١٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ -شَقِّ البَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ: انْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: وَاللهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ". فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنَ العَنَاءِ. [١٣٠٥، ٤٢٦٣ - مسلم: ٩٣٥ - فتح: ٣/ ١٦٦]
١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٣/ ١٦٧]
ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَتْلُ زيد بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ، شَقِّ البَابِ .. الحديث.
وحديث أنس: قَنَتَ رَسُولُ الله - ﷺ - شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ.
حديث أنس سلف في القنوت (^١)، وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (^٢)، وقتل زيد بن حارثة وصاحباه في غزوة مؤتة -بالهمز وتركه- بالبلقاء من أرض الشام في جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ثمان.
_________________
(١) برقم (١٠٠١) كتاب: الوتر.
(٢) "صحيح مسلم" (٩٣٥) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة.
[ ٩ / ٥٥٨ ]
فالتقوا مع هرقل على القرية المذكورة في جموعه. يقال: مائة ألف غير من انضم إليهم من المستنفرة، فقتل هؤلاء، ثم اتفق المسلمون على خالد ففتح الله له فقتلهم، وقدم البشير إلى رسول الله - ﷺ -، وكان - ﷺ - أخبرهم بذلك قبل قدومه. وكان هؤلاء الثلاثة من أحب الناس إليه.
قَالَ لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي" (^١) وقال أخرى: "لا أدري أفرح بقدوم جعفر أو بفتح خيبر" (^٢).
وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (^٣) "وإنه لمن أحب الناس إليَّ ولقد كان خليقًا للإمارة" (^٤)، وكان ابن رواحة أحد النقباء واحد شعراء رسول الله - ﷺ - الذين يدافعون عنه. وقال فيه: "أن أخًا لكم لا يقول الرفث" (^٥).
وقوله: (صائر). قيل: صوابه: صير -بكسر أوله وإسكان ثانيه- أي: شقه -بفتح الشين- وهو الموضع الذي ينظر منه كالكوة (^٦)،
_________________
(١) سيأتي برقم (٢٦٩٩) كتاب: الصلح، باب: كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان.
(٢) رواه بن أبي شيبة عن الشعبي ٦/ ٣٨٤ (٣٢١٩٦) كتاب: الفضائل، باب: ما ذكر في جعفر بن أبي طالب، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٢٨١، وله شاهد من حديث عمر بن علي، رواه الحاكم ٣/ ٢٠٨ كتاب: معرفة الصحابة، وله شاهد من حديث أبي جحيفة عن أبيه، رواه الطبراني ٢٢/ ١٠٠ (٢٤٤)، ورواه أيضًا في "المعجم الأوسط" ٢/ ٢٨٧ (٢٠٠٣) وقال: لا يروي هذا الحديث عن مسعر إلا مخلد، تفرد به: الوليد بن عبد الملك، وقال الهيثمي في "المجمع" ٩/ ٢٧١ - ٢٧٢: رواه الطبراني في الثلاثة وفي رجال "الكبير" أنس بن سالم، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٩٩).
(٤) سيأتي برقم (٣٧٣٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب زيد بن حارثة مولى النبي - ﷺ -.
(٥) سلف برقم (١١٥٥) كتاب: التهجد، باب: فضل من تعار من الليل فصلى.
(٦) انظر: "لسان العرب" ٤/ ٢٣٠٠، ٢٥٣٦.
[ ٩ / ٥٥٩ ]
وليس يريد: (أنظر من شق الباب) بالكسر؛ لأن الشق: الناحية ولم يرد ذلك، وكون نساء جعفر لم يطعن الناهي؛ إما لأنهن لم يصرح لهن بنهي الشارع، فظنن أنه كالمحتسب في ذلك؛ أو لأنهن غلبن على أنفسهن لحرارة المصيبة.
وقوله: ("فاحث") روي بكثر الثاء وضمها؛ لأنه من حثى يحثي ويحثو (^١). وتأوله بعضهم على أن البكاء كان معه نوح، فلذلك نهاهن.
وقال بعضهم: كان من غير نوح؛ لأنه يبعد أن الصحابيات يتمادين على محرم، والنهي عن البكاء المجرد للتنزيه أو للأدب لا للتحريم.
والعناء -بالمد- المشقة والتعب. وللعذري عند مسلم: من الغي -بغين معجمة وياء مشددة- وهو ضد الرشد. وللطبري مثله إلا أنه بالعين المهملة المفتوحة، ولبعضهم بكسرها وكلاهما وهم، والصواب الأول، ولم ترد عائشة الاعتراض على رسول اللهﷺ -، وإنما أرادت: إنك لا تقدر على فعل ما أمرك به، وما تركته من التعب. قَالَ القرطبي: ولم يكن أمره للرجل بذلك ليفعله بهن، ولكن على طريق أن هذا يسكنهن إن فعلته، فافعله إن أمكنك وهو لا يمكنك. وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن (^٢).
وقوله: (جلس يعرف فيه الحزن)، إنما هو لما جعل الله تعالى فيه من الرحمة بأمته وحزن عليهم؛ لأنهم أئمة المسلمين، وهذا الحديث أسهل ما جاء في معنى البكاء (^٣).
