لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [انظر: ٨٩٣] فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا". [انظر: ٣٣٣٥ - فتح: ٣/ ١٥٠] وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ.
١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ: إِنَّ ابنا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: "إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ". فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ- كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ". [٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨ - مسلم: ٩٢٣ - فتح: ٣/ ١٥١]
١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: وَرَسُولُ
[ ٩ / ٥١٥ ]
اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ: فَقَالَ: "هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ ". فَقَالَ أَبُو: طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ: "فَانْزِلْ". قَالَ: فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا.
[١٣٤٢ - فتح: ٣/ ١٥١]
١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - ﵁ - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - ﵃ -، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا -أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَي أَحَدِهِمَا. ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَي جَنْبِي- فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ البُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". [مسلم: ٩٢٨ - فتح: ٣/ ١٥١]
١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ - ﵁ - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ. ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - ﵁ - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي. فَرَجَعْتُ إِلَي صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالحَقْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"؟!. [١٢٩٠، ١٢٩٢ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٥١]
١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - ﵁ - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ "إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا. [١٢٨٩، ٣٩٧٨ - مسلم: ٩٢٩ - فتح: ٣/ ١٥١]
١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -وَهْوَ: الشَّيْبَانِيُّ- عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ - ﵁ - جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ:
[ ٩ / ٥١٦ ]
وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ"؟ [انظر: ١٢٨٧ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٥٢]
١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا". [انظر: ١٢٨٨ - مسلم: ٩٣٢ - فتح: ٣/ ١٥٢]
وذكر عن أسامة بن زيد، قال: أَرْسَلَتِ ابنةُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ: إِنَّ ابأ لِي قُبِضَ فَائْتِنَا .. الحديث بطوله.
وعن أنس: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. الحديث.
وعن ابن أبي مليكة: تُوُفِّيَتِ ابنة لِعُثْمَانَ بِمَكَةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا .. الحديث.
وعن أبي بردة عن أبيه: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ"؟
وعن عائشة: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا".
الشرح:
أما قوله: (قول النبي - ﷺ -: "يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه") فذكره بعده مسندًا، وأما قوله: (إِذَا كَاْنَ النَّوْحُ مِنْ سُنتِّهِ) كذا في الدمياطي وفي بعض النسخ باب: إِذَا كَاْنَ النَّوْحُ من سنته (^١)، وضبطه بالنون ثم
_________________
(١) في بعض النسخ: إذا كان النوح من سببه اهـ من هامش اليونينية.
[ ٩ / ٥١٧ ]
مثناة فوق، وقال صاحب "المطالع": وهو عند أكثر الرواة أي: بما سَنَّه واعتاده، إذ كان من العرب من يأمر بذلك أهله قَالَ شاعرهم:
إذا من فابكيني بما أنا أهله … وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد
وهو الذي تأوله البخاري، وهو أحد التأويلات في الحديث، ولبعضهم بالباء الموحدة المكررة أي: من أجله. وذكر عن محمد بن ناصر السلامي أن الأول تصحيف والصواب الثاني، وأي سُنة للميت؟
وأما حديث: ("كلكم راعٍ") فسيأتي مسندًا من حديث ابن عمر (^١).
وأما قول عائشة في: (فإذا لم يكن النوح من سنته) فيأتي في الباب مسندًا.
وأما حديث: "لا تقتل نفس ظلمًا". يأتي مسندًا في الديات من حديث ابن مسعود (^٢).
وأما حديث أسامة فأخرجه مسلم (^٣).
وقول البخاري: (حَدَّثنَا عبدان) ومحمد: هو ابن مقاتل، ويأتي في الطب أيضًا والنذور والتوحيد (^٤)، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه (^٥).
_________________
(١) سيأتي برقم (٢٥٥٤) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق.
(٢) سيأتي برقم (٦٨٦٧) باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾.
(٣) "صحيح مسلم" (٩٢٣) كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت.
(٤) سيأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان، وبرقم (٦٦٥٥) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، وبرقم (٧٣٧٧) كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾.
(٥) "سنن أبي داود" (٣١٢٥) كتاب: الجنائز، باب: في البكاء على الميت، و"سنن النسائي" ٤/ ٢١ - ٢٢ كتاب: الجنائز، باب: الاحتساب عند نزول المصيبة. و"سنن ابن ماجه" (١٥٨٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت.
