١١٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْر، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ المَازِنِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ". [مسلم: ١٣٩٠ - فتح: ٣/ ٧٠]
١١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي". [١٨٨٨، ٦٥٨٨، ٧٣٣٥ - مسلم: ١٣٩١ - فتح: ٣/ ٧٠]
ذكر فيه حديث عبد الله (س) بن زيد المازني أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ".
وحديث خبيب بن عبد الرحمن -بضم الخاء المعجمة- عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: … بمثله وزاد: "وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي".
أخرجهما مسلم في الحج (^١)، والثاني يأتي في الحج، والحوض، والاعتصام (^٢).
وروى الثاني مالك به، لكنه قَالَ: عن أبي هريرة، أو أبي سعيد (^٣)،
_________________
(١) "صحيح مسلم" برقم (١٣٩٠ - ١٣٩١) باب: ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة.
(٢) برقم (١٨٨٨) كتاب: فضائل المدينة، باب: كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة، وبرقم (٦٥٨٨) كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، وبرقم (٧٣٣٥) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم ..
(٣) "الموطأ" ١/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٥١٨) في الجمعة، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد.
[ ٩ / ٢٤٧ ]
وانفرد معن بن عيسى، وروح بن عبادة فقالا: عن أبي هريرة، وأبي سعيد من غير شك (^١).
وروي عن مالك بإسقاط أبي سعيد (^٢). والحديث محفوظ لأبي هريرة، نبه على ذلك أبو عمر (^٣).
قَالَ الداني في "أطرافه": وتابع عبيد الله العمري عن خبيب جماعة (^٤). ورواه محمد بن سليمان البصري، عن مالك، عن ربيعة، عن سعيد، عن ابن عمر قَالَ: أخبرني أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: "وضعت منبري على ترعة من ترع الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (^٥) ولم يتابع عليه، وابن سليمان ضعيف.
وروى أحمد بن يحيى الكوفي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" (^٦) وهو إسناد
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في "التمهيد" ٢/ ٢٨٥.
(٢) هذِه الرواية في "التمهيد" ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٣) "التمهيد" ٢/ ٢٨٦.
(٤) "الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ" ٣/ ٢٦٨.
(٥) رواه الطحاوي في "المشكل- تحفة الأخيار" ٣/ ٣٧٠ (١٨٧٠) في الحج، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله: "بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة"، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ٤/ ٧٢، وأبونعيم في "الحلية" ٣/ ٢٦٤، ٦/ ٣٤١، وقال: هذا حديث غريب من حديث ربيعة تفرد به محمد بن سليمان عن مالك عنه. قلت: ومحمد بن سليمان. قال ابن عبد البر: ضعيف، وقال الأسدي: منكر الحديث. "لسان الميزان" ٦/ ١٥٢ ترجمة (٧٤٩٢).
(٦) رواه بهذا الإسناد الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" كما في "تحفة الأخيار" ٣/ ٣٧١ (١٨٧٣) كتاب: الحج، باب: مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله: "بين قبري ومنبري .. "، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ٤/ ٧٢، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٢/ ١٦٠.
[ ٩ / ٢٤٨ ]
خطأ كما قاله أبو عمر (^١). ومن الموضوعات: حديث ابن عمر المرفوع: "ما بين منبري وقبري و(اصطوانة) (^٢) التوبة روضة من رياض الجنة" (^٣).
إذا تقرر ذلك، فالصحيح في الرواية: "بيتي" وروي مكانه: "قبري"، وجعله بعضهم تفسيرًا و"بيتي"، قاله زيد بن أسلم، والظاهر بيت سكناه، والتأويل الآخر جائز؛ لأنه دفن في بيت سكناه. وروي: "ما بين حجرتي ومنبري" (^٤) والقولان متفقان؛ لأن قبره في حجرته، وهي بيته.
