١١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِى قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ١١٩١ - مسلم: ١٣٩٩ - فتح: ٣/ ٦٩]
ثم ذكره بزيادة: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.
فأما الحديث الأول فأخرجه مسلم (^١)، وكذا الثالث (^٢) والثاني أخرجاه (^٣).
وزعم الطرقي أن أبا داود أخرجه ولم يعزه ابن عساكر إليه. وفي "أخبار المدينة" لابن شبة من حديث جابر أنه - ﷺ - كان يأتيه صبيحة سبع عشرة من رمضان (^٤).
ومن حديث الدراوردي عن شريك بن عبد الله: كان رسول الله - ﷺ - يأتي قباء يوم الاثنين. و(قباء) يذكر ويؤنث، ويمد ويقصر، ويصرف ولا يصرف، ست لغات، والأفصح المد مع التذكير والصرف.
ومنع ابن التين القصر فقال: هو ممدود على كل حال. وهو من عوالي المدينة قريب منها. وقال في "المطالع": إنه على ثلاثة أميال منها. قَالَ: وأصله باسم بئر هناك، وألفه واو.
_________________
(١) "صحيح مسلم" برقم (١٣٩٩) كتاب: الحج، باب: فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته.
(٢) "صحيح مسلم" برقم (١٣٩٩) السابق.
(٣) "صحيح مسلم" برقم (٨٢٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التى نهي عن الصلاة فيها.
(٤) "أخبار المدينة المنورة" ١/ ٤٤.
[ ٩ / ٢٤٠ ]
وقال البكري: وقباء موضع آخر في طريق مكة من البصرة (^١)، وهو مسجد بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسس على التقوى على قول ستعلمه. وأول من وضع فيه حجرًا رسول الله - ﷺ -، ثم أبو بكر، ثم عمر.
والحديث دال على فضله، وفضل مسجده والصلاة فيه، وزيارته راكبًا وماشيًا، وهكذا جميع المواضع الفاضلة تزار كذلك.
وفي إتيانه إياه يوم السبت دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك.
وأصل مذهب مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب إلا ما ثبت به توقيف، حكاه القرطبي (^٢).
وقال النووي: الصواب جواز تخصيص بعض الأيام (بالزيارة) (^٣)، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك. ولعله لم تبلغه الأحاديث (^٤).
ثم إتيانه مسجد قباء دال على أن ما قرب من المساجد الفاضلة التي في المصر لا بأس أن يؤتى ماشيًا وراكبًا، ولا يكون فيه ما نهى أن تعمل المطي إليه، قاله الداودي، قَالَ: ولم يذكر فيه أنه كان يصلي فيه إذا أتاه ضحى، وكان هو يصلي فيه؛ لئلا يخرج منه حتى يصلي. وقال بعضهم: إتيانه إياه مع أن مسجده أفضل؛ لتكثر المواضع التي يتقرب إلى الله فيها.
قَالَ ابن التين: وهذا كما قَالَ مالك أن التنفل في البيوت أحب إليه منه في مسجد الرسول إلا للغرباء، فإن تنفلهم في مسجده أحب إليه.
_________________
(١) "معجم ما استعجم" ٣/ ١٠٤٥ - ١٠٤٦. وانظر: "معجم البلدان" ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٢) "المفهم" ٣/ ٥١٠.
(٣) في الأصل: بالزيادة، خطأ.
(٤) "صحيح مسلم بشرح النووي" ٩/ ١٧١.
[ ٩ / ٢٤١ ]
وقال ابن رشد: إنما كان يأتيه لمواصلة الأنصار، والاجتماع بهم فيه، لا لصلاة فريضة، ولا نافلة؛ لأن صلاة الفريضة في مسجده، والنافلة في بيته أفضل.
وقال الطحاوي: ما روي من إتيانه ليصلي فيه ليس من كلامه - ﷺ -، فيحتمل أن يكون الراوي قاله من عنده؛ لعلمه أنه (لا يجلس) (^١) فيه إلا صلى فيه قبل أن يجلس. على أن قوله: (فيصلي فيه) حرف انفرد به واحد من الرواة، وعسى أن يكون وهمًا؛ لأن الجماعة أولى بالحفظ من الواحد. فأما صلاته في بيته التطوع فأفضل من الصلاة في مسجده. ومسجده فوق مسجد قباء في الفضل، فتكون صلاته في مسجد قباء لأجل التحية.
