وَقَالَ أَنَسٌ: أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فامْشِوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا.
١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". [مسلم: ٩٤٤ - فتح: ٣/ ١٨٢]
وذكر فيه حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ .. " الحديث.
الشرح:
أثر أنس أخرجه ابن أبي شيبة من حديث حميد، عنه في الجنازة: أنتم مشيعون لها تمشون أمامها وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها (^١). وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (^٢). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم، والأربعة، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث أبي بكرة: لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - لنكاد نرمل بالجنازة رملًا، ثم ذكر له شاهدًا صحيحًا (^٣).
_________________
(١) "المصنف" ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣١) كتاب: الجنائز، باب: في المشي أمام الجنازة من رخص فيه.
(٢) "مصنف عبد الرزاق" ٣/ ٤٤٥ (٦٢٦١٠) كتاب: الجنائز، باب: المشي أمام الجنازة.
(٣) "صحيح مسلم" (٩٤٤) كتاب: الجنائز، باب: الإسراع بالجنازة وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، والنسائي ٤/ ٤١ - ٤٢ وابن ماجه (١٤٧٧)، و"المستدرك" ١/ ٣٥٥ كتاب: الجنائز.
[ ٩ / ٥٩٧ ]
وللترمذي: "ما دون الخبب". وأعله (^١). وللبخاري في "تاريخه" عن محمود بن لبيد قَالَ: أسرع رسول الله - ﷺ - حَتَّى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ (^٢)، وأمر عمر بالإسراع بجنازته، وكذا عمران بن الحصين، وابن عمرو، وابن عمر، وعلقمة. وقال أبو الصديق الناجي: إن كان الرجل؛ لينقطع شسعه في الجنازة فما يدركها (^٣).
وقال إبراهيم: كان يقال: انبسطوا بجنائزكم، ولا تدبوا بها دب اليهود (^٤). وكان محمد والحسن يعجبهما الإسراع بها (^٥).
وفي ابن ماجه بإسناد فيه ليث عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى قَالَ: مروا على رسول الله - ﷺ - بجنازة يسرعون بها، فقال: " (لتكون) (^٦) عليكم السكينة" (^٧).
_________________
(١) "سنن الترمذي" (١٠١١) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي خلف الجنازة، وقال أبو عيسى: هذا حديث لا يعرف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه، وأبو ماجد رجل مجهول لا يُعْرف إنما يُروى عنه حديثان عن ابن مسعود، و"علل الترمذي" ١/ ٤٠٧ باب: ما جاء في المشي خلف الجنازة، وقال: سألت محمدًا -يعني البخاري- عنه فقال: أبو ماجد منكر الحديث، وضعفه جدًا، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٠٦٦). وانظر تخريجه مفصلًا في "البدر المنير" ٥/ ٢٣٠ - ٢٣٢، و"تلخيص الحبير" ٢/ ١١٢.
(٢) "التاريخ الكبير" ٧/ ٤٠٢ ترجمة (١٧٦٢).
(٣) روى عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٦٨) كتاب: الجنائز، باب: في الجنازة يسرع بها إذا خرج بها أم لا.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٧٢).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٧٣).
(٦) كذا بالأصول، وفي "سنن ابن ماجه": لتكن.
(٧) "سنن ابن ماجه" (١٤٧٩) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في شهود الجنائز، قال البوصيري: ليث هو ابن أبي مسلم ضعيف تركه يحيى القطان وابن معين وابن مهدي ومع ضعفه ورد في الصحيحين، وقال الألباني في "ضعيف ابن ماجه" (٣٢٢): منكر.
[ ٩ / ٥٩٨ ]
وأخذ قوم بهذا فقالوا: عدم الإسراع بها أفضل بل نمشي بها مشيًا لينًا، وأخذ قوم بالأول وقالوا: الإسراع بها أفضل. وقد روي عن أبي هريرة أنهم كانوا معه في جنازة، فمشوا بها مشيًا لينًا، فانتهرهم أبو هريرة وقال: كنا نرمل بها مع رسول الله - ﷺ -.
