وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - "أَلَا آذَنْتُمُونِي". [انظر: ٤٥٨]
١٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُهُ فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟ ". قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا -وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ- أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: ٨٥٧ - مسلم:٩٥٤ - فتح: ٣/ ١١٧]
ثم ذكر حديث ابن عباس: مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَعُودُهُ فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقال: "مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟ ". قالوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا -وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ - أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
الشرح:
أما تعليق أبي رافع فسلف مسندًا في باب: كنس المسجد (^١).
وحديث ابن عباس أخرجه مسلم مختصرًا أنه - ﵇ - صلى على قبر بعد ما دفن فكبر عليه أربعًا (^٢).
والبخاري أخرجه عن محمد ثنا أبو معاوية، وأبو معاوية روى عنه المحمدان ابن المثني وابن سلام شيخا البخاري (^٣).
_________________
(١) بر قم (٤٥٨) كتاب: الصلاة.
(٢) مسلم (٩٥٤/ ٦٨) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر.
(٣) ولم ينسبه المزي في "التحفة" ٥/ ٣٢ (٥٧٦٦). وقال الحافظ في "الفتح" ٣/ ١١٧: هو ابن سلام كما جزم به أبو على بن السكن في روايته عن الفربري. وكذا قال العيني في "العمدة" ٦/ ٣٨٠، والقسطلاني في =
[ ٩ / ٤٢٢ ]
وروي عن الشعبي مرة فقال: بعد موته بثلاث (^١).
وروي: بعد ما دفن بليلتين (^٢). وروي بعد شهر.
قال الدارقطني: تفرد بهذا بشر بن آدم (^٣). وخالفه غيره فقال: بعد ما دفن (^٤).
أما فقه الباب:
ففيه: الإذن بالجنازة والإعلام به وقد سلف ما فيه في الباب قبله.
وهو سنة بخلاف قول من كره ذلك كما سلف.
_________________
(١) = "إرشاد الساري" ٢٨٤/ ٣. وهو ما جزم به السيوطي في "التوشيح" ٣/ ١٠٥١، وزكريا الأنصاري في "المنحة" ٣/ ٣٢١.
(٢) رواه الدارقطني ٢/ ٧٨، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٤٦، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٧/ ٤٥٥ من طريق إسحاق بن منصور عن هريم بن سفيان عن الشيباني عن الشعبي، به. والحديث بهذا اللفظ صححه الألباني في "الصحيحة" (٣٠٣١).
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" ١/ ٢٤٥ (٨٠٢) من طريق محمد بن الصباح الدولابي قال: نا إسماعيل بن زكريا، عن الشيباني، به. قال الطبراني: لم يقل أحد ممن رواه عن الشيباني: بليلتين، إلا إسماعيل بن زكريا، تفرد به محمد بن الصباح. وذكره البيهقي ٤/ ٤٦ وعزاه لكتابه "الخلافيات". وبهذا اللفظ رواه أيضًا الذهبي في "السير" ١٠/ ٦٧٣ من طريق محمد بن الصباح، به.
(٤) رواه الدارقطني ٢/ ٧٨، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٤٦ من طريق بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان عن الشيباني، به. ووصف الحافظ في "الفتح" ٣/ ٢٠٥ هذِه الروايات الثلاثة بأنها شاذة. وانظر: "الإرواء" ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٥) رواه بهذا اللفظ أحمد ١/ ٢٢٤، وأبو يعلى ٤/ ٤٠٠ - ٤٠١ (٢٥٢٣)، وابن حبان ٨/ ٣٥٤ (٣٠٨٥)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين" ٢/ ١٢٧ (١٥٦)، والبيهقي ٤/ ٤٦، وابن الجوزي في "التحقيق" ٢/ ١٦ (٨٩٥).
[ ٩ / ٤٢٣ ]
وروي عن ابن عمر أنه كان إذا مات له ميت تحيَّن غفلة الناس ثم خرج بجنازته، والحجة في السنة لا فيما خالفها، وقد روي عن ابن عمر في ذلك ما يوافق السنة، وذلك أنه نعي له رافع بن خُديج. قال: كيف تريدون أن تصبحوا به؟ قالوا: نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى قرى حول المدينة فيشهدوا. قال: نعم ما رأيتم. وكان أبو هريرة يمر بالمجالس فيقول: إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته (^١). وصلاته - ﵇ - على هذا الفتى؛ لأنه كان يخدم المسجد.
وقد روى أبو هريرة في هذا الحديث أن رجلًا أسود أو امرأة سوداء كان يكون في المسجد يقمه فمات (^٢).
