وَقَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]
١٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ". [١٣٨١ - فتح: ٣/ ١١٨]
١٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِىِّ - ﷺ -: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا. فَوَعَظَهُنَّ، وَقَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ". قَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ "وَاثْنَانِ". [انظر: ١٠١ - مسلم: ٢٦٣٣ - فتح: ٣/ ١١٨]
١٢٥٠ - وَقَالَ شَرِيكٌ، عَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ". [انظر: ١٠٢ - مسلم: ٢٦٣٤ - فتح: ٣/ ١١٨]
١٢٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. [٦٦٥٦ - مسلم: ٢٦٣٢ - فتح: ٣/ ١١٨]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: قال رسول الله - ﷺ -: "مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ".
وحديث أبي سعيد: أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا. فَوَعَظَهُنَّ، وَقال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاَثةٌ مِنَ الوَلَدِ، كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ". قالتِ امْرَأَة: وَاثْنَانِ؟ قال: "وَاثْنَانِ". وَقال شَرِيكٌ، عَنِ ابن الأَصْبَهَانِيِّ: حَدَّثنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله
[ ٩ / ٤٢٩ ]
عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. قال أَبُو هُرَيْرَةَ: "لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ".
وحديث أبي هريرة: "لَا يَمُوتُ لِمُسْلِم ثَلَاَثةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ". قال أَبُو عَبْدِ اللهِ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
الشرح:
يقال: احتسب فلان ولده: إِذَا مات كبيرًا، وافترطه: إِذَا كان صغيرا، قاله ابن فارس (^١)، وابن سيده (^٢)، والأزهري (^٣)، وآخرون (^٤)، وقال ابن دريد: احتسب فلان بكذا أجرًا عند الله (^٥)، فيشتمل الكبير أيضًا، وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (^٦) وللنسائي "من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة" فقامت امرأة فقالت: واثنان، قال: "واثنان" قالت: امرأة: يا ليتني، قُلْتُ: واحدا (^٧).
وحديث أبي سعيد أخرجه البخاري أيضًا كما سلف في العلم
واضحًا (^٨)، وقوله: وقال شريك عن ابن الأصبهاني إلى آخره، كذا ذكره هنا، وقال في كتاب العلم: وعن شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت أبا حازم، عن أبي هريرة وقال "ثلاثة لم يبلغوا الحنث" (^٩).
_________________
(١) "مجمل اللغة" ١/ ٢٣٤ مادة: حسب.
(٢) "المحكم" ٩/ ١٢٩ مادة: طرف، في مقلوبه: فرط.
(٣) "تهذيب اللغة" ١/ ٨١١ مادة: حسب. و٣/ ٢٧٧٣ مادة: فرط.
(٤) وانظر: "الصحاح" ١/ ١١٠، و"لسان العرب" ٢/ ٨٦٦ مادة: حسب.
(٥) ورد بهامش الأصل: ولفظ ابن دريد في "الجمهرة": احتسب فلان عند الله خيرًا، إذا قدمه. اهـ. قلت: هو كما قال المعلق، وانظر: "الجمهرة" ١/ ٢٧٧ في مقلوب مادة: بحس.
(٦) برقم (٢٦٣٤) (١٥٣) من حديث أبي هريرة.
(٧) "المجتبى" ٤/ ٢٣ - ٢٤، كتاب: الجنائز، باب: ثواب من احتسب ثلاثة من صلبه.
(٨) برقم (١٠١) باب: هل يجعل النساء يوم على حدة في العلم.
(٩) السالف بعد حديث (١٠٢) وفيه: وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني، بنحو ما ذكر المصنف -﵀- وليس فيه قوله: وعن شعبة.
[ ٩ / ٤٣٠ ]
والتعليق عن شريك رواه ابن أبي شيبة عنه عن عبد الرحمن: أتاني أبو صالح يعزيني عن ابن لي فأخذ يحدث عن أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "ما من امرأة تدفن ثلاثة أفراط إلا كانوا لها حجابًا من النار" فقالت امرأة: يا رسول الله قدمت اثنين، قال: "ثلاثة"، ثمَّ قال: "واثنين واثنين" قال أبو هريرة: الفرط: من لم يبلغ الحنث (^١).