وذكر ابن المنذر أن الثاني مذهب ابن عباس (^١)، وقد يكون حديث أبي موسى فيه عنف في مشيهم ذلك تجاوزوا ما أمروا في حديث أبي هريرة في السرعة، وقد ورد مصرحًا به في حديث أبي موسى المذكور: مُرَّ على رسول الله - ﷺ - بجنازة يسرعون بها في المشي، وهي تمخض مخض الزق فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم" (^٢) فأمرهم بالقصد؛ لأن تلك السرعة يخاف منها على الميت. وقد أمر بما دون الخبب كما سلف، وهو المراد بالسرعة في حديث أبي هريرة، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، وهو قول جمهور العلماء (^٣).
وفي "المبسوط": ليس في المشي بالجنازة شيء مؤقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة من الإبطاء (^٤)، وقال ابن قدامة: لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بها (^٥).
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٢) رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" ١/ ٤٢١ (٥٢٤)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٩ (١١٢٦٢) كتاب: الجائز، من كره السرعة في الجنازة، وأحمد ٤/ ٤٠٦، والروياني في "مسنده" ١/ ٣٢٤ (٤٩١)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٩، والطبراني في "الأوسط" ٦/ ١٣٧ (٦٠٢٠)، والبيهقي ٤/ ٢٢ كتاب: الجائز، باب: من كره شدة الإسراع بها، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" ٨/ ٣٥٤ (٣٨٩٦).
(٣) انظر: "الهداية" ١/ ١٠٠، "الخرشي على مختصر خليل" ٢/ ١٢٨، "البيان" ٣/ ٨٩، "المبدع" ٢/ ٢٦٦.
(٤) "المبسوط" ٢/ ٥٦.
(٥) "المغني" ٣/ ٣٩٤.
[ ٩ / ٥٩٩ ]
قلتُ: وهو مشي الناس على سجيتهم، لا السعي المفرط، وما جاء عن السلف من كراهة الإسراع بها محمول على هذا الذي يخاف منه الانفجار أو خروج شيء منه.
وروي عن النخعي أنه قال: بطئوا بها، ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى (^١).
وقال ابن حبيب: لا يمش بالجنازة الهوينا، ولكن مشي الرجل الشاب في حاجته (^٢). وكذلك قَالَ الشافعي: يسرع بها إسراع سجية مشي الناس (^٣). وفي "المعرفة" عنه: فوق سجية المشي (^٤).
وقد قيل: إن المراد بالإسراع تعجيل الدفن بعد يقين موته. ووجهه حديث الحصين (^٥) بن وَحْوَح (^٦) أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي - ﷺ - يعوده فقال: "إني لأرى طلحة إلا وقد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" (^٧).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٧٢) كتاب: الجنائز، باب: في الجنازة يسرع بها إذا خرج بها أم لا.
(٢) انظر: "التاج والإكليل" ٣/ ٣٤.
(٣) "الأم" ١/ ٢٤١.
(٤) "معرفة السنن والآثار" ٥/ ٢٦٦ (٧٤٨٠).
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: الحصين صحابي.
(٦) هو حصين بن وحوح الأنصاري المدني صحابي، انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" ٦/ ٥٤٨.
(٧) رواه أبو داود (٣١٥٩) كتاب: الجنائز، باب: التعجيل بالجنازة، والطبراني ٤/ ٢٨ (٣٥٥٤)، وفي "الأوسط" ٨/ ١٢٦ (٨١٦٨)، والبيهقي ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧ كتاب: الجنائز، باب: ما يستحب من التعجل بتجهيزه إذا بان موته، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٩/ ٣٦٥ كتاب: المناقب، باب: ما جاء في طلحة بن البراء، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وقد روى أبو داود بعض هذا الحديث، وسكت عليه، فهو حسن إن شاء الله. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (٣٢٣٢).
[ ٩ / ٦٠٠ ]
وأما قول أنس: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فامشوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا) فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب:
أحدها: يمشي أمامها وخلفها وحيث شاء. هذا قول أنس بن مالك، ومعاوية بن قرة، وسعيد بن جبير، وبه قَالَ الثوري (^١)، واحتجوا بما رواه يونس بن يزيد عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها (^٢).
ثانيها: أن المشي أمامها أفضل، واحتجوا بحديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه رأى النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان (^٣).
