وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الجَزَعُ القَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]
١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ - يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا". قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ. [٥٤٧٠ - مسلم: ٢١٤٤ (٢٣) - فتح: ٣/ ١٦٩]
وذكر فيه حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: اشْتَكَى ابن لأَبِي طَلْحَةَ، فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارجٌ .. الحديث، وفي آخره: "لَعَلَّ الله أَنْ يُبَارِكَ لهما فِي ليلتهما". قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ.
الشرح:
حديث أنس هذا قَالَ أبو نعيم في "مستخرجه": يقال: إن هذا مما تفرد به البخاري، وقال المزي: هذا حديث غريب تفرد به بشر بن الحكم يعني: شيخ البخاري (^١)، قيل: لم يروه أحد عنه غير البخاري، وكأنهما
_________________
(١) "تحفة الأشراف" ١/ ٨٢.
[ ٩ / ٥٦٦ ]
يشيران إلى التفرد بالسند لا المتن؛ لأن المتن رواه عن أنس عندهما أنس ابن سيرين، وثابت عند مسلم (^١)، وحميد عند أبي نعيم (^٢)، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عند الإسماعيلي، وللبخاري: فقال - ﷺ -: "أعرستم الليلة؟ " قَالَ: نعم، قَالَ: "اللهم بارك لهما". فولدت غلامًا فقال لي أبو طلحة: أحمله حَتَّى تأتي به رسول الله - ﷺ -، وبعث معه بتمرات، فحنكه وسماه عبد الله (^٣). ولمسلم: لما مات قالت لأهلها: لا تخبروا أبا طلحة بابنه حَتَّى أكون أنا أخبره، فجاء فقربت له عشاءً، فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قالت: فاحتسب ابنك. الحديث (^٤).
وروى معمر، عن ثابت، عن أنس أنه لما جامعها قالت له ذلك (^٥)، وللإسماعيلي: وكان أبو طلحة صائمًا. وللبيهقي: وكان أبو طلحة يحب الابن، ولأبي داود: "يبارك لكما في غابر ليلتكما" (^٦).
إذا تقرر ذلك، فالكلام على ذلك من أوجه:
أحدها:
البث في الآية: أشد الحزن قَالَ بعض السلف: قول العبد: إنا لله وإنا إليه راجعون. كلمة لم يعطها أحد قبل هذِه الأمة، ولو علمها
_________________
(١) "مسلم" (٢١٤٤) كتاب: الأدب، باب: استحباب تحنيك المولود عند ولادته.
(٢) "الحلية" ٢/ ٥٧.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٧٠) كتاب: العقيقة، باب: تسمية المولود.
(٤) مسلم ١٢٤٤/ ١٠٧ بعد حديث (٢٤٥٧) كتاب: "فضائل الصحابة" باب: من فضائل أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
(٥) رواه عبد بن حميد في "المنتخب" ٣/ ١٢٠ - ١٢١.
(٦) رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" ٣/ ٥٣٣ (٢١٦٨).
[ ٩ / ٥٦٧ ]
يعقوب لم يقل: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وقال سعيد بن جبير: لم تعط أمة من الأمم ما أعطيته هذِه الأمة من الاسترجاع، ثم تلا هذِه الآية: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (^١).
الثاني:
هذا الابن المتوفي هو أبو عمير صاحب النغير، قاله ابن حبان والخطيب وغيرهما (^٢)، ولما خرجه الحاكم وسماه قَالَ: صحيح على شرطهما. و(فيه) (^٣) سنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز. فإنَّ فيه أن أم سليم، كانت خلف أبي طلحة، وأبو طلحة خلف رسول الله - ﷺ -، لم يكن معهم غيرهم (^٤).
الثالث:
هدأ -بالهمز- سكن، ومنه هدأت الرِّجْلُ: إذا نام الناس. وأهدأت المرأة ولدها: سكتته لينام؛ لأن النفس كانت قلقة شديدة الانزعاج بالمرض، فسكنت بالموت، ولذلك قالت: أرجو أن يكون قد استراح.
