: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح.
وفيه:. إنه حين تصدق بماله كله أراد العين.
وفيه: أنهم كانوا لا يسرعون إلى بيع الربع (^١)؛ لما فيه من العدة والعزة.
وفيه: الدخول على البنت بغير استئذان، ويجوز أن يكون عندها غيرها، فصار كالمحفل لا يحتاج الداخل إلى إذن. وروي أنه استأذن فلما دخل أذن للناس.
وقولها: (فدخل المسجد) يحتمل أن يكون للصلاة وللمرور فيه.
وقوله: (فتيمم النبيَّ). أي: قصده.
وقوله: (بأبي أنت) هي كلمة تقولها العرب للحي والميت تبجيلا ومحبة، أي: فداك أبي.
وقول أبي بكر لعمر: اجلس؛ فأبى، إنما كان ذلك لما داخل عمر من الدهشة والحزن. وقد قالت أم سلمة في "الموطأ": ما صدقت بموت
_________________
(١) الربع -بفتح الراء وإسكان الباء- هي الدار، وتجمع على رباع وربوع وأرباع وأربُع. انظر: "الصحاح" ٣/ ١٢١١ - ١٢١٥، و"النهاية" ٢/ ١٨٦ - ١٩٠ مادة: ربع.
[ ٩ / ٤٠٥ ]
رسول الله - ﷺ - حتى سمعت وقع الكرازين (^١) (^٢). قال الهروي: هي الفئوس (^٣) وقيل: تريد وقع المساحي تحث التراب عليه - ﷺ -. ويحتمل أن يكون عمر ظن أن أجله - ﵇ - لم يأت، وأن الله منّ على العباد بطول حياته. ويحتمل أن يكون أنسي قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ إلى ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وكان يقول مع ذلك: ذهب محمد لميعاد ربه كما ذهب موسى لمناجاة ربه، وكان في ذلك ردع للمنافقين واليهود حتى اجتمع الناس. وأما أبو بكر فرأى إظهار الأمر تجلدًا، ولما تلى الآية كانت تعزيًا وتصبرًا.
وأما حديث أم العلاء ففيه أنه لا يقطع لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، ولكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء.
وقوله: "والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي" فيحتمل أن يكون
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ٣٨٤ (٩٧٣) ومن طرقه ابن سعد في "طبقاته" ٢/ ٣٠٤ عن معن بن عيسى، عنه، أنه بلغه أن أم سلمة .. الحديث. قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٤٠١: حديث لا أحفظه عن أم سلمة متصلًا، والمعروف حديث عائشة، وإن صح حديث أم سلمة … اهـ. بتصرف. قلت: حديث عائشة رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤ (١١٨٣٨)، وإسحاق بن راهويه ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠ (٩٩٣)، وأحمد ٦/ ٦٢، ٢٤٢، ٢٧٤، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٥١٤، والبيهقي في "الدلائل" ٧/ ٢٥٦، وابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٣٦٩، ٣٩٧ من طريق فاطمة بنت محمد بن عمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله - ﷺ - حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء. وهو المحفوظ، كما تقدم نقله عن ابن عبد البر.
(٢) ورد بهامش الأصل: واحدها كرزن وكرزين وكرزم وهي الفئوس كما قال.
(٣) انظر: "النهاية في غريب الحديث" ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٩ / ٤٠٦ ]
قبل إعلامه بالغفران له، وقد رئي ما يفعل به (^١)، وهو الصواب؛ لأنه - ﵇ - لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه. وقال الداودي: "ما أدري ما يفعل بي"، وَهَم.
وقوله: "ما أدري ما يفعل بي" أي في أمر الدنيا مما يصيبهم فيها؛ لأنه وإن كان وعده بالظهور فقد كان قبل ذلك مواطن خاف فيها الشدة.
وسورة الأحقاف مكية (^٢)، والفتح مدنية (^٣).
وقوله: (ما يفعل به) قاله قبل أن يخبر أن أهل بدر من أهل الجنة (^٤).
فإن قلت: هذا المعنى يعارض قوله في حديث جابر: "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه".
فالجواب أنه لا تعارض بينهما، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، فأنكر على أم العلاء قطعها على ابن مظعون إذ لم يعلم هو من أمره شيئًا. وفي حديث جابر قال ما علمه بطريق الوحي؛ إذ لا يقطع على مثل هذا إلا بوحي، فلا تعارض.
ومعنى قولها: (اقتسم المهاجرون قرعة ..) إلى آخره. يعني أنهم اقتسموا للسكنى؛ لأن المهاجرين لما هاجروا إلى المدينة لم يمكنهم استصحاب أموالهم فدخلوها فقراء، فاقتسمهم الأنصار بالقرعة في نزولهم عليهم وسكناهم في منازلهم.
_________________
(١) من ذلك ما سيأتي برقم (١٣٨٦).
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩].
(٣) ويشير إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. على أن آية الأحقاف فيها أنه - ﷺ - لا يدري ما يفعل به وبالناس أو المؤمنين. وآية الفتح فيها أنه - ﷺ - قد غفر الله كل ذنوبه. والله أعلم.
