١١٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ". -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ". كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. [٧٣٦٨ - فتح: ٣/ ٥٩]
١١٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ اليَزَنِيَّ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ، يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ. [فتح: ٣/ ٥٩]
ذكر فيه حديث ابن بريدة:
عن عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺقَاْلَ: "صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ". -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ- "لِمَنْ شَاءَ" كَرَاهِةَ أَنْ يَتَخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةَ.
وحديث مرثد بن عبد الله اليزني:
قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعجِّبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ؛ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُغْلُ.
الشرح:
حديث عبد الله ذكره البخاري أيضًا في آخر كتاب الاعتصام، في باب نهي النبي - ﷺ - على التحريم إلا ما يعرف إباحته، بهذا اللفظ والسند (^١).
وكذا أخرجه كذلك أبو داود (^٢)، وسلف في باب كم بين الأذان والإقامة
_________________
(١) سيأتي برقم (٧٣٦٨).
(٢) "سنن أبي داود" (١٢٨١) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل المغرب.
[ ٩ / ٢٠١ ]
من كتاب الأذان بلفظ: "بين كل أذانين صلاة". أخرجاه (^١).
وابن بريدة اسمه: عبد الله أخو سليمان. وعبد الله الراوي: هو ابن مُغَفَّل بالغين المعجمة (^٢) والفاء. والحُسَين الراوي عنه هو ابن ذكوان المعلم. قَالَ الإسماعيلي: قَالَ ابن حساب: محمد بن عبيد في حديثه عن عبد الله، كنيته ونسبه لا أدري: ابن معْقل، أو ابن مغفل، فذكره.
قَالَ البيهقي: ورواه حيان بن عبيد الله، عن ابن بريدة، عن أبيه، وأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لم يتابع عليها، وهي أن بين كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب (^٣).
قَالَ ابن خزيمة: هو خطأ، إنما الخبر عن ابن بريدة، عن ابن مغفل، لا عن أبيه (^٤).
قلتُ: وحيان هذا وثقه ابن حبان وغيره، وإن جهل.
والحديث الثاني أخرجه النسائي (^٥). وأبو تميم عبد الله بن مالك الجيشاني المصري. مات سنة سبع وسبعين. يقال: أسلم في حياة رسول الله. إذا تقرر ذلك:
فاختلف السلف في التنفل قبل المغرب، فأجازه طائفة من الصحابة
_________________
(١) برقم (٦٢٤) كتاب: الأذان، ورواه مسلم برقم (٨٣٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.
(٢) ورد بهامش الأصل: يعني: المشددة المفتوحة، قوله: والفاء يعني: المفتوحة أيضًا.
(٣) "السنن الكبرى" ٢/ ٤٧٤ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.
(٤) هو في "السنن الكبرى" للبيهقي مسندًا ٢/ ٤٧٤.
(٥) "سنن النسائي" ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ كتاب: المواقيت، باب: الرخصة في الصلاة قبل المغرب.
[ ٩ / ٢٠٢ ]
والتابعين والفقهاء، وممن فعله أبيُّ بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص (^١).
وقال حميد عن أنس: رأيتهم إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري فيصلون (^٢).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد يصلون عند كل تأذين (^٣).
وكان الحسن، وابن سيرين يركعان قبل المغرب (^٤)، وهو قول أحمد وإسحاق. والحجة لهم من حديث المزني: "لمن شاء" وممن كان لا يصليها، قَالَ إبراهيم النخعي: لم يصلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان (^٥). وقَالَ إبراهيم: هما بدعة، قَالَ: وكان خيار أصحاب رسول الله - ﷺ - بالكوفة عليٌّ وابن مسعود وحذيفة وعمار، فأخبرني من رمقهم كلهم فما رأى أحدًا منهم يصلي قبل المغرب. وهو قول مالك، وأبي حنيفة والشافعي.
قَالَ المهلب: والحجة لهم أن هذا كان في أول الإسلام ليدل على أن وقت الفجر في وقت النافلة، في هذا الوقت قد انقطع بمغيب الشمس، وحلت النافلة والفريضة، ثم التزم الناس مبادرة الفريضة؛ لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن الوقت الفاضل. ويختلف أمر الناس في
_________________
(١) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ - ١٣٩ (٧٣٧٧، ٧٣٨٥) من كان يصلي ركعتين قبل المغرب.
(٢) ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٧٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٨١).
(٤) رواه ابن ألي شيبة عن الحسن ٢/ ١٣٨ (٧٣٨٤).
(٥) البيهقي ٢/ ٤٧٦ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
المبادرة بالصلاة، إذ المغرب لا يشكل على العامة والخاصة، وغيرها من الصلوات يشكل أوائل أوقاتها، وفيها مهلة حتى يستحكم الوقت؛ فلذلك أبيح الركوع قبل غيرها من الصلوات.