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: جاءت امرأة بصبي لها فقالت: يا رسول الله ادع الله لَهُ فلقد دفنت ثلاثة، فقال: "دفنتي ثلاثة؟ "، قالت: نعم، قال: "لقد احتظرت بحظار شديد من النار" (^٢) وفي لفظ: "صغارهن دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه فيأخذ بثوبه أو بيده فلا ينتهي حتَّى يدخله الله وأباه الجنة" (^٣)، وللنسائي: "ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم، يقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتَّى يدخل أبوانا، فيقال لهم: أدخلوا الجنة أنتم وأبواكم" (^٤).
وفي حديث عن أبي عبيدة، عن أبيه (^٥) مرفوعًا: "وواحد" واستغربه الترمذي، وفيه معه مجهول (^٦).
_________________
(١) "المصنف" ٣/ ٣٧ (١١٨٧٥)، في الجنائز، باب: في ثواب الولد يقدمه الرجل. ووصله الحافظ بإسناد من طريقه في "التغليق" ٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٢) مسلم (٢٦٣٦) كتاب: البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه.
(٣) مسلم (٢٦٣٥).
(٤) "المجتبى" ٤/ ٢٥، باب: من يتوفى له ثلاثة.
(٥) ورد بهامش الأصل: لم يسمع من أبيه.
(٦) الترمذي (١٠٦١) وقال: حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ورواه أيضًا ابن ماجه (١٦٠٦) من طريق إسحاق بن يوسف، عن العوام بن حوشب عن أبي محمد مولى عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة. به. والمجهول الذي عناه المصنف -﵀- هو أبو محمد مولى عمر بن =
[ ٩ / ٤٣١ ]
إِذَا تقرر ذَلِكَ فالأحاديث المذكورة وغيرها دالة عَلَى أن أطفال المسلمين في الجنة، وهو عندي إجماع (^١)، ولا عبرة بالمجبرة حيث جعلوهم تحت المشيئة، فلا يعتد بخلافهم ولا بوفاقهم، وهو قول مهجور مردود بالسنة، وإجماع من لا يجوز عليهم الغلط؛ لاستحالة غفران الذنوب للآباء رحمة لهم دون أولادهم، فإن الآباء رحموا بهم. وسيأتي الكلام في الأطفال في موضعه إن شاء الله (^٢).
نعم ذهب جماعة إلى التوقف في أطفال المشركين أن يكونوا في جنة أو نار، منهم: ابن المبارك،، وحماد، وإسحاق وعُدِّي إلى أولاد المسلمين. وما عارض ذلك فإما ضعيف الإسناد، والأحاديث الصحيحة مقدمة عليها. ومنها حديث سمرة الثابت في الصحيح: حديث الرؤيا "وأما الولدان حول إبراهيم فكل مولود يولد على الفطرة" قيل: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد
_________________
(١) = الخطاب، كذا قال عنه الحافظ في "التقريب" (٨٣٤٥). فالحديث فيه علتان: الأولى: الإرسال أو الانقطاع؛ فأبو عبيدة -واسمه عامر- لم يسمع من أبيه. كما قاله الترمذي في هذا الموضع، وقال في "السنن" ١/ ٢٨ عقب حديث (١٧): وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، ولا يعرف اسمه. وهو ما صرح به المزي في "التهذيب" ١٤/ ٦١. وقال الحافظ في "التقريب" (٨٢٣١): الراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه. الثانية: جهالة أبي محمد مولى عمر. والله أعلم. لذا قال الحافظ عن هذا الحديث في "الفتح" ٣/ ١١٩: ليس فيه ما يصلح للاحتجاج. وضعفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه" (٣٥١).
(٢) نقله ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٣٤٨.
(٣) انظر ما سيأتي برقم (١٣٨١ - ١٣٨٢) باب: ما قيل في أولاد المسلمين، و(١٣٨٣ - ١٣٨٥) باب: ما قيل في أولاد المشركين.
