١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. زَادَ الحُمَيْدِيُّ: "حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ". [١٣٠٨ - مسلم: ٩٥٨ - فتح: ٣/ ١٧٧]
ذكر فيه حديث سفيان عن الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ ابْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ".
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ، أنا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وفي بعض نُسخ البخاري: زَادَ الحُمَيْدِيُّ: "حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا ولفظه: "حَتَّى تخلفكم أو توضع" (^١) وفي لفظٍ له: "إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن معها فليقم حين يراها تخلفه، إذا كان غير متبعها" (^٢).
إذا تقرر ذلك فمعنى القيام للجنازة -والله أعلم- على التعظيم لأمر الميت، والإجلال لأمر الله؛ لأن الموت فزع، فيستقبل بالقيام له والجد.
وقد روي هذا المعنى مرفوعًا من حديث ابن عمر: "إنما تقومون إعظامًا لمن يقبض النفوس". رواه أحمد والحاكم. وقال: صحيح الإسناد (^٣).
وروي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٩٥٨) كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة.
(٢) "صحيح مسلم" (٩٥٨).
(٣) "مسند أحمد" ٢/ ١٦٨، و"مستدرك الحاكم" ١/ ٣٥٧ كتاب: الجنائز.
[ ٩ / ٥٨٦ ]
فقوموا" رواه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة (^١). وقد أخذ بظاهر حديث الباب جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء كما سنقف على ذلك في الباب بعد بعده.
ورأت طائفة ألا يقوم للجنازة إذا مرت به، وقالوا: لمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع. ونقله الحازمي عن أكثر أهل العلم (^٢). واحتجوا بحديث عليًّ - ﵁ - أنه - ﷺ - كان يقوم للجنازة ثم جلس بعد. أخرجه مسلم (^٣).
ولابن حبان: كان يأمر بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك (^٤).
وفي لفظ: قام ثم قعد (^٥). وفي آخر: قام فقمنا، ورأيناه قعد فقعدنا (^٦).
وقال عليٌّ: ما فعله رسول الله - ﷺ - إلا مرة، فلما نسخ ذلك نهى عنه (^٧). وفي لفظٍ: قام مرة ثم نهى عنه (^٨).
فدل هذا: أن القيام منسوخ بالجلوس.
وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب، وعروة (^٩)، ومالك، وأبو حنيفة
_________________
(١) "المصنف" ٣/ ٤١ (١١٩٠٦) باب: من قال: يقام للجنازة إذا مرت.
(٢) "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" ص ٩٣.
(٣) "صحيح مسلم" (٩٦٢) كتاب: الجنائز، باب: نسخ القيام للجنازة.
(٤) "صحيح ابن حبان" ٧/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (٣٠٥٦) كتاب: الجنائز، باب: فصل في القيام للجنازة.
(٥) رواه مسلم عن علي بن أبي طالب (٩٦٢) كتاب: الجنائز، باب: نسخ القيام للجنازة، والترمذي (١٠٤٤) كتاب: الجنائز، باب: الرخصة في ترك القيام لها، والنسائي ٤/ ٧٧ - ٧٨ كتاب: الجنائز، باب: الوقوف للجنائز، والبيهقي ٤/ ٢٧ كتاب: الجنائز، باب: حجة من زعم أن القيام للجنازة منسوخ.
(٦) رواه مسلم (٩٦٢/ ٨٤)، والنسائي ٤/ ٧٨.
(٧) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٥٩ (٦٣١١) كتاب: الجنائز، باب: القيام حين ترى الجنازة.
(٨) رواه البزار في "المسند" ٣/ ١٢٢ (٩٠٨).
(٩) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢ (٦٣١٥)، (٦٣٢٠) كتاب: الجنائز، باب: القيام حين ترى الجنازة.
[ ٩ / ٥٨٧ ]
وأصحابه، والشافعي (^١). وكان ابن عمر وأصحاب رسول الله - ﷺ - يجلسون قبل أن توضع الجنازة (^٢)، فهذا ابن عمر يفعل هذا. وقد روي عن عامر بن ربيعة، عن رسول الله - ﷺ - خلاف ذلك. فدل تركه لذلك ثبوت نسخ ما حدث به عامر. وأنكرت عائشة القيام لها، وأخبرت أن ذلك كان من فعل الجاهلية (^٣).
وقال عبد الملك بن حبيب وابن الماجشون: ذلك على التوسعة، والقيام فيه أجر وحكمه باق (^٤).
وقول مالك أولى؛ لحديث عليًّ السالف. وقال صاحب "المهذب": هو مخير بين القيام والقعود (^٥).
وقال جماعة: يكره القيام إذا لم يرد المشي معها (^٦)، وبه قَالَ أبو حنيفة. وقال المتولي: يستحب (^٧) القيام (^٨). وحديث علي مبين للجواز.
فأما القيام على القبر حَتَّى تقبر، فقال القرطبي: كرهه قوم، وعمل به آخرون. رُوي ذلك عن عليًّ وعثمان وابن عمر، وأمر به عمرو بن العاصي (^٩).
_________________
(١) انظر: "تبيين الحقائق" ١/ ٢٤٤، "التمهيد" ٦/ ٢٦٩، "الأم" ١/ ٢٤٧.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤ (١١٥١٩) كتاب: الجنائز، باب: من رخص في أن يجلس قبل أن توضع.
(٣) رواه البيهقي ٤/ ٢٨ كتاب: الجنائز، باب: حجة من زعم أن القيام للجنازة منسوخ.
(٤) انظر: "المنتقى" ٢/ ٢٤.
(٥) "المهذب" ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥.
(٦) عزاه النووي إلى بعض الشافعية، "المجموع" ٥/ ٢٤١.
(٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: واختاره النووي في "شرح المهذب" و"شرح مسلم".
(٨) انظر: "شرح مسلم للنووي" ٧/ ٣٨.
(٩) رواه ابن أبي شيبة عن علي ٣/ ٢٥ (١١٧٥٥) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يقوم على قبر الميت، وانظر: "المفهم" ٢/ ٦٢٠.
[ ٩ / ٥٨٨ ]