وقال ابن قدامة: ظاهر كلام أحمد أنهما جائزان، وليسا بسنة. قَالَ الأثرم: سألت أحمد عنهما، قَالَ: ما فعلته قط إلا مرة حين سمعت الحديث. وقال: فيهما أحاديث جياد -أو قَالَ: صحاح- عن رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، والتابعين، إلا أنه قَالَ: "لمن شاء" فمن شاء صلى. وقال: هذا ينكره الناس، وضحك كالمتعجب، وكل هذا عندهم عظيم (^١).
وقال ابن العربي: لم يفعلها أحد بعد الصحابة (^٢). واختلف أصحابنا فيه على وجهين: أشهرهما لا يستحب. والصحيح عند المحققين استحبابها (^٣)؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها حديثا الباب، وحديث أنس قَالَ: كان المؤذن إذا أذن قام الناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - يبتدرون السواري حَتَّى يخرج النبي - ﷺ -. وهم كذلك يصلون ركعتين حَتَّى إن الرجلَ الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. أخرجاه (^٤)، وقد سلف في (كتاب) (^٥)
_________________
(١) "المغني" ٢/ ٥٤٦.
(٢) "عارضة الأحوذي" ١/ ٣٠٠.
(٣) انظر: "روضة الطالبين" ١/ ٣٢٧.
(٤) سلف برقم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى الإسطوانة، و"صحيح مسلم" (٨٣٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.
(٥) في الأصل: باب.
[ ٩ / ٢٠٤ ]
الأذان (^١). ولأبي داود من حديث أنس قَالَ: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - ﷺ -، قَالَ المختار: قلتُ لأنس: أرآكم رسول الله - ﷺ -؟ قَالَ: نعم رآنا. فلم يأمرنا، ولم ينهنا (^٢).
وللبيهقي عن سعيد بن المسيب قَالَ: كان المهاجرون لا يركعون ركعتين قبل المغرب، وكانت الأنصار يركعونهما، وكان أنس يركعهما. قَالَ البيهقي: كذا قَالَ سعيد بن المسيب.
وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه قَالَ: كنا نركعهما، وكان من المهاجرين (^٣) -وكأنه أراد غيره أو الأكثر منهم- ثم ساق بسنده إلى زرًّ قَالَ: كان ابن عوف، وأبي بن كعب يصليان قبل المغرب ركعتين، وبسنده إلى مكحول عن أبي أمامة قَالَ: كنا لا ندعهما في زمان رسول الله - ﷺ -، وعن حبيب بن مسلم قَالَ: رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة (^٤). يعني: إلى الركعتين قبل المغرب. وحجة المانع حديث أبي داود، عن طاوس قَالَ: سُئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله - ﷺ - يصليهما (^٥)، ورخص في الركعتين بعد العصر.
ولما ذكر الداودي حديث الباب قَالَ: يدل على قوله - ﷺ -: "لا تتحروا
_________________
(١) برقم (٦٢٥) كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة.
(٢) "سنن أبي داود" (١٢٨٢). والحديث رواه مسلم (٨٣٦)!
(٣) "السنن الكبرى" ٢/ ٤٧٥.
(٤) "السنن الكبرى" ٢/ ٤٧٦ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.
(٥) "سنن أبي داود" (١٢٨٤) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل المغرب، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (٢٣٧).
[ ٩ / ٢٠٥ ]
بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها" (^١) وقول ابن عمر: لا أنهى أحدًا أن يصلي أية ساعة شاء من ليل أو نهار، هذا عند طلوع الشمس وعند غروبها (^٢).
وقوله: "بين كل أذانين صلاة"، وفي الحديث الآخر: كان إذا أذن (بالمغرب) (^٣) ابتدروا السواري، فيخرج النبي - ﷺ - وهم على ذلك.
فائدة:
يدخل في الحديث السالف: "بين كل أذانين صلاة" (^٤) قبل العشاء.
وبه صرح المحاملي في "لبابه"، فقال: ويصلي بعد العشاء الآخرة ركعتين، وقبلها ركعتين (^٥). ولم أر من صرح به من متقدمي أصحابنا سواه. وقد رواه الشافعي في البويطي عن فعل رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) سلف برقم (٥٨٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٧ (٧٣٦٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان ينهى عن الصلاة.
(٣) في (ج) المؤذن.
(٤) سلف برقم (٦٢٤).
(٥) "اللباب في الفقه الشافعي" ص ١٣٥، ولم ينص صراحة على ذلك وإنما قال: يصلي بين كل أذانين ركعتين إلا المغرب.
[ ٩ / ٢٠٦ ]