[ ٩ / ٤٣٢ ]
المشركين" (^١). وحديث: "إن الله خلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم". ساقط ضعيف، مردود بالإجماع والآثار كما قاله أبو عمر (^٢):
_________________
(١) يأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، ورواه مسلم (٢٢٧٥).
(٢) "التمهيد" ٣/ ٣٥٠. قلت: كذا قالا، وفيه نظر؛ فالحديث رواه مسلم في "صحيحه" ٢٦٦٢/ ٣١: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين .. الحديث. وهذا هو الطريق الذي ذكره ابن عبد البر، وأعله بطلحة بن يحيى فقال: ضعيف لا يحتج به. فيبدو -والله أعلم- أن المصنف -﵀- نقل عن ابن عبد البر، ولم ينتبه إلى أن الحديث رواه مسلم. وانتبه لذلك العيني -﵀- فقال في "عمدة القاري" ٦/ ٣٨٧: كيف يقال: إنه ساقط وطلحة ضعيف، والحديث أخرجه مسلم. اهـ. ومع ذلك فابن عبد البر نفسه اضطرب قوله في الحديث، فقال في الموضع الحالي ٦/ ٣٥١: وهذا الحديث مما انفرد به طلحة بن يحيى، فلا يعرج عليه. ثم ذكره مرة أخرى في ١٨/ ١٠٤ - ١٠٥ فرواه بإسنادين عن طلحة بن يحيى: أحدهما من طريق الترمذي، ثم قال: وزعم قوم أن طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث، وليس كما زعموا! ثم قال: وقد رواه فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة، كما رواه طلحة بن يحيى سواء. ثم ذكره من طريق المروزي. قلت: متابعة فضيل بن عمرو رواها أيضًا مسلم ٢٦٦٢/ ٣٠. ثم قال في "الاستذكار" ٨/ ٣٩٣ بعد ذكر الحديث بدون إسناد: هو حديث رواه طلحة بن يحيى وفضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة، وليس ممن يعتمد عليه عند بعض أهل الحديث اهـ. =
[ ٩ / ٤٣٣ ]
وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] قال علي: هم أطفال المسلمين (^١). نقله أبو عمر عنه،
_________________
(١) = والحديث من طريق طلحة بن يحيى ذكره الإمام أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" ٢/ ١١ (٣٨٠) وأنكره عليه. ونقل تضعيف الحديث عن الإمام أحمد، العقيلي في "الضعفاء" ٢/ ٢٢٦، والعلامة ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" ٢/ ١٠٧٣، والذهبي في "الميزان" ٣/ ٥٧، والحافظ في "التهذيب" ٢/ ٢٤٤. وقال الحافظ الذهبي في "السير" ١٤/ ٤٦٢ بعد روايته الحديث بإسناده: رواه جماعة عن طلحة، وهو مما ينكر من حديثه، لكن أخرجه مسلم، وأبو داود والنسائي وابن ماجه. تتمة: وجه العلامة النووي هذا الحديث وقال في سياق الجمع بينه وبين ما يعارضه من الأحاديث والآثار، فقال: أجاب العلماء بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، ويحتمل أنه - ﷺ - قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما علم قال ذلك في قوله - ﷺ -: ما من مسلم يموت له .. الحديث. وغير ذلك من الأحاديث، والله أعلم. اهـ "شرح مسلم" ١٦/ ٢٠٧ بتصرف. وانظر أيضًا: "أحكام أهل الذمة" ٢/ ١٠٧٧ - ١٠٧٨، و"عمدة القاري" ٦/ ٣٨٧.