_________________
(١) انظر: "الفائق في غريب الحديث" ١/ ٢٦٠.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٨٩.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ خامسًا كتبه مؤلفه غفر الله له.
[ ٩ / ٥٦٠ ]
قَالَ الطبري: إن قَالَ قائل: إن أحوال الناس في الصبر متفاوتة، فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة في وجهه بالتغير له، وفي عينيه بانحدار الدموع. ولا ينطق بالسيئ من القول، ومنهم من يظهر ذلك في وجهه وينطق بالهجر المنهي عنه، ومنهم من يجمع ذلك كله ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه، ومنهم من يكون حاله في حال المصيبة وقبلها سواء. فأيهم المستحق اسم الصبر؟ قيل: قد اختلف السلف في ذلك فقال بعضهم: المستحق لاسم الصبر هو الذي يكون في حالها مثله قبلها، ولا يظهر عليه حزن في جارحة ولا لسان. قَالَ غيره -كما زعمت الصوفية-: إن الولي لا تتم له ولاية إلا إذا تم له الرضا بالقدر، ولا يحزن على شيء، والناس في هذا الحال مختلفون، فمنهم من في طبعه الجلد وقلة المبالاة بالمصائب، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فالذي يكون في طبعه الجزع ويملك نفسه ويستشعر الصبر أعظم أجرًا من الذي الجلد طباعه.
قَالَ الطبري: كما روي عن ابن مسعود أنه لما نعي له أخوه عتبة قَالَ: لقد كان من أعز الناس عليّ وما يسرني أنه بين أظهركم اليوم حيًّا. قالوا: وكيف وهو من أعز الناس عليك؟ قَالَ: (والله) (^١) إني لأؤجر فيه أحب إليَّ من أن يؤجر فيَّ.
وقال ثابت: إن صلة بن أشيم مات أخوه، فجاءه رجل وهو يطعم، فقال: يا أبا الصهباء، إن أخاك قد مات. قَالَ: هلم فكل، قد نعي لنا إذًا فكل. قَالَ: والله ما سبقني إليك أحد، فمن نعاه؟ قَالَ: بقول الله -﷿-: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (^٢) [الزمر: ٣٠].
_________________
(١) من (م).
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ١٣٧، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
[ ٩ / ٥٦١ ]
وقال الشعبي: كان شريح يدفن جنائزه ليلًا يغتنم ذلك، فيأتيه الرجل
حين يصبح، فيسأله عن المريففيقول: هدأ، لله الشكر، وأرجو أن
يكون مستريحًا (^١). أخذه من قصة أم سليم. وكان ابن سيرين يكون عند
المصيبة كما هو قبلها يتحدث ويضحك، إلا يوم ماتت حفصة فإنه
جعل يكشر وأنت تعرف في وجهه (^٢). وسئل ربيعة: ما منتهى الصبر؟
قَالَ: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه (^٣). وقال
آخرون: الصبر المحمود هو ترك العبد عند حدوث المكروه عليه
وصفه وبثه للناس، ورضاه بقضاء ربه وتسليمه لأمره.
وأما جزع القلب، وحزن النفس، ودمع العين، فإن ذلك لا يخرج العبد عن معاني الصابرين، إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز له فعله؛ لأن نفوس بني آدم مجبولة على الجزع من المصائب. وقد مدح الله الصابرين ووعدهم جزيل الثواب عليه، والثواب إنما هو على ما اكتسبوه من أعمال الخير، دون ما لا صنع لهم فيه، وتغير الأجساد عن هيئاتها، ونقلها عن طباعها الذي جبلت عليه لا يقدر عليه إلا الذي أنشأها.
والمحمود من الصبر ما أمر الله به، وليس فيما أمر به تغيير جبلته عما خلقت به. والذي أمر به عند نزول النبلاء الرضا بقضائه، والتسليم لحكمه، وترك شكوى ربه، وبذلك فعل السلف. قَالَ ربيعة بن كلثوم: دخلنا على الحسن وهو يشتكي ضرسه، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢ (٦٥٥٧، ٦٥٥٨) كتاب: الجنائز، باب: الدفن بالليل. ورواه ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ١٤٤.
(٢) رواه البيهقي في "الشعب" ٧/ ٢٤٥ (١٠١٧٦) باب: في الصبر على المصائب.
(٣) روه أبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٢٦٢.
(٤) رواه البيهقي في "الشعب" ٧/ ٢١٧ (١٠٠٦٤) باب: في الصبر على المصائب.
[ ٩ / ٥٦٢ ]
وروى المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا: قَالَ: "قَالَ الله -﷿-: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوَّاده أنشطته من عقالي، وبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل" (^١).