وفي رواية للنسائي، وابن حبان زيادة: وعثمان (^٤).
_________________
(١) ذكرها ابن المنذر في "الأوسط" ٥/ ٣٨٤.
(٢) رواه الترمذي (١٠١٠) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة. وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ أخطأ فيه محمد ابن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس عن الزهري عن النبي - ﷺ -. وابن ماجه (١٤٨٣) باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة. والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٨١، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" (٨٠٥)، "الإرواء" (٧٣٩).
(٣) "سنن أبي داود" (٣١٧٩) كتاب: الجنائز، باب: المشي أمام الجنازة، و"سنن الترمذي" (١٠٠٧)، و"سنن النسائي" ٤/ ٥٦ باب: مكان الماشي من الجنازة، و"سنن ابن ماجه" (١٤٨٢)، و"صحيح ابن حبان" ٧/ ٣١٧ (٣٠٤٥) كتاب: الجنائز، باب: حمل الجنازة. وصححه الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٨٦ (٧٣٩).
(٤) "سنن النسائي" ٤/ ٥٦ باب: مكان الماشي من الجنازة، و"صحيح ابن حبان" ٧/ ٣٢٠ (٣٠٤٨).
[ ٩ / ٦٠١ ]
وروي مرسلًا عن الزهري.
قَالَ الترمذي: وأهل الحديث يرون أنه أصح، قاله ابن المبارك (^١).
واختار البيهقي ترجيح الموصول؛ لأن واصلها ثقة (^٢)، وكذا ابن المنذر حيث قَالَ في "إشرافه": ثبت أن رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة.
وقال ابن حزم: لم يخف علينا قول الجمهور من أصحاب الحديث أن خبر همام هذا خطأ، ولكن لا يلتفت إلى هذا الخطأ في رواية الثقة إلا ببيان لا يشك فيه (^٣) وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأبي أسيد، حكاه في المصنف عنه (^٤)، وإليه ذهب القاسم وسالم وبقية الفقهاء السبعة المدنيين، والزهري ومالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم (^٥). وقال الزهري: والمشي خلف الجنازة من خطأ السنة (^٦)، واحتج أحمد بتقديم عمر ابن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش، وبحديث ابن عمر، وبعمل الخلفاء الراشدين المهديين.
وقال ابن شهاب: ذلك عمل الخلفاء بعد النبي - ﷺ - إلى هلم جرا (^٧).
وفي "المصنف" عن أبي صالح قَالَ: كان أصحاب محمد - ﷺ - يمشون أمامها. وحكاه أيضًا عن علقمة والأسود والقاسم والحسن والحسين
_________________
(١) "سنن الترمذي" (١٠٠٩) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة.
(٢) "السنن الكبرى" ٤/ ٢٣ كتاب: الجنائز، باب: المشي أمام الجنائز.
(٣) "المحلى" ٥/ ١٦٥.
(٤) "المصنف" ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٨ (١١٢٢٤).
(٥) انظر: "المدونة" ١/ ١٦٠، "الأم" ١/ ٢٤٠ - ٢٤١، "المغني" ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٦) رواه مالك في (موطئه) ص ١٥٦.
(٧) رواه مالك ص ١٥٦.
[ ٩ / ٦٠٢ ]
وعبد الله بن الزبير وعبيد بن عمير والعقَّار بن المغيرة بن شعبة (^١).
ثالثها: أن المشي خلفها أفضل، وهو قول علي بن أبي طالب (^٢). وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأهل الظاهر (^٣).
قَالَ الطحاوي: وهو قول ابن مسعود وأصحابه، واحتجوا بما رواه أبو الأحوص، عن أبي فروة الهمداني عن زائدة بن خراش، عن ابن أبزى، عن أبيه قال: كنت أمشي في جنازة فيها أبو بكر وعمر وعلي، وكان أبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وكان علي يمشي خلفها، فقال علي: إن (فضل) (^٤) الذي يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنهما ليعلمان من ذلك مثل الذي أعلم، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس (^٥). ورواه أحمد في "مسنده": عن علي أن عمرو بن حريث سأله فقال علي: إن فضل المشي خلفها على بين يديها كفضل الصلاة المكتوبة في الجماعة على الوحدة. فقال عمرو: إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها. فقال علي: إنما كرها أن يخرجا الناس (^٦).