(٢) رواه ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٣٥٢، ١٨/ ١١٥. ورواه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٢٦٣ (٣٣٨٩)، وابن أبي شيبة ٧/ ١٢٠ - ١٢١ (٣٤٥٠٠)، والطبري في "تفسيره" ١٢/ ٣١٨ (٣٥٤٧٩ - ٣٥٤٨)، والعقيلي في "الضعفاء" ٣/ ٢١٢، وابن حبان في "المجروحين" ٢/ ٩٥، وابن عدي في "الكامل" ٦/ ٢٨٦، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٥٠٧، والخطيب في "الموضح" ٢/ ٢٩٣، والضياء في "المختارة" ٢/ ٧٦ (٤٥٤) من طريق عثمان أبي اليقظان عن زاذان عن علي. وعثمان ضعف كما ذكر العقيلي وابن عدي، وقال ابن حبان: كان ممن اختلط حتى لا يدري ما يحدث به، فلا يجوز الاحتجاج بخبره الذي وافق الثقات ولا الذي انفرد به عن الأثبات؛ لاختلاط البعض بالبعض.
[ ٩ / ٤٣٤ ]
وقال: لا مخالف له من الصحابة (^١). قلت: وروى عبد بن حميد في "تفسيره" عنه أنهم أولاد المشركين (^٢).
وقوله: ("ما من الناس من مسلم") شرط فيه الإسلام؛ لأنه لا نجاة لكافر يموت أولاده. ويحتمل أن يكون ذلك كما قال ابن التين: لأن أجره على مصابه يكفر عنه ذنوبه، فلا تمسه النار التي يعاقب بها أهل الذنوب، ففي هذا تسلية للمسلمين في مصابهم بأولادهم.
وقوله: "لم يبلغوا الحنث" هو بالنون والثاء، يقول لم يبلغوا أن تجري عليهم الحدود. والحنث في الأيمان يحلُّها الولد. قال أبو المعالي: بلغ الحنث. أي: بلغ مبلغًا يجري عليه الطاعة والمعصية. وفي "المحكم": الحنث: الحلم (^٣). وقال البخاري: إنه الذنب. قال القزاز: الذنب العظيم أن يبلغوا أن تكتب ذنوبهم من قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الحِنْثِ العَظِيمِ (٤٦)﴾ [الواقعة: ٤٦] أي: الذنب. وقال صاحب "المطالع": ذكر الداودي أنه رُوي بالخاء المعجمة أي: فعل المعاصي، قال: وهذا لا يُعرف إنما هو بالحاء المهملة، وكذا استغربه ابن التين فقال: لم يروه غيره كذلك.
_________________
(١) "التمهيد" ٦/ ٣٥١ - ٣٥٢.
(٢) وانظر عن هذِه المسألة في "التمهيد" ٦/ ٣٤٨ - ٣٥٣ ومنه استدل المصنف -﵀- كلامه هنا. ١٨/ ٩٣ - ١٣٣ وفي الموضع الثاني هذا بحث نفيس ذهبي ندر مثله، فليراجه ففيه درر وجواهر. وانظر أيضًا: "الإبانة" لابن بطة ٢/ ٦٩ - ٩٤ ولمحققه في المسألة تعليقات جياد. ولفاضل البركوي: "رسالة في أحوال أطفال المسلمين" انظرها بحاشية "شرح شرعة الإسلام" ص ١٩٤ إلى ص ٣٦٠.
(٣) "المحكم" ٣/ ٢٢٣ مقلوب الحاء والثاء والنون.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
قوله: ("إلا تحلة القسم") قد فسره البخاري بالورود، وكذا فسره العلماء أي: فلا يردها إلا بقدر ما يبر الله قسمه.
قال أبو عبيد: موضع القسم مردود إلى قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] وقيل: القسم مضمر والعرب تقسم وتضمر المقسم به ومثله قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] معناه: وإن منكم والله لمن ليبطئن وكذلك ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] المعنى: والله إلا واردها، وقال غيره: لا قسم في هذِه الآية فتكون له تحلة وهو معنى قوله: "إلا تحلة القسم" إلا الشيء لا يناله معه مكروه فمعناه عَلَى هذين التأويلين: أن النار لا تمسه إلا قدر وروده عليها ثمَّ ينجو بعد ذَلِكَ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ [مريم: ٧٢] الآية، وقيل: يقرون عليها وهي خامدة (^١)، وقيل: يمرون عَلَى الصراط وهو جسر عليها قاله ابن مسعود (^٢) وكعب الأحبار، ورواية عن ابن عباس. وقيل: ما يصيبهم في الدنيا من الحمى. قال مجاهد: الحمى من فيح جهنم، وهي حظ المؤمن من النار (^٣). لقوله - ﷺ -: "إنَّ الحمى مِنْ فيحِ جهنَّمَ فأبْرِدُوها بالماءِ" (^٤).