[ ٩ / ٥١٨ ]
وأما حديث أنس: فهو من أفراده، وقال فليح بن سليمان: أُراه يعني: الذنب، وقال في آخر: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ [الأنعام: ١١٣]: ليكتسبوا (^١)، وفي رواية للفريابي في "مسنده": "لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله" فلم يدخل عثمان القبر (^٢).
وأما حديث ابن أبي مُليكة (^٣) وأبي بردة عن أبيه (^٤) وعائشة فأخرجهما مسلم أيضًا (^٥).
إذا تقرر ذلك فالكلام في أمور:
أحدها:
بنت النبي - ﷺ - المرسِلة ذكر ابن بشكوال وغيره أنها زينب (^٦)، والابنة المتوفاة أم كلثوم، ماتت سنة تسع (^٧). وفي "تاريخ البخاري الأوسط":
_________________
(١) سيأتي برقم (١٣٤٢) باب: من يدخل قبر المرأة.
(٢) يأتي تخريجه بنحوه قريبًا.
(٣) "صحيح مسلم" (٩٢٨) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٤) "صحيح مسلم" (٩٢٧) باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٥) "صحيح مسلم" (٩٣٢) باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٦) "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ٣٠٥. وبه جزم الحافظ في "الفتح" ٣/ ١٥٦، والعيني في "العمدة" ٦/ ٤٣٨، وزكريا الأنصاري في "المنحة" ٣/ ٣٥٦.
(٧) يقصد المصنف -﵀- الابنة المتوفاة في حديث أنس بن مالك (١٢٨٥). فجزم المصنف بأنها أم كلثوم، وقال ابن بشكوال: قيل: هي زينب وقيل: إنها رقية وقيل: أم كلثوم، والأول أصح إن شاء الله؛ والحجة لما صححناه، وساق بإسناده من طريق ابن أبي شيبة: ثنا شريح بن النعمان قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن أنس قال: شهدنا جنازة زينب بنت رسول الله - ﷺ - .. الحديث. ثم قال: وذكر البخاري أيضًا قال: ثنا محمد بن سنان قال: ثنا فليح بن سليمان قال: ثنا هلال بن علي عن أنس بن مالك قال: شهدنا دفن أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - .. الحديث "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ١٥٠ - ١٥٢.
[ ٩ / ٥١٩ ]
لما ماتت رقية بنت رسول الله - ﷺ - قال رسول الله: "لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة" فلم يدخل عثمان القبر (^١). قَالَ البخاري: لا أدرى ما هذا؟ النبي - ﷺ - لم يشهد رقية (^٢)، أي: لأنها ماتت وهو ببدر (^٣). وقال الطبري: روى أنس أنه - ﷺ - لما نزلت أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - في قبرها قَالَ: "لا ينزل في قبرها أحدٌ قارف الليلة" (^٤) فذكر رقية فيه وهم (^٥)، وقال الخطابي: يشبه قوله: شهدنا بنتًا لرسول الله - ﷺ -. أنها كانت ابنة لبعض بناته فنسبت إليه (^٦). وابنة عثمان هي أم أبان كما قاله أبو عمر (^٧)، لكن له ابنتان كل منهما أم أبان، فالكبرى أمها رملة بنت شيبة بن ربيعة، والصغرى أمها نائلة بنت الفرافصة، فالله أعلم أيهما.
_________________
(١) "التاريخ الأوسط" ١/ ٤٠٤. وهو في "التاريخ الصغير" ١/ ١٨. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٢٢٩، ٢٧٠، والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٤٧ وصححه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وابن حزم في "المحلى" ٥/ ١٤٥، وابن بشكوال في "الغوامض" ١/ ١٥١ - ١٥٢ من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به.
(٢) قاله ابن بشكوال ١/ ١٥٢. وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث خطأ من حماد بن سلمة؛ لأن رسول الله - ﷺ - لم يشهد دفن رقية ابنته، ولا كان ذلك القول منه في رقية، وإنما كان ذلك القول منه في أم كلثوم ثم قال: ولفظ حديث حماد بن سلمة أيضًا في ذلك منكر مع ما فيه من الوهم في ذكر رقية اهـ "الاستيعاب" ٤/ ٤٠٠.
