١٢٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَي المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. [١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١١٦].
١٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَتَذْرِفَانِ- ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ". [٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٦٣٠،٣٧٥٧، ٤٢٦٢ - فتح: ٣/ ١١٦].
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ .. الحديث.
وحديث أنس أنه - ﵇ - قال: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ .. " الحديث.
_________________
(١) = ابن إبراهيم بن كثير بن بشير، طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: .. الحديث مطولًا. وموسى بن إبراهيم وطلحة وثقهما ابن عبد البر في "الاستيعاب" ٣/ ٨٥. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وحسن المنذري إسناده في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٢٠٦ (٢١١٦). وخالف البوصيري فضعف إسناده في "المصباح" ١/ ٢٧ بموسى بن إبراهيم وطلحة. والحديث حسنه الألباني في "صحيح ابن ماجه" (١٥٧، ٢٢٥٨)، وحسن إسناده في "الظلال" (٦٠٢). وزاد: رجاله مصدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم. وصححه في "صحيح الجامع" (٧٩٠٥). وقال في "صحيح الترغيب" (١٣٦١): حسن صحيح.
[ ٩ / ٤١٠ ]
الشرح:
قال المهلب: هذا صواب الترجمة: باب: الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه (^١). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم والأربعة (^٢). وحديث أنس من أفراده، ويأتي في الجهاد (^٣)، وعلامات النبوة (^٤)، وفضل خالد في المغازي (^٥). والنعي: الإخبار. ولا بأس بالإعلام به للصلاة وغيرها لهذين الحديثين، والحديث الآتي في الذي توفي ليلًا: "ما منعكم أن تعلموني" (^٦) بخلاف نعي الجاهلية فإنه مكروه، وهو النداء بذكر مفاخره ومآثره، وكان الشريف إذا مات أو قتل بعثوا راكبًا إلى القبائل ينعاه إليهم.
وعليه يحمل ما رواه ابن ماجه والترمذي من حديث حذيفة قال: إذا مت فلا تؤذنوا لي أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا فإني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي. استغربه الترمذي (^٧).
_________________
(١) وحكاه ابن بطال في "شرحه" ٣/ ٢٤٣ عن المهلب أيضًا. ووقع في رواية الكشميهني وأبي ذر الهروي- كما في هامش اليونينة ٢/ ٧٢: نفسه، مكان: بنفسه. وقال الحافظ في "الفتح" ٣/ ١١٦: وقع للكشميهني بحذف الموحدة، وفي رواية الأصيلي بحذف: أهل اهـ قال العيني في "العمدة" ٦/ ٣٧٢: وليس لها وجه.
(٢) "صحيح مسلم" (٩٥١) كتاب: الجنائز، باب: في التكبير على الجنازة.
(٣) برقم (٢٧٩٨) باب: تمني الشهادة.
(٤) برقم (٣٦٣٠) باب: علامات النبوة.
(٥) برقم (٤٢٦٢) باب: غزوة مؤتة من أرض الشام.
(٦) الآتي في الباب التالي (١٢٤٧).
(٧) الترمذي (٩٨٦)، ابن ماجه (١٤٧٦). ورواه أيضا أحمد ٥/ ٤٠٦، والبيهقي ٤/ ٧٤، والمزي في "تهذيب الكمال" ٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧ من طريق حبيب بن سليم العيسي عن بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة. =
[ ٩ / ٤١١ ]
وقال به الربيع بن خيثم وابن مسعود وعلقمة (^١).
وهذا التفصيل هو الصواب الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة.
وحديث النجاشي أصح من حديث حذيفة.
وقال صاحب "البيان" -من أصحابنا-: يكره نعي الميت وهو أن ينادى في الناس أن فلانًا قد مات ليشهدوا جنازته.
وفي وجه حكاه الصيدلاني: لا يكره (^٢).
وفي "حلية" الروياني -من أصحابنا-: الاختيار أن ينادى به ليكثر المصلون.