وقيل: المراد به المشركون، وحكي عن ابن عباس أيضًا (^٥) واحتج
_________________
(١) قاله خالد بن معدان فيما رواه الطبري ٨/ ٣٦٤ (٢٣٨٣٦).
(٢) رواه الطبري (٢٣٨٤٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" ٨/ ٣٦٦ (٢٣٨٥٠).
(٤) يأتي برقم (٣٢٦١) من حديث ابن عباس. وبرقم (٣٢٦٢)، ورواه مسلم (٢٢١٢) من حديث رافع بن خديح. وبرقم (٣٢٦٣)، ورواه مسلم (٢٢١٠) من حديث عائشة. وبرقم (٣٢٦٤، ورواه مسلم (٢٢٠٩) من حديث ابن عمر. وبرقم (٥٧٢٤)، ورواه مسلم (٢٢١١) من حديث أسماء.
(٥) رواه الطبري ٨/ ٣٦٦ (٢٣٨٤٧).
[ ٩ / ٤٣٦ ]
بقراءة بعضهم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) أو تكون عَلَى مذهب هؤلاء ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بخروج المتقين من جملة من يدخلها؛ ليعلم فضل النعمة بما شاهد فيه أهل العذاب، وبه قال الحسن وابن مسعود (^٢) وقتادة: أن ورودها ليس دخولها -وقواه الزجاج (^٣) - وابن عباس (^٤) ومالك فيما حكاه ابن حبيب (^٥).
وغيرهما قالوا: إنه الدخول، فتكون عَلَى المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت عَلَى إبراهيم.
وقال ابن بطال: العرب إِذَا أرادت تقليل مكث الشيء وتقصير مدته شبهوه بتحليل القسم، فيقولون: ما يقيم فلان عند فلان إلا تحلة القسم، ومعناه: لا تمسه إلا قليلا، وتوهم ابن قتيبة أنه ليس بقسم وقد جاء في ذَلِكَ حديث مرفوع، فذكره (^٦)، وقال أبو عمر: ظاهر قوله فتمسه النار أن
_________________
(١) هي قراءة ابن عباس وعكرمة، ذكرها عنهما ابن خالوبه في كتابه "مختصر في شواذ القرآن" ص ٨٩.
(٢) رواه الطبري (٢٣٨٥٢ - ٢٣٨٥٣).
(٣) حكاه عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٥/ ٢٥٦.
(٤) الطبري (٢٣٨٥٤).
(٥) انظر: "المنتقى" ٢/ ٢٨.
(٦) "شرح ابن بطال" ٣/ ٢٤٧. وهو من كلام الخطابي نقله عنه ابن بطال. والحديث المرفوع المشار إليه رواه زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه مرفوعًا: "من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله ﵎ متطوعًا لا يأخذه سلطان، لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم، فإن الله ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ". رواه أحمد ٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨ - واللفظ له- والطبراني ٢٠ (٤٠٢) من طريق ابن لهيعة. ورواه أحمد ٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨، وأبو يعلى ٣/ ١٦٣ (١٤٩٠)، والطبراني ٢٠/ ١٨٥ (٤٠٣)، وابن عدي في "الكامل" ٤/ ٧٤ - ٧٥ من طريق رشدين بن سعد. كلاهما عن زبان، به. =
[ ٩ / ٤٣٧ ]
الورود: الدخول؛ لأن المسيس حقيقته في اللغة: المماسة (^١). روي عن عباس (^٢) وعلي أن الورود: الدخول. وكذا رواه أحمد عن جابر (^٣).