وقام الإجماع على أن قبره أفضل بقاع الأرض كلها، والروضة في كلام العرب: المكان المطمئن من الأرض فيه النبت والعشب (^٥). وحمل كثير من العلماء الحديث على ظاهره فقالوا: ينقل ذلك الموضِع بعينه إلى الجنة، قَالَ تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] دلت أن الجنة تكون في الأرض يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به أن العمل الصالح في ذلك الموضع يؤدي بصاحبه إلى الجنة كما قَالَ - ﷺ -: "ارتعوا في رياض الجنة" (^٦) يعني: حلق الذكر والعلم لما كانت مؤدية
_________________
(١) "التمهيد" ١٧/ ١٨١.
(٢) كذا بالأصل، والتصحيح من "اللسان" و"القاموس".
(٣) رواه الإسماعيلي في "مسند عمر بن الخطاب" كما في "لسان الميزان" ٤/ ٦٤ في ترجمة عبد الملك بن زيد الطائي، من حديث عمر لا ابنه.
(٤) رواه أحمد ٢/ ٥٣٤.
(٥) انظر: "لسان العرب" ٣/ ١٧٧٥.
(٦) رواه الترمذي برقم (٣٥٠٩) كتاب: الدعوات، قال: هذا حديث حسن غريب. عن أبي هريرة. وله شاهد رواه الترمذي برقم (٣٥١٠) كتاب: الدعوات. قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس. وأحمد ٣/ ١٥٠، وأبو يعلى ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢)، والطبراني في "الدعاء" ٣/ ١٦٤٣ - ١٦٤٤ (١٨٩٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" ١/ ٣٩٨ (٥٢٩) باب: =
[ ٩ / ٢٤٩ ]
إلى الجنة، فيكون معناه التحريض على زيارة قبره - ﵁ -، والصلاة في مسجده، وكذا: "الجنة تحت ظلال السيوف" (^١) واستبعده ابن التين، وقال: يؤدي إلى السفسطة والشك في العلوم الضرورية. وقال: إنها من رياض الجنة الآن، حكاه ابن التين، وأنكره. قَالَ: والعمل على التأويل الثاني يحتمل وجهين:
أحدهما: أن اتباع ما يتلى فيه من القرآن والسنة يؤدي إلى رياض الجنة، فلا يكون فيها للبقعة فضيلة إلا لمعنى اختصاص هذِه المعاني دون غيرها.
والثاني: أن يريد أن ملازمة ذلك الموضع بالطاعة يؤدي إليها؛ لفضيلة الصلاة فيه على غيره. قَالَ: وهو أبين؛ لأن الكلام إنما خرج على تفضيل ذلك الموضع، وذلك أن مالكًا في "موطئه" أدخله في فضل الصلاة في مسجده على سائر المساجد (^٢)، ويشبه أن يكون تأول هذا الوجه، وإنما خصت الروضة بهذا؛ لأنها ممره بينه وبين منبره، ولصلاته فيها.
وقال الخطابي: معنى الحديث تفضيل المدينة، وخصوصًا البقعة
_________________
(١) = في محبة الله -﷿-. من حديث أنس. وله شاهد رواه أبو يعلى في "مسنده" ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١ (١٨٦٥ - ١٨٦٦)، والحاكم ١/ ٤٩٤ - ٤٩٥ كتاب: الدعاء. وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: عمر ضعيف. والبيهقي في "شعب الإيمان" ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (٥٢٨) باب: في محبه الله -﷿-. من حديث جابر وضعف الألباني الأول في "ضعيف الترمذي". وحسَّن الثاني في "صحيح الترمذي".
(٢) سيأتي برقم (٢٨١٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجنة تحت بارقة السيوف.
(٣) "الموطأ" ١/ ٢٠١ - ٢٠٢ في الجمعة، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد.
[ ٩ / ٢٥٠ ]
التي بين البيت والمنبر، يقول: من لزم الطاعة فيها آلت به إلى روضة من رياض الجنة، ومن لزم العبادة عند المنبر سقي في الجنة من الحوض (^١).