وقال الماوردي: اختلف أصحابنا هل يستحب الإيذان للميت
_________________
(١) = ونقل المصنف عن الترمذي أن استغربه، وهو غريب؛ لأن في مطبوع الترمذي بتحقيق العلامة أحمد شاكر. قال الترمذي: حسن صحيح. وفي بعض النسخ: حسن، فقط، وكذا كل من نقل الحديث ذكر أن الترمذي حسنه. وفي "عارضة الأحوذي" ٤/ ٢٠٧: قال الترمذي: حسن صحيح. ونقل المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ١٨٦ (٥٣٦٠)، والنووي في "الأذكار" (٤٥٩)، والمزي ٥/ ٣٧٧، والذهبي في "المهذب" ٣/ ١٤٢٣ (٦٣٧٠)، والمباركفوري في "تحفة الأحوذي" ٤/ ٥١ أن الترمذي حسنه. فقول الترمذي فيه بين: حسن صحيح، أو: حسن، فلم أجد من نقل عنه أنه استغربه، والله أعلم. والحديث صححه ابن العربي ٤/ ٢٠٦. وقال الحافظ في "الفتح" ٣/ ١١٧: إسناده حسن. وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٥٣١).
(٢) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٥ (١١٢٠٦ - ١١٢٠٧، ١١٢٠٩ - ١١٢١٠)، ٢/ ٤٧٦ (١١٢٢٠) عن الربيع بن خيثم أيضًا.
(٣) "البيان" ٣/ ٥٢.
[ ٩ / ٤١٢ ]
وإشاعة موته في الناس بالنداء عليه والإعلام، فاستحبه بعضهم لكثرة المصلين والداعين له. وقال بعضهم: لا يستحب ذلك وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب دون غيره، وبه قال ابن عمر.
وجزم البغوي وغيره -من أصحابنا- بكراهة النعي والنداء عليه للصلاة وغيرها (^١). وقال ابن الصباغ: قال أصحابنا: يكره النداء عليه ولا بأس أن يعرف أصدقاؤه (^٢)، وبه قال أحمد (^٣).
وقال أبو حنيفة: لا بأس به (^٤). ونقله العبدري عن مالك أيضًا. ونقل ابن التين عن مالك كراهة الإنذار بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق؛ لأنه من النعي، وهو من أمر الجاهلية. قال علقمة بن قيس: الإنذار بالجنائز من النعي، وهو من أمر الجاهلية (^٥).
وقال البيهقي: ويروى النهي أيضًا عن ابن عمر وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعلقمة وإبراهيم النخعي والربيع بن خثيم (^٦).
قلت: وأبي وائل وأبي ميسرة وعلي بن الحسين وسويد بن غفلة ومطرف بن عبد الله ونصر بن عمران -أبي جمرة- كما حكاه عنهم في "المصنف" (^٧).
_________________
(١) "التهذيب" ٢/ ٤٣٤.
(٢) انظر: "المجموع" ٥/ ١٧٣.
(٣) انظر: "الفروع" ٢/ ١٩٢.
(٤) انظر: "المحيط البرهاني" ٣/ ١٠١ - ١٠٢، و"تبيين الحقائق" ١/ ٢٤٠.
(٥) رواه بنحوه عبد الرزاق في "المصنف" ٣/ ٣٩٠ (٦٠٥٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٥ (١١٢١٠).
(٦) "السنن الكبرى" ٤/ ٧٤.
(٧) "مصنف ابن أبي شيبة" ٢/ ٤٧٥ (١١٢٠٨ - ١١٢٠٩، ١١٢١٢، ١١٢١٤ - ١١٢١٦). وفي الأثرين الأخيرين: عن مطرف، عن أخيه. =
[ ٩ / ٤١٣ ]
والنجاشي: ملك الحبشة واسمه أصحمة -كما سيأتي في البخاري- (^١) بن أبجر (^٢)، وجاء صحمة (^٣) بتقديم الحاء على الميم (^٤)، وعكسه (^٥)، وقيل: بالخاء المعجمة (^٦).
وقال مقاتل في "نوادره": اسمه مكحول بن صصة (^٧).
_________________
(١) = وفي الثاني: عن أبي حمزة [وهو خطأ. صوابه: جمرة] عن أبيه. أبوه هو عمران بن عصام الضبعي في "تهذيب الكمال" ٢٩/ ١٣٦٣ أنه نصر.
(٢) برقم (١٣٣٤) كتاب: الجنائز، باب: التكبير على الجنازة أربعًا، برقم (٣٨٧٧، ٣٨٧٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: موت النجاشي.