_________________
(١) = قال المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٥٨ - ١٥٩ (١٩١٩): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ولا بأس به في المتابعات. وقال الهيثمي في "المجمع" ٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وفي أحد إسنادي أحمد، ابن لهيعة وهو أحسن حالًا من رشدين. وقال الحافظ في "الفتح" ٦/ ٨٣: حديث ليس على شرط البخاري، وإسناده حسن. اهـ بتصرف. لكن الحديث ضعف إسناده الحافظ ابن رجب في "التخويف من النار" ص ٢٥١، وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب" (٧٨٦) من أجل زبان بن فائد.
(٢) "التمهيد" ٦/ ٣٥٣.
(٣) رواه الطبري ٨/ ٣٦٤ (٢٣٨٣٣، ٢٣٨٣٥).
(٤) "المسند" ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩. ورواه أيضًا عبد بن حميد في "المنتخب" ٣/ ٥٣ (١١٠٤)، والبيهقي في "الشعب" ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧ (٣٧٠)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦ من طريق غالب بن سليمان أبو صالح عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية قال: اختلفنا ها هنا في الورود .. فلقيت جابر بن عبد الله .. فأهوي بإصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله يقول: "الورود: الدخول .. " الحديث مرفوعًا. قال البيهقي: إسناده حسن. وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ٢٣١ (٥٤٩١): رواه أحمد ورواته ثقات: والبيهقي بإسناد حسنه. وتبعه الهيثمي فقال في "المجمع" ٧/ ٥٥، ١٠/ ٣٦٠: رواه أحمد ورجاله ثقات. وتحرفت (سمية) في الموضعين إلى (سمينة). وقال الحافظ ابن كثير في "التفسير" ٩/ ٢٧٩: غريب. وقال الحافظ ابن رجب في "التخويف من النار" ص ٢٥٠: أبو سمية لا ندري من هو. والحديث ضعفه الألباني في "الضعيفة" (٤٧٦١)، وفي "ضعيف الترغيب" (٢١١٠) بأبي سمية، وفي "ضعيف الجامع" (٦١٥٦). وروى أحمد ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤ عن أبي الزبير أنه سمع جا بر بن عبد الله يسأل عن الورود، =
[ ٩ / ٤٣٨ ]
وقال قوم: الورود للمؤمنين أن يروا النار ثمَّ ينجوا منها الفائزون ويصلاها مَنْ قُدِّر عليه. قال (^١): ويحتمل أن تكون تحلة القسم [استثناءً منقطعًا] (^٢) فيكون المعنى: لكن تحلة القسم أي: لا تمسه النار أصلًا كلامًا تامًا ثمَّ ابتدأ إلا تحلة القسم لا بد منها لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٣) قال: والوجه عندي في هذا الحديث وشبهه أنها لمن حافظ عَلَى أداء فرائضه واجتنب الكبائر (^٤).
قال أبو عبيد: وهذِه الآية أصلٌ لمن حلف ليفعلن كذا ثمَّ فعل منه شيئًا أنه يبر في يمينه فيكون قَدْ بر في القليل كما بين في الكثير، وليس يقول ذَلِكَ مالك.
وقوله: ("إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم") قيل: إن الهاء راجعة إلى الأب. وقيل: إلى الرب ﷻ؛ لأن لَهُ الفضل والمنة، فذكر ما للآباء من الفضل ولم يذكر ما في الأولاد، لكن إِذَا رحم بهم الآباء فالأبناء أولى بالرحمة وأحرى (^٥).
_________________
(١) = قال: نحن يوم القيامة على كذا وكذا .. الحديث مطولًا، وفيه قطعة مرفوعة. والحديث هذا رواه مسلم (١٩١) بشنده ومتنه سواء.
(٢) القائل هو ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٣٦١.
(٣) في الأصل: استثناء منقطع، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) "التمهيد" ٦/ ٣٦١.
(٥) "التمهيد" ٦/ ٣٦٢.
(٦) فائدة: قوله: في حديث أبي سعيد الخدري (١٢٤٩): قالت امرأة. هي أم مبشر، وقيل: أم سليم الأنصارية والدة أنس بن مالك، وقيل: أم هانئ. ذكر الثلاث ابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ١٣٦ - ١٣٨ ولم يجزم بإحداهن. =
[ ٩ / ٤٣٩ ]