(٣) انظر ما سيأتي برقم (٣١٣٠، ٤٠٦٦).
(٤) رواه البخاري في "التاريخ الصغير" ١/ ١٨.
(٥) قلت: وجزم الحافظ في "الفتح" ٣/ ١٥٨، والعيني في "العمدة" ٦/ ٤٤٢، والسيوطي في "التوشيح" ٣/ ١٠٧٢، وزكريا الأنصاري في "المنحة" ٣/ ٣٥٨، والقسطلاني في "الإرشاد" ٣/ ٣١٢ بأن ابنة النبي - ﷺ - المتوفاة هي أم كلثوم زوجة عثمان.
(٦) "أعلام الحديث" ١/ ٦٨١.
(٧) "التمهيد" ١٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧. قلت: وجاء مصرحًا باسمها هكذا عند مسلم (٩٢٨).
[ ٩ / ٥٢٠ ]
ثانيها:
إرسال ابنته إليه عند موت ابنها له فوائد: الأولى: بركة موعظته وشهوده. ثانيها: لما ترجو لنفسها من الصبر عند رؤيته. ثالثها: لئلا يظن حاسد أنه ليس لها عنده كبير مكان.
ثالثها:
قولها: (إِنَّ ابنا لِي قُبِضَ) تريد: قارب ذلك لا جرم، قَالَ ابن ناصر: حضر. وفي رواية أخرى للبخاري: احتضر (^١). وفي أخرى له: ابنتي قد حضرت (^٢). والابن لا أعلم اسمه، ومن خط الدمياطي اسمه علي، والبنت اسمها: أميمة. وقيل: أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع (^٣). ذكرها ابن بشكوال (^٤).
رابعها:
قوله: (فَأرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ) هو بضم الياء، وروي بفتحها. قَالَ ابن التين: ولا وجه له إلا أن يريد: يقرأ عليك. فيحتمل أن يكون فعل ذلك؛ لشغل كان فيه؛ أو لئلا يرى ما يوجعه؛ لأنه كان بالمؤمنين رفيقًا، فكيف بذريته؟! ولما يرى من وجع أمه، فلما عزمت عليه رأى إجابتها.
_________________
(١) ستأتي برقم (٦٦٥٥) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
(٢) ستأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: أما أمامة فتوفيت بعد النبي - ﷺ - في صحبة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان تزوجها علي قبله بوصاية فاطمة له بذلك، وأما أميمة فلا أعلم بنتًا لزينب يقال لها أميمة.
(٤) "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ٣٠٥. وانظر: "الفتح" ٣/ ١٥٦، و"العمدة" ٦/ ٤٣٨.
[ ٩ / ٥٢١ ]
خامسها:
"إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى" أي: له الخلق كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ لأنه لما خلق الدواة واللوح والقلم أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، لا معقب لحكمه.
سادسها:
قوله: (وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا شَنٌّ) الشن: السقاء البالي، وضبطه بعضهم بكسر الشين، وليس بشيء، وقعقعته: صوته عند التحريك، وذلك ما يكون من المحتضر من تصعيد النفس، وفي رواية: كأنها شنة (^١).
وقوله: ("هذِه رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ") وفي لفظ: "فِي قُلُوبِ مَنْ شاءَ من عِباده" (^٢) وقد صح أن الله تعالى خلق مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين وجعل في عباده رحمة، فبها يتراحمون ويتعاطفون وتحن الأم على ولدها، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى التسعة والتسعين، فأظل بها الخلق، حَتَّى إن إبليس -رأس الكفر- يطمع لما يرى من رحمة الله -﷿- (^٣).
سابعها:
قوله: (ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر). الظاهر -والله أعلم- أن المراد: جالسٌ بجانبه، واستدل به ابن التين على إباحة الجلوس على
_________________
(١) ستأتي برقم (٧٤٤٨) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٠٠) كتاب: الأدب، باب: جعل الرحمة مائة جزء، ورواه مسلم (٢٧٥٢).