(٣) وقع في "البداية والنهاية" ٣/ ٧٧ ط. مكتبة المعارف، و٣/ ٨٤ ط. دار المعرفة: ابن أبجر -كما وقع هنا- والتصحيح عن القاموس نقلًا عن محمود الإمام! ووقع في "الإنابة" ١/ ٨٠: ابن بجري. وفي "الإصابة" ١/ ١٠٩: ابن أبحر اهـ. قلت: فلعل الصواب: أصحمة بن أبجر، بالجيم المعجمة.
(٤) ورد بهامش الأصل: لعله أصحمة.
(٥) على وزن ركوة بغير همزة وفتح الصاد وسكون الحاء، هكذا وقع في "مسند ابن أبي شيبة". حكاه القاضي عياض في "إكمال المعلم" ٣/ ٤١٤، والقرطبي في "المفهم" ٢/ ٦٠٩، والنووي في "شرح مسلم" ٧/ ٢٢، والحافظ في "الفتح" ٣/ ٢٠٣، والعيني في "العمدة" ٧/ ٥١، والسيوطي في "التوشيح" ٣/ ١١٠٣.
(٦) أي: صمحة، بتقديم الميم على الحاء، نقله ابن أبي شيبة عن يزيد، كما حكاه القاضي والقرطبي والنووي وقالوا صحمة وصمحة، شاذان والصواب: أصحمة بالألف.
(٧) أي: أصخمة، وهو ما نقله الحافظ في "الفتح" ٣/ ٢٠٣، والعيني ٧/ ٥١، والسيوطي ٣/ ١١٠٣ عن الإسماعيلي، وأنه غلطه. وزاد الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ٣/ ٨٤ أنه وقع في رواية: مصحمة، بزيادة ميم في أولهن وقال: قال يونس عن ابن إسحاق: اسم النجاشي: مصحمة وهو في "سير ابن إسحاق" ص ٢٠١ (٢٩٣)، وفي نسخة صححها البيهقي: أصخم. وحكى الحافظ في "الفتح" ٣/ ٢٠٣ عن الكرماني أن في بعض النسخ في رواية محمد بن سنان: أصحبة، بالباء بدل الميم، وكذا حكاه العيني.
(٨) نقل ذلك مغلطاي في "الإنابة" ١/ ٨٠ عن مقاتل في "نوادر التفسير": اسمه: مكحول بن صِصِة بكسر الصادين.
[ ٩ / ٤١٤ ]
ووقع في "صحيح مسلم": كتب رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي. وهو غير النجاشي الذي صلى عليه (^١). ولعله عبر ببعض ملوك الحبشة عن الملك الكبير -ويسمي الأبجري- أو لآخر قام مقامه بعده، فإنه اسم لكل من ملك الحبشة وقد تقدم.
وفي بعض طرقه "مات اليوم رجل صالح فقوموا للصلاة على أخيكم" (^٢). ومعناه: عطية (^٣). والنجاشي بتشديد الياء وتخفيفها بفتح النون وكسرها (^٤).
وفيه نزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية وذلك لما صلى عليه قال قوم من المناففين: صلى عليه وليس من أهل دينه فنزلت (^٥). وكان آمن به على يد جعفر بن أبي طالب، وأخذ عمن هاجر إليه من أصحابه فآواهم وأسر إيمانه لمخالفته الحبشة له، فلما مات نعاه النبي - ﷺ - في اليوم الذي مات فيه، وهو من علامات نبوته. وقيل: سقطت عنه الهجرة إذ لم
_________________
(١) مسلم (١٧٧٤) من حديث أنس، وورد في الرواية الأولى التصريح بذلك: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي - ﷺ -. وانظر: "إكمال المعلم" ٦/ ١٢٥، و"شرح النووي" ١٢/ ١١٢.
(٢) سيأتي برقم (٣٨٧٧).
(٣) قاله ابن إسحاق في "السيرة" (٢٩٣)، والقاضي والقرطبي والنووي ناقلًا إياه عن ابن قتيبة، والذهبي في "تاريخ الإسلام" ٢/ ٦٢٥، وابن كثير والكرماني في "شرحه" ٧/ ١١٥ وغير واحد. وانظر لمزيد ضبط: "مشارق الأنوار" ١/ ٦٣، و"الإعلام" للمصنف ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.