وجاء في مسجد قباء: "صلاة فيه كعمرة"رواه ابن ماجه، والترمذي من حديث أسيد بن ظهير الأنصاري - ﵁ -. قَالَ الترمذي: وفي الباب عن سهل بن حنيف: وحديث أسيد غريب، لا نعرف له شيئًا يصح غيره (^٢).
ورواه ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه مرفوعًا (^٣)، وروي (عن) (^٤) سعد بن أبي وقاص، وابن عمر أنهما قالا ذلك (^٥).
_________________
(١) في الأصل: ليجلس. وهو خطأ، وما أثبثناه الموافق للسياق.
(٢) "سنن الترمذي" برقم (٣٢٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد قباء. و"سنن ابن ماجه" برقم (١٤١١) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد قباء. وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" (١١٥٩).
(٣) "المصنف" ٢/ ١٥١ (٧٥٢٩) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة في مسجد قباء.
(٤) من (ج).
(٥) "المصنف" ٢/ ١٥١ (٧٥٣١ - ٧٥٣٢).
[ ٩ / ٢٤٢ ]
واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى على قولين:
أحدهما: أنه مسجد المدينة، قَالَه ابن عمر، وابن المسيب (^١)، ومالك في رواية أشهب (^٢).
ووجهه ما أخرجه الترمذي من حديث أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قَالَ: امترى رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله - ﷺ -. وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا رسول اللهﷺ - في ذلك، فقال: "هذا -يعني: مسجده- وفي ذلك خير كثير" قَالَ الترمذي: حديث حسن صحيح (^٣).
ورواه وكيع، عن ربيعة بن عثمان، حَدَّثَني عمران بن أبي أنس، عن سهل قَالَ: اختلف رجلان فذكره (^٤).
_________________
(١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠ - ١٥١ (٧٥٢٢ - ٧٥٢٤)، (٧٥٢٦) كتاب: الصلوات، باب: في المسجد الذي أسس على التقوى.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٨/ ٢٥٩.
(٣) "سنن الترمذي" برقم (٣٢٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى. وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" (٢٦٦).
(٤) روى هذا الحديث ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٢/ ١٥٠ (٧٥٢١) كتاب: الصلوات، باب: في المسجد الذي أسس على التقوى، وأحمد ٥/ ٣٣١، وعبد بن حميد في "المنتخب" ١/ ٤٢٠ (٤٦٦)، والطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٧٥ (١٧٢٣٢)، وابن حبان في "صحيحه" ٤/ ٤٨٢ (١٦٠٤) كتاب: الصلاة، باب: المساجد، والطبراني ٦/ ٢٠٧ (٦٠٢٥). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٣٤، وقال: رواه كله أحمد والطبراني باختصار ورجالهما رجال الصحيح.
[ ٩ / ٢٤٣ ]
وعن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - مثله (^١).
وذكر الدارقطني عن كثير بن الوليد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن النبي - ﷺ - مثله. وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب، ومالك بن أنس.
والثاني: أنه مسجد قباء، وهو قول مجاهد، وعروة، وقتادة (^٢)، والبخاري -فيما حكاه ابن التين- وابن عباس، والضحاك، والحسن (^٣) فيما حكاه ابن النقيب. قَالَ تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ وهذا يقتضي السبق، ومسجد قباء أسبق ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] وهم أهل مسجد قباء. كما أخرجه الترمذي من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة. وقال: غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي أيوب، وأنس، ومحمد بن عبد الله بن سلام (^٤). وأخرجه الدارقطني من حديث أبي أيوب، وجابر، وأنس، وكذا الطحاوي من حديثهم (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠ (٧٥٢٠) كتاب: الصلوات، باب: في المسجد الذي أسس على التقوى، والطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٧٤ (١٧٢٢١)، والحاكم ٢/ ٣٣٤ كتاب: التفسير. وقال الذهبي: صحيح.
(٢) ذكر عنهم ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٥٠١.
(٣) رواه عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٧٤ (١٧٢٢٦ - ١٧٢٢٧). وذكرها عنهم جميعًا ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٥٠١.
(٤) "سنن الترمذي" (٣١٠٠) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة- وقال الألباني في "صحيح الترمذي": صحيح.
