ذَكَرَهُ أَنَسٌ وَعَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
١١٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ. [انظر: ٧٧ - فتح ٣/ ٦٠]
١١٨٦ - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ - ﵁وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الوَادِيَ الذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "سَأَفْعَلُ". فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ - ﵁ - بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ". فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَي المَكَانِ الذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِي، فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي البَيْتِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُم: مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟ لَا أَرَاهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَقُلْ ذَاكَ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟ ". فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. أَمَّا نَحْنُ فَوَاللهِ لَا نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إِلاَّ إِلَي المُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ". قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوَتِهِ التِي تُوُفِّىَ فِيهَا، وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: وَاللهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ للهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي، أَنْ
[ ٩ / ٢٠٧ ]
أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ - إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ -أَوْ بِعُمْرَةٍ-، ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٢٦٣ - فتح: ٣/ ٦٠]
حديث أنس سلف مسندًا في باب الصلاة على الحصير (^١). وحديث عائشة سلف في الكسوف (^٢).
ثم ذكر فيه حديث محمود بن الربيع: أنه عقل مجَّها بها رسول الله - ﷺ - في وجهه .. إلى آخره.
وفيه: فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا، وقد سلف في كتاب العلم (^٣)، وباب: المساجد في البيوت (^٤). وهو كما ترجم له من جواز الجماعة في النافلة. قَالَ ابن حبيب: لا بأس أن يؤم النفر في النافلة في صلاة الضحى وغيرها كالرجلين والثلاثة، وأما أن يكون مشتهرًا جدًا، ويجتمع له الناس فلا. قاله مالك. واستثنى ابن حبيب قيام رمضان؛ لما في ذلك من سنة أصحاب محمدﷺ - (^٥).
ولنذكر هنا من فوائده فوق الخمسين فائدة، فقد طال العهد به:
إحداها: أن من عقل رسول الله - ﷺ -، وعقل منه فعلًا يعد صحابيًّا.
ثانيها: ما كان عليه - ﷺ - من الرحمة لأولاد المؤمنين، وفعل ذلك ليعقل عنه الغلمان، وتعدلهم به الصحبة لينالوا فضلها، وناهيك بها.
_________________
(١) برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (١٠٤٤) باب: الصدقة في الكسوف.
(٣) برقم (٧٧) باب: متى يصح سماع الفجر.
(٤) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة.
(٥) انظر: "الذخيرة" ٢/ ٤٠٣.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
ثالثها: استئلافه لآبائهم بمزحه مع بنيهم.
رابعها: مزحه ليكرم به من يمازحه.
خامسها: استراحته في بعض الأوقات؛ ليستعين على العبادة في وقتها.
سادسها: إعطاء النفس حقها، ولا يشق عليها في كل الأوقات.
سابعها: اتخاذ الدلو.
ثامنها: أخذ الماء بالفم منه.
تاسعها: إلقاء الماء في وجه الطفل.
عاشرها: صلاة القبائل الذين حول المدينة في مساجدهم المكتوبة وغيرها.
الحادية عشرة: إمامة الضعيف البصر.
والتخلف عن المسجد في الطين والظلمة. وصلاة المرء المكتوبة وغيرها في بيته. وسؤال الكبير إتيانه إلى بيته ليتخذ مكان صلاته مصلى. وذكر المرء ما فيه من العلل متعذرًا، ولا تكون شكوى فيه.
وأجاب الشارع من سأله. وسير الأتباع مع التابع. وصحبة أفضل الصحابة إياه. وتسميته لأبي بكر وحده لفضله. وأن صاحب البيت أعلم بأماكن بيته فهو أدرى به.
الحادية بعد العشرين: التبرك بآثار الصالحين، وطلب العين تقديمًا على الاجتهاد، فإن كل موضع صلى فيه الشارع فهو عين لا يجتهد فيه، وطلب الصلاة في موضع معين لتقوم صلاته فيه مقام الجماعة ببركة من صلى فيه، وترك التطلع في نواحي البيت، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وفضل موضع صلاته - ﷺ -، وأن نوافل النهار تصلى ركعتين
[ ٩ / ٢٠٩ ]
كالليل، وأن المكان المتخذ مسجدًا ملكه باقٍ عليه، وأن النهي أن يوطن الرجل مكانًا للصلاة إنما هو في المساجد دون البيوت، وصلاة الضحى.
الحادية بعد الثلاثين: صنع الطعام الكثير عند إتيانه لهم، وإن لم يعلم بذلك، وعدم التكلف فيما يصنع، فكان لا يعيب طعامًا، وهو أدوم على فعل الخيرات.
والخزير بالخاء والزاي المحجمتين: طعام يتخذ من دقيق ولحم كما ذكر الخطابي (^١). قَالَ الجوهري: يقطع اللحم صغارًا على ما في القدر، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، وإن لم يكن لحمًا فهو عصيدة (^٢).