وروى مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله - ﷺ - بمرضها -وكان - ﷺ - يعود المساكين- فقال: "إذا ماتت فآذنوني". فخرج بجنازتها ليلًا، وذكر الحديث (^٣). فإنما صلى على القبر؛ لأنه كان وعد ليصلي عليه؛
_________________
(١) حكاه ابن الحاجب في "جامع الأمهات" ص ٦٧ - ٦٨، وعنه نقله المصنف ﵀ كما سيأتي عزوه.
(٢) هو الحديث السالف برقم (٤٥٨).
(٣) "الموطأ" ١/ ٢٢٧. وعنه الشافعي في "المسند" ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩، ومن طريقه النسائي ٤/ ٤٠، وفي الكبرى" ١/ ٦٢٣ (٢٠٣٤)، والروياني ٢/ ٢٩٤ (١٢٣٨)، وابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ٢٠٧. ورواه البيهقي ٤/ ٤٨ من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، بنحوه بأطول. قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٢٥٤: لم يختلف على مالك في "الموطأ" في إرسال هذا الحديث. وهو حديث مسند متصل صحيح من غير حديث مالك، من حديث الزهري وغيره. اهـ. ثم رواه ٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤ عن أبي أمامة عن أبيه سهل بن حنيف، موصولًا. =
[ ٩ / ٤٢٤ ]
ليكرمه بذلك؛ لإكرامه بيت الله؛ ليحتمل المسلمون من تنزيه المساجد، ما ينالون به هذِه الفضيلة.
وسيأتي اختلاف العلماء في الصلاة على القبر بعد ما يدفن في بابه (^١)، ومشهور مذهب مالك أنه لا يصلى على القبر، فإن دفن بغير صلاة فقولان، وعلى النفي أقوال: ثالثها: يخرج ما لم يطل (^٢). والخروج بالجنازة ليلًا جائز، والأفضل نهارًا؛ لانتفاء المشقة، وكثرة المصلين، فإن كان لضرورة فلا بأس، رواه علي عن مالك (^٣). وكراهتهم المشقة عليه من باب تعظيمه وإكرامه، مع أنه كان لا يوقظ من نومه؛ لأنهم كانوا لا يدرون ما يحدث له في نومه.
وفيه: تعجيل الجنازة فإنهم ظنوا أن ذلك آكد من إيذانه.
وقوله: (فأتى قبره، فصلى عليه). ظاهر في الصلاة عليه، وقد سلف ما فيه عن مشهور مذهب مالك كما نقله ابن الحاجب (^٤).
وقال ابن التين: جمهور أصحابهم على الجواز، خلافًا لأشهب وسحنون فإنما قالا: إن نسي أن يصلي على الميت، فلا يصلي على قبره وليدع له. قال سحنون: ولا أجعله ذريعة إلى الصلاة على القبور.
_________________
(١) = وقال الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٨٦: إسناد صحيح، وفيه إرسال لا يضر. فائدة: المرأة المبهمة في هذا الحديث اسمها: أم محجن، جزم بذلك ابن طاهر المقدسي في "إيضاح الاشكال" (١٨٧)، وابن بشكول في "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ٢٧.
(٢) انظر الحديثين الآتيين برقم (١٣٣٦، ١٣٣٧) باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن.
(٣) ذكر الثلاثة الآثار هذِه ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٣٢٧
(٤) انظر: "المنتقى" ٢/ ١٣.
(٥) "جامع الأمهات" ص ٦٧ - ٦٨، وقد تقدم.
[ ٩ / ٤٢٥ ]
قال ابن القاسم: وسائر أصحابنا يصلي على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت، وأما إذا لم تفت وكان قد صلي عليه فلا يصلي عليه، وقال ابن وهب عن مالك، ذلك جائز (^١).
وبه قال الشافعي وعبد الله بن وهب صاحب مالك وابن عبد الحكم، وأحمد، وإسحاق، وداود، وسائر أصحاب الحديث.
قال أحمد بن حنبل: روي الصلاة على القبر عن النبي - ﷺ - من ستة وجوه كلها حسان (^٢).
_________________
(١) انظر: "المنتقى" ٢/ ١٤.