(٤) انظر ترجمة النجاشي في "معرفة الصحابة" ١/ ٣٥٤ (٢٤٤)، و"أسد الغابة" ١/ ١١٩ (١٨٨)، و"سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٢٨ (٨٥)، و"الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة" ١/ ٨٠ (٤٨)، و"الإصابة" ١/ ١٠٩ (٤٧٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٥٥٩ - ٥٦٠ (٨٣٧٦ - ٨٣٨١).
[ ٩ / ٤١٥ ]
يمكنه ذلك (^١).
وقوله: (خرج إلى المصلى) يقتضي أن ذلك أمر يتعين عندهم في الصلاة على الجنازة. وفي السهيلي (^٢) من حديث سلمة بن الأكوع أنه صلى عليه بالبقيع (^٣). وقد يستدل به على منع الصلاة في المسجد.
ويجاب بأنه خرج لكثرة المصلين والإعلام. وفيه حجة لمن جوز الصلاة على الغائب.
وبه قال الشافعي (^٤) وابن جرير وأحمد (^٥) خلافًا لأبي حنيفة ومالك (^٦). وعن أبي حنيفة جوازه فيما قرب من البلاد، حكاه ابن التين.
وكانت صلاته عليه في رجب، سنة تسع. ومن ادعى أن الأرض طويت له حتى شاهده، لا دليل له، وإن كانت القدرة صالحة لذلك.
وسواء كان الميت في جهة القبلة أم لا. فالمصلي يستقبل، صلى عليه أم لا، قربت المسافة أم بعدت. واستحسن في "البحر" ما ذهب إليه الخطابي (^٧) أنه يصلى عليه إذا لم يصل عليه أحد (^٨)، وكذا كانت قصة النجاشي.
_________________
(١) انظر: "سيرة ابن هشام" ١/ ٣٤٣ - ٣٦٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: هذا في "سنن ابن ماجه".
(٣) "الروض الأنف" ٢/ ٩٤. وليس فيه ذكر لسلمة بن الأكوع. والحديث رواه ابن ماجه (١٥٣٤) وغيره عن أبي هريرة. وانظر: "الإرواء" (٧٢٩).
(٤) انظر: "المهذب" ١/ ٤٣٩، "الوسيط" ١/ ٣٥٩.
(٥) "المغني" ٣/ ٤٤٦.
(٦) انظر: "القبس" ٢/ ٤٤٦، "الذخيره" ٢/ ٤٦٨، "النوادر والزيادات" ١/ ٦٢٠ - ٦٢١.
(٧) "معالم السنن" ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٨) ورد بهامش الأصل: هي رواية عن أحمد أخذ بها ابن تيمية.
[ ٩ / ٤١٦ ]
ووقع في كلام ابن بطال تخصيص ذلك بالنجاشي، قال: بدليل إطباق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث -وأخطأ في ذلك (^١) - قال: ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلا ما ذكره ابن أبي زيد عن عبد العزيز بن أبي سلمة فإنه قال: إذا استؤذن أنه غرق أو قُتل أو أكلته السباع ولم يوجد منه شيء صلي عليه كما فعل بالنجاشي (^٢)، وبه قال ابن حبيب (^٣).
وقال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم يقولون: إن ذلك مخصوص به.
وأجازه بعضهم إذا كان في يوم الموت، أو قريب منه (^٤).
قلت: وأبعد الحسن فيما حكاه عنه في "المصنف": إنما دعا له (^٥).
يعني: ولم يصلِّ عليه، وهو عجيب.
فرع:
لو صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في البلد الفلاني ولا يعرف عددهم جاز، قاله في "البحر" وهو صحيح لكن لا يختص ببلد.
فرع غريب: من فروع ابن القطان أن الصلاة على الغائب وإن جازت لكنها لا تسقط الفرض.
وقوله: (فصف بهم) دليل على أن سنة هذِه الصلاة الصف كسائر الصلوات وقوله: (فكبر أربعًا). هذا آخر ما استقر عليه آخر أمره
_________________
(١) هذا الاعتراض من قول المصنف -﵀-.
(٢) "النوادر والزيادات" ١/ ٦٢٠.
