١٢٣١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِىَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا. مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ". [انظر: ٦٠٨ - مسلم: ٣٨٩ - فتح: ٣/ ١٠٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ .. " الحديث.
سلف في باب الأذان، وتذكر الرجل الشيء في الصلاة (^١). وذكرنا هناك أنه إنما يفعل الشيطان ذلك؛ لئلا يشهد للمؤذن بما يسمعه منه؛ لقوله - ﷺ -: "لا يسمع مدى صوت المؤذن" الحديث (^٢). فيفعل اللعين ذلك مرارًا، وذكرنا هناك غير هذا أيضًا.
وقوله: ("فإذا ثُوب بها") أي: أقيمت الصلاة.
وقوله: ("فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ") قد سلف الخلاف في ضبط "يخطر". وقال ابن التين: وقع هنا عند أبي الحسن بضاد غير مرفوعة -أي: غير مشالة- وقال: هكذا قرأ لنا أبو زيد، والصواب: يخطر.
_________________
(١) برقم (١٢٢٢) كتاب: الحمل في الصلاة، باب: يفكر الرجل الشيء في الصلاة.
(٢) سبق برقم (٦٠٩) كتاب: الأذان، باب: رفع الصوت بالنداء. حديث أبي سعيد.
[ ٩ / ٣٦٥ ]
وقوله: "حَتَّى يظل" أي: لا يعرف كلم صلى.
ثم اعلم أن حديث أبي هريرة هذا بخلاف حديث أبي سعيد: "إذا شك أحدكم فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" (^١). وذكر الطبري عن بعض أهل العلم أنه يأخذ بأيهما أحب لعدم التأريخ، ومنهم من رجح حديث أبي سعيد بالقياس؛ لأن محمل من شك أنه لم يفعل، والركعة في ذمته بيقين، فلا تبرأ بشكٍ.
وقال أبو عبد الملك: يحمل حديث أبي هريرة هذا على من استنكحه (^٢) السهو، وقال: لو كان حكمه حكم حديث أبي سعيد لبينه.
وردوه عليه، والأولى أن يكون حديث أبي سعيد مفسرًا له، وأن بعض الرواة قصر في ذكره، على أن حديث أبي هريرة حمل على كل ساهٍ، وأن حكمه السجود، ويرجع في بيان حكم المصلي فيما يشك فيه وفي موضع سجوده من صلاته إلى سائر الأحاديث المفسرة، وهو قول أنس وأبي هريرة والحسن وربيعة ومالك والثوري والشافعي (^٣) وأبي ثور وإسحاق، وما حمله عليه أبو عبد الملك هو ما فسره الليث ابن سعد، وقاله مالك وابن القاسم.
وعن مالك قول آخر: لا يسجد له أيضًا. حكاه ابن نافع عنه، وقال ابن عبد الحكم: لو سجد بعد السلام كان أحبَّ إليَّ (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٥٧١) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له.
(٢) أي:/ غلبة، انظر: "لسان العرب" ٨/ ٤٥٣٦.
(٣) رواه ابن أبي شيبة عن الحسن وأنس ١/ ٣٨٥ (٤٤١٧) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يصلي فلا يدري زاد أو نقص. وذكره عنهم ابن المنذر في "الأوسط" ٣/ ٣٠٨.
(٤) انظر: "المنتقى" ١/ ١٧٦ - ١٧٨.
[ ٩ / ٣٦٦ ]
وقال آخرون: إذا لم يدر كم صلى أعادها أبدًا حَتَّى يحفظ. روي عن ابن عباس وابن عمر والشعبي وشريح وعطاء وسعيد بن جبير (^١)، وبه قَالَ الأوزاعي (^٢). وحكي عن عطاء وميمون بن مهران وسعيد بن جبير قول آخر: إنهم إذا شكوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانت الرابعة لم يعيدوا. وهما مخالفاق للآثار كلها، وكأنهما قصدا الاحتياط، ولا معنى لمن حد ثلاث مرات.
فرع: لو غلب على ظنه التمام فهو شك عندنا وعند مالك وأصحابه، وقيل: تجزئه بحديث ابن مسعود في التحري (^٣).
وهو مذهب أبي حنيفة قَالَ: من شك في صلاته فلم يدر كم صلى؛ فإن وقع له ذلك كثيرًا بني على اجتهاده وغالب ظنه، وإن كان ذلك أول ما عرض له فليستأنف صلاته (^٤).
وحديث ابن مسعود فيه: "فليتحر الصواب، فيتم ما بقي؛ ثم يسجد سجدتين" ذكره البخاري في الإيمان والنذور كما ستعلمه (^٥). وهو لا يقوم يتم بل يستأنف، والحديث بخلافه.
وروي عن مكحول والأوزاعي أنه من بني على اليقين فليس عليه سجدتان، ومن لم يبن فليسجد. ذكره الطبري، وهو خلاف حديث ابن مسعود وغيره في السجود لمن بني على اليقين، وهو خلاف قول الفقهاء.
_________________
(١) رواها ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦ (٤٤٢١ - ٤٤٢٥)، (٤٤٢٧ - ٤٤٣٠) كتاب: الصلوات، باب: من قال: إذا شك فلم يدرِ كم صلى.
(٢) انظر: "التمهيد" ٣/ ٢٨٣.
(٣) سلف برقم (٤٠١) كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان.
(٤) "مختصر الطحاوي" ص ٣٠.
(٥) برقم (٦٦٧١) باب: إذا حنث ناسيًا في الأيمان.
[ ٩ / ٣٦٧ ]