وقولها: (أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) من حسن المعاريض وهو ما احتمل معنيين، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه، ولكن ورَّت به عن المعنى الذي كان يحزنها، ألا ترى أن نفسه قد هدأ كما قالت بالموت وانقطاع النفسس، وأوهمته أنه استراح قلقه، وإنما استراح من نصب الدنيا وهمها.
_________________
(١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" ٧/ ١١٧ (٩٦٩١) باب: الصبر على المصائب.
(٢) "صحيح ابن حبان" ١٦/ ١٥٨ (٧١٨٨) كتاب: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة.
(٣) من (م).
(٤) "المستدرك" ١/ ٣٦٥ كتاب: الجنائز.
[ ٩ / ٥٦٨ ]
الرابع:
فيه منقبة عظيمة لأم سليم بصبرها ورضاها بقضاء الله تعالى.
الخامس:
فلما أصبح اغتسل. فيه: تعريض بالإصابة، وقد صرح بها في بعض الروايات (^١)، وقوله: ("لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما") يحتمل أن يكون خبرًا ودعاءً، فأجاب الله تعالى قوله، فحملت تلك الليلة بعبد الله بن أبي طلحة، والد إسحاق، راوي الحديث، فحنَّكه - ﷺ - وسماه، وكان من خير أهل زمانه، وآتاهما الله تعالى ذلك لصبرهما، والذي لهما عند الله أعظم.
السادس:
الأولاد الذين أشار إليهم سفيان (^٢)، هم: القاسم، وعمير، وزيد، وإسماعيل، ويعقوب، وإسحاق، ومحمد، وعبد الله (^٣)، وإبراهيم، ومعمر، وعمارة، وعمر (^٤)، ذكرهم ابن الجوزي، وعدتهم اثنا عشر.
السابع:
وهو فقه الباب: عدم إظهار الحزن عند المصيبة، وترك ما أبيح لي من إظهار الحزن الذي لا إسخاط فيه لله تعالى، كما فعلت أم سليم فإنها اختارت الصبر، ومن قهر نفسه وغلبها على الصبر ممن تقدم ذكره في الباب قبل هذا فهو آخذ بأدب الرب ﷻ في قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].
_________________
(١) سيأتي الحديث على ذلك برقم (٥٤٧٠).
(٢) ورد بهامش الأصل: إنما نقله سفيان عن رجل من الأنصار غير مسمى، كذا في الصحيح.
(٣) في الأصل: عبيد الله، ورد بهامش الأصل ما نصه: لعل صوابه عبد الله.
(٤) انظر "الطبقات الكبرى" ٥/ ٧٤.
[ ٩ / ٥٦٩ ]
الثامن:
فيه من الفقه: جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة لمن قدر عليها، وأن ذلك مما ينال به العبد رفيع الثواب وجزيل الأجر.
التاسع:
التسلية عند المصائب.
العاشر:
فيه: أن المرأة تتزين لزوجها تعرضًا للجماع لقوله: (ثم هيأت شيئًا) أراد: هيأت شيئًا من حالها.
الحادي عشر:
أن من ترك شيئًا لله تعالى، وآثر ما ندب إليه، وحض عليه من جميل الصبر، أنه معوض خيرًا بما فاته، ألا ترى قوله: (فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْاَنَ). ولقد أخذت أم سليم في الصبر إلى أبعد غاية، على أن النساء أرق أفئدة؛ لأنا نقول: إن ما في نسائها ولا في الجلد من الرجال مثل أم سليم؛ لأنها كانت تسبق الكثير من الرجال الشجعان إلى الجهاد، وتحتسب في مداواة الجرحى، وثبتت يوم حنين في ميدان الحرب، والأقدام قد زلزلت، والصفوف قد انتفضت. والمنايا قد فغرت، فالتفت إليها رسول الله - ﷺ -، وفي يدها خنجر فقالت: يا رسول الله أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك، فليسوا بشرًّ منهم (^١).
_________________
(١) روى مسلم ما يدل على ذلك من حديث أنس برقم (١٨٠٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة النساء مع الرجال.
[ ٩ / ٥٧٠ ]