[ ٩ / ٥٢٢ ]
القبر، وهو قول مالك (^١)، وزيد بن ثابت وعلي، وقال ابن مسعود وعطاء: لا تجلس عليه (^٢). وبه قَالَ الشافعي والجمهور (^٣) لقوله - ﷺ -: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها" (^٤).
وقوله: ("لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبرٍ") أخرجهما مسلم (^٥) وظاهر إيراد المحاملي وغيره (^٦) -ولفظه: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام، وكذلك الاستناد إليه والاتكاء عليه- أنه حرام.
ونقله النووي في "شرح مسلم" عن الأصحاب (^٧)، وتأوله مالك، وخارجة بن زيد على الجلوس لقضاء الحاجة، وهو بعيد.
فرع:
لا يوطأ أيضًا إلا لضرورة ويكره أيضًا الاستناد إليه احترامًا.
_________________
(١) انظر: "التاج والإكليل" ٣/ ٧٤، "مواهب الجليل" ٣/ ٧٥.
(٢) روى عنهما عبد الرزاق في "مصنفه" ٣/ ٥١٠ - ٥١١ (٦٥٠٩)، (٦٥١٢ - ٦٥١٣) كتاب: الجنائز، باب: المزابي والجلوس على القبر.
(٣) انظر: "المجموع" ٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨، "المغني" ٣/ ٤٤٠.
(٤) مسلم (٩٧٢) من حديث أبي مرثد الغنوي.
(٥) "مسلم" (٩٧١) في الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه.
(٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: والشيخ في "المهذب" لكن الذي في "الروضة" مجزومًا به الكراهة وكذا في "شرح المهذب" في آخر باب الدفن ثم أعاد المسألة في باب التعزية من الشرح المذكور وقال: وكره الشافعي والجمهور الجلوس عليه ودوسه، وقال الشيخ في "المهذب" والمحاملي في "المقنع": لا يجوز. وقد نقل التحريم في "شرح مسلم" عن أصحابنا. كما قاله الشيخ، وذكر الصيمري في "شرح الكفاية" أنه لا يحل لأحد أن يمشي على قبر، ولا ينبغي أن يستند إليه، هذا لفظه. بعض كلام المهمات.
(٧) "صحيح مسلم بشرح النووي" ٧/ ٢٧ - ٢٨.
[ ٩ / ٥٢٣ ]
ثامنها:
(فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ): هو بفتح الميم، قَالَ ابن التين: المشهور في اللغة أن ماضيه: دمَع بفتح الميم، فيجوز في مستقبله تثليث العين، وذكر أبو عبيدة لغة أخرى أن ماضيه: مكسور العين فيتعين الفتح في المستقبل، وفعله - ﷺ - هذا دال على أن النهي عن البكاء إنما هو عن الصياح كما سيأتي (^١).
تاسعها:
فيه استحباب إدخال القبر الرجال ولو كان الميت امرأة؛ لأنه يحتاج إلى قوة، وهم أحرى بذلك، وأيضًا لا يخشى عليهم انكشاف العورة، وقد أمر الشارع أبا طلحة أن ينزل في القبر المذكور.
ومعنى: "لَمْ يُقَارِفِ" بالقاف السابقة ثم بالفاء اللاحقة في آخره، وقد أسلفنا عن فليح أنه قَالَ في الأصل بعد هذا: أي: لم يذنب. وقيل: لم يُجامِع أهله، وهو أظهر، وإنما أراد بعد الطهارة لما يرجى في ذلك للمنزولة في قبرها، وعُلِّلَ أيضًا بأنه حينئذ يقرب بالتلذذ بالنساء، والمدفونة امرأة، فخاف عليه أن يذكِّره الشيطان ما كان فيه تلك الليلة، ويقال: إن تِلك الليلة بات عثمان عند بعض جواريه فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فمنعه من النزول في قبرها؛ لأنه لم ينظر في نفسه انقطاع صهارته من سيد الخلق في الصورة، ولا تألم لفراق زوجته، ولا استحب حكاية هذا، وهو من حسن لطفه أنه لم يؤاخذ أحدًا بما فعل ولكن يعرض، وهكذا كان دأبه - ﷺ -.
_________________
(١) برقم (١٢٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت.
[ ٩ / ٥٢٤ ]
فرع:
لو تولى النساء حل ثيابها في القبر فحسن، نص عليه في "الأم" (^١).