(٥) "شرح مشكل الآثار" ١/ ٤٢١ - ٤٢٢ (٣٩٨) (تحفة) وقال: حديث متصل.
[ ٩ / ٢٤٤ ]
قَالَ ابن العربي: وثبت أن ناسًا من المنافقين بنوا مسجدًا، وكانوا ينتمون إلى بني عمرو بن عوف، وقالوا: يا رسول الله، بنيناه لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، وقصدوا الفرار به عن مسجد قباء، فاعتذر رسول الله - ﷺ - لسفره، وأخرهم إلى قدومه (^١). فلما قدم أنزل الله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية. قَالَ: ولا خلاف أنهم أهل قباء. والأثر مشهور جدًّا صحيح عن جماعة لا يحصون عدًّا، فهو أولى من العمل بحديث أبي سعيد.
وبوب البخاري في باب هجرة النبيﷺ -: أسس النبي - ﷺ - في بني عمرو بن عوف المسجد الذي أسس على التقوى (^٢). ولا شك أن أولئك الرجال قد كانوا في مسجده - ﷺ -؛ لأن مسجده كان معمورًا بالمهاجرين والأنصار، وما سواهم ممن صحبه، قاله الطحاوي (^٣).
قَالَ: والحديث الذي ذكره ابن العربي روي عن سعيد بن جبير، وهو منقطع لا تقاوم بمثله الأحاديث المتصلة، قَالَ: فثبت أنه مسجد المدينة لا مسجد قباء (^٤).
_________________
(١) "أحكام القرآن" ٢/ ١٠١٢.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٠٦) كتاب: مناقب الأنصار. وهو حديث طويل.
(٣) "شرح المشكل" ١/ ٤٢٣.
(٤) القائل الذي عناه المصنف في هذِه العبارة هو الطحاوي، وهو نص كلامه في "شرح المشكل" ١/ ٤٢٣ لكنه خلط في قوله: والحديث الذي ذكره ابن العربي فلا يمكن للطحاوي أن ينقل عن ابن العربي؛ لأن الطحاوي توفي في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وولد ابن العربي في سنة ثمان وستين وأربعمائة! لكن المصنف يقصد أن الطحاوي ذكر الحديث الذي ذكره ابن العربي وهو الحديث الذي رواه الطحاوي (٤٢٠): حدثنا: إبراهيم بن مرزوق، حدثنا عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: .. الحديث.
[ ٩ / ٢٤٥ ]
قَالَ السهيلي وغيره: وبمكن أن يكون كلاًّ منهما أسس على التقوى، غير أن قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يرجح الأول؛ لأن مسجد قباء أسس قبل مسجده، غير أن اليوم قد يراد به المدة والوقت، وكلاهما أسس على هذا من أول يوم، أي: من أول عام من الهجرة.
وقد اختلف فيمن نذر الصلاة في مسجد قباء، فذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه أوجبه فيه. وفي كتاب ابن المواز: لا، إلا أن يكون قريبًا جدًّا فليأته، فليصل فيه.
قَالَ ابن حبيب: قَالَ مالك: إن كان معه في البلد مشى إليه وصلى فيه.
وقال ابن التين: أوجب ابن عباس مشيه على من نذره من المدينة.
قَالَ: ولا خلاف أن إتيانه قربة لمن قرب منه، وليس ذلك بمخالف للنهي عن شد الرحال لغير الثلاثة؛ لأن إتيانه من المدينة ليس من باب شد الرحال، ولا إعمال المطي؛ لأنه من صفات الأسفار المتباعدة، وقطع المسافات الطويلة، ولا يدخل في ذلك أيضًا ركوبه إلى مسجدٍ قريب لجمعة وغيرها؛ لأنه جائز إجماعًا، بل هو واجب في بعض الأحيان.
ولو أن آتيًا أتى قباء من بلد بعيد، وتكلف فيه من السفر ما يوصف بشد الرحال، وإعمال المطي لكان مرتكبًا للنهي على هذا القول.
وقال محمد بن مسلمة في "المبسوط": من نذر أن ياتى مسجد قباء فيصلي فيه لزمه ذلك. والأول أظهر (^١).
_________________
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد التسعين. كتبه مؤلفه، غفر الله له.
[ ٩ / ٢٤٦ ]