وحكى الأثرم أنه ذكر هذا لأبي عبد الله، فتكلم في إسناده. ومثل هذا لا يقال بالرأي وإنما هو بالتوقيف، وقد روي عن ابن عمر مثل ذلك (^٧).
وروى نافع قَالَ: خرج عبد الله بن عمر إلى جنازة فرأى معها نساء،
_________________
(١) "المصنف" ٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨ (١١٢٢٨ - ١١٢٤٣) كتاب: الجنائز، باب: في المشي أمام الجنازة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣٩).
(٣) انظر: "المبسوط" ٢/ ٥٦، "المحلى" ٥/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٤) من (م).
(٥) "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٨٣.
(٦) "المسند" ١/ ٩٧.
(٧) ذكره الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٨٣.
[ ٩ / ٦٠٣ ]
فوقف ثم قَالَ: ردهن فإنهن فتنة الحي والميت. ثم مضى فمشى خلفها، قلتُ: يا أبا عبد الرحمن، كيف المشي في الجنازة، أمامها، أم خلفها؟ قال: أما تراني أمشي خلفها. فهذا ابن عمر يفعل هذا، وهو الذي يروي عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يمشي أمامها (^١). فدل ذلك على أن فعل الشارع ذلك على جهة التخفيف على الناس، لا لأن ذلك أفضل من غيره.
وقد روى مغيرة عن إبراهيم قَالَ: كانوا يكرهون السير أمام الجنازة، وتأولوا في تقديم عمر بن الخطاب للناس في جنازة زينب أم المؤمنين، أن ذلك كان من أجل النساء اللاتي كن خلفها، فكره عمر للرجال مخالطتهن؛ لا لأن المشي أمامها أفضل. وقد روى يونس، عن ابن وهب أنه سمع من يقول ذلك، قَالَ إبراهيم: كان الأسود إذا كان في الجنازة نساء مشى أمامها، وإذا لم يكن معها نساء مشى خلفها (^٢).
ولا فرق عندنا بين الماشي والراكب، وخالف الخطابي (^٣)، وتبعه الرافعي في "شرح المسند" فقال: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بلا خلاف. وعبارة ابن الحاجب: وفي التشييع (^٤).
ثالثها: المشهور المشاة يتقدمون، وأما النساء فيتأخرون، وفي "المصنف" قيل لعلقمة: يكره المشي خلف الجنازة؟ قَالَ: إنما يكره السير أمامها (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٨٥.
(٣) "معالم السنن" ٤/ ٣١٦.
(٤) "مختصر ابن الحاجب" ص ٦٧.
(٥) "المصنف" ٢/ ٤٧٩ (١١٢٥٥).
[ ٩ / ٦٠٤ ]
وعن ابن عون: كان الحسن وابن سيرين لا يسيران أمامها (^١)، وقال سويد بن غفلة: الملائكة يمشون خلف الجنازة (^٢). وعن أبي الدرداء أن من تمام أجر الجنازة تشييعها من أهلها، والمشي خلفها (^٣). وقال أبو معمر في جنازة ابن ميسرة: امشوا خلف جنازته، فإنه كان مشاءً خلف الجنائز (^٤). وعن مسروق مرفوعًا مرسلًا: "لكل أمة قربان، وقربان هذِه الأمة موتاها، فاجعلوا موتاكم بين أيديكم". وقال أبو أمامة: لأن لا أخرج معها أحب إليَّ من أن أمشي أمامها (^٥).
ولأبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تتبعوا الجنازة بصوت ولا نار، ولا يُمشى بين يديها" (^٦).
وللدارقطني من حديث عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله - ﷺ - فذكر أن أمه توفيت وهي نصرانية وهو محب، فقال له - ﷺ -: "اركب دابتك، وسر أمامها، فإنك إذا سرت أمامها لم تكن معها" (^٧).
وفي "صحيح الحاكم" من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي - ﷺ - قَالَ: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي عن يمينها وشمالها قريبًا منها، والسقط يُصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة" ثم قَالَ:
_________________
(١) "المصنف" لابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٩ (١١٢٦٠).