العاشرة:
فيه دلالة على أنه ليس بذي محرم منها، وإن لم يكن ذو محرم فيختار منهم من يدليها، قاله ابن التين، قَالَ: وقد يحتمل أن يكون - ﷺ - نزل في قبرها واستعان بمن دلاها معه.
الحادية عشرة:
حديث عمر وابنه: "إن الميت يعذب ببكاء الحي" وإنكار عائشة بقولها: رحم الله عمر وابنه، ما حدث رسول الله - ﷺ - بذلك، ولكنه قَالَ: "إن الله ليزيد الكافر ببكاء أهله عليه عذابًا". وقالت: حسبكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وفي لفظ قالت: فما قاله رسول الله - ﷺ - قط: "إن الميت يعذب ببكاء أهله" ولكنه قَالَ: "إِنَّ الكافر يزيده الله بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا" (^٢). وفي لفظ قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مُكَذَّبين، ولكن السمع يخطئ (^٣). وفي لفظ: قَالَ ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله مَا حَدَّثَ رَسُولُ الله - ﷺ - بذلك (^٤). وفي لفظٍ قالت: وَهَلَ ابن عمر، إنما قَالَ رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) قال الشافعي ﵀: وإن ولي إخراجها من نعشها وحل عقد من الثياب إن كان عليها وتعاهدها النساء فحسن، "الأم" ١/ ٢٤٥.
(٢) سيأتي هنا برقم (١٢٨٨) باب: قول النبي - ﷺ -: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله ..
(٣) رواه مسلم (٩٢٩) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٤) سيأتي برقم (١٢٨٨).
[ ٩ / ٥٢٥ ]
"إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" (^١). وذلك مثل قوله: إن رسول اللهﷺ - قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم: "إنهم يسمعون ما أقول" وقد وهل، وإنما قَالَ: "إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" حَتَّى نزلت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يقولون حين تبوءوا مقاعدهم من النار (^٢). وفي لفظ: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكن نسي أو أخطأ (^٣)، وكل هذِه الألفاظ في الصحيح، وأجاب بعضهم بأن حديث عمر وابنه مجمل فسرته عائشة.
وفيه نظرٌ من وجوه بيَّنها ابن الجوزي:
أحدها: أن الذي روته عائشة حديث وهذا حديث، ولا تناقض بينهما، لكل واحد منهما حكمه.
ثانيها: أنها أنكرت برأيها، وقول الشارع عند الصحة لا يلتفت معه إلى رأي أحد.
ثالثها: أن ما ذكرته لا يحفظ عن غيرها، وحديث عمر محفوظ عنه (^٤) وعن ابنه (^٥) والمغيرة (^٦)، وهم أولى بالضبط.
وقد اختلف العلماء في معنى تعذيبه ببكاء أهله عليه على أقوال:
_________________
(١) سيأتي برقم (٣٩٧٨) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٧٩) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل.
(٣) رواه مسلم (٩٣٢) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهل عليه.
(٤) حديث الباب (١٢٨٦).
(٥) أحاديث الباب أيضًا (١٢٨٧ - ١٢٩٠).
(٦) يأتي برقم (١٢٩١)، ورواه مسلم (٩٣٣).
[ ٩ / ٥٢٦ ]
أصحها: وهو تأويل الجمهور على أنه محمولٌ على من أوصى به، كما كانت العرب تفعله؛ لأنه بسببه وهو منسوب إليه، وإليه ذهب البخاري في قوله: إذا كان النوح من سنته -يعني: أنه يوصي بذلك- أو من سببه بها على ما سلف، وهو قول الظاهر، وأنكروا قول عائشة وأخذوا بالأحاديث السالفة.
ثانيها: أنه يعذب بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويسوؤه إتيانه ما يكره ربه، قَالَ القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، وفيه حديث قيلة مطولًا، وفيه: "والذي نفس محمد بيده، إن إحداكن لتبكي فتستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم" (^١).