وقال ابن فارس: هي دقيق ملبك بشحم أي: يخلط بشحم، كانت العرب تعير به (^٣).
وقال أبو الهيثم: إذا كان من دقيق فهي خزيرة، وإن كان نخالة فهي حريرة (^٤). والاكتفاء بالإشارة. ويجوز أن يكون تلفظ به معها، وأنه يعبر بالدار عن المحلة التي فيها الدور، ومثله في الحديث: "خير دور الأنصار بنو النجار … " ثم عدد جماعة، وفي آخره: "وفي كل دور الأنصار خير" (^٥). وكذا حديث: أمر ببناء المساجد في الدور، وتنظيفها (^٦). أراد المحال. وكذا قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ﴾
_________________
(١) "أعلام الحديث" ١/ ٦٤٥.
(٢) "الصحاح" ٢/ ٦٤٤.
(٣) "المجمل" ٢/ ٢٨٨.
(٤) انظر: "لسان العرب" ٢/ ١١٤٨.
(٥) سيأتي الحديث برقم (١٤٨١) كتاب: الزكاة، باب: خرص التمر. من حديث أبي حميد الساعدي.
(٦) رواه أبو داود (٤٥٥٩) كتاب: الصلاة، باب: اتخاذ المساجد في الدور، والترمذي (٥٩٤) كتاب: الصلاة، باب: ما ذكر في تطيب المساجد، وابن ماجه =
[ ٩ / ٢١٠ ]
[الأعراف: ١٤٥] واجتماع القبيل إلى الموضع الذي يأتيه الكبير ليؤدوا حقه، ويأخذوا حظهم منه، وعيب من حضر على من تخلف ونسبته إلى أمر يتهم به، وهو مالك بن الدخشم، شهد بدرًا واختلف في شهوده العقبة، وظهر من حسن إسلامه ما ينفي عنه تهمة النفاق، وكراهية من يميل إلى المنافقين في حديثه ومجالسته، وأن من رمى مسلمًا بالنفاق لمجالسته لهم لا يعاقب ولا يقال له: أثمت. وأن الشارع كان يأتيه الوحي ولا شك فيه.
الحادية بعد الأربعين: أنه لا يحب الله ورسوله منافق، وأن الكبير إذا علم بصحة اعتقاد من نسب إلى غيره يقول له: لا تقل ذلك. وأن من عيب بما يظهر منه لم يكن عيبة، وأن من تلفظ بالشهادتين واعتقد حقيقة ما جاء به مات على ذلك فاز ودخل الجنة، وأصابه بذنوبه سفع منها، وإخبار من سمع الحديث من صاحب صاحبًا مثله وغيره ليثبت ما سمع ويشهد ما عند الذي يخبره من ذلك، وإنكار من روى حديثًا من غير أن يقطع بنفيه، وقيل: إن الإنكار؛ لأن ظاهره تحريم دخول النار على من قَالَ: لا إله إلا الله. كقول بعض أهل الأهواء.
وقيل: معنى التحريم هنا: تحريم الخلود في النار، وغزو أرض الروم، وكان أبو أيوب تخلف عن الخروج مع يزيد قبل ذلك العام،
_________________
(١) = (٧٥٨) كتاب: المساجد، باب: تطهير المساجد وتطييبها، وأحمد ٦/ ٢٧٩، وأبو يعلى في "مسنده" ٨/ ١٥٢ (٤٦٩٨)، وابن خزيمة في "صحيحه" ٢/ ٢٧٠ (١٢٩٤) كتاب: الصلاة، باب: الأمر ببناء المساجد في الدور، وابن حبان في "صحيحه" ٤/ ٥١٣ (١٦٣٤) كتاب: الصلاة، باب: المساجد، وهو في ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، كتاب: الصلاة، باب: في تنظيف المساجد وتطييبها بالخلوق وغيره، كلهم عن عائشة، وقال الألباني: "صحيح أبي داود" (٤٨٠): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٩ / ٢١١ ]
ثم ندم وقال: ما عليَّ لو خرجت أقاتل على نفسي من الآخرة، ولكل أحد ما يحتسب. والمراجعة؛ فإن محمود بن الربيع الأنصاري أوجب على نفسه إن سلم أن يأتي عتبان فيسأله، وكان محمود مقيمًا بالشام، وذكر العمرة ليصف ما جرى وليتأسى به أن يجمع في طريقه العمرة والسفر إلى أبي أيوب والرحلة في العلم. وأن ذكر ما في الإنسان على وجه التعريف ليس عيبة لذكره عمى عتبان.
الحادية بعد الخمسين: إمامة الأعمى وجلب الحديث لصلاته بهم جماعة في النافلة، والإسرار بالنوافل، وفيه غير ذلك بما سلف، فلابد لك من مراجعته.
[ ٩ / ٢١٢ ]