(٢) حكاه عنه ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٢٦١، و"الاستذكار" ٨/ ٢٤٧، وابن قدامة في "المغني" ٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وابن ضويان في "منار السبيل" ١/ ١٦٣. قلت: روي من حديث ابن عباس وأبي هريرة وأنس ويزيد بن ثابت وعامر بن ربيعة وجابر بن عبد الله وبريدة بن الحصيب وأبي سعيد الخدري وأبي أمامة بن سهل بن حنيف والحصين بن وحوح وأبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري وسعد بن عبادة. أما حديث ابن عباس فهو حديث الباب (١٢٤٧)، والسالف برقم (٨٥٧)، ورواه مسلم (٩٥٤). وأما حديث أبي هريرة فهو السالف برقم (٤٥٨) وهو في الباب معلقًا، ورواه مسلم (٩٥٦). وأما حديث أنس بن مالك فرواه مسلم (٩٥٥). وأما حديث يزيد بن ثابت فرواه النسائي ٤/ ٨٤ - ٨٥، وابن ماجه (١٥٢٨)، وأحمد ٤/ ٣٨٨، والحاكم ٣/ ٥٩١، والبيهقي ٤/ ٣٥، ٤٨، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٢٧١ - ٢٧٢ من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت، بنحوه. قال الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٨٥: سنده صحيح. وأما حديث عامر بن ربيعة فرواه ابن ماجه (١٥٢٩)، وأحمد ٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وابن عبد البر ٦/ ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٦٩ من طريق ابنه عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، بنحوه. قال الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٨٥: سنده صحيح على شرط مسلم. =
[ ٩ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما حديث جابر فرواه النسائي ٤/ ٨٥ من طريق حبيب بن أبي مرزوق عن عطاء عن جابر، بنحوه. قال الألباني ٣/ ١٨٥: سنده صحيح لكنه أخطأ فأسقط عطاء من السند، فجعله عن حبيب بن أبي مرزوق عن جابر. وأما حديث بريدة بن الحصيب فرواه ابن ماجه (١٥٣٢)، والبيهقي ٤/ ٤٨ من طريق علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه، بنحوه. قال الذهبي في "المهذب" ٣/ ١٣٩١ (٦٢٣٣): إسناده لين. قال الألباني ٣/ ١٨٥: فيه ضعف. لكن ذكره الحافظ في "الفتح" ١/ ٥٥٣ وقال: إسناده حسن! وأماحديث أبي سعيد فرواه ابن ماجه (١٥٣٣). قال الألباني: فيه ابن لهيعة. وأما حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فتقدم تخريجه قريبًا، وهو مرسل، وصله ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤ فجعله من مسند سهل بن حنيف. وحديثي الحصين بن وحوح وأبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري فرواهما ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٢٧٢ - ٢٧٤. وحديث سعد بن عبادة رواه أيضًا ٦/ ٢٦٤. وعدَّ الحافظ ابن عبد البر الستة وجوه التي ذكرها الإمام أحمد أنها أحاديث سهل ابن حنيف الموصول، وحديث سعد بن عبادة، وحديث أبي هريرة، وحديث عامر ابن ربيعة، وحديث أنس، وحديث ابن عباس "التمهيد" ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣. ثم قال ٦/ ٢٧١: وقد روينا عن النبي - ﷺ - أنه صلى على قبر من ثلاثة أوجه سوى هذِه الستة الأوجه المذكورة وكلها حسان، ثم ذكر أحاديث يزيد بن ثابت والحصين بن وحوح وأبي أمامة بن ثعلبة، ثم قال: فالله أعلم أيها أراد الإمام أحمد بن حنبل. وكذلك وصف أحاديث يزيد والحصين وأبي أمامة بن ثعلبة في "الاستذكار" ٨/ ٢٤٨ بأنها حسان. أما الألباني لما خرج الحديث في "الإرواء" (٧٣٦) وقال: صحيح متواتر. ذكر أحاديث ابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك ويزيد بن ثابت وعامر بن ربيعة =
[ ٩ / ٤٢٧ ]
قال أبو عمر: وكرهها النخعى والحسن وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد. قال ابن القاسم: قلت لمالك: فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه. قال: قد جاء، ليس عليه العمل (^١).
قلت: وبعضهم أجاب بالخصوصية بأن صلاته عليهم نور كما صح، وبأنه الولي فلا تسقط بصلاة غيره وهو قول جماعة منهم، ومنهم من قال: تسقط ولا تعاد.
قال أبو عمر: وأجمع من رأى الصلاة على القبر: أنه لا يصلى عليه إلا بقرب ما يدفن. وأكثر ما قالوا في ذلك: شهر (^٢). وقال أبو حنيفة: لا يصلى على قبر مرتين، إلا أن يكون الذي صلى عليها غير وليها، فيعيد وليها الصلاة عليها إن كانت لم تدفن فإن دفنت أعادها على القبر (^٣).
_________________
(١) = وجابر. ثم قال: لعل الإمام أحمد يعني بالوجوه الستة، هذِه الطرق الست، فإنها أصح الطرق. ثم ذكر حديث بريدة وأبي سعيد وأبي أمامة بن سهل المرسل.
(٢) "التمهيد" ٦/ ٢٦٠، و"الاستذكار" ٨/ ٢٤٦.
(٣) نقل أبو عمر هذا الإجماع في "الاستذكار" ٨/ ٢٥١.
(٤) نقله ابن عبد البر في "الاستذكار" ٨/ ٢٥١.
[ ٩ / ٤٢٨ ]