قال الطبري: الدليل على أن بكاء الحي على الميت تعذيب من الحي له لا تعذيب من الله ما رواه عوف عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة قَالَ: إنَّ أعمالكم تعرض على أقربائكم فإن رأوا خيرًا فرحوا به، وإن رأوا شرًّا كرهوه، وإنهم ليستخبرون الميت إذا أتاهم من مات بعدهم، حَتَّى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟
ثالثها: كانوا يعددون في نواحهم جرائم الموتى ويظنونه محمودًا كالقتل وشن الغارات، فهو يُعذب بما ينوحون به عليه، وقيل: يقال للميت إذا ندبوه: أكنت كذاك؟ فذاك التوبيخ عذاب.
رابعها: إن قوله: ("ببكاء") أي: عند بكاء أهله يعذب بذنبه، قَالَ القاضي حسين: يجوز أن يكون الله قدر العفو عنه، إن لم يبكوا عليه،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٣٧١ - ٣٧٢. والحديث رواه ابن سعد ١/ ٣١٧ - ٣٢٠، والطبراني ٢٥/ ٧ (١) مطولًا. قال الهيثمي في "المجمع" ٦/ ٩ - ١٢: رجاله ثقات. وحسن الحافظ إسناده في "الفتح" ٣/ ١٥٥.
[ ٩ / ٥٢٧ ]
فإذا بكوا وندبوا وناحوا عُذِّب بذنبه لفوات الشرط.
خامسها: أنه محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب، صححه الشيخ أبو حامد (^١).
سادسها: أنه مخصوص بشخص بعينه، ذكره القاضي أبو بكر بن
الطيب احتمالًا، وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، وهو إجماع للآية السالفة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: (﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾) [الأنعام: ١٦٤] وكل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه: البكاء الذي يتبعه الندب والنياحة عند العلماء، فإنه إذًا يسمى بكاء؛ لأن الندب على الميت كالبكاء عليه، فإن البكاء بالمد: الصوت. وبالقصر: الدمع، كما نص عليه أهل اللغة: الخليل والأزهري والجوهري وغيرهم (^٢).
والإشكال في تعذيب الحي بذلك للنهي عنه، وأما تعذيب الميت فقد علمت ما فيه، وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم أن معظم عذاب المعذب في قبره يكون عند نزوله لَحْدَهُ، وما ذهبت إليه عائشة أشبه بدلائل الكتاب، وما زِيدَ في عذاب الكافر باستيجابه لا بذنب غيره؛ لأنه إذا بكي عليه تذكر فتكاته وغاراته، فهو مستحق للعذاب بذلك، وأهله يعدون ذلك من فضائله، وهو يعذب من أجلها، فإنما يعذب بفعله لا ببكاء أهله عليه، هذا معنى قول عائشة: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه. وهو موافق لقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وقد اختلف في معنى هذِه الآية، فقيل: إنه المذنب
_________________
(١) انظر: "أسنى المطالب" ١/ ٣٣٦.
(٢) "العين" ٥/ ٤١٧ - ٤١٨، "تهذيب اللغة" ١/ ٣٧٩، "الصحاح" ٦/ ٢٢٨٤. وانظر: "المجمل" ١/ ١٣٢، و"لسان العرب" ١/ ٣٣٧.
[ ٩ / ٥٢٨ ]
لا يؤخذ غيره بذنبه. وقيل: لا يعمل المرء بالإثم اقتداء بغيره كما قَالَ الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وإذا أول الحديث السالف، خرج عن معنى ما أنكرته (^١)، ولكن تأويل عمر في قوله لصهيب: أتبكي عليَّ؟ ثم ذكر الحديث يدل على أن الحديث محمول على ظاهره لا كما فهمت عائشة، على أن الداودي قَالَ: قول عائشة: إن الله ليزيد الكافر. إلى آخره ردًّا لقولها: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وما أرى هذا محفوظًا عنها، وقول ابن عباس: الله أضحك وأبكى، يعني: أنه لم يذكر ذلك إلا بحق، وأنه أذن في الجميل منه، فلا يعذب على ما أذن فيه، ويؤيد ذلك قوله: "إنما هي رَحْمَةٌ يضعهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ" (^٢).
_________________
(١) "أعلام الحديث" ١/ ٦٨٣ - ٦٨٤، و"معالم السنن" ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلع رابعًا كتبه مؤلفه غفر الله له.
[ ٩ / ٥٢٩ ]