(٤) يأتي حديث علي الدال على ذلك (٣٠٠٧)، ورواه مسلم (٢٤٩٤).
[ ٩ / ٤٠٧ ]
وقولها: (فطار لنا) أي: حصل وقدر في نصيبنا وسهمنا. وكان بنو مظعون ثلاثة: عثمان (^١) وعبد الله وقدامة بدريون أخوال ابن عمر.
وقوله: ("وما يدريك أن الله أكرمه") نهاها عن القطع بذلك.
وأما حديث جابر: ففيه ة جواز البكاء على الميت كما سلف، ونهي أهل الميت بعضهم بعضًا عن البكاء للرفق بالباكي، وسكوت الشارع لما يجد الباكي من الراحة.
وقوله: ("تبكين .. ") إلى آخره، يعزيها بذلك ويخبرها بما صار إليه من الفضل.
وقوله: ("حتى رفعتموه") أي: من غسله؛ لأنه نسب الفعل إلى أهله، قاله الداودي. وقال بعد هذا: يعني حين رُفع ليُقْبَّر وهو الصحيح؛ لأنه قتل شهيدًا يوم أحد ولم يغسل، وقتل عبد الله كان يوم أحد وكان أهل الشرك مثلوا به جدعوا أنفه وأذنيه (^٢).
وعمته اسمها فاطمة (^٣).
_________________
(١) ورد بهامش الأصل: توفي عثمان في شعبان بعد سنتين ونصف من الهجرة، وهو أول من دفن بالبقيع، وأول من توفي من المهاجرين بالمدينة. وأخوه عبد الله من السابقين أيضًا كأخيه توفي سنة ٣٠، قاله ابن سعد، نقله عنه الذهبي في "التجريد". وأما قدامة فتوفي سنة ٣٦ وهو ابن ثماني وستين سنة، قاله النووي في "التهذيب".
(٢) سيأتي ذلك في حديثي (١٢٩٣، ٢٨١٦)، ورواه مسلم (٢٤٧١).
(٣) ورد في هامش الأصل: كذا سميت في هذا الحديث هنا اهـ. قلت: إنما قال الناسخ ما قاله هذا؛ لأنه في أكثر روايات الحديث لم تأت مسماة، إنما يقال: عمة جابر. والله أعلم. وهي فاطمة بنت عمرو بن حرام، شقيقة عبد الله بن عمرو بن حرام. انظر ترجمتها في: "معرفة الصحابة" ٦/ ٣٤١٤ (٣٩٧٦)، و"الاستيعاب" ٤/ ٤٥٤ (٣٤٩٥)، و"أسد الغابة" ٧/ ٢٢٩ (٧١٨٤)، و"الإصابة" ٤/ ٣٨٤ (٨٤٩).
[ ٩ / ٤٠٨ ]
وقوله: "تبكين" وفي موضع آخر: "لم تبكي؟ " أو "لا تبكي" (^١). قال القرطبي: كذا صحت الرواية بلم التي للاستفهام (^٢). وفي مسلم: "تبكي" (^٣) بغير نون؛ لأنه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة.
قال القرطبي (^٤): ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة قال: لم تبكين؟ بالنون. وفي رواية: "تبكيه أو لا تبكيه" (^٥) وهو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب المحاضرة لقال: تبكينه أو لا تبكينه بنون فعل للواحدة الحاضرة.
ومعنى هذا أن عبد الله مكرم عند الملائكة وإظلاله بأجنحتها؛ لاجتماعهم عليه ومبادرتهم بصعود روحه مبشرة بما أعد الله له من الكرامة (^٦).
أو أنهم أظلوه من الحر لئلا يتغير، أو لأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله.
وروى بقي بن مخلد عن جابر: لقيني رسول الله - ﷺ - فقال: "ألا أبشرك أن الله أحيا أباك وكلمه كفاحًا، وما كلم أحدًا قط، إلا من وراء حجاب" الحديث (^٧) وفيه منقبة ظاهرة له لم تسمع لغيره من الشهداء، في دار الدنيا.
_________________
(١) سيأتي برقم (١٢٩٣، ٢٨١٦).
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٨٧.
(٣) (٢٤٧١/ ١٢٩).
(٤) "المفهم" ٦/ ٣٨٨.
(٥) هذِه الرواية عند مسلم (٢٤٧١/ ١٣٠).
(٦) انتهى كلام القرطبي.
(٧) رواه بقي بن مخلد كما في "الاستيعاب" ٣/ ٨٤ - ٨٥. ورواه أيضًا الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠، ٢٨٠٠)، وابن حبان ١٥/ ٤٩٠ - ٤٩١ (٧٠٢٢)، والحاكم ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والبيهقي في "الدلائل" ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩، والواحدي في "أسباب النزول" (٢٦٣)، ومن طريقه ابن الأثير في "الأسد" ٣/ ٣٤٧، والمزي في "تهذيب الكمال" ١٣/ ٣٩٤ جميعًا من طريق موسى =
[ ٩ / ٤٠٩ ]