(٢) ذكره ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٢١٧.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣٦).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣٧).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ (١١٢٤١ - ١١٢٤٢).
(٦) "سنن أبي داود" (٣١٧١) كتاب: الجنائز، باب: في النار يتبع بها الميت، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود".
(٧) "سنن الدارقطني" ٢/ ٧٥ - ٧٦ كتاب: الجنائز، باب: وضع اليمنى على اليسرى.
[ ٩ / ٦٠٥ ]
صحيح على شرط البخاري (^١). وقال البيهقي: مشكوك في رفعه (^٢). وكان يونس يَقِفُه على زياد.
فان قلتَ: الشارع أمر باتباع الجنازة، ولفظ الاتباع لا يقع إلا على التالي، ولا يسمى المتقدم تابعًا بل هو متبوع، قلتُ: لا نسلم ذلك. فإن قيل: حق الشفيع أن يتقدم على الشافع، والقوم شفعاء، قلتُ:
ينتقض بالصلاة عليه، فإنهم شفعاء فيها وقد تأخروا عنه، والشفاعة في الصلاة لا في التشييع. قَالَ ابن شاهين: هذا باب مشكل من القطع فيه بنسخ، فيجوز أن يكون مشى - ﷺ - بين يديها لعلة وخلفها لعلة، كما كان إذا صلى سلم واحدة، فلما كثر الناس عن يمينه وخلا اليسار سلم عن يمينه وشماره، ثم جاءت الرخصة منه بأنه يمشي حيث شاء، وقد جاء في المشي خلفها من الفضل ما لم يجيء في المشي أمامها، ولا يسلم له ذلك (^٣).
فصل:
قوله: (وقال غيره: قريبًا منها). أي: لأنه إذا بعد لم يكن مشيعًا، فإن بعد عنها فإن كان بحيث ينسب إليها لكثرة الجماعة، حصل له فضل المتابعة، وإلا فلا، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها على ما قررناه عند الشافعي ومتابعيه.
فصل:
وقوله في الحديث: ("فشر تضعونه عن رقابكم") يعني: تعب
_________________
(١) "المستدرك" ١/ ٣٦٣ كتاب: الجنائز.
(٢) "السنن الكبرى" ٤/ ٢٤ - ٢٥ كتاب: الجنائز، باب: المشي خلفها.
(٣) "الناسخ والمنسوخ" ص ٢٩٤.
[ ٩ / ٦٠٦ ]
حمله، ويحتمل أن يراد به من أهل النار. وقيل: إن الميت السعيد إذا سمع من يقول: على رفقكم -يعني: المهل- أنه كان القائل أبغض الخلق إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. والشقي عكس ذلك، إذا سمع من يقول: أسرعوا. كان أبغض الناس إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. وإذا قَالَ: على رفقكم كان أحبهم إليه.
فرع: قَالَ ابن المنذر: ومن تبع الجنازة حيثما مشى فيها، فليكثر ذكر الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعد للموت وما بعده (^١).
وسمع أبو قلابة صوت قاص في جنازة فقال: كانوا يعظمون الموت بالسكينة (^٢). وآلى ابن مسعود أن لا يكلم رجلًا رآه يضحك في جنازة (^٣).
وقال مطرف بن عبد الله: كان الرجل يلقى الخاص من إِخوانه في الجنازة له عهد عنده، فما يزيد على التسليم ثم يعرض عنه، حَتَّى كأن له عليه موجدة اشتغالًا بما هو فيه، فإذا خرج من الجنازة سأله عن حاله ولاطفه.
وفي سماع أشهب: قَالَ أسيد بن حضير: لو كنت في حالتي كلها مثلي في ثلاث: إذا ذكرت النبي - ﷺ -، وإذا قرأت سورة البقرة (^٤).
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٣٨٤.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٤ (١١٢٠٠) باب: في رفع الصوت في الجنازة.
(٣) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" ٧/ ١١ (٩٢٧١) باب: في الصلاة على من مات من أهل القبلة، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٨٧.
(٤) ورد بهامش الأصل: لعله: وإذا مشيت في جنازة. وانظر: "البيان والتحصيل" ١٨/ ٢٥ - ٢٦.
[ ٩ / ٦٠٧ ]