وقال أبو عمر: كأنهم يعنون أنه لما كان جلوسه، وجلوس الناس إليه يتعلمون القرآن والدين والإيمان هناك شبه ذلك الموضع بروضة لكريم ما يجتبى فيه، وإضافتها للجنة؛ لأنها تقود إليها كما قَالَ: "الجنة تحت ظلال السيوف"، يعني أنه عمل يوصل بذلك إلى الجنة، وكما يقال: الأم باب من أبواب الجنة. يريد أن برها يوصل المسلم إلى الجنة (^٢). مع أداء فرائضه، وهذا جائز شائع مستعمل في لسان العرب تسمية الشيء بما يئول إليه ويتولد عنه.
قَالَ: وقد استدل أصحابنا على أن المدينة أفضل من مكة بهذا الحديث، وركّبوا عليه قوله - ﷺ -: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (^٣). ولا دليل فيه، وقد سلف. وقوله - ﷺ -: ("ومنبري على حوضي") أي: بجانبه، قاله الداودي. قَالَ ابن التين: وفيه نظر. وفي رواية أخرى سلفت: "على ترعة من ترع الجنة" (^٤) والترعة: الدرجة (^٥).
والأظهر: أن المراد به منبره الذي كان يقوم في الدنيا عليه، يعيده الله بعينه، ويرفعه، ويكون في الحوض، ونقله القاضي عن أكثر العلماء (^٦).
وقيل: إن له هناك منبرًا على حوضه يدعو الناس إليه. وإن كان ابن
_________________
(١) "أعلام الحديث" ١/ ٦٤٩.
(٢) "الاستذكار" ٧/ ٢٣٤.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٥٠) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. وانظر: "الاستذكار" ٧/ ٢٣٥.
(٤) سلف تخريجه في حديث (١١٩٦).
(٥) انظر: "لسان العرب" ١/ ٤٢٨.
(٦) "إكمال المعلم" ٤/ ٥٠٩.
[ ٩ / ٢٥١ ]
التين قَالَ: إنه ليس بالبين، إذ ليس في الخبر ما يقتضيه. وقد قدمنا عنه استبعاد تأويل ما سلف، وقال: إنه سفسطة، فكيف تأول هنا بأن لزومه الطاعة يؤدي إلى ورود حوضه؟ بل يمره على ظاهره، ولا مانع من ذلك (^١). وقيل: معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة فيه يورد صاحبه الحوض، ويقتضي شربه منه. وسيأتي الكلام على حوضه في بابه إن شاء الله.
وللباطنية في هذا الحديث من الغلو والتحريف ما لا ينبغي أن يلتفت إليه، كما نبه عليه القرطبي، ففي الصحيح: أن في أرض المحشر أقوامًا على منابر؛ تشريفًا لهم وتعظيمًا كما قَالَ: "إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة" (^٢)، وإذا كان ذلك في أئمة العدل، فأحرى الأنبياء، وإذا كان ذلك للأنبياء فأولى بذلك سيدهم، فيكون منبره بعينه، ويزاد فيه ويعظم ويرفع وينور على قدر منزلته، حَتَّى لا يكون لأحد في ذلك اليوم منبر أرفع منه (^٣) لسيادته وسؤدده.
والإيمان بالحوض عند جماعة علماء المسلمين واجب الإقرار به، وقد نفاه أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فإنهم لا يصدقون لا بالشفاعة ولا بالحوض ولا بالدجال. ثم ذكر أحاديث الحوض من طرق.
والحوض هو: الكوثر. حافتاه قباب اللؤلؤ وتربته المسك، وفيه آنية لا يعلم عددها إلا الله، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا، وفيما أورده البخاري دلالة واضحة على ما ترجم له، وهو فضل ما بين القبر والمنبر، وتفسير القبر بالبيت.
_________________
(١) ورد في الأصل عبارة: والأظهر أن المراد به منبره وعليها علامة (زائد من … إلى).
(٢) رواه مسلم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل.
(٣) "المفهم" ٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤.
[ ٩ / ٢٥٢ ]