_________________
(١) رواه الحاكم ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩، والبيهقي في "السنن" ٣/ ٣٧٥، وفي "الشعب"٧/ ١٨٧ - ١٨٨ (٩٩٤٣) من طريق علي بن المديني عن أبي بكر الحنفي عن عاصم بن محمد بن زيد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، به. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال البيهقي في "الشعب" ٧/ ١٨٧: إسناده صحيح. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٧٢). فائدة حديثية: قال البيهقي: زعم بعض الحفاظ أن مسلمًا أخرج هذا الحديث في كتابه عن القواريري عن أبي بكر الحنفي، ثم اعترض عليه بأن هذا الحديث إنما يروى عن عاصم عن عبد الله بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، كذلك رواه قرة بن عيسى عن عاصم. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه أو جده عن أبي هريرة، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، وقد نظرت في كتاب مسلم -﵀- فلم أجد هذا الحديث، ولم يذكره أيضًا أبو مسعود الدمشقي في تعليق الصحيح. اهـ "الشعب" ٧/ ١٨٨. لكن تعقب أبو الفضل بن عمار الشهيد فيما استدركه على كتاب مسلم من الأحاديث المعللة، فقال: ووجدت فيه عن القواريري عن أبي بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد العمري، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة .. وساقه. ثم قال: وهذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو حديث يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد. اهـ. "علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج" ص ١١٧ - ١١٩. ذكر ذلك الحافظ في "إتحاف المهرة" ١٥/ ٤٦٧ - ٤٦٨ (١٩٧٠٧)، وفي "النكت الظراف" ١٠/ ٣٠١ وأفاد فيه أن البيهقي يعني بقوله بعض الحفاظ: ابن عمار الشهيد. =
[ ٩ / ٥٦٣ ]
وقال طلحة بن مصرف: لا تشك ضرك ولا مصيبتك. قَالَ: وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق ﵉ دخل عليه جاره فقال: يا يعقوب، ما لي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنن ما بلغ أبوك؟ قَالَ: هشمني ما ابتلاني الله من يوسف، فأوحى الله تعالى إليه: أتشكوني إلى خلقي؟! قَالَ: يا رب، خطيئة فاغفرها لي. قَالَ: قد غفرتها لك. فكان بعد ذلك إذا سئل قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦] الآية (^١).
وقد توجع الصالحون على فقد سيدنا رسول الله - ﷺ -، وحزنوا له أشد الحزن. قَالَ طاوس: ما رأيت خلقًا من خلق الله أشد تعظيمًا لمحارم الله من ابن عباس، وما ذكرته قط فشئت أن أبكي إلا بكيت، ورأيت على خديه مثل الشراكين من بكائه على رسول الله - ﷺ - (^٢). وقال أبو عثمان: رأيت عمر بن الخطاب لما جاءه [نعي] (^٣) النعمان بن مقرن وضع يده على رأسه وجعل يبكي (^٤)، ولما مات سعيد بن الحسن بكى عليه الحسن حولًا فقيل له: يا أبا سعيد، تأمر بالصبر وتبكي؟! قَالَ: الحمد لله الذي جعل هذِه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها
_________________
(١) = والحديث ذكره الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذي" ٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩ وعزاه لمسلم في "صحيحه". وذكر ذلك الألباني في "الصحيحة" ١/ ٥٥٠ ووهَّم الحافظ ابن رجب في عزوه الحديث لمسلم!.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢ (١٩٧٢٦).
(٣) رواه أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" ٢/ ١٢٠٤ (١٨٣٧) وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٢٩.
(٤) زيادة يقتصها السياق ليتضح المعنى وانظر "الآحاد والمثاني" ٢/ ٣٠٦.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٣/ ٤٨ (١١٩٨٠) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل ينتهي إليه نعي الرجل ما يقول.
[ ٩ / ٥٦٤ ]
بعضهم بعضًا بدمع العين، وبحزن القلب، وليس ذلك من الجزع، إنما الجزع ما كان من اللسان واليد، الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالًا عليه، وقد بكى عليه حَتَّى ابيضت عيناه من الحزن (^١).
وقال يحيى بن سعيد: قلتُ لعروة: إن ابن عمر يشدد في البكاء على الميت، فقال: قد بكى على أبيه، وبكى أبو وائل في جنازة خيثمة.
فهؤلاء معالم الدين لم يروا إظهار الوجد على المصيبة بجوارح الجسم إذا لم يتجاوزوا فيه المحظور خروجًا من معنى الصبر، ولا دخولًا في معنى الجزع، وقد بكى الشارع على ابنته زينب (^٢)، وعلى ابنه إبراهيم وفاضت عيناه، وقالِ: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" (^٣). وبكى لفقد جلة الإسلام وفضلاء الصحابة، فإذا كان الإمام المتبع به نرجو الخلاص من ربنا، وكان قد حزن بالمصيبة وأظهر ذلك بجوارحه ودمعه، وأخبر أن ذلك رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فقد صح قول من وافق ذلك وسقط ما خالفه.
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ٧/ ١٧٨، والبيهقي في "الشعب" ٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (١٠١٦٦) باب: في الصبر على المصائب.
(٢) سلف ما يدل على ذلك برقم (١٢٨٥) كتاب: الجنائز، باب: يقول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه.
(٣) سيأتي برقم (١٣٠٣) باب: قول النبي: "إنا بك لمحزونون".
[ ٩ / ٥٦٥ ]