(٣) "شرح ابن بطال" ٣/ ٢٤٣.
(٤) "التمهيد" ٦/ ٣٢٨.
(٥) "مصنف ابن أبي شيبة" ٣/ ٤٦ (١١٩٥٥).
[ ٩ / ٤١٧ ]
- ﵇ - (^١). وقال ابن أبي ليلى: يكبر خمسًا (^٢)، وإليه ذهبت الشيعة.
وقيل: ثلاث، قاله بعض المتقدمين (^٣). وقيل: أكثره سبع، وأقله ثلاث (^٤)، ذكره القاضي أبو محمد.
وقيل: ست. ذكره ابن المنذر عن علي (^٥). وقال عن أحمد: لا ينقص من أربع ولا يزاد على سبع. وقال ابن مسعود: يكبر ما كبر إمامُه (^٦).
ووقع في كلام ابن بطال: إنما نعى النجاشي وخصه بالصلاة عليه وهو غائب عنه؛ لأنه كان عند أهل الإسلام على غير الإسلام فأراد أن يعلم بإسلامه (^٧). وفيه نظر؛ لأنه - ﵇ - نعى جعفر بن أبي طالب وأصحابه.
ومعنى قوله في حديث أنس: ("لتذرفان") يعني: الدمع.
وفيه: جواز البكاء على الميت.
وفيه: أن الرحمة التي تكون في القلب محمودة.
_________________
(١) وهو قول عمر وعلي وابن مسعود والبراء وعقبة بن عامر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عمر وابن سيرين وابن الحنفية وأبي مجلز وعبد الله بن أوفي والنخعي وقيس بن أبي حازم وسويد. فيما رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٣ - ٤٩٦ (١١٤١٦ - ١١٤٤٦) من فعلهم.
(٢) وهو مروي عن زيد بن أرقم وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة وعلي. "المصنف" ٢/ ٤٩٦ (١١٤٤٧ - ١١٤٥٤).
(٣) مروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد. "المصنف" (١١٤٥٥ - ١١٤٥٧).
(٤) هو قول بكر بن عبد الله، فيما رواه في "المصنف" (١١٤٦٤).
(٥) رواه أيضًا عنه ابن أبي شيبة (١١٤٣٥، ١١٤٥٤، ١١٤٦٣، ١١٤٦٥ - ١١٤٦٦).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٢/ ٤٩٦ (١١٤٥٠)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٩٧.
(٧) "شرح ابن بطال" ٣/ ٢٤٣.
[ ٩ / ٤١٨ ]
وفيه: جواز التأسي بفعل الشارع.
وفيه: ما يغلب البشر من الوجد.
وقوله: ("ثم أخذها خالد من غير إمرة") يعني: أنه لم يسمه حين قال: إن قتل فلان ففلان.
وفيه: جواز المبادرة للإمامة إذا خاف ضياع الأمر فرضي به الشارع فصار أصلًا في الضرورات إذا وقعت في معالم أمر الدين.
وفيه: أن من تغلب من الخوارج ونصب حاكمًا فوافق حكمه الحق فإنه نافذ لحكم أهل العدل، وكذلك أنكحتهم.
وفيه: أن الإمام الذي لا يد على يده يحكم لنفسه بما يحكم لغيره، ويعقد النكاح لنفسه. وقد قطع الصديق يد السارق الذي سرق الحلي من بيته، فحكم لنفسه (^١).
_________________
(١) روى مالك في "الموطأ" ٢/ ٨٣٥ - ٨٣٦، وعنه الشافعي في "المسند" ٢/ ٨٥ (٢٨١)، ومن طريقهما البيهقي ٨/ ٢٧٣ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد: أن رجلًا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل، قدم فنزل على أبي بكر الصديق .. ثم إنهم فقدوا عقدًا لأسماء بنت عميس .. الحديث مطولًا. ورواه عبد الرزاق في "المصنف" ١٠/ ١٨٧ (١٨٧٦٩) عن الثوري، به، مختصرًا. قال المصنف ﵀ في "البدر المنير" ٨/ ٦٨١: قال الحافظ ضياء الدين المقدسي في "أحكامه": القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق لا أراه أدرك زمان جده. اهـ. قلت: لذا أورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في "المهذب" ٧/ ٣٤١٣ (١٣٤٨٢): منقطع. وقال الحافظ في "التلخيص" ٤/ ٧٠: في سنده انقطاع. وقال في "الدراية" ٢/ ١١٢: قصة منقطعة. ورواه عبد الرزاق في "المصنف" ١٠/ ١٨٨ - ١٨٩ (١٨٧٧٤)، ومن طريقه الدارقطني ٣/ ١٨٤ - ١٨٥، والبيهقي ٨/ ٤٩ من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، بنحوه. قال الحافظ الذهبي في "المهذب" ٦/ ٣١٣٨ (١٢٤٤٩): سنده صحيح. وقال الحافظ في "الدراية" ٢/ ١١٢: على شرط الصحيح.
[ ٩ / ٤١٩ ]
وكذا إن كان لولده فهو حكم له، وهو عندنا خاص بالشارع.
وفيه: جواز دخول الحظر في الوكالات وتعليقها بالشرائط، ذكره الخطابي (^١). وما ذكره من القطع لنفسه هو قول مالك ولكنه لا يغرمه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقطع ولا يغرمه.
فرع:
لم يذكر التسليم هنا في حديث النجاشي. وذكر في حديث سعيد بن المسيب، رواه ابن حبيب عن مطرف عن مالك (^٢). واستغربه ابن عبد البر، قال (^٣): إلا أنه لا خلاف علمته بين العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الفقهاء في السلام منها وإنما اختلفوا هل هي واحدة أو اثنتان؟ فالجمهور على تسليمة واحدة، وهو أحد قولي الشافعي (^٤)، وقالت طائفة: تسليمتين، وهو قول أبي حنيفة (^٥)، والشافعي (^٦)، وهو قول الشعبي (^٧)، ورواه (^٨) عن إبراهيم (^٩).
_________________
(١) "أعلام الحديث" ١/ ٦٦٦ - ٦٦٧.
(٢) رواه ابن حبيب في "المواضحة" كما عند ابن عبد البر في "الاستذكار" ٨/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٣) "الاستذكار" ٨/ ٢٤١ - ٢٤٣.
(٤) انظر: "الأم" ١/ ٢٤٠، "التهذيب" ٢/ ٤٣٧، "والبيان" ٣/ ٧٠، و"الشرح الكبير" ٢/ ٤٣٩.
(٥) انظر: "المحيط البرهاني" ٣/ ٧٥، و"شرح فتح القدير" ٢/ ١٢٣، و"الاختيار" ١/ ١٤٢.
(٦) انظر: "الأم" ١/ ٢٤٠، و"التهذيب" ٢/ ٤٣٧، و"الشرح الكبير" ٢/ ٤٣٩، و"المجموع" ٥/ ٢٠٠.
(٧) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٩٩ (١١٥٠٣).
(٨) كذا بالأصل، وفي "الاستذكار" ٨/ ٢٤٢: ورواية، وهو الصواب؛ فروى ابن أبي شيبة (١١٥٠٨) عنه أنه كان يسلم على الجنازة عن يمينه وعن يساره.
(٩) التخريج السابق.
[ ٩ / ٤٢٠ ]
وممن روي عنه واحدة: عمر وابنه، وعلي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وابن أبي أوفي، وواثلة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، والحسن، ومكحول (^١)، وإبراهيم في رواية (^٢). وقال الحاكم: صحت الرواية في الواحدة عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وابن أبي أوفي أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة (^٣).
قال ابن التين: وسأل أشهب مالكًا: أيكره السلام في صلاة الجنائز؟ قال: لا. وقد كان ابن عمر يسلم. قال: واستناد مالك إلى فعل ابن عمر دليل على أنه - ﵇ - لم يسلم في صلاته على النجاشي ولا غيره.
_________________
(١) انظرها عنهم في "مصنف عبد الرزاق" ٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤ (٦٤٤٤، ٦٤٤٦ - ٦٤٤٧)، و"مصنف ابن أبي شيبة" ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠ (١١٤٩١ - ١١٥٠٢، ١١٥٠٤ - ١١٥٠٦).
(٢) انتهى كلام ابن عبد البر بتصرف.
(٣) "المستدرك" ١/ ٣٦٠.
[ ٩ / ٤٢١ ]